What Will the World Be Like After Corona?
Date: 
May 22, 2020
Author: 
blog Series: 
What World After Corona?

سؤال يشغل بال السياسيين والمحللين اليوم، الذين يجمعون على أن انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19)، الذي أصاب نحو خمسة ملايين إنسان وأودى بحياة أكثر من 310000  إنسان إلى الآن على امتداد المعمورة، وتسبب في أزمة اقتصادية كبيرة، لا بد وأن تكون له تداعيات على الصعد كافة، لعلها  تجعل عالم ما بعد كورونا مختلفاً عن العالم الذي عرفناه قبله.

فهل سيكون عالم ما بعد كورونا أكثر تضامناً على الصعيد الإنساني، وأكثر اعتناءً بالبيئة وأكثر مسؤولية، أو سيكون إعادة إنتاج للعالم الذي كان قبل كورونا؟

كوفيد 19 فصل جديد من فصول تاريخ الأوبئةو

لقد أعاد فيروس كوفيد 19  الذي انتشر في كانون الأول/ديسمبر 2019 انطلاقاً  من إحدى مقاطعات الصين، ثم تحوّل إلى جائحة عالمية، إلى الذاكرة جائحة الأنفلونزا الإسبانية التي قتلت نحو 50 مليوناً ما بين 1918 و 1919، وخصوصاً من الرجال الذين كانوا في سن ما بين 20 و 40 عاماً. فبعد موجة أولى للجائحة  في ربيع سنة 1918، حدثت موجة جديدة أكثر فتكاً في خريف ذلك العام. وسهلت وضعية الحرب العالمية الأولى، التي عرفت  تنقلات مستمرة للوحدات العسكرية، والأسرى، والمهاجرين، انتشار الجائحة في البلدان المتحاربة. وبحسب الدكتوره آن رازموسن، المؤرخة ومديرة مركز ألكسندر كويري، فإن الأنفلونزا الإسبانية سبقتها  جائحة أنفلونزا انتشرت في سنتَي 1889-1890، أي في قلب الثورة الصناعية، عندما كان التنقل بين الشعوب يتعاظم بصورة كبيرة، وقيل آنذاك  إن "الأنفلونزا قد استقلت القطار"،  إذ هي انتشرت في أوروبا انطلاقاً من روسيا. وكانت أوروبا قد عرفت بعد طاعون القرون الوسطى الحمى الصفراء في سنة 1822، والكوليرا في سنة 1832، لكن حدث انعطاف مع ثورة وسائط النقل، إذ صار السكان ينتقلون بسرعة أكبر، والجائحة تنتشر على نطاق أوسع. وتضيف المؤرخة  أنه "بعد القضاء على الجدري، اعتقدنا، في أواخر السبعينيات، أنه تم القضاء على الأمراض المعدية. لكن منذ مطلع الثمانينيات، ومع انتشار الفيروس المسبب للإيدز، أصبنا بخيبة أمل، إذ وجدنا أنفسنا، بعد القضاء على أمراض قديمة جداً، في مواجهة أمراض جديدة".

ورداً عن سؤال حول مدى ارتباط هذه الأمراض الجديدة بالتزايد السكاني السريع على مستوى العالم في العقود الأخيرة، تجيب الدكتوره رازموسن: "إن سارس-كوف-2  (كورونا)  ظهر في الصين في كانون الأول 2019، وأعقب  ميرس-كوف الذي ظهر في المملكة العربية السعودية سنة  2012، والذي هو نفسه  أعقب  سارس-كوف-1 الذي برزت حالاته الأولى في الصين في سنة 2002. وقبل ذلك، أصيب العالم بالهلع نتيجة انتشار إيبولا انطلاقاً من أفريقيا، ولا أعرف إذا كانت هذه الفيروسات الجديدة مرتبطة بتعاظم أعداد سكان العالم، ولعلها تكون مرتبطة  أكثر بأنماط حياتنا. فبعض الخبراء يشير إلى الانقلابات المناخية، مثل ظاهرة  إزالة الغابات، وهو ما يحرم الحيوانات المتوحشة من مكان عيشها الطبيعي،  ويقربّها من الكائنات البشرية، ما  يسهل بالتالي انتقال الفيروسات عبر الكائنات الحية. وهذا احتمال وارد. ويجب الإشارة إلى أن عدد الفيروسات على سطح كوكبنا هائل، فهو يقترب من 1 متبوعاً بـ 31 صفراً". وإذ تعبّر رازموسن عن تفاؤلها بإمكانية إيجاد لقاح لفيروس كورونا، مقدّرة أن اللقاحات أنقذت الناس من أمراض بيّن التاريخ كم كانت رهيبة، فهي ترى أن هذا الفيروس انتشر بسرعة استثنائية، نتيجة تكاثر السفريات والتبادلات التي تتخذ  الطائرة وسيلة نقل، ولكونه غير معروف تماماً إلى الآن (1).

تداعيات الجائحة على الصعد كافة

لقد ترافقت الأوبئة دائماً بأزمات اقتصادية، وقادت، منذ ألف عام، إلى تغييرات جوهرية في تنظيم الأمم السياسي، وفي الثقافة التي يستند  إليها هذا التنظيم. فطاعون القرن الرابع عشر، ساهم في إعادة النظر في أوروبا في المكانة السياسة التي كان يحتلها الدين وفي إقامة أجهزة الشرطة، بوصفها الشكل الوحيد لحماية حياة الناس. وكانت ولادة الدولة الحديثة والعقلية العلمية نتيجة لتلك الكارثة الصحية التي سببها الطاعون، فأعيد النظر في سلطة الكنيسة، الدينية والسياسية، العاجزة عن إنقاذ حياة الناس، وحل الشرطي محل الكاهن. وحصل الأمر نفسه في نهاية القرن الثامن عشر عندما حل الطبيب محل الشرطي بوصفه المنقذ الأفضل من الموت.

فهل سنشهد عندما يتم القضاء على كوفيد 19 ولادة  شرعية جديدة للسلطة السياسية، بحيث تؤول  هذه السلطة إلى اولئك الذين يظهرون إحساساً  أكبر بالآخرين؟. وهل ستحتل مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية القطاعات المرتبطة بالصحة، والتغذية، والتعليم والبيئة؟. وهل ستتغير عادات الناس بحيث لا يشترون سوى الحاجات النافعة، ويسعون للاستفادة بصورة أفضل من أوقات فراغهم؟ أم أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل انتشار هذه الجائحة؟.

لقد  تسببت جائحة كورونا  بأزمة لا سابق لها منذ أزمة الكساد الكبير في سنة 1929، كما تسببت  في إغلاق الحدود، ووضع  تقييدات صارمة على السفر إلى الخارج، وأوقفت حركة الهجرة، وحدت من حرية وسائل الإعلام لمنع انتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة. وتمّ في العديد من  دول العالم فرض الحجر المنزلي الذي قلص بشدة النشاط الاقتصادي، وهو ما ضغط على العمالة والمداخيل والوضعية المالية للشركات، وأصيبت قطاعات التجارة والمطاعم والسياحة والبناء بوجه خاص بخسائر كبيرة. ومن الاقتصاد الواقعي انتقلت الأزمة إلى الأسواق المالية، وأعلنت العديد من الشركات  إفلاسها، وبرزت صعوبات توريد المنتجات، وخصوصاً الطبية. وتأثرت كل القارات  بالتباطؤ الذي شهده الاقتصاد الصيني، والذي بات واضحاً بالأرقام، إذ انخفض استهلاك الفحم بنسبة 38 % خلال شهر شباط الفائت مقارنة مع الشهر نفسه في السنة الماضية. وهذا التأثر لا يعود فقط  إلى أن الصين أصبحت هي "مشغّل الكوكب"، بل يعود أيضاً إلى أن سوقها الداخلي أصبح أحد محركات النمو العالمي. وعانى الأوروبيون ليس فقط من تراجع قطاع السياحة، الذي صار يعتمد اعتماداً كبيراً على السياح الصينيين،  وإنما أيضاَ من تراجع بعض صناعاتهم التصديرية. فالصين هي، على سبيل المثال، الزبون الأول لصناعة السيارات الألمانية. وعانت الولايات المتحدة، مثلها مثل غيرها وربما أكثر، من التداعيات السلبية لهذه الأزمة. فترامب لم يعد في يده ما يناور به  لمعاظمة النمو الاقتصادي، إذ لم يعد في وسع  نظام الاحتياط الفيدرالي خفض معدلات الفائدة أكثر مما فعل. كما أن عجز الميزانية الأميركية هائل لدرجة لا يمكن زيادته. أما بخصوص معدلات البطالة، فلم تشهد الولايات المتحدة معدل بطالة كالذي باتت تعاني منه اليوم نتيجة الجائحة، إذ قارب حدود 15 %.

وبحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، من المتوقع أن تنخفض نسبة النمو العالمي بمقدار نصف درجة نتيجة الجائحة، وهو انخفاض كبير، وقد يشهد العالم  ركوداً اقتصادياً واسعاً إذا ما استمرت الأزمة الناجمة عنها.  

كيف سينعكس التعامل مع الجائحة على ظاهرة العولمة؟

بتأثيراتها  الكبيرة على الاقتصاد وعالم المال على الصعيد العالمي، سلطت جائحة كورونا الضوء على أزمة جديدة لظاهرة العولمة، وخصوصاً  بعد تصاعد الحديث عن  فك الارتباط بين الاقتصاد الصيني والاقتصاد الأميركي. وصار كثيرون يتساءلون عما إذا كانت هذه الجائحة ستطلق دينامية نزع العولمة؟

وبينما  يرى المحللون المتفائلون أن ما نشهده ما هو سوى أزمة عرضية، ويؤكدون أن  السارس سنة 2003 الذي انطلق من الصين لم يؤثر كثيراً على التجارة العالمية، يرد عليهم بعض  المحللين المتشائمين بالقول إن حجم تجارة الصين ضمن التجارة العالمية  كان في سنة 2003 5، 8 % بينما أصبح اليوم 20 % ، ناهيك عن أن فيروس كوفيد 19 انتشر بينما كانت أوضاع الاقتصاد العالمي هشة، إذ شهد النمو الاقتصادي العالمي  تباطؤاً في سنة 2019، وانخفض الإنتاج الصناعي في بعض البلدان مثل ألمانيا. وبين المتفائلين والمتشائمين، هناك من يعتقد أن عالم ما بعد كورونا سيعرف درجة ما من نزع العولمة الاقتصادية، إذ سيتم وقف الاعتماد على مورّد واحد أو اثنين لبعض المنتجات، وخصوصاً المنتجات الطبية والدوائية، كما سنشهد قيام بعض الدول، وخصوصاً الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، بإنهاء تبعيتها لقوى إنتاجية بعيدة، والقيام بإرجاع مصانعها إلى مواطنها الأصلية، أو نقل جزء من عملياتها الإنتاجية إلى مناطق قريبة منها، وتتمتع بيد عاملة أرخص مثل بولونيا أو المغرب بالنسبة إلى  أوروبا. وبحسب استطلاع للرأي أجري في فرنسا، تبيّن أن 84 % من الفرنسيين يؤيدون  فكرة إعادة نقل أكبر قدر من فروع الشركات التي نقلت إلى آسيا إلى بلدهم. ويمكن أن نشهد إعادة تنظيم للعمل، بحيث تتمتع الفرق الإنتاجية باستقلالية أكبر، ويتعاظم  اللجوء أكثر إلى العمل عن بعد، وهو ما قد يزيد نسبة البطالة الجزئية أو الشاملة، ويتم استبعاد أولئك الذين لم يولدوا مع الاقتصاد الرقمي، وقد يتسارع التوجه نحو استخدام الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي.

وكانت الجائحة قد وفرت فرصة للدولة كي تبرز بوصفها المنقذ، إذ اضطرت الدولة والبنوك المركزية إلى صرف مليارات عدة لاستيعاب الصدمة التي واجهها الاقتصاد، وعادت الدولة مجبرة إلى الاضطلاع بأعباء الحماية الاجتماعية، عبر تقديم الدعم المالي للمؤسسات الإنتاجية المتعثرة  وصرف إعانات للعاطلين عن العمل، وهو دور ترافق مع تعزز دورها التسلطي، بمساعدة الشرطة والجيش، عبر إلزام المواطنين بالحجر المنزلي، وحظر التجول عليهم، في بعض الأحيان، وفرض رقابة واسعة على تحركاتهم، كما تبين من خلال قيام بعض الدول عبر أجهزتها الأمنية برصد تحركات السكان لمعرفة المصابين بالفيروس بينهم. 

وأثار الحجر المنزلي بعد فترة من فرضه في العديد من الدول جدلاً واسعاً بين الخبراء الذي اختلفوا في الرأي تبعاً لاختلاف مصالح الفئات الاجتماعية التي يمثلونها. فمنهم من دعا، دفاعاً عن مصالح أصحاب الشركات والتجار والمزارعين، إلى الخروج من الحجر بسرعة لأن الحفاظ على الاقتصاد يتطلب ذلك،  ومنهم من أراد أن يتواصل الحجر،  دفاعاً عن مصالح أصحاب الياقات البيضاء القادرين على العمل من منازلهم، والذين بقوا يتسلمون أجورهم بعيداً عن خطر انتقال العدوى إليهم. وهكذا خلق التعامل مع هذه الجائحة أشكالاً جديدة من اللامساواة. فأصحاب الياقات البيضاء باتوا يفضلون العمل الرقمي عن بعد، بينما لا يستطيع أصحاب الياقات الزرقاء اللجوء إلي هذا العمل. وصار الأطباء والممرضون يدفعون ثمناً غالياً مقارنة مع غيرهم من المهنيين. وتولد لدى الشباب انطباع بأنه يجري التضحية بمستقبلهم من أجل حماية كبار السن. وبيّن التدريس عن بعد أن اللجوء إلى الأنترنت ليس متاحاً لجميع الطلبة والتلامذة على المستوى نفسه. واختلف تأثير الحجر الطويل على من يعيشون في بيوت كبيرة، تمتلك حدائق مشمسة، ومن يقطنون في بيوت صغيرة في أحياء المدن المكتظة. كما برز في بعض الدول اختلاف بين الأعراق والاثنيات؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية، كانت نسبة الإصابات بالعدوى في الولايات  ذات الكثافة السكانية الواقعة  على جانبي المحيطين الأطلسي والهادي، والتي تضم  مدناً كبيرة تعيش فيها الأقليات الاتنية، أعلى بكثير من الولايات الداخلية التي تسكنها أغلبية من البيض،  صارت تطالب بعد فترة قصيرة برفع الحجر واستئناف الحياة الاقتصادية؛ ومن المعروف أن هذه الولايات الداخلية هي التي صوتت بكثافة لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وأظهرت نتائج أبحاث عدة أن الأشخاص الذين فقدوا أعمالهم كانوا  غالباً من الشباب والنساء الذين يكسبون أقل من غيرهم. وكان العمال المياومون هم أكثر من عانى من البطالة، إذ إن الحجر، والتوقف عن العمل، يعنيان أنهم لن يجدوا شيئاً ليأكلوه.

ومن ناحية أخرى، غالباً ما تتسبب الأوبئة في حدوث ردات فعل لاعقلانية من جانب الدول والشعوب، بحيث تنتشر مشاعر خوف سخيفة، ويتم البحث عن كبش فداء، ويتعاظم  العداء للأجانب، وهو ما حصل بعد انتشار عدوى كورونا، إذ شهدت بعض المدن الكبرى، مثل نيويورك وباريس، اعتداءات على مواطنين صينيين، وانتعشت خطابات مناهضة العولمة وتعزيز الحماية الوطنية. كما تسبب الحجر الطويل في زيادة المشادات العائلية وتصاعد ظاهرة استخدام العنف ضد النساء.

وتدل جميع هذه الظواهر على أننا قد نشهد بعد سنوات تغييراُ في طبيعة العولمة الاقتصادية، سينعكس على مستوى السلوكيات، بحيث تتراجع حركة السياحة الدولية، وتتقلص حركة السفر بغرض السياحة إلى مواقع بعيدة، وتنتعش، في المقابل، السياحة الداخلية بحيث يكتشف السواح بلدهم أو البلد المجاور له بصورة أفضل. كما سيلجأ الكوادر أكثر فأكثر إلى الفيدو كونفرنس بدلاً من القيام بزيارات عمل أو عقد مؤتمرات في بلدان أخرى، وستزداد نسبة الذين يفضلون قضاء مشترياتهم عبر الأنترنت، بحيث نشهد تعاظماً لظاهرة التجارة الرقمية وتوريد البضائع إلى المنازل. وقد يتحوّل التباعد الاجتماعي إلى ظاهرة قد تتواصل لفترة طويلة، تبعد الناس مثلاً عن المولات التجارية الكبيرة، أو تجعل التردد عليها مقتصراً على أولئك الذين لا يستطيعون شراء البضائع من مخازن تعرض بضائعها بأسعار أغلى (3).

هل ستؤدي جائحة كوفيد 19 إلى تسريع تحوّل العالم نحو آسيا؟

لقد بدت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي عاجزتين عن إدارة الأزمة  الصحية بطريقة مناسبة، كما فعلت دول آسيوية، مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، التي استخلصت الدروس من مواجهتها فيروس السارس في سنة 2003، فلجأت إلى التحاليل المخبرية وإلى استخدام الكمامات على نطاق واسع. بينما وجدت  مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها عاجزة، لكونها لا تملك سلطات وكفاءات في ميدان الصحة، وراحت دول الاتحاد تعطي الأولوية لمصالحها الوطنية قبل البحث عن حد أدنى من التنسيق فيما بينها.

فهل هذا التباين في التعامل مع تداعيات الجائحة سيكون دليلاً جديداً على أن العالم سيتجه أكثر فأكثر نحو آسيا، كما يقدّر العديد من المحللين والمراقبين؟

الواقع، أن القدرات الإنتاجية انزاحت شيئاً فشيئاً نحو آسيا، ما جعل الصين بلداً لا يمكن إلا التعامل معه. فنصف الطاقات العالمية لإنتاج الصلب والمعلوماتية والالكترونيات تمتلكها الصين اليوم، فضلاً عن صناعات مثل النسيج. وهي تؤكد، منذ سنوات عشر، تطلعاتها الجيوسياسية، ووجهت "منظمة شنغهاي للتعاون"، التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لمعالجة قضايا أمنية، نحو الاهتمام بمسائل البنى التحتية، عبر طريق الحرير الشهير، ووحدّت حولها روسيا وعدة دول أوراسية وكذلك الباكستان والهند في سنة 2017. ومنذ سنة 2018، تعمل الصين للحد من ارتهانها للدولار، وهي تراهن على احتياطاتها الكبيرة من الذهب، إذ هي المنتج الأول عالمياً للذهب.  وبحسب بعض التقديرات، تمتلك 14 ألف طن من الذهب في مقابل 8 آلاف للولايات المتحدة الأميركية.

ومن المؤكد أن الصين ستظل، بعد هذه الجائحة، قوة عظمى اقتصادية، وسوقاً كبيرة، وعضواً دائماً في مجلس الأمن، وقوة عسكرية صاعدة في بيئتها الإقليمية. وهي لجأت، بغية تحسين صورتها خلال هذه الجائحة، إلى "دبلوماسية الكمامات"، فباتت من أبز الدول التي ترسل الكمامات والفرق الطبية إلى الدول المحتاجة؛ فهي أرسلت 250000 كمامة مع أطباء مختصين إلى إيران، وأرسلت أجهزة تحاليل لكشف العدوى إلى باكستان، وباعت إيطاليا بأسعار معقولة 10000 جهاز تنفس اصطناعي، و 20000 سترات واقية و 100000 كمامة، كما أرسلت 9 أطباء مختصين بمكافحة الوباء إلى روما.

 ومع أن دولاً عدة صارت تريد الانفكاك عن تبعيتها الإنتاجية إزاء الصين، إلا أن إعادة توجيه العمليات الإنتاجية، وإرجاع المصانع أو فروعها التي نقلت إلى مواطنها الأصلية، قد يتسببان في ارتفاع أثمان المنتجات، وهو ما سيكون من الصعب على المستهلكين قبوله (4).

أي عالم ما بعد كورونا، وأي نسق اقتصادي؟

كانت المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية قد رأت، منذ فترة، في الصين التحدي الاقتصادي والعسكري الأكبر الذي ستواجهه خلال السنوات والعقود القادمة. ومنذ انتشار جائحة كورونا، سعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تسييسها، وألقت على الصين مسؤولية الأزمة الصحية التي نشأت عن انتشار العدوى، وفرضت عليها معركة سياسية وتجارية  واسعة، الأمر الذي  جعل إدارة الأزمة الصحية أكثر تعقيداً على الصعيد الدولي، وخصوصاً بعد أن أوقفت إدارة ترامب مساهمتها في تمويل منظمة الصحة العالمية. 

فهل سنشهد في عالم ما بعد كورونا تصاعداً للتنافس الجيو سياسي واحتدماً للحرب التجارية، وخصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، أم سنتجه نحو بناء مستقبل يتمحور حول القيم الإنسانية، ونحو قيام عالم متعدد الأقطاب يغلّب دوماً، في مواجهة التهديدات المشتركة، مبدأ التعاون الدولي، ويقوم  على زيادة الحس المدني، وحماية البيئة المحيطة، من خلال الاستمرار في  خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون على الصعيد العالمي، وخصوصاً بعد أن تسببت الجائحة، وما نجم عنها من تقليص النشاطات الاقتصادية وحركة التنقل، في  خفض نسبة التلوث في العالم بصورة كبيرة؟

ثم هل سنشهد على الصعيد الاقتصادي تغيّراً  للنسق الاقتصادي المسيطر، وخصوصاً بعد أن كشفت الأزمة التي نجمت عن الجائحة، مرة أخرى، مأزق هذا النسق القائم على الرأسمالية النيوليبرالية، وبيّنت العواقب الخطيرة  التي تنجم عن  تراجع الدولة عن الاضطلاع بمسوؤلياتها على صعيد الرعاية الاجتماعية، وعن سياسات التقشف والتقليصات في الميزانية المخصصة للخدمات العامة التي انتهجتها، وعن الهدايا الضريبية التي قدمتها للشركات الكبيرة وللفئات الاجتماعية الأكثر غنى، وعن تعاملها مع المستشفيات بوصفها شركات تخضع لقوانين السوق؟ .

فهل سيحدث التغيير هذه المرة، أم سيسود الإحباط من إمكانيات التغيير من جديد كما ساد في أعقاب أزمة  سنة 2008-2009 التي بدأت مالية، تسبب فيها جشع وقصر نظر البنوك، ثم  أفضت إلى أزمة اقتصادية تسببت بأضرار اجتماعية؟

لقد سلطت ازمة 2008  الضوء على الضعف البنيوي للرأسمالية النيوليبرالية، وظهرت دراسات عدة  تشكك بقوة بجدوى النسق الاقتصادي القائم على هذه الرأسمالية، وأعطت وسائل الإعلام أهمية مبالغاً فيها لحركات اجتماعية عبّرت عن احتجاجها على استمرار هيمنة هذا النسق، مثل حركة "احتلوا" التي انطلقت سنة 2011 بحركة لاحتلال وول ستريت ثم توسعت لتشمل عدداً من الدول الغربية. بيد أن ميكانيزمات الرأسمالية المالية نجحت، عقب تلك الأزمة، في خنق جميع  دعوات الإصلاح، ونقلت أشكال اللامساواة إلى مستويات لا سابق لها؛ فقدمت البنوك المركزية مساعدات هائلة كي تنقذ الاقتصاد العالمي ثم تنعشه فيما بعد، وأعادت بذلك إنتاج الاقتصاد الذي يغني الأكثر غنى ويفقر قسماً كبيراً  من البشرية، ويقضي بصورة منتظمة على الأرض. وترافق ذلك كله مع  تصاعد نفوذ الشعبويين اليمينيين، الذين لا يهددون الرأسمالية بل الحريات العامة وحقوق المعارضة واستقلالية القضاء ووسائل الإعلام، والذين نجحوا في بعض الدول في استقطاب الشعوب الناقمة على النخب والخبراء والبيروقراطيين (5).  

فهل سيتكرر غداً السيناريو نفسه، ونعود إلى ما كنا عليه قبل كورنا، أم سيتم اللجوء إلى أنماط إنتاج وتبادل مختلفة وإحداث تغيير جذري، يضمن إحياء دولة الرفاه، وعودة التركيز على الإنتاج الوطني، وعدم إخضاع الخدمات العامة، وخصوصاً القطاع الصحي، لقوانين السوق، وإعطاء الأولوية للسياسات  التي تسمح بالحد من أشكال اللامساواة، وبناء اقتصادات مستقرة ولو بمعدلات نمو أقل، وضبط الأنظمة المالية؟

إنها أسئلة سيجيب عنها المستقبل؟

ومع ذلك، يبقى أن الأمل كبير في أن تخلق هذه الجائحة وتداعياتها وعياً بالبعد الكوني للمخاطر، الصحية والمناخية، التي تواجهها البشرية التي باتت تقترب من 8 مليارات نسمة، بينما لم يكن تعداد سكان الأرض يتجاوز مليارين ونصف مليار نسمة في سنة 1950، وأن تفضي إلى تعزيز متطلبات التضامن الإنساني، وإلى خفض التوترات الدولية وتقليص نفقات التسلح، بما يوفر للناس حماية اجتماعية مناسبة.

المراجع

 

1-https://lejournal.cnrs.fr/articles/lhumanite-a-toujours-vecu-avec-les-virus

2-https://www.franceculture.fr/politique/les-consequences-politiques-previsibles-de-la-crise-en-cours ; https://www.nouvelobs.com/coronavirus-de-wuhan/20200409.OBS27303/le-coronavirus-provoque-les-pires-consequences-economiques-depuis-1929-previent-le-fmi.html;

https://www.lemonde.fr/economie/article/2020/04/21/coronavirus-le-confinement-provoque-une-crise-sociale-mondiale_6037257_3234.html

3-Guy Sorman, Le virus de la démondialisation, https://france-amerique.com/fr/the-virus-of-deglobalization; Sébastien Jean, L'épidémie de Covid-19 est aussi une crise de la mondialisation. Blog du CEPII, 10 mars 2020. http://www.cepii.fr/BLOG/bi/post.asp?IDcommunique=790; https://www.franceculture.fr/emissions/le-tour-du-monde-des-idees/lepidemie-va-t-elle-provoquer-la-demondialisation; https://www.franceculture.fr/emissions/linvite-des-matins/coronavirus-la-mondialisation-est-elle-fragile.

4-https://www.huffingtonpost.fr/entry/comment-le-coronavirus-met-a-lepreuve-les-relations-de-la-chine-avec-le-reste-du-monde_fr_5e3940b9c5b66c4eafd9b83d; https://www.lemonde.fr/idees/article/2020/03/25/chine-etats-unis-la-guerre-froide-du-coronavirus_6034305_3232.html; https://www.lalibre.be/international/amerique/comment-le-coronavirus-a-encore-un-peu-plus-infecte-les-relations-entre-pekin-et-washington-5e790c819978e22841396a3a

5- https://acteursdeleconomie.latribune.fr/dossier/debats/2020-03-30/covid-19-le-monde-d-apres-843811.html; https://www.franceculture.fr/emissions/linvite-des-matins/coronavirus-crise-economique-ou-changement-de-modele; https://www.lemonde.fr/idees/article/2020/04/07/coronavirus-les-lendemains-qui-chantent-ne-viendront-qu-apres-la-prise-de-conscience-du-vertige-de-la-crise_6035772_3232.html

Read more