عن صناعة العود داخل الزنزانة
التاريخ: 
15/07/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

قبل عشر سنوات وفي شهر تموز/ يوليو2010 وخلال عودتي من باريس حيث درست الموسيقى، جرى اعتقالي في مطار اللد ("مطار بن غوريون") ومنه نقلت إلى مراكز التحقيق ثم السجن بعد صدور حكم بسجني ثلاث سنوات بتهمة الاتصال بعميل أجنبي. 

وفي لحظة واحدة انقطع ولو موقتاً، حلمٌ تبعه مشروع كبير، بدأ في الجولان السوري المحتل كهواية ثم الدراسة في المعهد العالي للموسيقى في دمشق والتخرج فيه بامتياز، وكانت باريس محطتي الثالثة في هذا الحلم الذي لا يتوقف عند حد.

في سجن الجلبوع التقيت بوالدي، ماجد الشاعر، الذي اعتقل في الملف ذاته فترة أطول، وبدلاً من لقاء البيت الحاضن كان لقاء السجن المقيّد والمنقوص.

تقدمت بطلبات لإدخال عُودي فرفضت الطلبات بحجة الأمن تارة و"الامتيازات المحظورة" تارة أُخرى. لكن علاقتي بالعود هي علاقة روحية لا يمكن النيل منها، وما كانت إرادتي لتستسلم للسجان، بل العكس، قررت أن أبتكر عوداً من كل ما تيسّر في السجن، فبدأت قصة صناعة العود يدويّاً داخل أسوار السجن بصفتها مشروع تحدٍّ وإثبات للإرادة القوية. وكان قراري أن أسعى لمواصلة دربي الموسيقي الفني دونما انقطاع حتى ولو كان ذلك في مكان كل ما فيه ممنوع ومحظور.

لازمني هذا التحدي، وفي البداية دأبت على تأليف القطع الموسيقية (النوتات)، وكنت أعاين أوزانها في ذهني أو أدندنها كي تستقيم، وأنا أتخيل نفسي ألحنها برفقة العود المُصادر حالياً، والذي انتزعه رجال الأمن مني في المطار. وكنت أتخيّل أن هذه النوتات تصرخ جمالاً ولحناً وتحطم جدران السجن كي يسمعها الناس صرخة للحرية والأمل، كنت أتخيلها في وجداني، ووجداني محمي من رقابة ومسمع السجان. وعند تأليفها راودني الشعور القوي بضرورة سماعها وإسماعها سواء للأسرى كي ينعموا بها أو للسجان كي "أقهره".

وبعدها بدأ التفكير في صناعة العود، وبمساعدة رفاقي داخل الزنزانة بدأت بصناعة أول عود وهنا تبدأ القصة:

 

صورة العود الذي صنعه فداء بعد خروجه من السجن وهو نسخة طبق الأصل من العود الذي تمت مصادرته 

 

كانت الخطوة الأولى في السجن هي التفكير أين سنخبئ العود حين يجهز كي لا يذهب جهدنا سدىً، ثمّ كيف سنجمع المواد التي نحتاج إليها؟ فكانت الخطة أن يكون حجمه صغيراً وغير مكتمل، وأن يكون من السهل التفكيك والتركيب كي نستطيع تخبئته عند الحاجة، وهي أفكار لا يمكن أن تراود صنّاع العود خارج السجن.

بعدها بدأت اقتراحات الرفاق بمواد وبدائل، فالأرز يجري تحويله إلى غراء، وغطاء المعلبات لنشر الخشب، لكن من أين نأتي بالخشب؟ بدأنا بتجميع الخشب من طاولات الشطرنج والزهر التي يقدمها الصليب الأحمر للأسرى، وهكذا بدأ العمل.

قمنا بتفكيك طاولات الشطرنج والنرد وبالتحديد القديمة منها، ثم قايضنا بعض الأسرى ممن لديهم واحدة منها كي نحصل على خشبها. وبدأت ببناء الأساس للعود، وسارت الأمور على ما يرام، فالخشب جاهز والهيكل مبني على شكل صندوق مستطيل وممكن أن نطلق عليه نصف عود. أمّا المرحله التالية والمصيرية فهي الأوتار ومن أين نأتي بها. حاولنا في البدايه تفكيك سماعات أجهزة الراديو التي يربطها الأسير بجهاز الراديو وبأذنيه كي لا يخرج الصوت ولا يزعج غيره، وقمنا باستخدام أسلاك السماعات التي حصلنا عليها وتجريدها من الطبقة العازلة أملاً بأن تكون بديلاً من الأوتار، لكنها لم تكن ملائمة وفشلت المحاولة.

لم نجد بديلاً ناجحاً لأوتار نصف العود الذي سيزرع الأمل والفرح في جلساتنا، وهنا خطر في ذهني إخبار والدتي وأختي عن حاجتي إلى أوتار لأننا صنعنا عوداً. وفي تلك الفترة كان يُسمح لأهل الأسير بإدخال الملابس الشتوية، وقد فوجئت في الزيارة التالية بأن الأوتار أصبحت بين يدي، كيف ذلك! حدث أن والدتي وأختي أحضرتا لي بيجامة وقد وضعتا الأوتار داخل زنار (رباط) البيجامة. فكرة لم تخطر في بالنا نحن الأسرى من قبل. كان الأمر مفاجئاً وعاد الأمل وبدأنا نستمع إلى صوت العود، وبدأت أعود إلى حياتي الطبيعية كأنني لست أسيراً في سجون الاحتلال.

 وتمر بنا الأيام، وبعد مدة ليست بقصيرة يتم نقل أسير من قسم آخر إلى قسمنا، كان الأسير هو وليد دقة. وبعد بضعة أيام من دخوله القسم والتعارف وتبادل الأحاديث وقصص السجون التي أتى بها، وبعد أن عرف في أثناء حديثنا أنني موسيقي وأنني قمت بمساعدة زملائي ورفاقي بصناعة عود داخل السجن، بدأ يحضّر لي مجموعة من قصائده علّ إحداها تصلح لتلحينها أغنية. وفعلاً، بعد أن قرأتها وجدت أنها تنفع أن تكون مسرحية غنائية، وبدأنا العمل عليها، وصادف لحسن حظنا وجود الأسير أمير مخول معنا ليشرف على تنقيح النص وإعداده بالشكل الصحيح.

في أثناء العمل على مشاهد المسرحية الغنائية بدأت أجد صعوبة في مساحة التأليف الموسيقي وذلك لعدم قدرتي على سماع ما أكتب والتأكد منه على الرغم من وجود العود غير المتكامل. وهنا بدأت فكرة القيام بصناعة عود جديد متكامل، لكن هذا قد يكلفنا انكشاف الأمر أمام الإدارة، فأخذ وليد على عاتقه المسؤولية في حال انكشاف الأمر، وهنا انتقلت إلى الغرفة نفسها التي يقيم بها، وبدأنا بصناعة العود الجديد المتكامل، وبدأت الأفكار والاختراعات تظهر لإكمال أدواتنا التي احتجنا إليها؛ فمن ملاعق الطهي الخشبية صنعنا مفاتيح، ومن المكنسة الخشبية صنعنا بيت المفاتيح وزند العود، والغراء كان كما في المرة الأولى من الأرز. وكانت مناوبة العمل ومناوبة المراقبة؛ تتوزع الأدوار بيننا نحن الأسرى الثمانية الموجودون داخل الغرفة. وخرج مولودنا الجديد متكاملاً وبدأنا إكمال مشروعنا وأصبحنا نعزف ونغني ونحاول جهدنا ألاّ يُسمع صوت العود خارج الغرفة، ونراقب. وفي أحد الأيام أحضر لي الأسير أحمد أبو جابر كلمات كان كتبها لحفيده بمناسبة عيد ميلاده وبدأت بتلحينها حتى أصبحت أغنية.

  كانت لحظات وأيام جميلة تمر علينا حتى تم انكشاف أمرنا. قال وليد للسجان أن العود له وتحمّل هو العقاب، لكن السجان لم يصدقه، إذ لا يوجد موسيقي غيري في السجن. وبعد فترة قصيره قررت أن أحاول صناعة عود جديد فطلبت من والدتي أن تحضر لي أوتاراً للعود، لكن هذه المرة تم اكتشاف طريقة تهريب الأوتار، وقد عوقبت أنا ووالدي في الزنزانة الانفرادية ليومين، ومُنعت مدة شهر من الزيارات كما مُنعت أختي مدة سنة كاملة من زيارتي.

ويبقى العود باعثاً للروح.

عن المؤلف: 

فداء ماجد فرحان الشاعر: الأسير المحرر من سكان مجدل شمس الجولان السوري المحتل، موسيقي يعزف العود، درس الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته إلى أن قطعت دولة الاحتلال مسيرة دراسته.

اقرأ المزيد