هيللر، نسيبة. "لا أبواق ولا طبول: حل للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني يقوم على دولتين" (بالإنكليزية)
الكتاب المراجع
النص الكامل: 

 لا أبواق ولا طبول: حل للصراع الإسرائيلي -  الفلسطيني يقوم على دولتين

No Trumpets, No Drums: A Two-State Settlement Of the Israeli-Palestinian Conflict 

By Mark A. Heller and Sari Nusseibeh, New York: Hill and Wang, 1991.

 

أصبح مألوفاً لدى الإسرائيليين والفلسطينيين، منذ عقد أو يزيد، أن يلتقوا في مجموعات حوار بينهم للبحث عن مجالات اتفاقات ممكنة للتسوية. وهذا الكتاب هو ثمرة أحد جهود مفكرَيْن معروفين يمثل كل منهما واحداً من الجانبين.

يشتمل الكتاب على بيان منفرد شخصي لكل من المؤلفَيْن، ومناقشة في ما بينهما لسبل تحقيق تسوية، وتناولت هذه المناقشة مجالات مهمة، منها ترتيبات الأمن والحدود ومشاكل اللاجئين والمستوطنات والمياه ووضع مدينة القدس والترتيبات الإقليمية والدولية ومشاكل التنفيذ. وأضاف سري نسيبة ملحقاً يناقش فيه عناصر بناء الدولة الفلسطينية.

إن الأفكار التي يحتويها الكتاب يمكن أن تفيد كخلفية لمفاوضين جادين في السعي للوصول إلى تسوية، على افتراض توافر الظروف المناسبة. أما المشاكل بالنسبة إلى هذا الكتاب، فهي متماثلة تقريباً مع المشاكل الفعلية التي تقف في طريق تسوية ممكنة.

إن جميع جهود الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين مبنية، تقريباً، على افتراضات خاطئة. ثمة فكرة، في المقام الأول، أن الفلسطينيين في هذا الصراع هم المعتدون، والإسرائيليين هم الجانب المضطهد. ووفقاً لهذه المقاربة، على الفلسطينيين أن يؤكدوا للإسرائيليين عزمهم على العيش بسلام، واستعدادهم لتقديم تسويات الهدف منها ضمان أمن إسرائيل.

ويقول دعاة السلم الإسرائيليون، في الوقت نفسه، إن إقدام الفلسطينيين على تقديم هذه التسويات يساعدهم في عرض قضية التسوية، بإقناع أكبر، أمام الرأي العام الإسرائيلي.

ويشكل البيان الشخصي لمارك هيللر نموذجاً لمثل هذه المقاربة. فهو يعلن، مثلاً، أنه مقتنع بأن "مطالبة إسرائيل بهذه الأرض، بما فيها الضفة الغربية وغزة، هي في الأساس عادلة وصحيحة" (ص 5). ثم يضيف: "إن أية مطالبة فلسطينية جماعية هي مبنية على الامتلاك الناتج عن احتلال ما كان مُلكاً مسروقاً" (ص 5). وفي تشويه آخر للتاريخ، لا يقل زوراً، يضيف هيللر: "إن الضفة الغربية وغزة، اللتين كانتا تحت حكم حكومتين عربيتين، أصبحتا تحت السيطرة الإسرائيلية نتيجة لحرب شرعية للدفاع عن النفس ضدّ عدوان لم يسبقه استفزاز" (ص 6).

وثمة افتراض آخر، هو أن طبيعة التصرف الفلسطيني غير العقلاني في الصراع، تستخدم لتعزيز المتشددين الإسرائيليين، وهي تضعف، بالتالي، دعاة السلام والتسوية. يقول هيللر: "إن الأعمال الفلسطينية تعكس نزوات وهستيريا، وإحباطات الأفراد، أو الإخفاقات السياسية للقادة التنظيميين الذين لا يرغبون في تحدي عاطفة الجمهور" (ص 17). وهكذا، بحسب هيللر، فإن "قتلة المواطنين الإسرائيليين مثلاً، مدفوعون عادة بالثأر الشخصي أو بالعصبية الدينية أو بالحاجة إلى حماية النفس من أخطار أو استفزازات يهودية وهمية" (ص 17 ـ 18).

وبدلاً من إعادة مثل هذه الصيغ النظرية المبتذلة والكاذبة عن لاعقلانية التصرف العربي، كان يمكن للمؤلفَيْن أن يستفيدا من مناقشة صريحة لتأثيرات الاحتلال الإسرائيلي في الفلسطينيين والإسرائيليين. وكان يمكن مثل هذا النقاش أن يرغمهما على مواجهة حقيقة الواقع الذي أدى إلى هذا المقدار من العنف من كلا الجانبين ـ عنف الاحتلال، الذي لا يحتاج هنا إلى إعادة توثيق، وعنف مقاومة هذا الاحتلال. وهكذا ضاعت الجهود الفكرية للمؤلفَيْن في نقاش قائم على تاريخ كاذب، بدلاً من التركيز على الحقيقة المزعجة وغير المريحة التي تحكم العلاقات بين الجانبين.

يقول نسيبة، في بيانه الشخصي، إنه انتهى إلى تفهم حجج زميله على الرغم من ظنونه في البداية. ثم يحاول التصدي لفلسطيني متخيَّل ربما يعترض على فكرة قبول قيود على السيادة الفلسطينية. ويفتقد بيان نسيبة أمراً مهماً، هو "حرقة قلب" الفلسطيني الذي عانى الترحيل والنفي أولاً، ثم إنكار حقه في الوجود، ثم الاحتلال وتجريده بشكل كامل تقريباً من إنسانيته. وما يفعله نسيبة بشكل حسن هو محاولته التكيّف مع الأسوأ الذي يمكن أن يعرضه الإسرائيليون.

لدينا الآن سجل واضح يظهر، ببساطة، أن لا جدوى من مثل هذا التكيف وقبول قواعد اللعبة كما يحددها معسكر السلام الإسرائيلي. ويبدو أن جميع التنازلات التي قدمها الفلسطينيون لم تحدث خرقاً كبيراً للجسم السياسي الإسرائيلي، الذي يتحرك بشكل متواصل إلى اليمين. ويأخذ ناشطو السلام الإسرائيلي هذه التسويات الفلسطينية، ويستفيدون منها في محاولة تدعيم مواقعهم السياسية داخل إسرائيل.

وعندما يحين أوان الجد، كما حان عندما حدث الترحيل الجماعي الأخير للفلسطينيين، فإن هؤلاء الذين استفادوا سياسياً من لقاءاتهم الفلسطينيين، يختفون تماماً. والأسوأ حتى من ذلك هو أن بعضهم، الذين هم الآن، أعضاء في الحكومة الإسرائيلية، صوتوا إلى جانب حكومة رابين مصادقين بذلك على الترحيل اللاشرعي لهذا العدد الكبير من الفلسطينيين. الحوار وحده، إذن، غير كاف. يجب اكتشاف وسيلة ما لجعل إسرائيل تدفع ثمناً مرتفعاً لقاء احتفاظها باحتلالها وبسياستها الوحشية في التعامل مع الفلسطينيين. يجب أن تصبح الحياة في المناطق المحتلة غير محتملة للمحتلين. وتتمثل إحدى الطرق في الضغط على المجتمع الدولي لفرض عقوبات على إسرائيل بسبب استهتارها العابث بالعديد من قرارات الأمم المتحدة؛ عقوبات كالتي فُرضت على جنوب أفريقيا لتفكيك سياسة التمييز العنصري. كما يجب أن يُعمل على إرغام إسرائيل على تفكيك بنية هذا التمييز العنصري المماثل المفروض على الفلسطينيين.

السيرة الشخصية: 

فؤاد مغربي: أستاذ العلوم السياسية في جامعة تنيسي – تشاتانوغا.