Reflections on Story Writing
Full text: 

بين أيدينا نص نقدي ونظري لسميرة عزّام لم يسبق أن نُشر قط كتبَتْه في سنة 1965، وتناولت فيه فن القصة ودوافع كتابتها وعناصرها الجمالية والفنية كالموضوع والسرد والحبكة والتشويق والذروة.

ويتضمن النص شرحاً للتيارات الإبداعية في فن الحكاية كتيار الوعي (المونولوغ الداخلي)، وتيار السرد المتدفق والمباشر، وتيار الترجمة الذاتية أي الإفصاح عن كوامن النفس البشرية، وتيار التعبير من خلال الرسائل والوثائق.

وكانت سميرة عزّام قرأت هذا النص في مؤتمر الأدباء العرب الخامس في بغداد (15 – 21 شباط / فبراير 1965)، أي قبل 58 عاماً، وفقاً لما دوّنته بخط يدها على واحدة من الأوراق الرسمية للمؤتمر. وقد شارك في أعمال المؤتمر بحسب خط يد سميرة عزّام: الشيخ عبد الغني الخضري والشيخ حسين الصغير والشيخ سعيد البدري والشيخ أحمد الوائلي والأستاذان خالد العزي وهلال ناجي (من العراق)؛ سميرة عزّام وإحسان عباس ومحمد يوسف نجم وإسحق موسى الحسيني (من فلسطين)؛ روحية القليني وكمال الدين سامح وشريفة فتحي (من مصر)؛ جودت الركابي (من سورية)؛ محمود الروسان (من الأردن)؛ أحمد النعماني (من تونس)؛ عبد الله سنان (من الكويت).

وسميرة عزّام هي إحدى رائدات أدب القصة في فلسطين في حقبة ما بعد النكبة، وعلامة مضيئة في شوط طويل من كاتبات القصة العربية المعاصرة أمثال: كوليت الخوري وغادة السمّان وأُلفت الإدلبي وسلمى الحفار الكزبري (من سورية)؛ سلمى الصائغ وليلى البعلبكي وإميلي نصر الله (من لبنان)، وغيرهن كثيرات. غير أن سميرة عزّام لم تعش طويلاً للأسف لتنتزع المكانة الأدبية التي تستحقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، لكنها، مع ذلك، تمكنت خلال سنواتها المعدودة من أن تصنع لاسمها موقعاً لائقاً في مسارات الإبداع القصصي.

ولدت سميرة عزّام في مدينة عكا في 13 أيلول / سبتمبر 1927 (وربما قبل ذلك بحسب بعض المصادر)، ودرست المرحلة الابتدائية في مدينتها، والمرحلة الثانوية في حيفا. وفي تلك الأثناء ثابرت على نشر كتاباتها الأولى في جريدة "فلسطين"، وكانت توقّعها باسم "فتاة الساحل". وفي سنة 1948 اضطرت إلى مغادرة بلدها قسراً، واللجوء مع عائلتها إلى لبنان. ولم تلبث أن سافرت إلى العراق لتعمل معلمة في إحدى مدارس البنات في مدينة الحِلّة، وأمضت في العراق عامَين قبل أن تعود إلى لبنان، وتلتحق بإذاعة الشرق الأدنى في منطقة بوليميديا القريبة من مدينة ليماسول القبرصية. وفي ليماسول راحت تكتب برنامج "ركن المرأة" في سنة 1952، ثم برنامج "مع الصباح" في سنة 1954. وبعد توقّف إذاعة الشرق الأدنى عن البثّ غداة العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956 (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل)، عادت إلى لبنان، ثم سافرت في سنة 1957 إلى العراق مجدداً لتعمل في إذاعة بغداد، وهناك شرعت في نشر مقالاتها في جريدة "الشعب" العراقية إلى جانب عملها اليومي في الإذاعة. غير أن إقامتها في بغداد لم تطل لأسباب سياسية وشخصية، فعادت إلى بيروت لتلتحق بمؤسسة فرانكلين للترجمة والنشر التي كان محمد يوسف نجم قد سبقها إليها. وفي بيروت بدأت تكتب في مجلتَي "صوت المرأة" و"دنيا المرأة".

كانت سميرة عزّام، في الحقل السياسي، إحدى المناضلات في "جبهة التحرير الفلسطينية – طريق العودة" التي ضمت آنذاك أعلاماً مشهورين أمثال شفيق الحوت وخالد اليشرطي وعبد المحسن أبو ميزر ونقولا الدرّ وراجي صهيون وإبراهيم أبو لغد، وكانت إحدى الناشطات في "لجان السيدات العربيات" التي تألفت في بيروت غداة حرب 1967 لجمع التبرعات للنازحين الفلسطينيين. وفي 8 آب / أغسطس 1967 بينما كانت في طريقها إلى عمّان، ولدى وصول السيارة التي تُقلّها إلى مكان قريب من مدينة جرش في شمال الأردن، بوغتت بنوبة قلبية توفيت في إثرها.

لسميرة عزّام 6 مجموعات قصصية، هي: "أشياء صغيرة" (1954)؛ "الظل الكبير" (1956)؛ "قصص أُخرى" (1960)؛ "الساعة والإنسان" (1963)؛ "العيد من النافذة الغربية" (1971). ثم في سنة 1995 عثرتُ على مجموعة قصصية مطمورة بين أوراقها الثاوية في حقيبة قديمة وصندوق مهمل، فنشرتُها في سنة 1997 بعنوان "أصداء" (تحقيق وتقديم صقر أبو فخر).

وفيما يلي النص الذي يبدو، بعد 58 عاماً من كتابته، نضراً وحديثاً ويتمتع بالقدرة على الإضاءة على آراء سميرة عزّام وأفكارها في ميدان الحكاية والقصة، وعلى ثقافتها وأدواتها النقدية والتحليلية، وعلى تجربتها في كتابة القصة استطراداً.

صقر أبو فخر 

*** 

القصة مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب، وهي تتناول حادثة واحدة أو حوادث عدة، تتعلق بشخصيات إنسانية مختلفة تتباين أساليب عيشها وتصرفها في الحياة، وتختلف عن الأقصوصة في أنها تصور فترة كاملة من حياة أو مجموعة حيوات، بينما تتناول الأقصوصة قطاعاً أو شريحة من الحياة. لذا يضطر الكاتب إلى الخوض في تفاصيل يتجنّبها كاتب الأقصوصة.

والقصة حوادث يخترعها الخيال، وهي بهذا لا تعرض لنا الواقع كما تعرضه كتب التاريخ والسِّيَر، ولا يُفرَض حتى من الكاتب الواقعي أن يعرض علينا ما سبق وقوعه فعلاً، ولكن عليه أن يقنعنا بإمكان حدوث مثل هذه الحوادث. وللكاتب أن يعتمد على مبدأ الاختيار لكي يستطيع أن يرسم الصورة المطلوبة. فالقارئ لا يهمه معرفة الشخصية بدقائقها وتفاصيلها بقدر ما يهمه أن يراها حية. ويُحسن القاصّ عملاً لو هو ساعدنا على اجتلاء بعض النواحي المجهولة في حياتنا.

وعملية التبسيط والاختيار ورسم النموذج الحي والكشف عن المسببات والنتائج هي أهم ما يوجه إليه الكاتب عنايته.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد قراءة أية قصة هو: هل تركت في النفس أثراً، وهل هذا الأثر ناتج عن سلسلة من الحوادث، أو شخصية من الشخصيات، أو عن فكرة من الفِكَر، أو عن صورة لمجتمع في فترة معينة، أو لجماعة من الجماعات؟

وسيادة عنصر ما في القصة تَظهر للقارئ في شكل من الأشكال التالية، وهي سيادة الحوادث، وسيادة الشخصية، وسيادة البيئة أو الجو، وسيادة الفكرة، ولا بد لعنصر من هذه العناصر أن يغلب على القصة.

ولعل الحادثة هي أوضح هذه العناصر، وأكثرها شيوعاً، ويُتوقع من الكاتب في قصة الحادثة أن يقدم سلسلة من الحوادث الغامضة والمغامرات والمخاطبات، وهو عادة لا يأبه لتصوير البيئة، ورسم الشخصيات وتمثيل الفكرة بطريقة واقعية حقيقية.

وفي بعض القصص يطغى عنصر الشخصية بحيث تسيطر الشخصية على الحوادث، وتكون المحور الذي تدور حوله القصة، وكل ما يحدث في القصة من أحداث لا بد أن يمسّها من قريب أو بعيد، ويؤثر في تلوينها بألوان جديدة.

ويلفت الكاتب النظر إلى إحدى شخصياته حين يعمد إلى تحليلها بدقة مبيّناً خصائصها ومميزاتها، وأخلاقها وتصرفاتها حتى لا يدع للقارئ مجالاً للمشاركة الذهنية، ويكتفي بأن يفتح أمامه باب المشاركة الوجدانية.

أمّا البيئة التي قد تكون العنصر السائد في بعض القصص فنعني بها مجموعة القوى والعوامل الثابتة والطارئة التي تحيط بالفرد وتؤثر في تصرفاته في الحياة. وهذه القصص تعتمد على ما ظهر في القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن من توكيد لأثر البيئة في تكييف الحياة الإنسانية، فلم يعد الإنسان ظاهرة معزولة عن أسبابها ونتائجها، بل هو الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من الأجداد والآباء، وآلة تديرها يد قوية هي يد الطبيعة أو يد القدر أو يد المجتمع.

وهناك أخيراً، ذلك النوع من القصص الذي تكون السيادة فيه لفكرة من الأفكار تطفو على سطح الحوادث وتحجب البيئة والشخصيات خلفها، وكثيراً ما تكون الغاية الأولى لقصص كهذه إصلاح المجتمع أو السخرية من نقائصه أو استهجان بعض الأفكار الطارئة بتقديم مَثَل محسوس يستطيع القارئ أن يضع أصبعه عليه بسهولة لا تتاح له لو ظلت هذه المثل أفكاراً مجردة خالية من كل حياة.

وليس ضرورياً أن تكون جميع قصص "الأفكار" قصصاً يراد بها الإصلاح الاجتماعي، فكثيراً ما يخرج الكاتب بعد تأمله الطويل في الحياة والناس بفكرة فلسفية تنتظم أعمق العلاقات الإنسانية كفكرة مطاردة القدر للإنسان.

ومن الأمثلة التي تصور سيادة الفكرة في القصة محاولة ألدوس هكسلي [Aldous Huxley] في قصته "العالم الطريف" [Brave New World]، وفيها يعبّر عن خوفه من سيطرة العلم على حياة الناس.

ولا يتبادر إلى الذهن أن العنصر السائد في قصة من القصص هو وحده الجدير بالعناية والتقدير، أو وحده مصدر المتعة، فتنوّع عقليات القراء، أو تباين تجاربهم، أو اختلاف أمزجتهم، هي العناصر التي تحدد مصدر المتعة في الأثر الأدبي. 

القارئ وحوادث القصة

إذا اعتبرنا أن العنصر السائد في القصة هو أول النواحي الجديرة بالتفات القارئ، فلا شك أن تطوير الحوادث هو الناحية التي تتلوها في الأهمية. فالتطوير هو الذي يبعث في القصة القوة والحركة والنشاط، وهو محرك الشخصيات وسوّاق الحوادث لتؤدي إلى تلك النتيجة المريحة المقنعة.

وتظهر براعة الكاتب في تطوير الحوادث في تلك القصص التي تتحرك في نشاط نحو النهاية الحاسمة بعد أن تقطع سلسلة من الذُّرى.

وعلى القارئ الذي يريد أن يتفهم طبيعة التطور في القصة أن يسعى إلى اكتشاف الخطة الأساسية التي رسمها الكاتب لها، وبهذا يستطيع أن يلمس النسيج الذي يجمع بين الشخصيات والحوادث في البيئة الخاصة المختارة، وأن يتصور الحدود التي ستتحرك القصة في داخلها. ولا بد لكل قصة من أن تبدأ في مكان معين، وأن تنتهي عند نهاية معينة. ولينجح الكاتب في الاستئثار باهتمام قارئه فإن عليه أن يجمع مادته في وحدة منسجمة، وفي الغالب تكون هذه الوحدة واحدة من ثلاث، هي: وحدة الحادثة، ووحدة الحياة، ووحدة العمل القصصي.

في النوع الأول تكون الحادثة هي الوحدة التي تستقطب أجزاء القصة، وهذه الحوادث قد تقع لشخص واحد، ولكنها تتوالى عليه دون أن ترتبط برابطة السببية فلا يكون الحادث نتيجة لما سبقه، وسبباً لما سيتلوه.

أمّا وحدة الحياة فهي تختلف عن وحدة الحادثة اختلافاً جوهرياً في أن كل عمل أو حادث أو موقف فيها يتأثر من سابقه ويؤثر في لاحقه.

أمّا النوع الثالث فهو الذي يُبنى على وحدة العمل القصصي أو وحدة التأثير. وأقدم تحديدات هذه النظرية وضعه أرسطو حيث قال: "لا تتحقق وحدة العقدة لمجرد أن البطل واحد، فثمة أحداث لا تُحصى تقع لشخص واحد، وبعضها لا يمكن جمعه في وحدة واحدة." فما ينسلك تحت منطق الوحدة هنا هو وحدة التأثير الناتج عن الوحدة العضوية. فإذا طُبعت في القصة كان على القاصّ أن يضع لها خطة موحدة أولاً، ثم يوفر لكل جزء من أجزائها ترابطاً منطقياً.

وعندما يتمكن القارئ من فهم الخطة الأساسية التي بُنيت عليها القصة يتقدم إلى الخطوة التالية بسؤاله نفسه ما الذي يشدني إلى هذه القصة؟ والجواب هو أن الكاتب استطاع أن يجتذب القارئ منذ البداية إلى النهاية بوسائل التأثير التي لجأ إليها، فإذا نجح في الاستئثار به تبدأ عملية التشويق والمماطلة وما يتبعها من الاستثارة الدائمة، وبهذا يخوض القارئ حالة من القلق الدائم والتحفز المستمر.

ويأتي التشويق على صور كثيرة، فبعض الكتّاب يعتمد على طريقة آلية في المماطلة، وبعضهم يُمعن في تغليف وسائل التشويق والمماطلة حتى تكاد تخفى على القارئ، وقد يلجأ بعضهم إلى خديعة القارئ فيربط أجزاء قصته بسرّ يحتفظ به طوال القصة، وهي طريقة رخيصة وأسلوب مهلهل في التشويق.

وإذا ذكرنا التشويق فلا مناص من ذكر الذروة وهي القمة التي تبلغها أحداث القصة في تعقّدها. وعندما يبلغها القارئ ينفعل أشد الانفعال فيتضاعف شوقه لمعرفة الحال، والذروة نقطة فاصلة في القصة تتدرج الحوادث قبلها صُعداً حتى تصل إلى ذلك التوتر، ثم تبدأ بعده بالتصفية إلى أن تبلغ الخاتمة.

ويختلف ظهور الذروة باختلاف الكتّاب. وتصنيف الكتّاب إلى رومانسيين وواقعيين يعتمد في المقام الأول على عنصرَي التشويق والذروة. فالواقعيون يتجهون إلى سرد قصصهم على غرار الحياة الإنسانية الطبيعية، فيتجنبون العنف في إثارة الحوادث والإغراب في وصف المشاهد، ويوردون التفاصيل دون تنميق، ويكبتون العواطف المتأججة، في حين يمضي الكاتب الرومانسي في سبيل آخر فيورد المفاجآت المستغربة، ويصف حالات عجيبة من التأجج والهيجان.

وزيادة على عوامل التشويق التي يصطنعها الكاتب فقد يكون هناك عوامل أُخرى، فثمة نوع من القراء يحبون أن يضطلعوا بدور البطولة في تجارب أو مغامرات حُرموا منها في حياتهم الواقعية.

وهكذا نجد أن الكاتب يجتذب القارئ إلى قصته بالتشويق وبما يسنّه من أنواع الحركة المختلفة. ولكن هذا كله قد لا يجدي وقد يحتاج القارئ إلى دليل يأخذ بيده، وكثيراً ما يحسّ الكاتب بهذه الحاجة فيعمد إلى طريقة معينة. فمن الكتّاب مَن يعتمد طريقة تيار الوعي والمونولوج الداخلي كاشفاً عن الأفكار الواعية واللاواعية للشخصية، مستعيناً بالتداعي وبأحلام اليقظة وبالرموز المتواترة عوضاً عن السلوك الإنساني الخارجي، أو قد يسند إلى الشخصيات الثانوية مهمة توضيح القصة، أو قد تنطق شخصية من الشخصيات بلسان الكاتب موضحة خطة السير في القصة، أو تقوم بعض الشخصيات بدور الجوقة في المسرحية الإغريقية فتعلّق على الحوادث. ومن الطرق المتّبعة أيضاً طريقة الإرهاص أو التمهيد، وذلك بتهيئة ذهن القارئ لاستقبال بعض الحوادث بالإيماء إليها قبل وقوعها، كما أن التضليل نوع من أنواع التمهيد، وكثيراً ما يستغله كتّاب القصص البوليسية وقصص المغامرات والأسرار.

وما دمنا في معرض الحديث عن وسائل التشويق والمماطلة فعلينا أن نلفت النظر إلى مبدأ من أهم المبادئ في القصة وهو مبدأ السببية، فالقارئ الذواقة يتطلب أن يأتي تطور القصة طبيعياً لا يخرج عن نطاق المعقولية والاحتمال. وتختلف أساليب الكتّاب في ذلك باختلاف موضوعاتهم، فبعضهم يتقيد بالسببية تقيداً يكاد يكون تاماً، وبعضهم يتيح المجال للخوارق والمفاجآت، كما في قصص المغامرات التي يخرج كتّابها عن مبدأ السببية. وفي بعض القصص يلجأ الكاتب إلى عنصر القدر ليقنع القارئ بأنه لا يخرج عن نطاق المعقولية والاحتمال، أو قد يلجأ إلى عامل الصدفة، والصدفة عامل عفوي دخيل لا يتقيد بقيود المعقولية، بينما القدر عامل معترف به يخضع لقوانين ملزمة. 

القارئ وشخصيات القصة

تُعتبر الشخصية الإنسانية مصدر إمتاع وتشويق في القصة لعوامل كثيرة منها أن هناك ميلاً طبيعياً عند كل إنسان إلى التحليل النفسي ودراسة الشخصية. فكل منا يميل إلى أن يعرف شيئاً عن عمل العقل الإنساني، وعن الدوافع والأسباب التي تدفعنا إلى أن نتصرف تصرفات معينة، كما أن بنا رغبة تدعونا إلى دراسة الأخلاق الإنسانية والعوامل التي تؤثر فيها، ومظاهر هذا التأثر.

ولعل هذه المتعة التي يحسّ بها القارئ ناتجة عن تلك الأواصر التي تنعقد بينه وبين الشخصية الإنسانية في القصة - وقد يميل إليها لأنه يجد فيها مشابهاً منه، كما قد يستمتع بالشخصيات النموذجية التي تعكس مجموعة من صفات الشخصية الإنسانية عامة فيرى فيها بعض الشخصيات الحية التي يعرفها.

وكثيراً ما يتشبّه ببعض الشخصيات التي يقابلها دون أن يشعر، فيشعر بشعورها ويعتبر نجاحها أو إخفاقها نجاحاً أو إخفاقاً له، وهذه هي ظاهرة الإشعاع أو العدوى (Empathy)* كما يسميها علماء النفس. وقد يكون ثمة سبب أخير للمتعة وهو لذة التعرف إلى شخصيات جديدة. 

القصة والكاتب: عملية الإبداع

حبكة القصة: حبكة القصة هي سلسلة الحوادث التي تجري فيها مرتبطة عادة برابطة السببية، وهي لا تنفصل عن الشخصيات إلّا فصلاً مصطنعاً موقتاً وذلك لتسهيل الدراسة. فالقاصّ يعرض علينا شخصياته دائماً وهي متفاعلة مع الحوادث متأثرة بها ولا يفصلها عنها بوجه من الوجوه.

وعندما نتقدم إلى الحديث عن حبكة القصة يجب أن ننظر أولاً إلى المواد الأولية التي تُستمد منها، وإلى قيمة هذه المواد عندما تُعارَض بالحياة نفسها. وأكثر الكتّاب يغرفون من واقع الحياة التي تحيط بهم على ما بينهم من اختلاف في الزاوية التي ينظرون منها إلى هذه الحياة، وفي طبيعة الموضوعات التي يُعنون بعرضها. ولكن، على الرغم من اختلاف الموضوعات وأساليب العلاج، نجد أن هذه القصص جميعها لها قيمتها الخاصة ومعانيها الإنسانية الأصيلة، وذلك لأنها لا تُعنى بما يطفو على سطح الحياة، ولكنها تتعمق إلى مختلف العواطف وتستبطن ألوان المشكلات وتعكس صور الصراع الحيوي الذي تتصل عراه بين أعضاء المجموعة التي عزلها الكاتب ليصفها لنا بدقة وأمانة.

والعظمة الحقيقية في القصة تعتمد على عظمة موضوعها أو القيمة الحقيقية لموادها الأولية، ولكن عظمة الموضوع لا تكفي لجعل القصة عظيمة إذ لا بد لها من اليد الصَّنَاع التي تُبرز خصائصها وصفاتها وطاقاتها على أحسن وجه، ترفدها موهبة وخبرة في الحياة عميقة.

والحديث عن الخبرة يقودنا إلى مسألة أساسية هي الصدق في التعبير عن الشخصية وفي تصوير الحياة، فالصدق هو الشرط الأول في كل عمل أدبي، ولهذا يترتب على الكاتب أن يتقيد بمجال خبرته، وألّا يعرض للموضوعات التي تنقصه الخبرة الشاملة العميقة بها.

ومجال القاصّ هو عناصر التجربة الإنسانية التي عرفها أو خبرها، ولهذا يستطيع أن يتمثلها تمثلاً فنياً صحيحاً، وممّا لا شك فيه أن الكاتب يستطيع أن يؤلف قصة عظيمة واحدة على الأقل إذا تقيد بمجال خبرته الإنسانية. وليس من الضروري أن تكون التجربة المباشرة المصدر الوحيد لمعرفة الحياة، ففي الكتب أنواع مختلفة من الخبرة، كما أن في الاتصال بالناس ألواناً من الخبرة التي قد نعجز عن نوالها بالتجربة المباشرة. ولكن الأمر بالطبع يختلف بالنسبة لكاتب القصة التاريخية لأنه مضطر إلى الاعتماد على الخبرة التي تأتيه بالواسطة، إذ يجمع مادته من مصادر التاريخ. وقد يضطر كاتب القصة العصرية إلى مثل هذا إذا تناول موضوعاً من الموضوعات التي تكون غريبة أو غير مألوفة أو بعيدة عن مجال خبرته الخاصة.

والقصة مهما كان نوعها هي في حقيقتها نوع من الحكاية، ولهذا علينا بعد قراءتها أن نتساءل: هل الحكاية في حد ذاتها طريفة ومشوقة؟ وهل استطاع الكاتب أن يقصّ علينا ببراعة وافتنان دون أن يُفسد تسلسلها بالحشو والإسهاب في بعض المواضع، وبالحذف والإيجاز في مواضع أُخرى؟

إن هناك بعض القصصيين يكتبون قصصاً ليس لها وزن ولا قيمة خالدة، ولكنهم يسردونها بأسلوب بسيط سلس فتأتي شيّقة بما يغري، في حين أن غيرهم يعجزون رغم قيمة موضوعاتهم أو أفكارهم عن سرد قصصهم بهذا الأسلوب، أو أنهم يُبرزون القيم الفكرية على حساب القيمة الفنية للعمل.

ولا يعني ذلك أن يكون تحليل أسلوب السرد وتطور العمل القصصي همنا الوحيد في دراسة القصة، بل علينا أيضاً أن نلتفت إلى طريقة ربط الأجزاء المنفصلة وإبراز المواقف المتباينة واستغلال كل ما يتاح من وسائل التأثير.

وتختلف أساليب الكتّاب في ذلك، فبعضهم يؤثر الإيجاز القائم على الإيحاء، في حين يؤثر بعضهم الإطناب.

نستطيع أن نقسم القصة من حيث تركيب الحبكة إلى نوعين مميزين هما: القصة ذات الحبكة المفككة (loose) والقصة ذات الحبكة العضوية المتماسكة (organic)، وتُبنى القصة من النوع الأول على سلسلة من الحوادث أو المواقف المنفصلة التي لا تكاد ترتبط برباط ما، ووحدة العمل القصصي فيها لا تعتمد على تسلسل الحوادث ولكن على البيئة التي تتحرك فيها القصة، أو على الشخصية الأولى فيها، أو على النتيجة العامة للأحداث، أو على الفكرة الشاملة التي تنتظم الحوادث والشخصيات جميعاً.

أمّا القصة ذات الحبكة المتماسكة فإنها تقوم على حوادث مترابطة يأخذ بعضها برقاب بعض، وتسير في خط مستقيم حتى تبلغ مستقرها.

والتقسيم المذكور آنفاً لا يعني أن القصة ذات الحبكة المتماسكة خير من القصة ذات الحبكة المفككة، وإنما هو تقسيم لتسهيل البحث. فممّا يؤخذ على القصة ذات الحبكة المتماسكة أنها قد تنقلب أحياناً إلى عمل آلي حتى إن القارئ يشعر فيها بإحكام الصنعة، وأنها قد تؤدي إلى الافتعال والصدفة الأمر الذي يجعلنا نتطلب لشرط الإتقان أن تتحرك القصة بطريقة طبيعية خالية من الصدفة والافتعال وأن تكون مقنعة وخلواً من الآلية المجافية للحياة الإنسانية العادية.

والحبكة القصصية تنقسم من حيث موضوعها إلى نوعين: الحبكة البسيطة والحبكة المركبة. ففي النوع الأول تكون القصة مبنية على حكاية واحدة، أمّا في الثاني فتكون مركبة من حكايتين أو أكثر. ووحدة العمل والتأثير في القصة تتطلب تداخل الحكايات المختلفة واندماجها، والكاتب حين يبني قصته على حكايتين أو أكثر يُعنى في المقام الأول بتوازنهما وبإظهار تأثير إحداهما على الأُخرى.

بقيت مسألة أخيرة تستحق الالتفات عند دراسة الحبكة وهي طريقة عرض الحوادث أو تطويرها، وللكتّاب طرقهم في ذلك، فمنهم مَن يلجأ إلى السرد المباشر، أو طريقة الترجمة الذاتية، أو طريقة الوثائق، أو الرسائل المتبادلة، أو إلى طريقة حديثة هي تيار الوعي أو المونولوج الداخلي (stream of consciousness).

وعمل الكاتب في طريقة السرد هو عمل المؤرخ الذي يدون التاريخ الظاهر لمجموعة من الشخصيات، وفي الثانية (الترجمة الذاتية) يكتب القصّاص قصته بضمير المتكلم ويضع نفسه مكان البطل أو البطلة ليبثّ على لسان الشخصية ترجمة ذاتية متخيلة، وفي الطريقة الثالثة يعتمد الكاتب على الرسائل أو على المذكرات.

أمّا الطريقة الأخيرة (تيار الوعي) فتُعتبر من أحدث التطورات في فن القصة، وقوام هذه القصة الأفكار والذكريات ليس إلّا، فخواطر الإنسان لا تقل أهمية أو دلالة على كلامه أو أعماله، وغاية الكاتب في قصص كهذه هي أن يدرس الشخصية الإنسانية ويفرضها برسم قطاع داخلي لحياتها العقلية الطبيعية العفوية. ولا يعني [ذلك] أن هذه القصص تخلو من الأفعال الإنسانية خلواً تاماً، وليس ضرورياً أن يظل البطل ساكناً، بل إن اتصاله بالأشخاص على قلة عددهم يساعدان [يساعد] الكاتب على استنزال معطيات فكره العفوي وأحلام يقظته.

ولا يخفى أن لكل طريقة من هذه الطرق ميزاتها الخاصة، فبينما تتيح طريقة السرد المباشر للكاتب أن يحرك شخصياته ويرسم الأمكنة والمواقف، نرى الطرق الأُخرى تساعده على رسم جو من الصدق والسذاجة والأُلفة، ولكن ثمة صعوبات تنجم عن اصطناع الطرق الأُخرى هي الخروج أحياناً عن نطاق الشخصية وإنطاقها بما لا يُحتمل أن تنطق به. ولا ننكر أيضاً أن لقصة الرسائل والمذكرات فائدة عظمى تتجلى في إتاحة المجال للكاتب للتعبير عن الأحاسيس والعواطف التي تعتمل في نفوس الشخصيات، كما أنها تساعد على الإرهاص والتنبؤ بالمصائب قبل وقوعها. أمّا قصة تيار الوعي فإنها تتيح للكاتب أن يصور لنا الحياة كما تُصورّها تلك الشخصية، وعن نظرتها إلى الشخصيات الأُخرى. وهكذا يرسم لنا معالم الشخصية من خلال عالمها الشعوري واللاشعوري الخاص.

 

الصفحة الأولى من الوثيقة

 

 مع غادة السمّان والسيدة فيروز

 

 

مع نازك الملائكة

 

مع إدفيك جريديني شيبوب وناهدة فضلي الدجاني ومحمد يوسف نجم

 

تتوسط مقدم البرامج شفيق أرناؤوط والدكتور سهيل إدريس خلال ندوة تليفزيونية في القناة 7 في 28 / 7 / 1966

 

مع مارون عبّود

 

 

* النص بلا عنوان، والعنوان أعلاه من صوغ المحرر.

 

* تُترجم كلمة Empathy إلى "التعاطف" بحسب مصطلحات التحليل النفسي. (المحرر)

 

 

Author biography: 

سميرة عزّام: كاتبة قصصية وصحافية، ومن رائدات العمل النسوي والوطني الفلسطيني.