الحجر الصحي والتعليم عن بعد هل يمكن فهم إسرائيل من خلال الحجر الصحي؟
التاريخ: 
31/03/2020
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

هل يمكن فهم الحالة الاستعمارية التي تقاسيها فلسطين من خلال ما أحدثه الحجر الصحي؟ يبدو هذا السؤال منطقياً إن تعاملنا مع الواقع الجديد كحالة أصلية/ طبيعية لا كحالة استثنائية/ طارئة. يُقال إن أصعب الأمور ملاحظة تلك دائمة الحضور، فإدراك كم كان صوت ما مزعجاً يتضح عند توقفه. وهذا بالضبط ما أقصده من كل هذه التدوينة.

نشأت في بيت لحم، والتحقت بجامعة بيرزيت قبل ستة أعوام، ومنذ تلك اللحظة، في كل يوم من أيام الدوام كنت ملزماً بضبط المنبّه قبل ثلاث ساعات على الأقل من موعد المحاضرة الأولى، فالوصول إلى الجامعة يستلزم ركوب أربع مواصلات مختلفة، والمرور على خمسة حواجز، وقطع شبكة طرق التفافية طويلة، وهو ما يستغرق -إن كانت الطريق سالكة في ذلك اليوم!- ما مجموعه ساعتين كاملتين.

في وضع طبيعي، كما تشير إلى ذلك خريطة غوغل، يجب أن تستغرق الطريق من بيت لحم إلى رام الله نحو 30 دقيقة، وفي وضع أقل طبيعية، أي في ظل عدم السماح لسكان المناطق المحتلة سنة 1967 بالوصول إلى رام الله مروراً بالقدس، كان من المفترض أن تستغرق الطريق نحو 50 دقيقة. لكن لأن الصوت المزعج إيّاه، كان موجوداً منذ اللحظة الأولى قبل ست سنوات، أصبحت الطريق تستغرق ساعتين كاملتين.

***

في الخامس من شهر آذار/مارس الحالي، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية تسجيلها سبع حالات مُصابة بفيروس كورونا في أحد فنادق مدينة بيت جالا بمحافظة بيت لحم بعد مخالطتهم وفداً سياحياً من اليونان. وهو ما دفع السلطة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات سريعة في اليوم ذاته، فتم إعلان حالة الطوارئ لمدة شهر، بالإضافة إلى حزمة من القرارات قرأها محمد اشتية على التلفزيون الرسمي، كان معظمها متعلقاً بمحافظة بيت لحم؛ إغلاقها وفرض حظر التجول فيها ونشر الأجهزة الأمنية على مداخلها وبين شوارعها.

***

فجأة توقف الصوت المزعج. الصوت الذي ولدنا فيه، وظننا في لحظات كثيرة أنه الحالة الطبيعية لسير الأمور. أصبحت المحاضرة التي تستغرق مني ثلاث ساعات، لا تحتاج سوى إلى ضبط المنبه قبل عشر دقائق فقط (لأغراض غسل الوجه وإعداد إبريق الشاي)، واستُبدلت الحواجز الخمسة بالجلوس على السرير بدلاً من البقاء مستلقياً (لأغراض اللياقة العامة)، والمواصلات الأربعة والطرق الالتفافية الطويلة تبخرت. هل يمكن فهم ما يصنعه النظام الاستعماري من خلال هذه التغيّرات؟ للمرة الأولى في حياتي، أتاح لي التعليم عن بعد، عالماً لا توجد فيه إسرائيل، ليس في الواقع فقط، وإنما في الأخبار أيضاً.

تقفز في وجهي المفارقة الآتية: ما حُرم منه الفلسطيني بسبب الفيروس، هو في جانب منه استعادة لحقوق مسلوبة. فاحتلال الوقت، الذي يتقن الاحتلال ممارسته، انعدم تأثيره، كما انعدم تأثير الحواجز والمستوطنات والطرق الالتفافية والازدحامات المرورية. ثنائية الحرمان والأخذ، هي ثنائية حاضرة في صلب النظام الاستعماري، فلا يمكن لمكان إسرائيلي أن يُقام إلاّ بهدم مكان فلسطيني كان حاضراً قبله، كنت ألاحظ ذلك في تمدد المستوطنات السرطاني، لم يكن في إمكان المستوطنة الإسرائيلية أن تتمدد إلاّ بالسيطرة على القرية الفلسطينية، ولم يكن للغابة الإسرائيلية أن تنمو إلاّ بقطع الزيتونة الفلسطينية. جاء فيروس كورونا ليقدم لنا نموذجاً معكوساً: حُرمنا من الحيزين المكاني والزماني (المصبوغان بصبغة الاحتلال)، فاستمتعنا مرة أُخرى بزماننا ومكاننا الأصلي.

بدأت بإدراك ما كان قائماً، عندما توقف تأثيره المباشر فيّ كم كان صوتاً مزعجاً!

***

بدأ "التعليم عن بعد" بعد نحو أسبوع على فرض حالة الطوارئ، وعلى الرغم من التصريحات الكثيرة التي بدأت من رئيس الدولة المحتلة وانتهت عند رؤساء البلديات، التي تفيد في مجملها بجهوزيتهم الكاملة للتعامل مع المرض (أو لاستقباله!)، كانت عملية التعليم متخبطة، وتعمل في الغالب وفق مبادرات فردية، وباستخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي العالمية. ففي الجامعات على سبيل المثال، انتظم الدوام منذ الأسبوع الثاني، إلاّ إنها لم تنجح في الغالب في تطوير نظام تعليمي إلكتروني تستطيع تعميمه على جميع طلبتها ويكون خاصاً بها (هناك نجاحات بسيطة في جامعتي بيرزيت والقدس، إلاّ إن هذه الأنظمة ما زالت تعاني مشكلات تقنية). يستخدم معظم المحاضرين برنامجي zoom وgoogle meeting، وعلى الرغم من بعض المشكلات التقنية (برنامج zoom على سبيل المثال يقطع الاتصال بعد 40 دقيقة إذا لم تكن قد اشتريت حساباً مدفوعاً)، فإنهم استطاعوا الاستمرار بتعليم المقررات الدراسية المحددة مسبقاً. وتكمن المشكلة الأساسية لدى معظم الطلاب في نقطتين أساسيتين؛ الأولى متعلقة بالمساقات العملية/ التطبيقية، أو حتى الأجزاء العملية من المساقات العادية؛ الثانية متعلقة ببعض صعوبات الفهم، ولا سيما في ظل عدم توفر لوح صفي للكتابة عليه. بالنسبة إلى الأساتذة، فالصعوبة الأساسية تكمن في عدم التواصل الوجاهي، الذي يغني النقاش ويمنح عاملاً إنسانياً أكبر في التواصل مع الطلبة. ويوضح دكتور في الدراسات العليا: "يمكن استقراء بعض التساؤلات من تعابير وجوههم وإيماءاتهم، كما أستطيع أن ألمس صعوبة الشرح المعروض من خلال تعابير وجوه الطلاب." أمّا بالنسبة إلى الإيجابيات، فمنها ما هو تقنيّ، مثل تسجيل المحاضرة بسهولة ومعاودة الاستماع لها في أي وقت ملائم للطالب، وخصوصاً إن وجد صعوبة في فهم بعض أجزائها. ومنها ما هو متعلق بتوفير الوقت، أو إمكان "الإهمال" المتاح أمام الطالب، فالرقابة في هذه الحالة ذات طبيعة مختلفة عن الغرفة الصفيّة في مباني الجامعة.

في عالم المدارس، كان التخبط سيد الموقف، فحتى هذه اللحظة هناك أكثر من ثلاثة قرارات متعلقة بالتعليم عن بعد، كان آخرها معبّراً وذا دلالة وهو حذف المادة الدراسية التي لم يتم تدريسها قبل إعلان حالة الطوارئ، وإغلاق المرافق التعليمية كافة. وفيما كان حضور رياض الأطفال محصوراً في استخدامهم كأدوات توعوية عبر منصات التواصل الاجتماعي، يقف الطفل أمام الهاتف الذي تحمله أمه في الغالب ويقول: "يا أطفال خليكم في البيت، عشاني وعشانكم خليكم في البيت."

***

للتعليم عن بعد وأدواته الإلكترونية، هو الآخر، أسئلته الفلسفية والاجتماعية: كيف تعمل التكنولوجيا على زيادة السيطرة والمراقبة على مجتمعاتها؟ وكيف للإنسان الحديث أن يتعامل مع هذه المطالبات الدائمة بالانعزال والجلوس في البيت، وفي الوقت ذاته الانفتاح بشكل كامل على التقنية؟ وهل تلد أنظمة السلطة الجديدة مقاومتها الخاصة؟ وما تأثير غياب الأنسنة عن عملية التعليم التي تجري عبر الشاشة؟ وأين يقع الفقراء ممن لا يملكون ثمن الهاتف الذكي أو اشتراك الإنترنت في هذه المعادلة؟

بالتأكيد لن أستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، فأنا لست سلافوي جيجيك الذي استطاع نشر كتاب عن فيروس كورونا بعد تسجيله كوباء عالمي بأسبوعين فقط.

عن المؤلف: 

عبد القادر ذويب: طالب في جامعة بيرزيت.

اقرأ المزيد