عدوان إسرائيلي مبيّت، ضحاياه أساساً من المدنيين
التاريخ: 
22/07/2014
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

ساهم العديد من العوامل المسرِّعة، والأخبار المضلِّلة، في الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة. لقد كان القادة الإسرائيليون يردون أساساً على ما اعتبروه خطراً كبيراً: المصالحة ما بين الفلسطينيين الكفيلة بتوحيد موقفهم وتقويته في مواجهة إسرائيل. ومع أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت على دراية بأن المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة الذين اختُطفوا في حزيران/يونيو قد قُتلوا بعد ساعات من اختطافهم، إلاّ إن الحكومة الإسرائيلية أخفت الأمر أكثر من أسبوعين، مطلقة العنان لحملة هستيرية بشأن هذه الحادثة داخل إسرائيل وخارجها. فقتلُ المختطَفين هذا – الذي قامت به خلية غير منضبطة في الخليل لم تقبل حركة "حماس" تحمّل مسؤولية أفعالها قط- كان ذريعة لإطلاق عملية بحث وتدمير واسعة النطاق في الضفة الغربية أسفرت عن اعتقال أكثر من 500 عنصر من الحركة. وكان ذلك أحد الاستفزازات المباشرة العديدة، المتضمِّنة قتل عدة مدنيين عزّل في الضفة قبل بضعة أسابيع، واستئناف الاغتيالات المستهدَفة في قطاع غزة لأول مرة بعد توقفها أكثر من عام، والتي تهدف إلى إثارة ردة فعل من "حماس" وتقويض حكومة الوحدة الوطنية الجديدة. لقي هذا الاعتداء الإسرائيلي المتواصل تغطية متواضعة من وسائل الإعلام الغربية، لكن بمجرد قيام "حماس" بالرد بإطلاق الصواريخ، استطاعت إسرائيل الادعاء بوقاحة أنها نقطة بداية الأحداث، والتي في الحقيقة كانت إسرائيل قد بدأتها قبل هذا بوقت طويل.

إن استخدام إسرائيل لأسلحة المعارك، مثل مقاتلات إف - 16 المزودة بقنابل تزن 1000 كغ، والمدفعية الثقيلة 175 ملم، و155 ملم، وإطلاق الصواريخ من مروحيات الأباتشي على قطاع غزة، الذي لا تتجاوز مساحته 360 كيلومتراً مربعاً، ويقطنه 1,8 مليون نسمة، سيؤدي بالضرورة إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين. غير أن استهداف المدنيين كان دائماً الاستراتيجيا التي اتبعتها إسرائيل، سواء في الأردن أو لبنان، أو الآن في غزة. وفي رسالة إخبارية خاضعة للرقابة في "النيويورك تايمز"، وفي أثناء حصار بيروت سنة 1982، وصف توماس فريدمان بدقة القصف الإسرائيلي على المدينة بالقول إنه "عشوائي"، ولا شيء تغير منذ ذلك الحين. وهذا جليّ من خلال الطبيعة غير المتوازنة لأعداد القتلى في غزة: تقدّر الأمم المتحدة أعداد الضحايا المدنيين بأكثر من 80% بين 500 قُتلوا حتى الآن، منهم 80 شخصاً قضوا في قصف حي الشجاعية يوم الأحد. فإمّا أن إسرائيل تستهدف المدنيين، وإمّا أن أسلحة آلة حربها، والتي تعدّ رابع أكبر ترسانة على مستوى العالم، غير دقيقة على الإطلاق. ويعاني المدنيون معاناة رهيبة جراء نقص المياه والغذاء والكهرباء، مع وجود ما يزيد على 5000 إصابة تفتقد الرعاية الطبية الملائمة، بسبب نقص الإمدادات الطبية، والاعتداءات الإسرائيلية على المستشفيات والعاملين في المجال الطبي. وكل هذا نتيجة حصار إسرائيل الوحشي، وتقييد حركة الناس والبضائع، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال العدوان المتواصل على غزة.

رفض قادة كل من "حماس" وفصائل المقاومة الأُخرى المبادرة المصرية إلى وقف إطلاق النار التي اتُّفق عليها بين إسرائيل، وتوني بلير، أداة إسرائيل، وأطراف أُخرى، والتي لم يناقشهم أحد فيها قط. وسبب هذا الرفض بسيط: لم تطرح المبادرة أمر فك الحصار الذي تفرضه إسرائيل. وكان من المفترض أن يتم هذا بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار سنة 2012، لكن إسرائيل تراجعت عن التزاماتها، على الرغم من أن "حماس" منعت المجموعات الصغيرة من إطلاق الصواريخ، ولم يُقتل أي إسرائيلي لفترة طويلة بعدها. وتريد "حماس" وسكان غزة في معظمهم وفلسطينيون آخرون رفع الحصار كلياً كشرط لا يمكن الإخلال به من أجل القبول بوقف إطلاق النار. وكما كتب الصحافي الإسرائيلي غدعون ليفي، أن شروط "حماس" لوقف إطلاق النار "يمكن أن تكون أساساً عادلاً للتوصل إلى اتفاق. إذ لا يوجد فيها حتى شرط واحد لا أساس له من الصحة" .

وعلى الرغم من الصمت الرسمي الغربي، فإن المجتمع الدولي لم يصمت عن الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في غزة: كان هناك تظاهرات حاشدة في لندن ومرسيليا وسنتياغو وشيكاغو وتونس، وفي جميع أنحاء العالم. ويزداد الغضب من الممارسات الإسرائيلية أضعافاً مضاعفة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، في شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام البديل، حتى إنه تسلل إلى وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية المعتادة على الإذعان والخنوع. وفقط الحكومات الغربية وحكومات الدول العربية المتواطئة مع إسرائيل هي التي التزمت الصمت. إن الممارسات التي تقوم بها إسرائيل، وخصوصاً استهداف المدنيين قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وبهذا يترتب عليها نتائج قانونية فضلاً عن الأخلاقية. وعلاوة على ذلك، فإن تلك الممارسات تمعن في  ازدراء معايير السلوك الدولي: إذا كانت إسرائيل تستطيع الادعاء أنها تقوم بـ "الدفاع عن النفس" عندما تهاجم أراضي الغير، وهي في الواقع تحتلها، وتقوم الولايات المتحدة بدعم هذا الادعاء الباطل، فهذا يعني انحرافاً عن الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث وميثاق الأمم المتحدة.

لقد اتخذت الولايات المتحدة موقفها المعتاد المدافِع عن إسرائيل في عدوانها على غزة؛ العدوان الذي ما كان له أن يستمر لولا هذا الدعم. وكما كانت الحال في العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 2006، وعلى غزة في السنوات 2008 - 2009، و2012، يتنافس السياسيون الأميركيون في الإدلاء بالتصريحات المفرِطة في دعمها إسرائيل وفي إدانتها إطلاق صواريخ "حماس"، التي قتلت حتى الآن اثنين من المدنيين الإسرائيليين، وجرحت نحو اثني عشر، في مقابل آلاف المدنيين الفلسطينيين الذين لقوا مصرعهم وجرحوا على يد إسرائيل. إن منطق "أليس في بلاد العجائب" هذا، والذي يصبح بموجبه السكان الخاضعون للاحتلال، والمحتجَزون فيما يمكن عدّه أكبر سجن مفتوح في العالم، هم المعتدون، بينما تُعتبر إسرائيل بكل جبروتها هي الضحية، هو المنطق السائد لدى السياسيين الأميركيين وفي وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية. ومع هذا، فإن هذا المنطق بدأ يفقد سطوته بالتدريج على قطاعات متزايدة من الرأي العام الأميركي. لكن للأسف لم نصل بعد إلى حيث يكون في قدرة الجمهور الأميركي تحدي هذه الرواية وتغيير سياسة البلاد. ولهذا من المرجح أن المعاناة في قطاع غزة ستستمر.

عن المؤلف: 

رشيد الخالدي: أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية في جامعة كولومبيا، ورئيس تحرير “Journal of Palestine Studies”.

اقرأ المزيد