دور المستوطنين في مواجهة الانتفاضة/الثورة
Keywords: 
الانتفاضة 1987
المستوطنون الإسرائيليون
الأراضي المحتلة
Full text: 

بعد نحو شهر من نشوب الانتفاضة الفلسطينية، سقط فتى من سلواد برصاص بنحاس فالرشتاين، رئيس مجلس مستعمرات منطقة رام الله، في أول حادث من نوعه يتم على أيدي المستوطنين. وسرعان ما أطلقت الشرطة الإسرائيلية القاتل. وبرر اللواء عميرام ميتسناع، قائد المنطقة الوسطى حينها، جريمة القتل بأنَّ الفاعل تعرض لخطر يهدد حياته فتصرف وفقًا للأصول المتبعة.(1)  ثم أصبح سلوك فالرشتاين، منذ ذلك الحين، نموذجًا يقتدي به المستوطنون في أخذ القانون بأيديهم وقتل الفلسطينيين على هواهم.(2)  كما أنَّ سلوك سلطات الاحتلال المختلفة أصبح القاعدة في موقفها المتواطىء مع المستوطنين، بل المشجع لهم.

بعد جريمة القتل في سلواد، تواصلت ممارسات المستوطنين الاستفزازية والدموية، كما أنَّها اتَّسعت وتصاعدت مع اتساع الانتفاضة وتصاعدها. وقد شملت هذه الممارسات: توزيع بيانات التهديد والوعيد؛ تخريب الحقول واقتلاع الأشجار؛ الاعتداء على السيارات والممتلكات؛ تنظيم مسيرات استفزازية، دورية (كالتي كانت تجري كل يوم سبت في الخليل) أو على شكل حملات (كالمسيرات الخمسين التي سمحت السلطات بها خلال صيف سنة ١٩٨٩)؛ وصولًا إلى أعمال الخطف أو القتل بالرصاص. وبلغت ممارسات المستوطنين إحدى ذراها في ٦ نيسان / إبريل ١٩٨٨، عندما دخلت مجموعة منهم في مواجهة دموية مع سكان قرية بيتا، أسفرت عن سقوط شهيدين وعدد من الجرحى الفلسطينيين، إضافة إلى مقتل مستوطِنة وجرح معظم أفراد المجموعة.

شهدت الأشهر القليلة الأولى من سنة ١٩٨٩ تطورًا نوعيًا ملموسًا في ممارسات المستوطنين، تمثل في تجريد حملات كبيرة لـ"الانتقام" من القرى والمدن العربية، وفي الانتقال من الأعمال الفردية المعزول بعضها عن بعض إلى الانخراط في أطر منظمة، أشبه ما تكون بالميليشيات أو بالحركة الإرهابية السرية. ووصل نشاط المستوطنين "المستقل" إلى حد تشكيل نواة لدولة خاصة بهم، تقام في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المحتلة. ولا يزال هذا النشاط مستمرًا حتى أواسط سنة ١٩٩٠.

هذه التطورات كلها سنتناولها في الصفحات التالية:

 يد الجيش الطليقة

تشكل المستعمرات جزءًا من نظام الدفاع الإقليمي للجيش الإسرائيلي، وهو ما يتيح للمستوطنين حمل السلاح واستعماله وفقًا للقواعد المتبعة في هذا الجيش، نظريًا، ووفقًا لقواعدهم الخاصة عمليًا. وقد تمت ممارسات المستوطنين برعاية الجيش الذي يهب إلى نجدتهم عند الضرورة. وأُعطي المستوطن، أسوة بالجندي، الحق في إطلاق النار على أي فلسطيني يلقي زجاجة حارقة عليه، "عندما تكون حياته معرضة للخطر."(3)  بل إنَّ القانون العسكري يبيح للمستوطنين مطاردة "مثيري الشغب"، ومعاقبتهم. وهكذا، يشكل المستوطنون "اليد التي تنفلت من عقالها"، في حين يكون "الجيش مقيدًا نسبيًا بردات الفعل"، بحسب شهادة رقيب أول في الاحتياط خدم في المناطق المحتلة.(4)

تقدم حادثة "بيتا" السالفة الذكر، مثالًا جيدًا لتكامل جهود المستوطنين وسلطات الاحتلال في مواجهة الانتفاضة. فبعد أنْ وجهت اليد المنفلتة ضربتها إلى سكان القرية، هبت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي إلى نجدة المستوطنين، ولاستكمال ما بدأوه من ترهيب للسكان. فأغلقت القرية، وأخذت تطلق النار مما أدى إلى سقوط شهيد ثالث. وجمعت السكان لساعات طويلة، واستجوبت المئات منهم. ثم قامت بهدم ١٣ منزلًا، واعتقال أكثر من ٤٠ شابًا، وقطع المياه والكهرباء، وطردت إلى لبنان في وقت لاحق ٦ "من النشطاء الأساسيين الذين لهم ماض حافل في الاشتراك في أنشطة أخرى." وقد تأكدت اعتباطية تصرفات الجيش الإسرائيلي، عندما تبين فيما بعد أنَّ المستوطِنة قتلت بنيران أحد المستوطنين المسلَّحين، وأنَّ منزلًا على الأقل نسف خطأ.(5)

جاء التقرير الرسمي في شأن الواقعة، الذي وضعه ميتسناع استنادًا إلى تقارير الشرطة و"الشاباك"، ليكمل دائرة التواطؤ الرسمي مع المستوطنين. فقد خلص التقرير إلى أنَّ الأسباب الأساسية لتطور الحادثة ونهايتها المأساوية تتمثل في "دوافع عرب محليين وعدوانيتهم..."، في حين أنَّ تطور الأحداث – كما يسرده التقرير نفسه – لا يسند هذا الاستنتاج. أمَّا مسؤولية المستوطنين المسلحين، فقد حصرها التقرير في "الإهمال في استخدام الأسلحة وعدم الحذر، والتسرع الزائد في الضغط على الزناد"، معتبرًا هذه مجرد "عوامل مساعدة في تصعيد الأحداث."

دفعت مواقف سلطات الاحتلال هذه المستوطنين إلى تصعيد مطاليبهم، فطالبوا بفرض عقوبة الإعدام على "المخربين"، وإبعاد المزيد من الفلسطينيين، وإغلاق الصحف العربية، وإنشاء ٢٦ مستعمرة جديدة، ووقف المحادثات مع وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جورج شولتس.(6)  بل إنَّهم شنُّوا هجومًا لا سابق له على كل من رئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة الوسطى، بتهمة التساهل في قمع الانتفاضة.

وهكذا بدأت ترتسم ملامح السياسة التي ينتهجها المستوطنون في مواجهة الانتفاضة، والتي تقوم على ثلاث دعائم متلازمة:

١تطوير التنسيق مع سلطات الاحتلال

لم يكن المستوطنون بحاجة إلى بذل عناء كبير على هذا الصعيد، وهم الذين يشكلون جزءًا عضويًا من نظام الدفاع الإقليمي الإسرائيلي، كما أسلفنا. لكن اللافت هنا هو نوعية التنسيق الذي يرتئيه المستوطنون، كما عبر عنه – مثلًا – زعماؤهم خلال اجتماعهم إلى رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان شومرون، في ٢٠ كانون الأول / ديسمبر ١٩٨٨. ففي هذا الاجتماع، تقدم زعماء المستوطنين باقتراح يقضي بإنشاء مجلس مشترك ودائم بين ممثليهم وقادة رفيعي المستوى في الجيش الإسرائيلي، بهدف استجلاء المشكلات الأمنية في المناطق المحتلة. وهو اقتراح يفترض ندّية معينة بين المستوطنين والجيش، وينطوي على إمكان تحويل الجيش النظامي إلى مستوطنين مسلحين. وهذا ما يجعل سعي المستوطنين لتطوير التنسيق يلامس الدعامة الثانية في سياستهم.

٢ الضغط على السلطات

ينطلق المستوطنون هنا من أنَّ القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيليتين تنتهجان سياسة متساهلة تجاه الانتفاضة، وأنَّهما مقصِّرتان في حماية المستوطنين. ونسوق هنا مثلًا بعض مواقف المستوطنين وزعمائهم بعد مقتل أحد اليهود في ١٠ كانون الثاني / يناير ١٩٨٩، قرب مستعمرة ألفي منشيه، في أوضاع غامضة لم تتحدد معالمها حتى الآن. ففي الجنازة، قاطعت جموعهم خطاب زعيم المفدال، آفنر شاكي، بصيحات من نوع: "لا تغطِّ تقصيرات الحكومة"؛ "جاء وقت البدء بالعمل، لا الكلام"؛ "إنَّهم لا يسمحون للجيش الإسرائيلي بالعمل"؛ "شمير لا يقول الحقيقة". وزعمت مجموعة منهم، في لقاء لها مع ميتسناع، أنَّ الجيش لا يقوم بما يكفي لمنع الاعتداءات على اليهود، وتعزيز الأمن على الطرقات في المناطق المحتلة. وفي اليوم التالي لمقتل المستوطن، تظاهر مئات المستوطنين عند مفرق مستعمرة ياكير، احتجاجًا على قرار يتسحاق رابين هدم نصب المستوطن هناك، ودخلوا في مواجهة مع الجيش. وقد شارك في التظاهرة عدد من زعماء المستوطنين البارزين، الذين أعلنوا مواقف ضد السلطات الإسرائيلية. فالحاخام موشيه ليفنغر قال لو كان رابين أظهر المبادرة نفسها تجاه العرب كما ضد النصب، لكان قضى على الانتفاضة منذ زمن. أما بيني كتسوفر فهدد بردّ من المستوطنين يشمل قطع مفارق الطرق الرئيسية في "السامرة". وذهب سكرتير مستعمرة غينوت شومرون إلى أنَّه ينبغي عد الثقة بشمير، وأنَّ "لدي إحساسًا بأنَّه سيفعل بنا هنا ما فعله بيغن بمستوطني ياميت" التي أُخليت في سيناء. بل إنَّ مستوطني براخا أجبروا، في مناسبة أخرى، شمير نفسه على التوقف عن الكلام وهم يهتفون "خائن".(7)

لم يتوقف المستوطنون عند حد الإِدلاء بالتصريحات والهتافات، بل لجأوا إلى مختلف أشكال الضغط على السلطات. مثال ذلك: التظاهرة التي قام بها في تل أبيب في ٧ آذار / مارس ١٩٨٩؛ نحو عشرين ألفًا يتقدمهم مستوطنون مسلحون، والتي طالبت بإقامة مستعمرات جديدة في المناطق المحتلة؛ وكذلك الاعتصام الذي نظمه زعماء المستوطنين في شباط / فبراير ١٩٨٩ أمام مكتب رئيس الحكومة، والمؤتمر الصحافي الذي عقدوه، والرسالة التي بعثوا بها إلى شمير عند إنهاء الاعتصام في ١٦ شباط / فبراير. وتتضمن الرسالة نموذجًا للمطاليب التي يضغط المستوطنون من أجل تحقيقها: التأليف الفوري لفريق رفيع المستوى في ديوان رئيس الحكومة يتولى أمر المناطق، ويعمل فوق وزير الدفاع، ويقضي على الانتفاضة؛ إغلاق الصحف الفلسطينية؛ طرد زعماء "المحرضين"؛ اعتبار الجمعيات العاملة تحت إشراف الجمعيات الخيرية في القدس الشرقية خارجة على القانون؛ طرد الذين أُطلقوا في عملية تبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة؛ تبسيط إجراءات الطرد؛ وقف تدفق أموال م. ت. ف. إلى المناطق المحتلة.(8)

٣ نحو عمل "مستقل"

جنبًا إلى جنب مع محاولات التنسيق مع السلطات والضغط عليها، بدأ المستوطنون، وخصوصًا منذ مطلع سنة ١٩٨٩، يقومون بعمليات انتقامية جماعية ومستقلة ضد تجمعات السكان الفلسطينيين. وهذا ما عزاه رئيس "مجلس السامرة الإقليمي" كتسوفر إلى أنَّ استعداد المستوطنين لضبط النفس هبط إلى الصفر. وقد شملت هذه العمليات العديد من القرى والمدن الفلسطينية، وتكررت بمعدل مرة في الأسبوع تقريبًا.

يمكن اعتبار سلوك مستوطني ألفي منشيه، بعد مقتل أحد المستوطنين قرب المستعمرة، نموذجًا لنشاط المستوطنين المستقل على غير صعيد. فمنذ ساعات الصباح الباكر في اليوم التالي، سارع رئيس مجلس المستعمرة (الذي كان، للمناسبة، برتبة مقدم في الجيش الدائم حتى تاريخ انتخابه لهذا المنصب) إلى إجراء تحقيق خاص به في قضية مقتل المستوطن. وأرسل ضباط أمن المستعمرة إلى مكان الحادث لإيجاد دلائل على الأرض تساعد في كشف ملابسات تلك الحادثة. وهو بذلك كان يحاول استباق نتائج التحقيق الرسمي، الذي لم يكشف حتى الآن عما إذا كانت دوافع القتل إجرامية أم وطنية. ولم يكتف المستوطنون بذلك، بل اقتحموا المجلس البلدي في قلقيلية المجاورة وبلَّغوا سكانها، عبر رئيس المجلس المعين عبد الرحمن أبو سنينة، الرسالة التالية، بحسب مصادرهم: "أوضحنا لهم أنَّ ثمة على الأرض قوة أخرى إلى جانب الجيش، يمكن أنْ تباشر العمل. وقد فهمونا جيدًا. إنَّهم لا يخافون الجيش، إنَّهم يخافوننا."(9)

  • ميليشيات خاصة:

أنذر مثل هذا السلوك للمستوطنين بوجود ميليشيات لهم، الأمر الذي دفع بعضوي الكنيست يوسي ساريد ودادي تسوكر إلى جمع معلومات عن الموضوع، ضمّناها رسالة بعثا بها إلى وزير الدفاع الإسرائيلي يتسحاق رابين. ونظرًا إلى أهمية هذه المعلومات، نورد فيما يلي مقتطفات واسعة من الرسالة:(10)

تنقسم الميليشيا إلى "لجان عمل" محلية، تجند المستوطنين لعمليات ثأر وردع وعقوبة وانتقام. وتعمل هذه اللجان في مستعمرات منها: أريئيل، ويتسهار، وعالي – زهاف، وشعاري تكفا، وكرني شومرون، ومعاليه شومرون، وغينوت شومرون، وكدوميم، وألفي منشيه، وعوفرا، وكريات أربع.

في عدد من الحوادث، جرى تعاون بين لجان عمل محلية متجاورة، كما حدث مثلًا في عملية "التأديب" التي نُفذت في ٣ شباط / فبراير ١٩٨٩ في قرية عزون، والتي اشترك فيها نحو ٣٠٠ من أعضاء لجان العمل في شعاري تكفا وأريئيل. كما أنَّ لجان العمل، في غينوت شومرون ومعاليه شومرون وكرني شومرون وكدوميم، كانت تعاونت فيما بينها في نطاق منطقتها. وتعمل لجنة عمل عالي – زهاف في كفر الديك، ولجنة يتسهار في قرية برقين، ولجنة أريئيل في منطقة كفل حارث وبديا وعزون وعتمه.

انتظمت مجموعة من مستوطني كفار عتسيون وإفرات للعمل في مخيم الدهيشة، ومجموعة من مستوطني الخليل لتنفيذ عمليات انتقامية في سوق المدينة وأماكن أخرى منها. وعملت مجموعة مستوطنين من نيلي في قرية خربتا ودير قسّيس. ونشطت مجموعة من مستوطني كريات أربع على طريق بيت لحم – الخليل.

وتضيف الرسالة أنَّ أسماء عدد من الذين يقفون على رأس هذه اللجان والمجموعات معروفة. فزعيما اللجنة في أريئيل هما درور سغنوف وشموئيل رفائيلي. وفي يتسهار، آفنر أوزن ودان روسلر. وفي عوفرا، يوئيل أليتسور. وفي الخليل، باروخ مرزيل وشموئيل يشاي ويكوتيئيل بن يعقوب. وفي غينوت شومرون، داني ميخائيلوفتس وموشيه باسيه وآفي شاليف. وفي معظم الأحوال، تحظى لجان العمل وقادتها بدعم رؤساء المستعمرات وتشجيعهم، كما جاء في الرسالة.

فيما يتعلق بسياسة لجان العمل تجاه الجيش الإسرائيلي، تقول الرسالة إنَّها تقوم على منع حدوث مواجهة جسدية عنيفة مع الجنود قدر الإمكان، لكن مع عدم الامتثال لأوامر الجيش إلى حين إنجاز مهمة المستوطنين، المتمثلة في تحطيم المنازل والأثاث والسيارات وترهيب العرب. ولا يتم الانسحاب إلَّا بأوامر من "لجان العمل".

أمَّا سياسة الجيش الإسرائيلي تجاه هذه اللجان، فتحددها الرسالة بعدم تقصي القانون مع المستوطنين. وهذا يعني غض نظر قيادة الجيش، قدر المستطاع، عن عمليات المستوطنين في القرى الفلسطينية. وقد نجم عن ذلك عدم إدانة أي مستوطن بسبب تورطه في الهجمات على العرب، أو بسبب إلحاقه الأذى بالجنود والضباط الإسرائيليين.

مهما تكن دقة التفاصيل الواردة في رسالة ساريد وتسوكر إلى رابين، ومهما تكن الفوارق بين الميليشيات التي تتحدث الرسالة عنها والحركة الإرهابية اليهودية السرية التي أقامها المستوطنون في مطلع الثمانينات، فمن الثابت أنَّ ثمة نشاطًا مستقلًا يمارسه المستوطنون في المناطق المحتلة، على غرار "الجزائر موديل ١٩٨٨"، بحسب ما يبشر حغاي سيغل، أحد نشيطي الحركة الإرهابية المذكورة. ويتمركز هذا النشاط المستقل في المستعمرات المحاذية لخط الهدنة القديم، إلى الغرب من نابلس، أي على مسافة "خمس دقائق فقط من كفار سابا"، الواقعة في قلب إسرائيل الاقتصادي والسكاني.

  • "دولة يهودا":

استمرارًا في خط النشاط المستقل أعلن المستوطنون، في كانون الثاني / يناير ١٩٨٩، عزمهم على إقامة دولة يهودية في المناطق المحتلة. وهم ألَّفوا "المجلس الصهيوني لدولة يهودا"، الذي انتخب قيادة موقتة مصغرة له من ٧ أعضاء، معظمهم من حركة "كاخ". كما انتخبوا الحاخام مئير كهانا "رئيسًا" للدولة. وقد ناطوا بالقيادة الموقتة تأليف أُطر من المستوطنين، تملأ الفراغ القائم في مجالات التشريع والقضاء والسياسة والتربية والاجتماع والاقتصاد والاستيطان والدفاع. وأوكلوا إلى القيادة إعداد المستوطنين للاستقلال الكامل في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المحتلة.

بعد عام من ذلك، أي في مطلع سنة ١٩٩٠، بدأت تتوفر معلومات تشير إلى أنَّ توجهات قادة المستوطنين لم تكن مجرد حبر على ورق، وأنَّهم عملوا فعلًا على إيجاد أُطر جديدة تمهد لـ"استقلالهم الكامل" في المستقبل. وقد لخص هذه المعلومات تقرير صحافي،(11)  كُتب بمناسبة اعتقال ثلاثة من النشيطين الرئيسيين في تنظيم "دولة يهودا"، نعيد ترتيب ما جاء فيه على النحو الآتي:

على الصعيد التنظيمي: بعد "ساعات قليلة" فقط من اعتقال الثلاثة (وهم: النقيب في الاحتياط ميخائيل بن حورين، ويكوتيئيل بن يعقوب، وشموئيل بن يشاي)، اجتمع التنظيم وعينوا بدلاء منهم. فمثلًا: بدلًا من بن يشاي، رئيس "لجنة الأمن على الطرق"، تم تعيين تيران فولك، صاحب التجربة الغنية بالعمليات "الثأرية" ضد العرب في منطقة الخليل. لكن النشاط التنظيمي يتضح أكثر من خلال حقيقة أنَّ هذا النشاط لم يقتصر على المستعمرات في المناطق المحتلة، بل تعداها إلى داخل ما يسمى "الخط الأخضر"، وشمل متدينين وعلمانيين سواء بسواء. فعلى رأس النشاط التنظيمي، يقف كل من: عتسمون روزنبرغ في بيتح تكفا؛ ميخائيل بيطون وزفولون كوهين في بئر السبع؛ يوئيل كورنفايت في جامعة بار – إيلان؛ دبورا كلاين في رعنناه؛ نتالئيل عوزري في بات – يام؛ يوسف روزفسكي في كريات شمونه؛ دانييل كوهين ويوسف فلهايمر في نتانيا؛ رحميم كوهين وباروخ كيغن في غوش دان. (وبالمناسبة، يعمل كوهين مستشارًا قانونيًا لدولة يهودا، ورئيسًا لـ "صندوق القانون والعدالة"، الذي يقدم المساعدات القانونية للمعتقلين من التنظيم).

ومع ذلك، لا يُعتبر عدد الأعضاء – الذي يبلغ "بضع مئات" فقط – المؤشر على النفوذ الحقيقي لتنظيم "دولة يهودا"، وإنَّما المؤشر على ذلك هو الطاقات الكامنة لديه على غير صعيد: سياسي، من خلال الدعم الذي يحظى به في أوساط المستوطنين والمؤسسة الحاكمة الإسرائيلية؛ وعسكري، عبر علاقات التنسيق التي تربطه بالأجهزة العسكرية.

على الصعيد السياسي: يحظى تنظيم "دولة يهودا"، بحسب التقرير المذكور، بـ"تعاون جميع الهيئات العاملة" في المناطق المحتلة. ففي اجتماع مجلس مستعمرات "يهودا والسامرة وغزة" الذي عقد أواسط سنة ١٩٨٩، تحدث العديدون مؤيدين التنظيم وأيديولوجيته. كما تحدثوا عن التعاون معه من أجل نسف "مبادرة السلام" التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية آنذاك. ويتلقى التنظيم الدعم من حاخامي المستعمرات (وإنْ بصورة غير معلنة)، وخصوصًا الحاخام دوف ليئور من كريات أربع. بل حتى المستعمرات "المعتدلة"، مثل ألون شفوت ومعاليه عاموس، لا تبخل بتقديم مثل هذا الدعم.

أمَّا داخل "الخط الأخضر"، فإنَّ من أضفى الشرعية على فكرة تنظيم "دولة يهودا" كان الحاخام الرئيسي أبراهام شابيرا، المعروف بـ"الاعتدال"، وذلك بقوله: إذا جرت إقامة دولة يهودا بعد انسحاب الحكومة من المناطق، فإنَّ ذلك لا يعتبر تمرُّدًا." كما يعتبر التنظيم نفسه مقرَّبًا من أعضاء الكنيست الذين يؤلفون "جبهة أرض – إسرائيل". وقد أجرى لقاءات مع عدد منهم، مثل: رحبعام زئيفي، وحنان بورات، ويهودا بيرح، وعوزي لنداو. وهو يحتفظ لزئيفي بحقيبة وزارة الدفاع في "دولة يهودا" – كما قال فولك.

على الصعيد العسكري: بحسب التقرير، اتخذ القرار بإقامة الذراع العسكرية لـ"دولة يهودا" في الجلسة رقم ٤ لقيادة التنظيم، أي – ربما – في أوائل سنة ١٩٨٩. وتقرر حينها أنْ يكون يكوتيئيل بن يعقوب مسؤولًا عن الهيئة الأمنية التي ستقيم البنية التحتية العسكرية. ويبيِّن التقرير مصادر قوة التنظيم على هذا الصعيد، بالإشارة إلى أنَّ ثمة ١٢ – ١٥ ألف قطعة سلاح مختلفة في أيدي مستوطني الضفة، نصفها تقريبًا في حيازة متعاطفين مع التنظيم. وفي كل مستعمرة مخزن أسلحة، تحت مسؤولية ضابط الأمن فيها الذي يتلقى راتبًا شهريًا من المؤسسة العسكرية. ولكل مستوطن عمره ١٧ عامًا أو أكثر الحق في حيازة قطعة سلاح، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المستوطن الذي يؤدي خدمة الاحتياط. ولذلك، ثمة بين المستوطنين من يملك قطعتين أو ثلاث قطع في بيته. ولدى زيارة كاتب التقرير بيت أحد أعضاء التنظيم، رأى بعينيه ما يكفي تسليح خمسة جنود من سلاح المشاة.

أمَّا المصدر الثاني لقوة تنظيم "دولة يهودا"، فهو تعاونه مع السلطات العسكرية، "الذي يكاد يكون مطلقًا"، وإنْ لم يكن معروفًا دائمًا. فالكثيرون من ضباط الأمن المسؤولين عن مخازن الأسلحة هم من الزوار الدائمين لعدد من قادة التنظيم. وقد نظم التنظيم، في كانون الثاني / يناير ١٩٩٠، جولة لهؤلاء الضباط في المستعمرات، بهدف "تعميق النقاش في شأن إمكان العمل في يهودا والسامرة إذا وعندما..."، وهناك تعاون مشابه مع الجيش، وخصوصًا أنَّ المستوطنين يؤدون في معظمهم خدمتهم العسكرية في مناطق سكناهم. ويحدث في أثناء العمليات الليلية أنْ يجلس أحد أعضاء التنظيم في غرفة اتصالات الجيش في المستعمرة، وينسق نشاط "لجنة الأمن". ولدى التنظيم، في مستعمرة كريات أربع، قبو يحتجز فيه العرب الذين يختطفهم.

حتى لعبة "عسكر وحرامية"، التي يلعبها التنظيم مع الشرطة والجيش، كانت لمصلحته. ففي المحاولات التي بذلتها الشرطة لاختراق التنظيم، يبدو أنَّ أعضاءه كانوا هم الأقدر على التجسس على الشرطة، مما هو العكس. كما أنَّهم كانوا يقومون بالتنصت على شبكة اتصالات الجيش. وهكذا فشلت كل محاولات القبض عليهم "متلبسين".

على الصعيد الاقتصادي: يحصل التنظيم على "تبرعات كبيرة" من الخارج، معظمها يأتي من أنصار "حباد" وأنصار الحاخامَيْن كوك وكهانا. كما أنَّ د. شالوم شاليف، المهاجر السوفياتي الجديد الذي يستوطن إفرات، وضع للتنظيم خطة اقتصادية تهدف إلى "تحقيق الاستقلال الاقتصادي لدولة يهودا." وتفصل هذه الخطة مصادر التمويل وجمع التبرعات في الخارج، وتقترح بناء سدود على أراضي "يهودا والسامرة"، ومصادرة أراض زراعية عربية جديدة، وإقامة مرافق زراعية تعمل بالطاقة الشمسية... إلخ. ويبدو أنَّ الاعتقالات الأخيرة في صفوف التنظيم لم تؤثر في شيء، سوى في تأخير إقرار هذا الخطة.

على الصعيد الاستيطاني: انهمك أعضاء تنظيم دولة يهودا، أوائل سنة ١٩٩٠، في فكرة جديدة ترمي إلى نسف "المسارات السياسية"، عن طريق إقامة مستعمرات جديدة، من دون أية موافقة رسمية، وبالتالي مفاقمة المواجهة مع الفلسطينيين. ومن المستعمرات: مستعمرة نواة "إيتان" في منطقة أريحا، وعدد من المستعمرات "الاستعراضية" المتاخمة للمدن العربية، ومنها نابلس والخليل والقدس الشرقية.

بعد عرض هذه المعلومات في شأن تنظيم "دولة يهودا"، ينتهي التقرير إلى القول: "إنَّ الشرطة والجيش وقوى الأمن تسمح للأمور بالتطور من دون أية عرقلة تقريبًا. وفيما عدا اعتقالات تبدو استعراضية أحيانًا، فإنَّها لم تتخذ إزاءها أية إجراءات فعلية." ونضيف إلى ذلك، أنَّ حتى الجهاز القضائي يكمل دائرة التنسيق والتواطؤ الرسمي مع مستوطني "دولة يهودا". وهذا ما أكده قرار المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية يوسف حريش، الصادر في ٢٨ نيسان / إبريل ١٩٩٠، والقاضي بعدم تقديم لوائح اتهام ضد أعضاء التنظيم، معتبرًا نشاطهم مندرجًا في إطار "حرية التعبير عن الرأي"،(12) ليس إلَّا.

 سرايا المستوطنين

في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٨٩، قررت قيادة الجيش الإسرائيلي، في تطور لافت، إحياء "وحدات الدفاع الإقليمي" في "يهودا والسامرة" التابعة للجيش والمكونة من المستوطنين، وتكليفها مهمات في قمع الانتفاضة الفلسطينية. وذلك بدلًا من قيامها بالحفاظ على "الأمن الجاري" في محيط المستعمرات التي يسكنها مجندو تلك الوحدات، كما كان الحال أصلًا. وكان اللواء عميرام ميتسناع، قائد المنطقة الوسطى، التي تضم الضفة الغربية، قد قرر قبل نحو عامين من ذلك حل هذه الوحدات وتوزيع جنودها على وحدات الجيش المختلفة، بعد أنْ ظلت قائمة طوال سني الثمانينات الماضية.(13)

أثار قرار إحياء "سرايا المستوطنين" هذه، كما أخذت تُعرف في حينه، ردَّات فعل متناقضة في الأوساط الإسرائيلية، كشفت عن مغزى القرار، وحدَّدت شكل تنفيذه لاحقًا.

فمن جهة، عارضت القرار حركة "السلام الآن" وأوساط "اليسار" الصهيوني (المعراخ، ومابام، وراتس) وكتلة "حداش"، على قاعدة أنَّه يضفي الشرعية على استفزازات المستوطنين ضد السكان الفلسطينيين، وأنَّه سيقود إلى "عهد من الحرب المسلحة بين المستوطنين والسكان"، بحسب تعبير عضو الكنيست (من المعراخ) أبراهام بورغ. وأجرت "السلام الآن"، أول مرة منذ إنشائها، نقاشًا في شأن إمكان رفض أعضائها الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة، ودعت وزير الدفاع إلى العدول عن "القرار البائس الذي مغزاه تسييس الجيش الإسرائيلي، من جملة أمور أخرى." ومن جهة ثانية، باركت القوى "اليمينية" (الليكود، وتسومت، وهتحيا) للأجهزة الأمنية قرارها إحياء وحدات الدفاع الإقليمي، على اعتبار أنَّها تساهم في تعزيز الأمن في "يهودا والسامرة" وتخفف أعباء الجيش في هذا المجال. كما أنَّ بعض هذه القوى (تسومت) أعرب عن أسفه لعدم اتخاذ هذه الخطوة من قبل، وطالب بعضها الآخر (هتحيا) بالإسراع في تشكيل مزيد من سرايا المستوطنين.(14)

دار النقاش في شأن "سرايا المستوطنين"، أيضًا، في الاجتماع الذي عقدته لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في ٧ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٨٩. وشارك في الاجتماع الجنرال دان شومرون، رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، الذي دعا أعضاء اللجنة إلى التوقف عن مناقشة الموضوع. وقال إنَّ الجيش يحرك قواته ويموضعها بناء على تقديراته هو.

واستمر النقاش في الشأن نفسه، في الجلسة التي عقدها الكنيست بعد ذلك بأسبوع، والتي اقترحت فيها كتل من "اليمين" و"اليسار" (راتس، وهتحيا، وشينوي، والمعراخ، وشاس، والليكود) إدراج الموضوع في جدول أعمال الكنيست. وقال وزير الدفاع، يتسحاق رابين، في الجلسة: "إنَّ مهمة وحدة الدفاع الإقليمي الخاصة بسكان يهودا والسامرة هي الدفاع عن أماكن سكنهم في وقت الحرب. أمَّا في الأوقات الأخرى، فهم يعملون جنود احتياط بكل معنى الكلمة، وتتم موضعتهم وفقًا لحاجات الجيش الإسرائيلي العملياتية." وأنهى رابين كلامه مطالبًا بعدم إقحام الاعتبارات السياسية في  تحديد أماكن خدمة جنود الاحتياط. وفعلًا، قررت الكتل كلها – في نهاية النقاش – "الاكتفاء بكلام الوزير"، وشطب الموضوع من جدول الأعمال.(15) 

في موازاة النقاش الذي أثاره قرار إنشاء "سرايا المستوطنين"، كان تنفيذ القرار يجري على قدم وساق، لكن مع بعض التعديلات في شكل التنفيذ. فقد جاء القرار، أساسًا، بمبادرة من قائد المنطقة الوسطى اللواء يتسحاق موردخاي، واعتبر تغييرًا في السياسة التي كان يتبعها سلفه ميتسناع. ودار، لدى بدء التنفيذ، حديث عن خلافات داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية، وخصوصًا بين موردخاي وشومرون، في شأن مكان تموضع السرايا الجديدة وشكل هذا التموضع. وتقرر، كـ"حل وسط"، أنْ تخدم السرية الأولى من مستوطني بنيامين (أي المنطقة المحيطة برام الله) في منطقة أريحا، بدلًا من منطقة الخليل المزدحمة بالسكان العرب والملتهبة بالانتفاضة. وبعد تشكيل السرية الثانية، تقرر تقسيمها إلى مجموعات صغيرة تتولى أعمال الحماية على طريقي "حوتسيه شومرون" و"ألون"، بدلًا من الخدمة في منطقة نابلس، كما كان موردخاي قد وعد قادة المستوطنين. وبعد هذا، لا يزال قائد المنطقة الوسطى عند رأيه السابق في "الادعاء" أنَّ هذه السرايا ستزيد في العنف في مناطق خدمتها، فيقول: "ينبغي تجربة سرية واحدة ورؤية ما إذا كان ثمة ما يثبت هذا الادعاء. في كل حال، الضرورة العملياتية هي المحدِّد."(16)

ومنذ ذلك الحين، تراجع الحديث عن "سرايا المستوطنين"، بل كاد يغيب تمامًا. لكنْ هناك على الأرض سريتان من المستوطنين، على الأقل، تنتشران في مناطق محددة من الضفة الفلسطينية المنتفضة. ويظل المجال مفتوحًا أمام تشكيل المزيد من هذه السرايا، وأمام إعادة نشرها، بحسب ما تمليه "الضرورة العملياتية" لمواجهة الانتفاضة / الثورة.

 "جيش غلعاد الخاص"(17)

عشية الانتفاضة ، أي في تشرين الأول / أكتوبر ١٩٨٧، أُنشئت شركة "موكيد غلعاد" بهدف تقديم خدمات الحراسة والحماية للشركات التجارية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. وسرعان ما ازدهرت أعمال هذه الشركة، بفعل الانتفاضة، وتحولت إلى "جيش خاص يعمل خارج نطاق القيود المفروضة على قوى الأمن" الإسرائيلية. إنَّه جيش يقف على رأسه "رئيس هيئة أركان صغير، مغامر لكن ذو دراية، يدير مقر قيادة جيد التجهيز. مائة عامل، أربعة رؤساء فرق، عشرات المسدسات والقنابل اليدوية والرشاشات، شبكات مُحَوْسَبة، ارتباط بشبكة اتصالات الجيش الإسرائيلي، تنصت على شبكات الاتصال الأخرى."

كان يملك الشركة، لدى تأسيسها، كل من: شموئيل رايكين من غفعتايم، ويهودا زوهار من مستعمرة شعاريه تكفا، وروني غلعاد من مستعمرة أريئيل. وبعد انسحاب زوهار، أصبحت أسهم الشركة تتوزع بين غلعاد (ثلثان) ورايكين (ثلث). والعاملون المائة فيها هم من مستوطني المناطق المحتلة، ومعظمهم من العلمانيين. وعمل العقيد يهودا مئير مديرًا لنشاطات الشركة، قبل تقديمه إلى المحاكمة بتهمة إعطاء جنوده الأوامر بضرب المعتقلين الفلسطينيين وكسر عظامهم. أما غلعاد نفسه، الذي يتولى إدارة الشركة، فكان قد عمل ضابط أمن مستعمرة أريئيل، وكان قبل ذلك عضوًا في الجيل الجديد التابع لحزب العمل، مع أنَّه يتماهى مع "هتحيا".

اتسعت دائرة زبائن الشركة مع تصاعد الانتفاضة، وأخذت تشمل: شركة الكهرباء؛ شركات الوقود؛ شركات الغاز التي توزع على قواعد الجيش الإسرائيلي والمنشآت العربية؛ شركة الحواسب الإلكترونية "تيم"؛ "كور" للاتصالات؛ الصندوق القومي اليهودي؛ ومهنيين مختلفين. أما زبون الشركة الأهم فهو وزارة الدفاع الإسرائيلية. ولحسابها، على ما يبدو، بدأت الشركة منذ صيف سنة ١٩٨٩، تتولى حماية "المتعاونين" مع سلطات الاحتلال، في منطقة نابلس كلها.

إنَّ ما يميز هذا "الجيش" الصغير، ويجعله فاعلًا في أداء مهمات "الحماية"، هو انفلاته بالذات. فتوجيهات قائده غلعاد واضحة: لدى معاقبة السكان المحليين، يجب التسبب بأضرار بادية للعيان. ورجاله يطلقون النار، حتى في أيام الهدوء، حين لا يكون داع إلى ذلك، وهم – في هذا الصدد – ليسوا كجنود الجيش الذين تُحصى عليهم كل رصاصة يطلقونها. وتجد ممارساتهم في استفزاز الفلسطينيين والاعتداء عليهم "تبريرها" في النكتة التي يتداولونها: حتى إذا لم يكن العربي الذي يُلقى القبض عليه قد رمى حجارة اليوم، فإنَّه سيرميها غدًا، وإنْ لم يكن غدًا فإنَّ ابن عمه سيفعل ذلك.

ترتبط "موكيد غلعاد" بالجيش الإسرائيلي ارتباطًا وثيقًا. فالعاملون فيها يحملون سلاحهم الفردي الذي حصلوا عليه من الجيش، بوصفهم مستوطنين. وهم يحصلون على الذخيرة من خلال سهولة وصولهم إلى معسكراته. كما أنَّ عددًا منهم، ممن يعملون مياومين لدى الشركة، هو من الجنود النظاميين، الذين يلتحقون بالعمل إمَّا في إجازاتهم وإمَّا بعد انتهاء نوباتهم في الحراسة. والجيش، من جهته، لا يفعل شيئًا للجم الشركة؛ إذ في خضم "الواقع المضطرب من الأوامر المتناقضة، والضرب، وضبط النفس، والخوف من محاكمات المتجاوزين، وعدم القدرة على فهم توجيهات السياسيين، تقوم 'موكيد غلعاد'، في أعين البعض، بدور هاري القذر، أو تشارلز برونسون، الذي ينظف نيويورك من الحثالات."

دفعت ممارسات "موكيد غلعاد" عضو الكنيست دادي تسوكر إلى التوجه، في أوائل آذار / مارس ١٩٩٠، إلى وزير الدفاع ومفوض الشرطة الإسرائيليين، مفصلًا لهما "ادعاءات خطرة" ضد الشركة. لكن جنود غلعاد لا يزالون على سابق عهدهم: "يرافقون الصهاريج، ويدخلون القرى [العربية]، ويطلقون النار، ويتسلمون الأسلحة من مخازن الجيش الإسرائيلي."

احتمالات المستقبل

يمكن أنْ تتطور المواجهة بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود وفق أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:

١ – بقاء المواجهة محدودة. وهذا احتمال ضعيف.

٢ – قيام وضع يؤدي المستوطنون فيه دورًا رئيسيًا في محاولات قمع الانتفاضة، وربما في تنفيذ مخططات الطرد، عن طريق ارتكابهم عمليات تنكيل ومذابح واسعة النطاق ضد الفلسطينيين.

٣ – تصاعد الانتفاضة / الثورة على نحو يجبر المستوطنين على الانسحاب بالتدريج من المناطق المحتلة، حتى قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي، وخصوصًا في حال ارتفاع عدد الخسائر البشرية في صفوفهم.

10/6/1990

 

(1)   "دافار"، 12/1/1988.

(2)   لا تتوفر معلومات دقيقة عن عدد شهداء الانتفاضة على أيدي المستوطنين. وقدر عضو الكنيست يوسي ساريد، في وقت من الأوقات، نسبتهم إلى المجموع بنحو 10%. أنظر: "هآرتس"، 23/3/1988.

(3)  المصدر نفسه.

(4)  رونيت ميتلون، "هآرتس"، الملحق الأسبوعي، 11/3/1988، ص 6-7.

(5)   نص التقرير في "دافار"، 28/4/1988.

(6)  Newsweek, April 18, 1988, pp. 28-29. ؛ "دافار"، 12/4/1988.

(7)  التفاصيل في: "يديعوت أحرونوت"، 12/1/1989، و"هآرتس"، 13/1/1989.

(8)  نص الرسالة الكامل في: "نيكوداه"، 17/3/1989.

(9)  أنظر: ران كسليف، "هآرتس"، 17/2/1989.

(10)  كما في: "دافار"،28/2/1989.

(11)   يهوشواع مئيري، "هآرتس"، الملحق الأسبوعي، 26/1/1990، ص 4-7 و 47.

(12)   أنظر: "هآرتس"، 29/4/1990.

(13)  في شأن تطور هذه الوحدات التاريخي، أنظر: دان ساغير، "هآرتس"، 11/12/1989؛ أون ليفي، "دافار"، 19/11/1989.

(14)  "دافار"، 2/11/1989.

(15)  المصدر نفسه، 15/11/1989.

(16)  أنظر: ساغير، مصدر سبق ذكره.

(17)  عنوان التقرير المتعلق بشركة "موكيد غلعاد"، والذي كتبه يغآل سرنه وعنات طل – شير، ملحق "يديعوت أحرونوت"، 6/4/1990، ص 4-5، والذي استقينا منه المعلومات عن الشركة المذكورة.

Read more