أنقاضُ منازل غزة المدمرة: حكايةُ تحدٍّ جديدة
التاريخ: 
13/08/2014
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

تروي شوارع وأزقة غزة بأحيائها الصغيرة الشرقية منها بصورة خاصة حكايات تسطَّر للتاريخ وتتحدث عن بطش الاحتلال الإسرائيلي الذي هدم أحياء كاملة من دون أدنى احترام للاتفاقيات الدولية التي تمنح المدنيين الحرية، وكذلك أي كائن حي.

على عجل ٍأغلقت أم بشير الغرابلي مدخل بقالتها في حي القبة من منطقة الشجاعية شرقي المدينة، هرباً من قذائف الموت التي تتقاطر عليها كالمطر، وهربت هي والعائلة، أطفالاً ونساء، نحو المجهول، تاركة وراءها "شقا العمر" المتمثل في بقالة صغيرة سترتها وأسرتها شر السؤال ومهانة المذلة لسنوات طوال. وتتحدث أم بشير عن نفسها قائلة: "لم يكن يخطر في بالي أن أترك بيتي مجبرة كل هذه الفترة إلاّ لحِجة أو عُمرة أحلم بها"، وأضافت والدمعة تكاد تفر من عينيها: "السوبر ماركت كان يسترنا ويكفينا شر السؤال وكنا نعتاش منه"، لكنه الآن أصبح أثراً بعد عين، بعد أن كان يوجد فيه منتوجات ومواد غذائية تزيد على عشرة آلاف دينار. لم تبك أم بشير (55 عاماً) على البيت المهدم، ربما لأن آثاره باقية، أو لأن هذه حالها كما الجيران من حولها، فاستغلت الفرصة، أو ما يعرف غزياً بالتهدئة أو الهدنة، وركضت لتتفقد البيت لتجده أثراً بعد عين، فحاولت نبش الذكريات لتستخرج شيئاً من الملابس يقيها السؤال بعد أن أضحت نازحة في إحدى مدارس الأونروا.

التقينا أم بشير التي حاولت بحنكة النساء المعهودة أن تصلّح جزءاً من البيت لتسكن فيه، لكن القرار الذي اتخذته يأساً لم ينفع، لأن البيت آيل للسقوط وحديد التسليح ظاهر للعيان. وجلست على الرصيف هي وأفراد عائلتها كأنها تسيّر أمور المنزل وتدبره. وقرر الكل بلا اتفاق العودة من حيث أتوا، وتركوا المنزل المدمر وحيداً، أو تركوه لأنه لم يعد هناك في الأساس منزل.

الحاجة أمّ الاختراع

عادت العائلات كلها في اليوم الـ 34 للحرب "مرة أُخرى" إلى بيوتها بعد أن كانت غادرتها قبل ذلك بأيام بسبب فشل التهدئة الأولى التي استمرت ثلاثة أيام ولم تجدد لتعثّر المفاوضات التي تجري في القاهرة، ثم عادت في الاتفاق الثاني للهدنة لتجد أن كثيراً من الجدران مهدم، أو شبه مهدم. أمّا النوافذ ففي الغالب متساقطة كأوراق الخريف، بينما دُمِّر كثير من أثاث المنازل. وباشر الناس ترميم ما يمكنهم لستر أنفسهم عن أعين الناس وآثام الحرب.

ويقول محمد أبو غنيمة (35 عاماً)، من جانبه، وهو يعمل في مجال البناء، إن أكثر المشكلات التي واجهته هو انقطاع المياه بالكامل عن الحي، في حين تُعتبر الكهرباء في مثل هذه الأوقات  شيئاً من الترف وكماليات "لا نجرؤ على طلبها".

ويتابع أبو غنيمة أن بيتهم تسكنه عائلته الممتدة التي تتكون من أبيه وإخوته وأعمامه وجده وجدته. وهكذا، فالمنزل مكتظ ولا يتسع للكل، وغرفه كلها مستخدمة، فما بالك عندما تجد أن بعض الغرف عصيةً على الاستصلاح والترميم؟!

ويضيف: "لقد عدنا إلى العصور القديمة فاستخدمنا الحطب وأغصان الشجر لطهي الطعام على النار، نظراً إلى تدمير أثاث المطبخ وانقطاع الغاز عن المنطقة، فلا يجرؤ أحد على الاقتراب منها في هذه الأيام بغض النظر عن الوضع القائم، سواء كان تصعيداً أو تهدئة." ويستطرد قائلاً: "كنا نعرّض المياه المعبأة في زجاجات صغيرة لأشعة الشمس لتسخينها! عوضاً عن الحمامات الشمسية أو سخانات الكهرباء"، ويضيف ساخراً بمرارة، و"استخدمنا الخيام" يقصد الغرف، لكثرة ما تحاط بالأقمشة وبنصف جدارٍ أو أقل.

حاول السكان في هذه المنطقة أن يطرقوا كل الأبواب في هذه الساعات لترتيب منازلهم، فوضعوا بدلاً من النوافذ الأقمشة المهترئة، وقاموا بحفر حفر صغيرة أمام المنزل ليستعيضوا بها عن قنوات الصرف الصحي التي هدمت، فيما قالوا أنه تباطؤ في عمل الجهات المختصة ذات الصلة.

أمّا بشأن المياه فكانت نصف مشكلة، فقد كان هناك عدد من الآبار التي لم تتأثر بالحرب وما زالت المياه تجري داخلها، فأخذوا يملأون الخزانات المحمولة و"الجراكن" بليترات معدودة من المياه ونقلها على العربات إلى بقايا البيوت في عملية شاقة وخطرة، لكن ما باليد حيلة، كما يقول السكان.

ويطالب الحاج ديب جندية (65 عاماً) بتنظيف الشوارع الملأى بالقمامة والأوساخ ومخلفات الحرب بصورة أولية، وبمد خطوط المياه وإصلاح الكهرباء وتجهيزها. إلاّ إن شركة توزيع الكهرباء في غزة صرحت بأن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى في ظل الهدنة، لأن الاحتلال يستهدف الطواقم العاملة في مناطق التماس، وبالتالي لا يستطيع المختصون الاقتراب من المنطقة حتى يُعلن انتهاء الحرب.

سرقة في الحرب

أمّا أم محمد الشياح وهي عروس لا يزيد عمرها على 22 عاماً، فتقول أن الضرب اشتد مع الفجر، ثم توقف عند السادسة صباحاً لدقائق، فقررت هي والعائلة ترك البيت على عجل، وتركت ذهبها وراءها لتتفاجأ بأن المنزل على حاله مع دمار كبير، لكن الذهب غير موجود وتتساءل قائلة: "هل هذا وقت يستطيع أي ضمير أن يسرق الناس فيه؟!"

وأمّا زوجها مهند (27 عاماً) ويعمل عاملاً فيقول، "لم يكفِنا الدمار الذي حل بالبيت ولا الخراب والذي نحتاج لسنوات لعماره ، فتأتينا مصيبة جديدة وهي سرقة المصاغ الذي كنا ندخره لهكذا مصيبة."

يقول السكان في تلك المنطقة أنهم لاحظوا اختفاء كثير من الأشياء مما خف وزنه وغلا ثمنه، وأبدى أكثر من شاهد في المنطقة الدهشة من الشخص الذي استطاع دخول منطقة حرب كهذه، عُرفت بمنطقة أشباح لخلوها من البشر تماماً في تلك الفترة.!

وتتحدث سيدة من عائلة حبيب من حي الشجاعية في رسالة تُبرز فيها قهرها قائلة "إن بعض اللصوص والمشبوهين داهموا منزلها فترة العدوان والحرب وسطوا على كل محتوياته من أوراق هامة وذهب ومال." وتساءلت السيدة بحرقة: "كيف لهؤلاء اللصوص استغلال جرحنا؟ ألا يكفي مجازر إسرائيل بحقنا؟"

وتؤكد الدلائل والشهادات أن عائلة أبو غنيمة وعائلة حبيب هما ضمن عشرات العائلات النازحة والمنكوبة شرقي مدينة غزة، والتي دُمرت بيوتها جزئياً أو كلياً، كما فقدت المصاغ والأموال والحوائج الثمينة من داخل بيوتها التي غادرتها بعد أن كانت تعج بالحياة والأمل.

كان هناك حياة

ما إن تدخل حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حتى تشتم رائحة الموت في كل مكان متمثلة بجلاء ووضوح في صورة الدمار. وهذا الحي الذي كان في السابق عامراً بأهله وسكانه أصبح الآن مسرحاً للحكاوى وترديد الذكريات وآية لكل خراب.

لم يعد شيء كحاله، فلا السوق بقيت ولا الطرقات واضحة بعد أن كانت ممهدة، بينما رحل القاطنون، في معظمهم، إلى حيث فرضت عليهم آلة الاحتلال، فمنهم من صعدت روحه إلى السماء، ومنهم من لجأ إلى مراكز التشرد التي سميت هي الأُخرى مراكز الإيواء، ومنهم مَنْ يتسول الستر في بيوت الأقارب.

تنقسم البيوت في الأحياء الشرقية المنكوبة لمدينة غزة (الزيتون، والشعف، والشجاعية) إلى ثلاثة أقسام: الأول، هناك بيوت أبيدت كأنها لم تكن، وأضحت كومة من تراب وشيئاً من الحجارة، فلم يتكلف أصحابها عناء مشاهدتها لهول الصدمة، فبقوا حيث نزحوا في المدارس وبيوت الأقارب. والثاني بيوت أُصيبت بضرر كبير وجسيم، لكنها تصلح للسكن، وقد استصلح أصحابها ما يمكن استصلاحه ليمضوا ساعات النهار، ويعودون في الليل إلى أماكن النزوح، لشعورهم بالرهبة في هذا المكان الموحش على الرغم من التهدئة المتفق عليها، إذ إن الاحتلال خائن وغدار. والثالث، بيوت نجت من الدمار ولم تتضرر إلاّ قليلاً.

يقول الشاب محمد المغني (24 عاماً) أنه كان يعتاش على تربية الطيور ( الحمام والأرانب)، "ويوم الهجوم الشرس على الحي، وضعت كل ما بحوزتي من طعام في غرفة الحمام على سطح المنزل تجنباً لأن يجوع أو يعطش، لكن الاحتلال كان أقسى من الجوع فعاجله بحمم قذائفه فتركه صريعاً ليقتل رمز السلام ويترك توقيعه من الشظايا في كل ركن من المنزل."

بيت المغني، كما يقول عبد الله الابن الثاني، يتكون من أربعة طبقات، لكن الدمار أكبر من أن يتم ترميمه. فأعمدة البيت مدمرة في أغلبيتها، والبيت نفسه آيل للسقوط. وجاء والده وأخوته كي يعيدوا إليه الحياة، لكنها رفضت (يقصد الحياة) معلنة العصيان ككل أزقة غزة بفعل الحرب. ولم يعد البيت صالحاً للسكن، وحولهم البيوت مدمرة، وهو أي البيت، ليس بمنأى عنها. وهكذا اتخذت عائلة المغني قراراً بالعودة إلى حيث كانت في مراكز الإيواء يعتصرها الألم.

عودةٌ ثم العودة

يؤكد السائق محارب سعد (30 عاماً) الذي يعمل في مكتب لسيارات الأجرة، أن السكان في كل اتفاق تهدئة يقومون بالتصرف بنفسهم، إذ يحملون أشياء من أثاث المنزل، والتي استلموها من مراكز الإيواء إلى بيوتهم ليمضوا فيها النهار للاستئناس، وما إن يأذن النهار بالرحيل حتى يعودون جماعات ووحداناً إلى مراكز النزوح. وتتكرر العملية بشكل شبه يومي طوال أيام التهدئة، لافتقادهم الأمن بصورة خاصة، كما أن كثيرين من السكان لم يعودوا إلى المنطقة، لأن بيوتهم لا تصلح للسكن.

تقول السيدة أم دعاء (50 عاماً) أنها بَنَت منزلها هي زوجها وابنتهم الوحيدة دعاء بشق الأنفس وبسواد الليل، وترفع يدها إلى السماء حامدة ربها أن المنزل لم يتضرر بصورة كبيرة، وتضيف أن ما ينغص عليها معيشتها هو الدمار الكبير في كل المنطقة، فلا يوجد بيت من بيوت الجيران في الغالب يصلح للسكن، الأمر الذي يجعلها تأتي إلى البيت للاستئناس، ثم تغادره مساء من حيث أتت إلى أن يأتي الفرج.

ذكريات الحرب

أخذ الأطفال يحتفظون بمخلفات الحرب من بقايا الصواريخ وقذائف المدافع الفارغة من أجل أن تبقى شاهدة هي وذكريات الصبية على عدوان بربري حصد فلذات غزة ونضارة شبابها. ويشرح الطفل عصام (10 أعوام) وابتسامة مرهقة تعلو وجهه، "الحرب بيننا وبين اليهود أبدية"، وحين سؤاله عما إذا كانت المقاومة هي السبب؟ أجاب، وهو يلهو بشظية من صاروخ قال إنه لطائرة من طراز إف 16، وطلب من مراسلنا تصويره، "لو أن هذه الفصائل لم تكن موجودة ستكون غيرها وحربنا مع الاحتلال حتى يوم القيامة، لكنني أشعر بالعار كلما تركت منزلي ولن أتركه هذه المرة حتى لو كنت وحيداً."

ويشن جيش الاحتلال، منذ 7 تموز/يوليو، حرباً ضد قطاع غزة هي الثالثة في أقل من خمسة أعوام، أطلق عليها اسم "الجرف الصامد"، وتسببت منذ البداية باستشهاد نحو 2000 مواطن فلسطيني، وإصابة نحو 10,000 آخرين بجروح، بحسب مصادر طبية فلسطينية.

وتسببت الغارات الإسرائيلية المكثفة والعنيفة على مختلف أنحاء القطاع، إلى جانب الشهداء والجرحى، بتدمير 2000 وحدة سكنية، وتضرر 22,145 وحدة سكنية أُخرى جزئياً، منها 1560 وحدة سكنية "غير صالحة للسكن"، وفق معلومات أولية صادرة عن وزارة الأشغال العامة الفلسطينية.

عن المؤلف: 

نور أنو الدلو: صحافي - غزة.

اقرأ المزيد