الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة تضع الفلسطينيين على أعتاب مرحلة جديدة
التاريخ: 
15/07/2014
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

 

أعادت عملية خطف المستوطنين الثلاثة جنوب الضفة الغربية في 12 حزيران/يونيو الماضي خلط الأوراق الفلسطينية، وسيكون ما بعدها مختلفاً عما قبلها...

سارعت إسرائيل، كما هو متوقع، منذ اليوم الأول للخطف، إلى الرد على العملية بطريقة تركت آثاراً يبدو أنها ستكون بعيدة الأثر في المشهد الفلسطيني.

أثرها في "حماس"

أعادت العملية حركة "حماس" إلى صدارة المشهد السياسي، إذ شنت إسرائيل حملة واسعة على الحركة في الضفة الغربية، ثم انتقلت إلى قطاع غزة فشنت عليه حرباً هي الثالثة منذ سيطرت الحركة عليه بالقوة المسلحة في سنة 2007، وقد وُصفت بأنها أشد من الحملات العسكرية السابقة.

في الضفة الغربية اعتقلت السلطات الإسرائيلية أكثر من 600 من كوادر "حماس" وقياداتها، بينهم 54 من محرَّري صفقة "وفاء الأحرار" أو "شاليط"، وجميع ممثلي الحركة في المجلس التشريعي (باستثناء النساء). وعندما عجزت السلطات الإسرائيلية عن إيجاد أهداف أُخرى لحركة "حماس" في الضفة بسبب إغلاق مؤسساتها عقب الانقسام، قامت بإغلاق عدد من المؤسسات القديمة التي وضعت السلطة يدها عليها.

وفي محاولة من "حماس" لمنع امتداد الحملة الإسرائيلية إلى قطاع غزة، وجهت رسائل غير مباشرة إلى إسرائيل فحواها أنها غير مسؤولة عن عملية خطف المستوطنين الثلاثة.  لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي أثارت العملية رغبته الجامحة في الانتقام، وفي تأكيد زعامته في الشارع الإسرائيلي، أعلن الحرب على القطاع، وأطلق العنان لآلته العسكرية لإشاعة الدماء والدمار والخراب في أنحائه كافة.

هدية السماء

إن الحملة الإسرائيلية على "حماس" في الضفة وفي القطاع، وعلى الرغم مما حملته من قمع وقتل وتدمير، أعادت الحركة إلى واجهة الأحداث من جديد، وساهمت في رفع شعبيتها عبر اتساع دائرة التضامن معها في الشارع الفلسطيني.

وجاءت جملة هذه التطورات في وقت كانت حركة "حماس" في أضعف حالاتها، إذ تراجعت شعبيتها بصورة كبيرة في العام الأخير جرّاء فشل حكومتها في القطاع في توفير رواتب موظفيها، وفي توفير حد أدنى من الخدمات للجمهور بعد إغلاق الحدود والأنفاق والمعابر مع مصر عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي.

وألحق الإغلاق المصري للحدود مع غزة بحركة "حماس" خمس خسائر استراتيجية هي: توقف الإيرادات عن البضائع القادمة عبر الأنفاق؛ توقف تدفق السلاح إلى القطاع؛ توقف تدفق الأموال من الخارج؛ ارتفاع أسعار السلع المستوردة من إسرائيل قياساً بالسلع المستوردة من مصر، ولا سيما الوقود؛ توقف السفر إلى الخارج.

ودفعت نتائج الإغلاق المصري حركة "حماس" إلى تغيير سياساتها، وإلى قبول اتفاق مصالحة مع حركة "فتح" يبعدها عن الحكومة وأعبائها والتزاماتها التي لم تعد قادرة على الوفاء بها.

ووفق مصادر في الحركة، فإن هذه الأخيرة أعادت ترتيب أوراقها من جديد، بعد التخلي عن الحكومة، فمنحت المواقف والسياسات التي تعيد شعبيتها المتراجعة بصورة كبيرة اهتماماً أكبر، وخصوصاً المواجهة مع إسرائيل.

وتمكنت حركة "حماس" في العقدين الماضيين من بناء مكانتها على ثلاثة أعمدة هي: المقاومة المسلحة؛ العمل الخيري؛ العمل الدعوي؛ وكلها لم تعد قائمة في الآونة الأخيرة، الأمر الذي أدى إلى تراجع ملحوظ. فــ "حماس" قبل الحرب، لم تكن قادرة على ممارسة المقاومة المسلحة في غزة لأنها ملتزمة بالتهدئة مع إسرائيل، كما أن مؤسساتها الخيرية فقدت وسائل التمويل. أمّا العمل الدعوي فلم يعد حكراً عليها، إذ باتت عدة جماعات إسلامية تنافسها في ذلك، وخصوصاً حركة "الجهاد الاسلامي" والجماعات السلفية وغيرهما. لكن المعادلات تغيرت تماماً بعد الحرب الإسرائيلية على غزة.

إضرار بمكانة السلطة والمنظمة

ألحقت التطورات التي أعقبت خطف المستوطنين الثلاثة وقتلهم أضراراً بمكانة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية اللتين بدتا غير قادرتين على التأثير في مجريات الأحداث. ومما ضاعف التأثيرات السلبية لهذه التطورات في منظمة التحرير والسلطة، أنها جاءت عقب فشل آخر محاولات إحياء العملية التفاوضية مع إسرائيل، وتراجع الحكومة الإسرائيلية عن اتفاقها مع الجانبين الفلسطيني والأميركي بشأن إطلاق الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل اتفاق أوسلو الذين أمضوا فترات تتراوح ما بين 20 و30 عاماً في السجون.

وبدت السلطة الفلسطينية، عقب عملية الخطف، أمام موقفين أحلاهما مر: تأييد عملية الخطف ومساندة الخاطفين والتعرض تالياً لحرب إسرائيلية شبيهة بالحرب التي شُنت على أجهزتها في الانتفاضة الثانية، أو الوقوف مع الجانب الآخر، وإعلان، لا رفضها العملية فحسب، بل أيضاً تمسكها بالتنسيق الأمني والبحث عن المخطوفين وإعادتهم إلى عائلاتهم، وهو ما اضطرت إلى القيام به، الأمر الذي ألحق بها ضرراً كبيراً في الشارع الفلسطيني.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع المستوى إن الجانب الأميركي بلّغ الرئيس محمود عباس أن عليه اتخاذ موقف لا لبس فيه من عملية الخطف، وإلاّ فإن الجانب الإسرائيلي سيعلن أن السلطة طرف معادٍ ويبدأ في استهداف مؤسساتها. وقال المسؤول إن الرئيس عباس اتخذ الموقف الذي يحفظ مؤسسات السلطة ويحميها من الانهيار، فأعلن في اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية، في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية، رفضه عملية الخطف، وأن المخطوفين "بشر" و"يجب إعادتهم إلى عائلاتهم"، وأنه "متمسك بالتنسيق الأمني" مع إسرائيل في هذه الأوضاع.

وأثار إعلان الرئيس عاصفة من الانتقادات في الشارع الفلسطيني الذي رأى في موقفه المعلن هذا "تعاوناً" أمنياً مع إسرائيل ضد خاطفين فلسطينيين يهدفون إلى تحرير الأسرى الذين رفضت إسرائيل تحريرهم في المفاوضات.

وإذا كان من رهان للرئيس محمود عباس فهو أن ردات فعل الشارع الفلسطيني غالباً ما تكون عاطفية حادة في أوقات الحرب، لكن حدتها سرعان ما تخبو بعد اتضاح معالم الواقع البالغ التعقيد والصعوبة.

وكانت المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية الخاسر الأكبر من هذه التطورات، إذ لم يعد ممكناً للسلطة الفلسطينية مواصلة إجراءات المصالحة التي طالبت إسرائيل بوقفها رداً على عملية الخطف، مهددة باتخاذ إجراءات ضد السلطة الفلسطينية في حال واصلت تنفيذ الاتفاق.

وقال مسؤولون في حركة "فتح" إنه لم يعد ممكناً، في هذه المرحلة، المضي في تنفيذ المصالحة وفق ما جرى الاتفاق عليه، إذ لا يمكن تفعيل المجلس التشريعي، أو إجراء انتخابات، أو عقد اتفاق شراكة في منظمة التحرير قبل اتضاح الأمور.

وقال الناطق باسم الحكومة إيهاب بسيسو إن الحكومة لا تستطيع أن تحوّل أموالاً من قطر إلى غزة لدفع رواتب موظفي حكومة "حماس" المستقيلة في هذه المرحلة.

وكان الجانبان اتفقا على قيام دولة قطر بتحويل رواتب موظفي حكومة "حماس" عبر النظام المالي للحكومة الفلسطينية لثلاثة أشهر. لكن بعد وقوع عملية الخطف هددت إسرائيل بوقف التحويلات الجمركية للسلطة في حال قيامها بتحويل أموال إلى موظفي "حماس"، حتى لو كانت هذه الأموال آتية من قطر.

وتشكل التحويلات الجمركية من إسرائيل ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية التي تعاني، بدورها، عجزاً مالياً يصل إلى نحو 40%.

وفي الجانب الإسرائيلي ظهر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو رابحاً كبيراً من وراء هذه العملية، إذ تحول من موقف المدافع عن نفسه لدوره في فشل المفاوضات إلى موقع المهاجم على الجانب الفلسطيني. وكشفت اتصالات سياسية أنه فكر في استهداف مؤسسات السلطة الفلسطينية.

مسؤولية "حماس"

على الرغم من أن حركة "حماس" لم تؤكد أو تنف مسؤوليتها عن العملية، وعلى الرغم من أنها وجهت رسائل غير مباشرة إلى الجانب الإسرائيلي نفت فيها مسؤوليتها عن العملية (حمل إحدى هذه الرسائل ممثل الأمم المتحدة في القدس روبرت سري)، فإن إسرائيل أصرت على تحميلها المسؤولية. ودلّت إسرائيل على هذه المسؤولية باختفاء عضوين من الحركة من مدينة الخليل في الليلة نفسها التي اختفى المستوطنون الثلاثة، وهما عامر أبو عيشة (32 عاماً) ومروان القواسمي (27 عاماً)، وهو ما جعل إسرائيل تتهمهما بالوقوف وراء عملية الاختطاف.

وقالت عائلتا الشابين إن الجيش الإسرائيلي دهم بيتيهما مراراً، وإنه فتش كل شيء فيهما، واعتقل أشقاءهما، وحقق مع زوجتيهما. ولم يكن أي من الشابين المتهمين بالاختطاف مطلوباً للسلطات الإسرائيلية. وقالت عائلة عامر إنه كان يحمل تصريحاً للدخول إلى إسرائيل، وهو التصريح الذي لا تمنحه السلطات لأي شخص لديه نشاط أمني.

تغييرات في الشارع

أدت التطورات اللاحقة، وخصوصاً الحرب الإسرائيلية على غزة التي أُطلق عليها اسم "الجرف الصامد"، والتي أطلقت عليها "حماس" اسم "العصف المأكول"، إلى تعزيز التغييرات الجارية في الشارع الفلسطيني بعد فقدان الأمل بالحل السياسي وبأسلوب المفاوضات في الوصول إلى الدولة المستقلة. ويتوقع أن تترك هذه التطورات أثراً في النظام السياسي الفلسطيني، وفي أسلوب النضال الوطني في المرحلة المقبلة... 

عن المؤلف: 

محمد دراغمة: صحفي فلسطيني- رام الله.

اقرأ المزيد