دوامة الدين والدولة في إسرائيل
Keywords: 
الدين والدولة
إسرائيل
الصهيونية
Full text: 

(١)

هناك عدة تعريفات لمفهوم "العلمنة" كعملية اجتماعية تحديثية. وتنطلق هذه التعريفات من اعتبار أوروبا العصر الحديث نموذجًا كلاسيكيًا لعملية العلمنة. وهنالك تَوَجُّهَان أساسيَّان يتخلَّلان معظم التعريفات: ينطلق الأول من العلمنة التي تمَّت في المؤسسة الكنسية ذاتها وفي الأدْيِرَة، وتجلَّت بالتوجه والاعتناء أكثر فأكثر بقضايا الدنيا، وبقضايا مملكة الأرض، بدل الاهتمام وبصورةٍ مطلقةٍ بقضايا الكنيسة وقضايا السماء أو مملكة الله. أمَّا التوجه الثاني، فينطلق من العمليات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت عملية فصل الدين عن الدولة والعلم والاقتصاد... إلخ، فصلًا مؤسساتيًا وحقوقيًا وحتى قيميًا. وقد رافقت عملية فصل الدين عن الدولة عملية لا تقلّ عنها أهمية هي فصل الدين عن الأمّة مع نشوء الدولة القومية التي لا تفصل ما بين الأمة والمواطنة – فالأمَّة الحديثة هي أمَّة لدولةٍ لا مجموعة إثنية. وقد تُوِّجت هذه التطورات التاريخية بمنظوماتٍ ومذاهبٍ فلسفيةٍ أفردت للدين موضعًا في مجال الحسم الخلقي الفردي أو الخيار الإيماني الخاص، أي نقلت الدين من المجال العام إلى المجال الخاص.

وإذا انطلقنا من التعريف الثاني لعملية العلمنة، وهو الموضوع الذي يثير نقاشًا وحوارًا في العالم العربي وفي إسرائيل حاليًا، فسنصل إلى نتائج نظرية مذهلة لعملية العلمنة إذا ما قمنا برسم نموذج نظري خالص لهذه العملية. فإذا تصورنا فصلًا مطلقًا بين الدولة (عالم السياسة) وبين الدين نجد أنَّه، وعلى هامش كل من العالمين، ينشأ توتر وصراع.

فعالم الدين الذي أفرد له مجال "الخاص" هو عالم اجتماعي بحسب كل تعريف للدين. وحبسه في المجال الفردي يخلق توترًا للعودة والالتحام بالسياسة، من أجل إعادة الوحدة بين الدين والدولة، وهذا هو موطن الحركات الدينية السلفية. على هامش الدين ينشأ إذًا الدين السياسي، العمل في السياسة باسم الدين، والتَّوْقُ إلى العودة إلى الشريعة أو التلمود... إلخ. وقد تنشأ أوضاع تلتحم فيها الأقلية الدينية السياسية بما يُسَمَّى الدين الشعبي، أو إيمان ومعتقدات عامة الناس، ليتحول إلى خطر فعلي يهدد باقتحام السلطة السياسية. لكنْ من أجل ذلك يجب أنْ تتوفر أوضاع تاريخية لا نستطيع خوضها في هذه المقدمة النظرية.

وفي عالم السياسة النقي من الدين، يُوْلَدُ توتر وصراع في الهامش ناجم عن التَّوْق إلى "المقدس" (وهو جوهر التدين) في مجالات حياتية أصبحت علمانية وانفصلت عن الدين. فعلى هامش الحركة القومية، تنشأ مقدسات علمانية من نوع جديد مثل "الأمة" و"الوطن"... إلخ. وعلى هامش الحركة الاشتراكية العلمانية، تنشأ مقدسات أخرى مثل "الحزب القائد". وقد تنشأ أوضاع تاريخية تمكّن هذه العلمانية الغيبية من السيطرة إلى فترة من الزمن، أو محاولة إيجاد بدائل من الدين الذي انحسر في المجال الخاص الفردي. (ولم تحقق أيَّة حركة نجاحًا يُذْكَر في عملية التحول إلى دين بديل).

ما أريد الوصول إليه هو أمر واحد بسيط: إنَّ الحركات السلفية أو التدين السياسي والحركات العلمانية الغيبية هي نتاج لعملية واحدة هي عملية العلمنة، لكنَّها تَسْتَخْدِمُ مفاهيم ومصطلحات متناقضة. فالأولى تحاول إخضاع السياسة للمفاهيم والقيم الدينية، بينما تحاول الثانية أنْ تعطي مفاهيم أرضية دنيوية طابعًا مُقَدَّسًا. والصراع ما بين السلفية الإسلامية والقومية العربية مثال لذلك؛ فقد نشأ مفهوم الأمة العربية أصلًا من رحم الصراع مع مفهوم الأمة الإسلامية. ولا تسمح السلفية الدينية بتقديس مصطلحات دينية وتعتبر هذا التقديس ضربًا من ضروب الزندقة والإلحاد.

من الممكن، طبعًا، إيراد أمثلة عديدة من التاريخ الحديث لِتَحَالُفِ قوى وطنية محافظة في دول رأسمالية متطورة مع المؤسسة الدينية أو مع التقاليد والتراث الديني، وخصوصًا في تلك الدول التي تأسست فيها كنيسة وطنية مثل ألمانيا، أو حيث تقع دول معينة ينتمي أغلب سكانها إلى طائفة محددة في محيط يدين بديانة أخرى (بولونيا الكاثوليكية)، أو حيث جرى الصراع لتأسيس وبناء صرح أمة من الأمم مع قوة أجنبية تنتمي إلى دين آخر. ويجب أنْ يُؤْخَذَ كل هذه الحالات بعين الاعتبار عند الحديث عن اختلاط الدين الشعبي بالوعي القومي الشعبي، أو عند الحديث عن تحالف التيارات اليمينية المحافظة مع التقاليد الدينية، وخصوصًا في الدول الرأسمالية المتطورة.

لكنَّ التيارات السلفية تختلف عن المؤسسة الدينية اختلافًا جوهريًا، لأنَّها نتاج لعملية العلمنة. والسلفية هي تيار ديني سياسي حديث يدعو إلى إعادة دمج الدولة في الدين، أي إنَّ السلفية تفترض انفصالهما في الوعي على الأقل. كما يجب تمييز التيارات السياسية العلمانية التي تَرْفَعُ قيمًا دنيويةً إلى درجة التقديس، مثل الدم والأرض والبطل والقائد والحزب... إلخ، من التيارات اليمينية المحافظة التي تضع نُصْبَ أعينها قضية الحفاظ على الهرمية الاجتماعية. وقد تَعْتَبِرُ التيارات اليمينية المحافظة الحركات الفاشية، مثلًا، تهديدًا للهرمية الاجتماعية، وقد تتحالف معها من منطلق براغماتي.

في أيَّة حال، فإنَّ الفرضية التي أطرحها تتناول العلاقة بين التوجهات القومية أو الطبقية المتطرفة التي تقع على هامش السياسة العلمانية أو الدولة التي تعلمنت، وبين التوجهات السلفية على هامش الدين الذي فقد الدولة والتي تحاول العودة إلى دمج الدين في الدولة.

والمثل الوحيد الذي عَثَرْتُ عليه لتوجهات قومية متطرفة تلتقي مع اتجاهات دينية سلفية متطرفة مستخدمة المصطلحات والمفاهيم والتعابير نفسها، هو المثل الإسرائيلي. واستنتاجي الوحيد الممكن هو أنَّه لم تَجْرِ في الحركة الصهيونية وفي إسرائيل، أصلًا، عملية علمنة في جوهر المفاهيم وإنَّما في مظاهرها فقط.

هذا لا يعني أنَّ الصراع الذي جرى مع بدايات الصهيونية، والذي ما زلنا نشهد تشعباته حتى الآن بين الصهيونية والمتدينين اليهود، وَهْمٌ أو خداع بل كان صراعًا حقيقيًا ومؤلمًا. لكنْ ما أودُّ قوله هو أنَّ هذا الصراع لم ينفذ، حتى في أوج استعاره، إلى الفصل بين الأمة والدين أو بين الدين والدولة.

(٢)

يُدْهَشُ المراقب الموضوعي عندما تصل إلى مسامعه أنباء القضايا غير المحلولة بين الدين والدولة في إسرائيل. فقانون العودة، مثلًا، ما زال يفتقر إلى تعريف "من هو اليهودي؟". وسؤال من هو اليهودي سؤال ديني في نهاية الأمر، والعوائق أمام حسمه عوائق دينية. فليس هنالك خلاف في شأن كون اليهودي هو المولود لأم يهودية، ولكنْ هنالك فارق بين المتدينين الأرثوذكس وبين الاتجاهين المحافظ (conservative) والإصلاحي (reformist) بشأن عملية التهويد، أي إذا تمَّت بحسب أصول الشريعة أم لا.(1)  والسؤال سؤال ديني مع أنَّ الإجابة عنه قد تعني منح المواطنة لليهودي "القادم الجديد"، أو عدم منحه إياها.

وقد ثار النقاش نفسه، وبحدةٍ بالغةٍ، في الصحافة الإسرائيلية عند محاولة المؤسسات الدينية في إسرائيل، وخصوصًا "الحاخام الأكبر" (رابانوث راشيت) التشكيك في يهودية عددٍ كبيرٍ من المهاجرين اليهود السوفيات إلى إسرائيل في موجة الهجرة الجماهيرية الأخيرة.(2)

في  إسرائيل، خلافًا للدول القومية الأخرى (nation state)، لا تتطابق الأمة مع المواطنة؛ فليس كل مواطن إسرائيلي جزءًا من "الأمة الإسرائيلية" التي لا تعترف المؤسسة الرسمية أصلًا بوجودها. إنَّ أكثرية السكان في إسرائيل سكان يهود ينتمون إلى أمَّة عالمية هي الأمَّة اليهودية. والنقاش الجاري في إسرائيل حاليًا هو فقط بشأن ما إذا كانت إسرائيل دولة اليهود أم تعدو ذلك لتكون دولة يهودية، أي دولة ذات طابع ديني يهودي. لكن كلا الطرفين المتناقشين في إسرائيل لا يتجاوز عمليًا التطابق بين الأمة والطائفة، أو اعتبار الانتماء إلى الطائفة اليهودية انتماء إلى الأمة اليهودية.

وتحتد النقاشات في إسرائيل بشأن موضوعات حقوقية عديدة تتعلق بعلاقة الدين بالدولة، مثل: عدم اعتراف الدولة بالزواج العلماني، وتدخّل المؤسسة الدينية في العديد من جوانب "الأحوال الشخصية"، إلى جانب تقييد حركة المواصلات في شوارع معينة يسكنها المتدينون أيام السبت، ومنع استيراد لحم الخنزير، وتدخل المؤسسة الدينية في منح لقب "كوشير" للمطاعم التي تُقَدِّم طعامها وفق أصول الشريعة. وغالبًا ما يأخذ هذا النقاش في إسرائيل شكل صراع ضدّ ما يسمى "فرض الدين على الدولة" – وخصوصًا مع ازدياد وزن الأحزاب الدينية الناجم عن قدرتها على فرض شروط خلال المفاوضات الحكومية، مستغلة انقسام الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) إلى قسمين متعادلين بين حزب الليكود وحلفائه اليمينيين من جهة، وبين حزب العمل والأحزاب الواقعة إلى يساره من جهة أخرى. وما يلفت النظر، أيضًا، رفع القوى العلمانية الصهيونية في تظاهراتها وأعمالها الاحتجاجية الأخرى شعارات تدعو إلى تجنيد طلاب المدارس الدينية (اليشيفوت) للجيش الإسرائيلي.(3)   أي إنَّ النزعة إلى العسكرة وطرح الجيش كقيمة عُلْيَا اخترقا صفوف العلمانيين تمامًا. وفي الواقع، فإنَّ خدمة طلاب المدارس الدينية في الجيش الإسرائيلي، أو عدم خدمتهم، لا يقدمان حلًّا لمعضلة العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل؛ فإذا وافقت أقسام من الأحزاب الدينية الأرثوذكسية على الخدمة في الجيش فربما تصبح إسرائيل أكثر دينية لا أقل دينية. ويبدو أنَّ هنالك نزعة لدى الأحزاب الدينية الأرثوذكسية غير الصهيونية إلى التكيف إزاء الرأي العام في الدولة، كما تفعل ذلك في أيَّة دولة أخرى يعتبرها اليهود منفى انطلاقًا من مقولةٍ في التلمود اليهودي "حكم صاحب الملك يعتبر حكمًا" (دينا ديملكوتا دينا) – أي إنَّ الدين اليهودي يفرد سلطة للدولة في المنفى. فهل تُعْتَبَرُ إسرائيل منفى بالنسبة إلى هذه الأحزاب والتيارات الدينية، وما الفارق بينها وبين التيارات الدينية الصهيونية؟ هذا هو السؤال الذي يُحَيِّرُ العديد من الباحثين العرب، وسأحاول الإجابة عنه في الفقرة التالية.

 (٣)

عندما ظهرت الصهيونية السياسية في أوروبا تبيّن أنَّ هنالك معارضة شديدة لها في أوساط المتدينين اليهود. ولن أعالج في هذا المقال دواعي نشوء الحركة الصهيونية وأسبابه وظروفه، إلا أنَّه لا بدَّ من التعرض لبعض المبادىء الأساسية للحركة الصهيونية التي أدَّت إلى هذا النفور الشديد لدى المتدينين اليهود.

أ) هوجمت الصهيونية وبشدة لأنَّها وَضَعَتْ نُصْبَ أعينها إحلال الفكرة القومية عاملًا موحدًا لليهود أينما كانوا، بدلًا من تنفيذ الفرائض الدينية والتزام تعاليم التوراة التي حافظت على تميُّز ووجود اليهود بين باقي الأمم كما يَدَّعي المتدينون. فالصهيونية تُحَوِّلُ اليهود إلى أمة كباقي الأمم، وتشجعهم على التخلي عن الواجبات الدينية.

وهكذا يقول الحاخام حاييم هاليفي من بريسك: "بالنسبة إلى طائفة الصهيونيين فقد تنظمت الآن بقوة، وأعلنت أنَّ هدفها اقتلاع أسس ديانتنا... على شعب إسرائيل ألَّا ينضم إلى مغامرةٍ تهدد بتدمير الدين..."(4)  ويقول الحاخام غور: "على اليهودي ألَّا ينضم إلى الأشرار – أولئك هم الصهاينة." (5)  

وتُعْتَبَرُ الشخصيتان المذكورتان أعلاه من آباء ومؤسسي المدارس الدينية الليتوانية التي يقودها في إسرائيل حاليًا الحاخام شاخ. ويتشعب عن هذه الحجة، أي علمانية الصهيونية في ذلك الحين وعلمانية دولة إسرائيل فيما بعد، العديد من المواقف التي بدأت بمعارضة الصهيونية لأنَّها تهدف إلى تحويل اليهود إلى أمَّةٍ كباقي الأمم، وانتهت بالموافقة على اعتبار إسرائيل دولة كباقي الدول من دون قبول الصهيونية. وسنرى كيف تطور هذا الموقف فيما بعد.

ب) الحجة الثيولوجية المهمة والتي بدأت التيارات الدينية غير الصهيونية كلها بالتلويح بها وانتهت في هذه الأيام لتكون حجة الأقلية بين المتدينين اليهود، ويتبنَّاها حاليًا فقط "ناتوري كارتا" (حماة الأسوار) و"أتباع ساتمر" (Satmar Hassidism). وتتلخص هذه الحجة باعتبار الصهيونية حركة مسيانية كاذبة تحاول تعجيل النهاية بوسائل دنيوية. فخلاص اليهود بقدوم المسيا وجمع الشتات.. إلخ هو عملية سماوية لا أرضية، ولا تتم ضمن حركة التاريخ الفعلية وإنَّما تأتي كنفي لحركة التاريخ الواقعية. هذه الحجة إذًا تتهم الصهيونية بالنبوة الكاذبة وبالتدخل في شؤون السماء، فإنَّ جمع الشتات هو من بشائر قدوم المسيا الذي سيقيم مملكة إسرائيل من جديد.

لقد تبنَّى هذا الموقف كل التيارات غير الصهيونية في البداية، وحتى تيار الحاخام شنيئرسون أو "الحاخام من لوبافتش" كما يسمى عادة هذا التيار المتحالف حاليًا مع تيار أرض إسرائيل الكبرى. فمع بدايات الحركة الصهيونية سُجِّلَتْ لشنيئرسون تصريحات مثل: "إنَّ من يتمسك بالتوراة وبالوصايا لا يمكن أنْ يقبل هذا الشكل من مغادرة المهجر بالقوة والخلاص بقوة الذات. إنَّ هذا السلوك يتعارض مع عقيدة إسرائيل وطموحاتها – إنَّنا نتمنَّى وننتظر الخلاص بقدوم المسيا."(6)   

ج) الصهيونية "سراب وأوهام"؛ فهي تعتمد على حسن نية الأمم ومساعدتها لليهود. ولا تتلاءم طبيعة الشعب اليهودي مع النشاط السياسي الدنيوي الذي يميز الشعوب الأخرى – باختصار الصهيونية غير واقعية ولن تتحقق. هذه الحجة ضعفت بالتدريج مع بوادر نجاح المشروع الصهيوني ووعد بلفور ثم قرار التقسيم. وعمليًا، وفي يومنا هذا، تتمسك الاتجاهات الدينية الأرثوذكسية بالحجة الأولى، أما الحجة الثانية فهي من نصيب المغالين في العداء للصهيونية من منطلقات مسيانية.

(4)                

طرأ على موقف اليهودية التقليدية من المشروع الصهيوني تحوُّل متدرج، تأثَّر بالأحداث السياسية قبل قيام إسرائيل. وكانت الكارثة التي حلَّت بيهود شرق أوروبا ومركزها من أهم هذه التحولات، إذ نجم عنها تحطيم وبعثرة المراكز الدينية القوية والأساسية في أوروبا الشرقية. وانتقل مركز الثقل إلى المراكز الدينية في إسرائيل والولايات المتحدة. ومع أنَّ أكثرية التيارات التقليدية حافظت على موقفٍ غير صهيوني إلَّا أنَّها انتقلت بالتدريج إلى التعايش مع الصهيونية، بل التحالف معها بعد قيام الدولة اليهودية. وذلك باعتبار إسرائيل واقعًا تاريخيًا، وكل واقع تاريخي غير مسياني هو منفى بالنسبة إلى اليهودية التقليدية: "الشعب اليهودي ما زال في المنفى حتى ظهور المخلص، وحتى لو كان مكان إقامته دولة إسرائيل فهي ليست خلاصًا ولا بداية الخلاص."(7) هذا هو موقف الحاخام أليعيزر مناحم شاخ الذي يخضع لتوجيهاته حزبان دينيان في إسرائيل حاليًا.

سنحاول تصوير التطور التاريخي في مواقف التيارات الدينية غير الصهيونية بمتابعة التحول في مواقف حزب أغودات يسرائيل الذي أقيم سنة ١٩١٢ لتوحيد التيارات الدينية المعادية للصهيونية.

كما يبدو، شكّل وعد بلفور في ٢ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧ نقطة التحول التاريخية؛ فقد فُسِّرَ وعد بلفور بأنَّه نوع من أنواع العناية الإلهية، بل اعتبره البعض معجزة وإشارة إلى إرادة الخالق التي تتجلَّى في تعامل "الأمم" (غير اليهود) مع اليهود. ومع الإنجازات التي حققها الاستيطان اليهودي في فلسطين في الثلاثينات، ومشروع تقسيم لجنة بيل (تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٣٧)، تَبَلْوَرَ موقف يدعو إلى تأييد إقامة دولة إسرائيل من منطلق عدم البقاء على هامش السياسة اليهودية، ومن أجل التفاعل معها والتأثير فيها. غير أنَّ الأغلبية أصدرت في النهاية قرارًا يلتزم الموقف التقليدي، لكنْ يَعْتَمِد في الأساس، في رفضه للدولة اليهودية، على طابعها العلماني المؤكد: "أغودات يسرائيل في أرض إسرائيل تَرْفُضُ رفضًا باتًّا كل محاولة لنزع القدسية عن أرض إسرائيل، وتَعْتَبِرُ اقتراح إقامة دولة يهودية علمانية في فلسطين تهديدًا للمهمة السامية للشعب اليهودي كأمة مقدسة."(8) لكنَّ هذا الموقف يحمل في طيَّاته إمكانات الحلول الوسط. وبدأ موقف أغودات بالتطور فعلًا في اتجاه التحاور مع قيادة الحركة الصهيونية، ومفاوضتها بشأن ضمانات تُقَدِّمُهَا هذه الدولة لاحترام الشريعة اليهودية. وعشية قرار التقسيم تَوَصَّلَ هذا الحزب إلى موقف مَفَادُه أنَّه لا يستطيع معارضة قيام الدولة علنًا، كما لا يستطيع دعم قيامها لأنَّها ستكون دولة علمانية.(9)  

انتصرت في هذه النقاشات مواقف الحاخام يتسحاق ليفين، قائد أغودات يسرائيل في فلسطين، والذي شارك فيما بعد في اللجنة الأمنية التابعة للدولة اليهودية وفي الحكومة الموقتة الإسرائيلية بعد إعلان قيام الدولة، على مواقف القائد التاريخي لأغودات يسرائيل الحاخام ألحانان فاسرمان الذي اعتبر إسرائيل منفى مزدوجًا.(10) 

لقد بدأت المفاوضات بين أغودات يسرائيل كحزب سياسي ديني وبين القيادة العلمانية للحركة الصهيونية منذ تلك الفترة، وشكلت هذه المفاوضات نقطة البداية لعلاقة معقدة استمرَّت منذ قيام الدولة بين القيادة الصهيونية العلمانية وبين الأحزاب الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل. وتَمَحْوَرَت المفاوضات في تلك الفترة حول الأمور التالية: ١) قوانين الأحوال الشخصية؛ ٢) السبت؛ ٣) قوانين تتعلق بالغذاء "الكوشير"؛ ٤) أوتونوميا للتعليم الديني اليهودي – أي عدم جعل التعليم العلماني إلزاميًا؛ ٥) حرية العبادة. أودُّ أنْ أذكر أنَّ هذه المفاوضات جرت قبل قيام الدولة. ولم يَتَعَهَّد بن – غوريون إلَّا بحرية العبادات وعدم الإجبار على التعليم العلماني.

وعشية قرار التقسيم بدأت أصوات مؤيدة لقيام إسرائيل ترتفع أكثر فأكثر داخل أغودات، مفسرة قرارات الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنَّها من مظاهر العناية الإلهية. وفي الحقيقة إنَّ أغودات، كحزب سياسي، شعر بالعزلة التامة في السياسة اليهودية في تلك الفترة وأراد أنْ يؤمِّن مصالحه، وذلك بالوجود والتأثير في مراكز صُنْع القرار السياسي. وهكذا يقول الحاخام ليفي، وزير الشؤون الاجتماعية، في اجتماعه إلى مجلس كبار التوراة بتاريخ ١٦ شباط/ فبراير ١٩٤٩: "لا شك في أنَّ يد الله تُحَرِّكُ كلَّ شيء... نحن نواجه تناقضات حادة. لقد كان موقف أغودات يسرائيل الأوَّلي معارضة الحياة العامة التي لا تتفق مع التوراة. والآن تُشَكِّلُ دولة إسرائيل استمرارًا للصهيونية وتحقيقًا لتطلعاتها. من الناحية الأخرى، لو قام مجلس كبار التوراة واليهودية الأرثوذكسية، بصورة عامة، بالتدخل في هذه القضايا منذ بدايتها لما كنَّا أقلية ولكانت الأمور تختلف عمَّا نحن عليه الآن..."(11) 

غير أنَّ مواقف ليفين عكست فقط مزاجًا مؤقتًا داخل أغودات يسرائيل. وبدأ التوجه العام في أوساط اليهودية الأرثوذكسية ينتقل بالتدريج إلى موقف "متوازن"، هو الاعتراف الواقعي (de facto) بالدولة من دون منحها اعترافًا حقوقيًا (de jure) – أي رفض الأساس الأيديولوجي للدولة والتعامل مع مؤسساتها في آنٍ واحد. ويُعْتَبَرُ هذا الموقف عودة إلى مواقف الحاخام أبراهام يشعياهو كارليتنر، الذي لم يساوِ بين الدولة وظلمات المنفى، كما لم يرها خَلَاصًا بالتأكيد وإنَّما أمرًا إداريًا تقنيًا فقط.(12)   وبموجب هذا الموقف، "لا توجد قيمة مستقلة مطلقة في التوراة إلَّا للرب تبارك اسمه وخدمة الرب. إنَّ قيمة الدولة ومؤسساتها تقاس بمدى ما تَقَرَّبَ الشعب إلى الله والتوراة وفرائضها." (13)   

وبصورة عامة، لم يشارك أغودات يسرائيل في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. لكنَّه شارك في الائتلافات ولجان الكنيست، وحاول الحصول على ميزانيات للمؤسسات الدينية والاجتماعية التي يرعاها. وانتقل أغودات، فيما بعد، إلى المطالبة بمناصب مهمة في لجان الكنيست، ورأس لجنة المال عدة مرات. لكنْ، وفي الأعوام الأخيرة، ظهرت في إسرائيل أحزاب أرثوذكسية دينية تُنَافِسُ "أغودات يسرائيل" وتُوَافِقُ على الانضمام حتَّى إلى الحكومة.

وكما يبدو، فإنَّ الانتقال من هامش الحياة السياسية إلى مركزها، وإنْ كان بحاجة إلى موقف سياسي، يدفع في اتجاه تحقيق مصلحة سياسية؛ فإنَّ الوجود في مركز الحياة السياسية والاقتصادية يؤثر بنيويًا في الحركات السياسية ويؤدي في نهاية الأمر إلى تكيفها الأيديولوجي إزاء الواقع الجديد. والعمل داخل السلطة السياسية يعني التطلع في النهاية إلى المزيد من السلطة.

عندما ثار نقاش بين قيادة أغودات يسرائيل في فلسطين وقيادتها في الولايات المتحدة، التي عارضت الانضمام إلى الحكومة الموقتة، كان تبرير القيادة المحلية لمشاركتها مُنْطَلِقًا من موقف الضعف، موقف الأقلية المضطرة إلى الانضمام إلى الحكومة لتأمين مصالحها – لكنَّ التطور اسْتَبْدَلَ منطق الضعف بمنطق القوَّة، منطق السلطة والتأثير فيها فيما بعد، لا لتأمين الحريات الدينية وإنَّما من أجل فرض الشرائع الدينية على الحياة اليومية للأكثرية العلمانية.

(٥)

إذا وضعنا جانبًا موقف "ناتوري كارتا" المثابر ضد وجود إسرائيل من منطلق ثيولوجي، فقد حدث بعد سنة ١٩٦٧ داخل التيارات الدينية الأرثوذكسية تقطب من نوعٍ جديدٍ لم نشهده من قبل، وإنْ كانت بذوره الفكرية موجودة. وقد تحول موقف أغودات يسرائيل، في سياق هذا الاستقطاب الجديد إلى موقف وسطي يتعامل مع الدولة من أجل تأمين وتوسيع مصالح الفئات التي يمثلها الحزب. واحتلال أغودات يسرائيل موقعًا وسطيًا ناجم عن تميّز قوى قديمة بمواقف جديدة.

بعد احتلال ما تبقَّى من فلسطين في حرب حزيران / يونيو ١٩٦٧، طرأ تحول على مواقف معظم الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية من اعتبار هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية إلى اعتبارها بداية الخلاص. وفي الأوساط الدينية غير الصهيونية انطلق الصوت الجديد من الولايات المتحدة موطن زعيم حركة "حاباد"، الحاخام شنيئرسون، الملقب "الحاخام من لوبافتش". ويتلخَّص الموقف الجديد بالقول إنَّه صحيح أنَّ دولة إسرائيل ككيان صهيوني هي تعبير عن الكفر والتمرُّد على إرادة الله، ولذلك فهي بالتأكيد ليست تعبيرًا عن الخلاص، لكنْ، ومن ناحية أخرى، فإنَّ "أرض إسرائيل" بسيادة يهودية تنطوي على مغاز دينية ذات أهمية. ولذلك تدعو هذه الحركة إلى عدم التنازل عن أي من الأراضي التي احْتُلَّتْ سنة ١٩٦٧ ، وذلك من منطلق أحكام الشريعة الدينية.

لقد تأثر هذا الموقف منذ البداية بما سمّاه "المعجزات والإشارات السماوية" التي تجلَّت بالانتصارات في الحروب المختلة، وخصوصًا حرب ١٩٤٨ وحرب ١٩٦٧. وقد اعتمد قسم من هذا التيار، في تأكيده عدم قدسية إسرائيل، على الفارق بين "دولة إسرائيل" و"أرض إسرائيل"؛ فدولة إسرائيل حتى سنة ١٩٦٧ قامت على جزء من أرض إسرائيل، وعلى ذلك الجزء بالذات الذي لا يمثل مكانًا مهمًّا في التقاليد الدينية اليهودية. لكنْ، وبعد احتلال سنة ١٩٦٧، زال الفارق عمليًّا وأصبح هناك تطابق بين "أرض إسرائيل" وهي مفهوم ديني وبين "دولة إسرائيل" وهي مفهوم سياسي علماني، ووقعت الحجة القديمة في مأزق، وُجِدَ له حلًّا باقتراب أتباع هذا التيار بالتدريج من الأوساط اليمينية في إسرائيل، أو "لوبي أرض إسرائيل" كما تسمي هذه الأوساط نفسها. ومع أنَّ أتباع حركة "حاباد" قاموا بدعم "أغودات يسرائيل" في انتخابات الكنيست الأخيرة، إلَّا أنَّه تبين بعد الانتخابات أنَّ مؤيدي "الحاخام من لوبافتش" غير مستعدين لدعم برنامج سلام "معراخي" يقوم على التنازل عن أقسام من "أرض إسرائيل". وقد تبددت أوهام حزب العمل الإسرائيلي بشأن تأليف حكومة برئاسته بعد أنْ وصل رفض هذه الأوساط لمثل هذه الحكومة إلى حد الانشقاق عن "أغودات يسرائيل" ودعم حكومة برئاسة الليكود. ومع أنَّ هذا التيار ما زال غير صهيوني، إلَّا أنَّ تحول "أرض إسرائيل" إلى قيمة دينية في نظره جعله يقترب كثيرًا من مواقف غوش إيمونيم.

أمَّا التيار الثاني القديم الجديد، فهو التيار الذي تُمَثِّلُه المدارس الدينية الليتوانية بزعامة الحاخام أليعيزر مناحم شاخ، وهو الآن شخصية متميزة في عالم المتدينين اليهود. وقد ساهم الحاخام شاخ بعد انشقاقه عن "مجلس كبار التوراة"، السلطة الروحية لأغودات يسرائيل، في إقامة حزبين هما: حركة "شاس" التي يُقَاسِمُه زعامتها الروحية الحاخام الشرقي عوفاديا يوسف، وحركة "ديغل هتوراه" (علم التوراة) التي لا ينافسه أحد في زعامتها. ولا يتَّسع المجال هنا للبحث في الوضع السياسي الجديد الذي نجم عن ولوج هذه الحركات صلب السياسة الإسرائيلية – ما يهمنا هنا هو التيار الفكري الذي يُمَثِّلُه الحاخام شاخ.

ينظر الحاخام شاخ إلى دولة إسرائيل نظرة براغماتية مغالية في براغماتيتها، لأَّنه ينزع أي قيمة مقدسة عن إسرائيل؛ فلا هي "بداية الخلاص" كما تعتقد غوش إيمونيم، ولا هي "مقدمة لبداية الخلاص إذا أُحْسِنَ استخدامها"، كما تدعي أوساط من أغودات يسرائيل، وليست أرض إسرائيل مقدسة بحد ذاتها.

ويعتقد الحاخام شاخ بقدوم المسيا، أي أنَّ هنالك جانبًا مسيانيًا في تدينه. إلَّا أنَّه لا يرى أي عنصر مسياني في الواقع، فالواقع التاريخي يتطور بموجب منطقه الداخلي. والتوراة حافظت على الشعب اليهودي "ألوف السنين، فهل نستبدلها بشيء آخر، بماذا؟"(14)   التوراة هي التي تحافظ على شعب إسرائيل، لا الدولة.

وينقسم العالم، في نظر الحاخام شاخ، إلى يهود وغير يهود (الأمم). والمقولة التلمودية والتوراتية: "عليك ألَّا تعجل النهاية وألَّا تتمرد ضد الأمم" تحمل، لدى هذا التيار، معاني محددة. فالتمرد ضد الأمم لا يعني أنَّ على اليهود البقاء في منفاهم الجغرافي وألَّا يقيموا دولة يهودية، بل يعني أنْ تتعامل إسرائيل بحذر مع الدول العظمى ومع العرب، وعليها أنْ تكون مستعدة لتقديم تنازلات من أجل السلام، وهذا موقف يتبنَّاه بشكل أكثر حدة الحاخام عوفاديا يوسف الذي يدعو إلى تفضيل "سلامة اليهود على سلامة أرض إسرايل." لكنْ، ومن ناحية أخرى، فإنَّ الحاخام شاخ يطرح أمام الصهيونية تحديًا جديدًا هو وطنية يهودية تنظر إلى غير اليهود بريبة وحذر. فالصهيونية تحاول تحويل اليهود إلى أمة كباقي الأمم، لكنَّهم ليسوا كذلك. فالأمم تترقب الفرصة للانقضاض على اليهود: "من البديهي أنْ يكره عيسى يعقوب."(15) 

وعلى اليهود أنْ يُفَوِّتوا الفرصة على غير اليهود – عليهم إذًا أنْ يتصرفوا بحكمةٍ وحذر وأنْ يتقنوا إجراء الحلول الوسط.

تثير مواقف الحاخام شاخ في إسرائيل اهتمامًا واسعًا لأنَّه المرشد الروحي لأحزاب دينية تُرَجِّح كفة هذا الائتلاف الوزاري على ذلك. وقد طرأ تحوُّل جذري على مواقفه من المشاركة في الحكومات الإسرائيلية، من الرفض العام لهذه المشاركة عندما تزعَّم تيارًا معارضًا في "مجلس كبار التوراة". ففي سنة ١٩٦٥ حمل شاخ بشدة على الحزب القومي الديني (المفدال) لأنَّه يشارك في الحكومات الإسرائيلية: "ليست الدولة دولة شريعة بل دولة القانون (العلماني)... ولهذه الدولة يتنازلون، وفيها يشاركون في تحمل المسؤولية... إلى أين سيقود كل هذا؟"(16)

فيما عدا "ناتوري كارتا"، المعادية للصهيونية ولوجود الدولة، ينقسم التدين التقليدي الأرثوذكسي (haredi) إلى ثلاثة تيَّارات أساسية، يجمعها العداء للطبيعة العلمانية للدولة واعتبار إسرائيل نوعًا من أنواع المنفى. والمقصود بالمنفى في هذه الحالة ليس بعدًا جغرافيًّا، بل بعد روحي، أي أنَّ المصطلح ليس مصطلحًا سياسيًّا بل ثيولوجي ميتافيزيقي لا يغيره نيل الاستقلال؛ كل واقع غير مسياني هو منفى. لكنَّ هذه التيارات اختلفت فيما بينها في مواقف تتدرج من التعايش مع دولة إسرائيل كدولة غريبة، يجب التعامل معها كما تتعامل الجوالي اليهودية مع الدول الأجنبية، إلى إضفاء صبغة دينية محدودة على دولة إسرائيل، كون قيامها كان نوعًا من أنواع العناية الإلهية لإنقاذ أرواح اليهود رافقته معجزات متكررة أهمها الانتصار في الحرب سنة ١٩٦٧. كما تضفي أوساط من هذه التيارات صبغة القدسية على الوجود اليهودي على أرض إسرائيل، وذلك بصورة مجردة من دون دخول نقاش في شأن وجوب أو عدم وجوب الاستيطان كفريضة يهودية دينية، وهي نقاشات تدور في الأوساط الدينية الصهيونية.

لم يتبادر إلى أذهان ممثلي هذه التيارات، في يوم من الأيام، وَهْمُ تحويل إسرائيل إلى دولة شريعة، لأنَّ دولة الشريعة ستقوم بمجيء المخلص المسيا. لكنَّهم يطالبون بأنْ تُحْتَرَمَ الدولة الشريعة الدينية، ويحاولون استغلال الدولة لدعم مشاريعهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية. الغريب أنَّ القوى الدينية، التي وضعت نصب أعينها تحويل إسرائيل إلى دولة شريعة، هي القوى الدينية الصهيونية(17)  التي أخذت طابعًا "معتدلًا" في العقود الأولى لقيام الدولة. لكنْ إذا أمعنَّا النظر جيدًا نصل إلى خلاصة مفادها أنَّه من المنطقي أنْ تطرح الصهيونية الدينية بالذات مثل هذه المهمات، لأنَّ الدولة بالنسبة إليها هي مقدمة مجيء المخلص وللدولة معان دينية مسيانية. ولذلك فمن الأصح إطلاق اسم السلفية على الحركات الصهيونية الدينية التي تتوق إلى إعادة ربط الدين بالدولة فعليًّا وواقعيًّا وليس جوهريًّا فقط، في حين لا يصح إطلاق تسمية السلفية على الحركات الدينية التقليدية، لأنَّها لم تمر أصلًا بعملية علمنة. السلفية هي نتاج الفصل بين الدين والدولة. والدين والدولة لم ينفصلا بالنسبة إلى هذه الحركات الأخيرة التي ما زالت تنتظر قيام الدولة اليهودية بقدوم المخلص. أما دولة إسرائيل فليست دولة يهودية، وإنَّما دولة اليهود.

ننتقل إذًا إلى معالجة موضوع الصهيونية الدينية التي وصلت في تطورها، وخصوصًا بعد سنة ١٩٦٧، إلى إنجاب الحركات السلفية المتطرِّفة التي تلتقي، كما هو مُبَيَّن في مقدمة هذا البحث، مع القومية الإسرائيلية العلمانية المتطرفة.

(٦)

بدت الصهيونية الدينية لدى نشأتها ذات طابع وسطي توفيقي. فقد حاولت أنْ تجمع بين الدين والصهيونية في تيار واحد، من دون أنْ تخلط بينهما. فالصهيوني يستطيع أنْ يكون متدينًا والمتدين صهيونيًا، من دون أنْ تكون للصهيونية قيمة دينية.(18)   ووَجَدَتْ هذه الدعوة آذانًا صاغية لدى أوساط "الأرثوذكسيين الجدد" في أوروبا الشرقية، حتى تأسست حركة "همزراحي" (المركز الروحي) بقيادة الحاخام راينس، كجناح ديني داخل المنظمة الصهيونية العالمية سنة ١٩٠١. ويعتبر الحزب القومي الديني (المفدال) استمرارًا لهذه الحركة.

كان لا بدَّ للحركة التي وحَّدت الصهيونية والدين بصورة واعية، من أنْ تخلط مع الوقت بينهما؛ ذلك بأنَّ الصهيونية لم تفصل أصلًا الانتماء الديني عن الانتماء القومي. ولقد حدث ذلك خاصة في أكثر الأوساط "ديمقراطية" و"طلائعية" في هذه الحركة، أي تلك التي مارست الاستيطان مباشرة، أي مارست الصهيونية بشكلها المكثَّف، وأقامت حركة "هبوعيل همزراحي" سنة ١٩٢٢ التي أقامت بدورها الكيبوتسات الدينية.

لم يكن الجناح الديني في الحركة الصهيونية ذا أهمية تُذْكَر في البداية؛ فقد حورب بشدة من قبل الأوساط الدينية غير الصهيونية، ونَظَرَ إليه العلمانيون الصهيونيون نظرة ازدراء لأنَّه ذكَّرهم بالجانب الديني لليهودية، ذلك الجانب الذي يعيد إلى الأذهان حياة الذل في "الشتات" – فهم طلائعيو حركة قومية علمانية أوروبية جاءت كي تنفي المنفى. وقد تغير هذا الموقف النخبوي بالتدريج مع الهجرة المكثَّفة الجماهيريَّة غير الطلائعيَّة إلى فلسطين في أعقاب الكارثة، وفيما بعد في إثر تضعضع الأوتوبيا الاشتراكية لحركة العمل الصهيونيَّة. لكن نقطة التحول الأساسية كانت الانتصار "المعجزة" سنة ١٩٦٧.

حركة المتدينين الصهيونيين هي الحركة التي استوعبت في داخلها صراع النقائض بين التديُّن والعلمانية في الصهيونية ليتحوَّل إلى توتر داخلي في الحركة نفسها. وكتب الحاخام راينس، مؤسِّس "همزراحي"، سنة ١٨٩٩ عن الفكرة الصهيونية: "هذه الفكرة لا تحمل أيَّ حرفٍ من فكرة الخلاص ولا تمس أي شيء له علاقة بها."(19) لكنَّ الشخص نفسه الذي يحاول أنْ يفصل بين الأمرين عاد فانبهر من التَّماس "الغريب" بين الصهيونية والرؤيا المسيانية ("جمع الشتات"، التَّحرُّر من "ملكوت الأغيار"، أثمار أشجار إسرائيل، وغير ذلك من مظاهر قدوم المسيا).(20)   وقد جمعت هذه الحركة كل تناقضات الحركة الصهيونية؛ فإلى جانب صراعها مع المتدينين غير الصهيونيين من جهة، ومع العلمانيين الصهيونيين من جهة أخرى، جاء صراعها الداخلي بين المفاهيم العلمانية للدولة التي تستمد سلطتها من إرادة الشعب وبين الشريعة كمفهوم ديني يستمد معانيه من إرادة الله والتوراة، بين البعد الثيولوجي المسياني للدولة وبين البعد العلماني الدنيوي.

انفجرت هذه المتناقضات بعد حرب ١٩٦٧، التي أكَّدت البعد الثيولوجي الميتافيزيقي للدولة اليهودية بالنسبة إلى المتدينين اليهود. وقد تجسد هذا الانفجار في النشاط السياسية لشبَّان حركة "بني عكيفا" الذين تربُّوا على قيم العمل العبري والاستيطان جنبًا إلى جنب مع القيم الدينية اليهودية. وكان خريجو حركة بني عكيفا يجدون موقعهم الطبيعي في حزب المفدال. لكنْ، وبعد حرب ١٩٦٧، بدأت توفيقَّية هذا الحزب تظهر كتوفيقَّية مصطنعة، وبدأ اندماج هذا الحزب في الائتلافات مع حزب العمل يثير لديهم النفور.

غير أنَّ ثورة الشباب في حزب المفدال لم تأتِ في الحال بفكر ديني جديد. فعندما نشبت الأزمة كان الفكر الديني الذي يعبِّر عن البعد الديني للحركة الصهيونية، ويرفض اعتبار التدين والصهيونية أمرين منفصلين، كان هذا الفكر جاهزًا على شكل منظومة غيبية متكاملة نظّر لها، منذ زمن بعيد، الحاخام كوك من مدرسته الدينية المدعوَّة "مركاز هراب" في القدس.

 (٧)

انتشر دعاة هذا التيار منذ نهاية القرن الماضي بين الجوالي اليهودية في شرق أوروبا، وكان من أبرزهم الحاخام كاليشر والحاخام يهودا ألقلعي.(21)  لكن أبرز وأشهر ممثلي هذا التيار الحاخام أبراهام يهودا هليفي كوك الذي يعتبر ابنه ومكمَّل طريقه الحاخام تسفي يهودا كوك، الأب الروحي لحركة "غوش إيمونيم".

يشكل فكر الحاخام كوك انعكاسًا واعيًا للفكرة الصهيونية. فالرؤيا المسيانية والخلاص ليسا منافيين لحركة التاريخ، بل هما جوهر الحركة التاريخية ذاتها. وخطَّة الحركة التاريخية مقرَّرة سلفًا، وهي تتجه نحو الخلاص وقدوم المسيا.

الصهيونية هي استجابة لنداء الرب.(22)  بل هي الإرادة الإلهية نفسها وقد تجسَّدتْ على شكل حركة علمانية – والعلمانيون الصهيونيون ينفِّذون إرادة الله من دون أنْ يدركوا ذلك في وعيهم الذاتي: "فإنَّ ما يريدونه لا يعلمونه هم أنفسهم."(23)

بذلك حلَّ الحاخام كوك تناقضات التيار الصهيوني الديني كما بدا لشبَّان حركة "بني عكيفا" وحزب المفدال، وردَّ بشدَّة على انتقادات اليهود الأرثوذكس ضدَّ التعاون مع العلمانيين، مبيِّنًا أنَّ من الضروري التمييز بين الإرادة والرغبة الذاتية للفرد الفاعل في التاريخ وبين النتائج الموضوعية لأعماله. إنَّ الصهيونيين وإنْ أرادوا مشروعًا علمانيًا قوميًا فإنَّهم أدوات في يد الله يصنع بهم الخلاص لشعبه.

إنَّ أفكار الحاخام كوك، مثل غيرها من الأفكار الغيبية، ترى في الواقع المادي الملموس فكرة، بل خطة ميتافيزيقية تخلط الدين والسياسة والأخلاق بحركة الواقع ذاتها، متحولة إلى أيديولوجيا متكاملة تبرز فيها "أرض إسرائيل" والاستيطان والزي العسكري قيمًا مقدَّسة في خطة ربَّانية – والغريب، كما قلت في البداية، أنَّها القيم المقدسة نفسها لدى المتطرِّفين الصهيونيين العلمانيين في معسكر اليمين الإسرائيلي. السلفية الدينية والتطرُّف القومي يلتقيان (في حين يتصارع التياران في العالم العربي مثلًا).

إنَّ الشعب اليهودي لا ينتظر الخلاص وإنَّما ينفِّذ هذه العملية في دولته. "وعندما نسأل إذا كانت الأمة تمر بمرحلة الخلاص فإنَّ الإجابة لا تحتمل تفسيرين: الشعب اليهودي موجود الآن  في خضمِّ عملية الخلاص."(24)  هذا هو التحليل الذي تبناه تسفي يهودا كوك ابن الحاخام كوك والذي تحوَّلت فتاويه الدينية إلى أوامر وقوانين بالنسبة إلى حركة غوش إيمونيم التي تأسست سنة ١٩٧٤. لقد أصدر هذا الحاخام نداءً مشهورًا بعدم نسيان القدس ونابلس والخليل قبل ٢٦ يومًا من نشوب حرب الأيام الستَّة. وتحوَّل هذا النداء إلى نبوءة بالنسبة إلى مؤيِّديه الشباب.

(٨)

تأسست حركة "غوش إيمونيم" رسميًّا في نهاية شتاء سنة ١٩٧٤، على شكل تمرُّد داخل حزب المفدال الذي وافق على الانضمام إلى حكومة رابين الائتلافية، وهي حكومة فصل القوات مع مصر وسوريا، والاستعداد للحلول الوسط في قضية الأراضي المحتلَّة. لكن تأسيس الحركة الفعلي كان بعد حزيران/ يونيو، أواخر صيف سنة ١٩٦٧، وذلك على شكل مؤتمر خريجي مدرسة "مركاز هراب". وقد وجه المؤتمر ثلاثة أسئلة إلى الحاضرين والقضاة اليهود:

  • هل يسمح، وفق تعاليم التوراة، بالتخلي عن "مناطق محرَّرة من أرض إسرائيل"؟
  • هل يسمح بالتخلي عن مناطق محتلَّة خوفًا من استيعاب عددٍ كبيرٍ من العرب داخل حدود دولة إسرائيل؟
  • هل يجب أنْ يرغمنا الضغط الدولي على الانسحاب؟

وكما نلاحظ، فإنَّ الأسئلة الثلاثة هي ذاتها التي كانت تطرح يوميًّا في الشارع الإسرائيلي. لكن الجديد في الأمر هو: ١) أنَّ الأسئلة صيغتْ صيغةً دينيةً. ٢) أنَّها طَرَحَتْ للحسم بموجب الشريعة اليهودية، لا بموجب موازين القوى والمصالح السياسية وغيرها من الاعتبارات. عاش الدين حتى ذلك الحين جنبًا إلى جنب مع السياسة، تاركًا تصريف الشؤون السياسية للسياسيين. وكان رجل المفدال يتحوَّل إلى سياسي علماني عندما يبتُّ مثل هذه المسائل، ثم يعود فيلبس ثوب الدين عند بت المسائل الدينية. واقعان منفصلان في عالم نشيطي حزب المفدال. لكنَّ الوضع اختلف جذريًّا عندما بدأت الأسئلة السياسية تُصاغ بلغة دينية، ولا توجَّه إلى الكنيست والحكومة والصحافة والرأي العام، بل توجَّه إلى الحاخامين والقضاة المشتغلين حتى الآن بقضايا الأحوال الشخصية التي أفردها لهم القانون الإسرائيلي.

زَوَّدت الأيديولوجيا الدينية الغيبية أتباعها بسلاح جديد لفهم الواقع: فإذا كانت حرب ١٩٦٧ بداية الخلاص المرتقب وتحقيق النبوءة، فإنَّ حرب ١٩٧٣، التي أزاحت عن كاهل الحركات الدينية الأرثوذكسية عبء المعجزات التي تحققها إسرائيل منذ قيامها، إنَّ هذه الحرب بالنسبة إلى خريجي "بني عكيفا" ومدرسة "مركاز هراب" تعبِّر عن آلام المخاض التي تسبق قدوم المسيا. كل شيء يجد مكانه الطبيعي في الأيديولوجيا المتكاملة، ولا مكان للشذوذ. وقدوم المسيا الذي تختلف في شأنه التفسيرات اللاهوتية في التيارات الدينية المختلفة، يعني بالنسبة إليهم أمرًا واحدًا: إقامة ملكوت إسرائيل. ولذلك، فإنَّ همَّ الحركة الأوَّل والأخير هو الموضوعات المتعلِّقة بـ "أرض إسرائيل"، وتتحوَّل الشريعة الدينية إلى أيديولوجيا تبريريَّة لأغراض الاحتفاظ بـ"أرض إسرائيل."(25) 

يستند نشيطو حركة غوش إيمونيم إلى مصادر أيديولوجية محدَّدة، وإنْ كانوا لا يُرْغمون مؤيِّديهم على تبنيها؛ فالحركة ليست حزبًا وإنَّما حركة شعبية غير ملتزمة إلَّا المحافظة على "أرض  إسرائيل". لكنْ لهذه الحركة نواة أيديولوجية قومية تستند إلى التراث الديني اليهودي ومصادر علمانية عديدة، قسم منها في حركة العمل الصهيونية وقسم آخر في الحركة الصهيونية التصحيحية (Revisionist Zionism)، لكن نواتها الأيديولوجية لم تَعُدْ مدرسة لاهوتية تفسيرية كالتي أسَّسها الحاخام كوك. إنَّها حركة سياسية (مثل كل الحركات السلفية) تقتبس من التراث الديني ما يخدم أهدافها السياسية. وتشكيل فلسفة أو مدرسة دينية متكاملة يضيف قطبًا جديدًا إلى حلبة الصراع الفكري، لكنَّ الحركات السلفية ليست مدارس دينية أو فلسفية؛ فكلُّ الدين، وكلُّ الفلسفة، وكلُّ التراث، هي بالنسبة إليها أيديولوجية تُقْتَبَسُ منها اقتباسًا انتقائيًّا. الفلسفة والتراث كنزان للاقتباسات والتبريرات الأيديولوجية.

هكذا تستلُّ الفتاوى من "الرامبان" الذي عاش في القدس ضمن جالية يهودية من ثلاثة أشخاص في نهاية القرن الثالث عشر، أو من "الرامبام" الذي سبقه بثلاثين عامًا. ويتحوَّل الله الحائز على عدَّة أسماء في الديانة اليهودية، منها "السَّلام"، إلى "ربِّ الجنود" و"ربِّ الانتقام" و"ربٍّ مقاتل" – وهي أسماء أخرى للإله نفسه عند العبرانيين القدماء. وهكذا أيضًا يصبح من الممكن المرور مرَّ الكرام بالنبوءة الكونية للنبي أشعيا بشأن السلام، للحديث عن السلام الواحد والوحيد، السلام الداخلي لشعب إسرائيل – وهو مجرَّد حلقة وصل بين حربين يخوضهما شعب إسرائيل مع الأمم الأخرى، كما يقول الحاخام ليفنغر: "السلام ليس هدفًا بحدِّ ذاته، إنَّه أداة مهمة لتنظيم الحياة وتحقيق الرؤيا. إنَّ تقدُّم شعب إسرائيل وعملية الخلاص لشعب وأرض إسرائيل هما أكثر أهمية من هذا السلام المزعوم. عندما نحقِّق هذين الهدفين سيكون بطبيعة الحال سلام لكل العالم."(26)

(٩)

قال حاييم وايزمن القائد الصهيوني العلماني، أمام المؤتمر الصهيوني العشرين سنة ١٩٣٧: "لقد وعد الله اليهود بمنحهم أرض إسرائيل، وهذا الوعد هو وثيقتنا الأكثر أهميَّة." وأمام اللجنة الملكية البريطانية سنة ١٩٣٩: "لا نكتسب حقنا على أرض إسرائيل من الانتداب البريطاني بل من التوراة."(27)   وقد أوردْتُ هذين الاقتباسين كي نعود إلى بداية بحثنا في فصل المقال ما بين الدين والدولة في إسرائيل من اتصال. إنَّ السلفية الدينية تدعي أنَّ الحركة الصهيونية تنفِّذ فكرة الخلاص المسيانية الموضوعيَّة، من دون أنْ ينفُذَ ذلك إلى وعيها الذاتي؛ فالحركة السلفية إذًا تجسِّد وعي الحركة الصهيونية لذاتها، التحام الذات بالموضوع إذا أردنا استخدام مصطلح فلسفي هيغلي.

لم تنشأ الصهيونية عن حركة التنوير الأوروبية وإنَّما من الممكن اعتبارها ردَّة فعل على حركة التنوير مثل بقية الحركات القومية الرومانسية في القرن التاسع عشر. لكن مأساتها أنَّها بِرَدَّةِ فعلها التي نجحت تاريخيًّا بفعل عوامل أوروبية في الأساس، لم تنجح في تشييد صرح أمَّةٍ يهوديَّةٍ منفصلةٍ عن الطائفة اليهودية. وما زال المؤرخون اليهود الصهيونيون يحاولون من منطلقات علمانيَّة إقامة أساس غير ديني لأمة يهودية فوق التاريخ والجغرافيا. لكنَّهم جميعًا، وفي مقدمهم المؤرخ الكبير يعقوب كاتس، لم يستطيعوا تزويدنا أي تعريف يفصل ما بين الانتماء إلى الطائفة والانتماء إلى الأمة، هذا عدا الرموز الدينية التي اسْتُخْدِمَت للتعبير عن الصلة التاريخية بأرض إسرائيل. وهنالك في إسرائيل جمعيَّة تسمِّي نفسها "الجمعية اليهودية إنسانية علمانية"، وهي تبذل جهدًا خاصًّا لفصل اليهودية كقومية عن اليهودية كدين، وذلك باعتماد المميزات الحضارية اليهودية. لكنْ، هل في الإمكان الحديث عن مميِّزات يهوديَّة حضاريَّة موحَّدة في كلِّ أنحاء العالم تصنع تاريخًا موحَّدًا لشعبٍ واحد؟ لا توجد إجابة عن هذا السؤال.

إنَّ اللقاء الذي أشَرْت إليه سابقًا بين مصطلحات الحركة الدينية الصهيونية المتطرفة وبين الحركة الصهيونية المتطرفة في هامشها اليميني، لا يعني أنَّ ليس هنالك صراعات بشأن الطابع العلماني للحياة اليومية في إسرائيل أو بين المتدينين والعلمانيين. وإنَّما قصدْتُ التركيز على اللقاء بين الأوساط المتطرفة من العلمانيين والمتدينين لأثبت أنَّ المفاهيم الإسرائيلية لعلاقة الأمة، والدولة، والدين... إلخ، لم تمر عمليًّا بعملية علمنة.

عندما قامت في إسرائيل فعلًا وحدة حضارية محددة بمميزات موضوعية واضحة، مثل اللغة وغيرها، نشأتْ هذه الوحدة مُتَمَيِّزَة من بقية الجالية اليهودية – لكنَّ الأمر الخاص والمتميز في حالة إسرائيل هو رفض الأيديولوجيا والمؤسسة الرسمية نفسها الاعتراف بوجود أمة إسرائيلية، وإصرارهما على تمثيل إسرائيل لـ "أمة يهودية" في أنحاء العالم كافَّة بشكل يشابه إصرار إيران على تمثيل "أمة إسلامية" في أنحاء العالم كافة.

سأنهي هذه المقالة باقتباسين أحدهما من مؤرخ متنور والثاني من أحد مفكِّري حركة غوش إيمونيم. وكلا الاقتباسين يتناول جوهر الصهيونية. يقول كاتس: "في الصهيونية اتَّخذ الإيمان المسياني شكلًا جديدًا، بعد أنْ تنقَّى من بقية عناصره الغيبية، وحافظ على أهدافه الاجتماعية والسياسية وعلى أهدافه الروحانية إلى حدٍّ ما. لكن حتى في هذه المرحلة من التطور اعتمدت القومية الحديثة اعتمادًا كبيرًا على المسيانية القديمة التي مدتها بجزء مهم من قوتها الأيديولوجية والعاطفية..."(28)

أما البروفسور هارئيل فش فيقول: "إنَّ أساس صلة شعب إسرائيل الأيديولوجية بالتقاليد الغربية الليبرالية هو سوء فهم وخطأ. فمن الممكن جزئيًّا فقط اعتبار الصهيونية وليدًا لحركة التنوير الأوروبية، لكنَّ أساسها الحقيقي في الميثولوجيا اليهودية... ما حدث في القرن التاسع عشر كان خداعًا لغويًّا، أو على الأصح خداعًا لغويًّا ذاتيًّا؛ فقد عُرِضَتْ الصهيونية كأنَّها حركة توازي حركات التَّحرُّر الوطني..."(29)

فما الفارق الجوهري بين العلماني المتنوِّر والغيبي المتعصِّب عند مناقشة موضوع علاقة الأمة بالدين؟

 

(1)   أنظر تلخيص القاضي السابق في المحكمة العليا الإسرائيلية، حاييم كوهين، لهذه القضية في مقالة "من هو اليهودي"، مجلة "يهدوت هومانستيت حيلونيت"، العدد الأول، حزيران/ يونيو ١٩٨٠، ص ٣.

(2)   أنظر مثلًا: "هآرتس"، ٨/١/١٩٩٠؛ المصدر نفسه، ١٣/٣/١٩٩٠.

)3)   "هآرتس"، ٢/٦/١٩٨٩؛ المصدر نفسه، ٩/٦/١٩٨٩.

يقدر تقرير مراقب الدولة لسنة ١٩٨٩ عدد طلاب المدارس الدينية المحررين من الخدمة في الجيش بـ ١٨٫٣٥٠، في حين كان عددهم ٤٧٠٠ سنة ١٩٦٨.

(4) اقتباس من كتاب ش. ز. لنداو، ي. رابينوفيتش (محرران)، "الصهيونية الدينية" (القدس، ١٩٧٧)، ص ٥٥.

(5) مقتبس من:

  1. Ravitzky, “Exile in the Holy Land: The Dilemma of Haredi Jewry,” in Studies in Contemporary Jewry (an annual) 5 (1989), p. 93.

(6)   Ibid.

(7)   الحاخام أ. م. شاخ، "رسائل ومقالات" (بني براك، ١٩٨٠)، ص ٩.

(8)   مقتبس من:

  1. Friedman, “Israel as a Theological Dilemma,” in Kimmerling Baruch (ed.), The Israeli

State and Society (State University of New York Press, 1989), p. 175.                        

(9)   Ibid., p. 184.

(10)  الحاخام ألحانان فاسرمان، "مجموعة مقالات" (تل أبيب، ١٩٦٣)، ص ٩٢.

(11)   Friedman, “Israel as a Theological Dilemma…,” op.cit., p. 95.

(12)   ي. أ. وولف، "المرحلة وقضاياها" (بني براك، ١٩٨٣)، المجلد الأول، ص ١٥.

(13)  Ravitzky, “Exile in the Holy Land…,” op.cit., p. 95.

(14)   شاخ، "رسائل ومقالات"، مصدر سبق ذكره، ص ٤٤.

(15)   مقولة من "المدراش".

(16)   شاخ، "رسائل ومقالات"، مصدر سبق ذكره، ص ٤٦.

  Friedman, “Israel as a Theological Dilemma…,” op.cit., p. 174.   (17) 

(18)  ما زال العديد من المتدينين الصهيونيين يؤمن بإمكان الفصل بين انتمائه إلى الصهيونية كحركة قومية وبين تدينه كخيار ذاتي إيماني.

(19)  الحاخام راينس، "نور وفرح" (فلنا، ١٨٩٩)، ص ١٢ – ١٣.

(20)   الحاخام راينس، "نور جديد على صهيون"، ص ٣٥٢.

(21)   راجع: ي. كاتس، "القومية اليهودية – مقالات وأبحاث" (القدس، ١٩٧٧)، ص ٢٨٥ – ٣٥٧.

(22)   أ. ي. هكوهين كوك، "رؤيا الخلاص" (القدس: مؤسسة الحاخام كوك، ١٩٠١).

(23)   أ. ي. هكوهين كوك، "أضواء" (القدس: مؤسسة الحاخام كوك، ١٩٢٣).

(24)   Friedman, “Israel as a Theological Dilemma…,” op.cit., p. 206.

(25)   داني روبنشتاين، "غوش إيمونيم" (الكيبوتس الموحد، ١٩٨٢)، ص ٥.

(26)   M. Kohn, “Who’s Afraid of Gush Emunim?” (Jerusalem, 1978), p. 34.

(27)   وردت الاقتباسات في كتاب تسفي رعنان، "غوش إيمونيم" (هشومير هتسعير، ١٩٨٠)، ص ٨٠.

(28)   كاتس، "القومية اليهودية..."، مصدر سبق ذكره، ص ١٨.

(29)   H. Fisch, The Zionist Revolution (London, 1978), p. 28.

Author biography: 

عزمي بشارة: رئيس قسم الفلسفة والدراسات الثقافية – جامعة بير زيت.

Read more