مفاوضات السلام: عام بعد مدريد ـ تقويمات إسرائيلية
Keywords: 
مفاوضات السلام
مؤتمر مدريد 1991
النزاع العربي – الإسرائيلي
نتائج المفاوضات
Full text: 

استكمالاً لتقويم عملية المفاوضات الفلسطينية/العربية – الإسرائيلية (راجع المقالين السابقين وباب وثائق إسرائيلية)، نقدم فيما يلي تقويمات – مترجمة عن العبرية – ظهرت في الجانب الإسرائيلي، لساسة وعسكريين وخبراء ومحللين سياسيين. وقد استُمدت هذه التقويمات من أهم ما نُشر في الدوريات والصحافة الإسرائيلية في شأن الموضوع.

يتسحاق رابين*: ثلاثة أمور

في موقفنا فاجأت السوريين،

والفلسطينيون يريدون مناقشة الأعراض لا المرض**

[.......]

س الابتسامات مع السوريين في واشنطن؟ اقترحنا انسحاباً من الجولان؟

ج- ثلاثة أمور فاجأت السوريين وخلقت جواً مختلفاً: أولاً، حضرنا وقلنا إن القرارين 242 و338 أساس للسلام مع سوريا، لا لهضبة الجولان، وإنما للسلام مع سوريا.

الأمر الثاني، قلنا أنتم تريدون تسويات محدودة. فليكن، من اتفاق فصل القوات الذي وقع قبل ما يزيد على 18 عاماً، وكيلومترين في منطقة القنيطرة، ربحت 18 عاماً من الأمن الشخصي لسكان هضبة الجولان لم يتوفر لأي مواطن في إسرائيل، لا لسكان تل أبيب، ولا للقدس، ولا لبات يام، ولا للمستوطنات الزراعية المحيطة بقلقيلية وطولكرم. 18 عاماً لم يصب أي إسرائيلي بعملية إرهابية في هضبة الجولان، لم تحدث أية محاولة تسلل في الخطوط بيننا وبين سوريا وهضبة الجولان. لذلك أنا لا ارفض تسويات كهذه.

والأمر الثالث، قلنا: تعالوا نبحث عن ترتيبات أمنية في حالة سلام.

أنا لا أقول أننا حللنا المشكلة. وبصورة عامة، مسار السلام لا يقاس بأسبوعين.

س وبعد تحسن المناخ مع السوريين، هل يوجد كلام أيضاً على أي انسحاب في هضبة الجولان؟

ج إسمع، الموضوع ليس انسحاباً. الموضوع هو إما سلام وإما تسويات مرحلية. جوهر التفاوض هو عدم كشف الأوراق مسبقاً. العرب لا يفعلون ذلك، ونحن أيضاً يجب ألا نفعل ذلك.

س هل كنت مستعداً للاجتماع إلى الأسد؟

ج بالتأكيد، في أي مكان وأي زمان.

س والحكم الذاتي؟ تحدثت عن حكم ذاتي للفلسطينيين خلال ستة حتى تسعة أشهر.

ج قلنا للفلسطينيين: هناك هيئة يجب أن تدير الحكم الذاتي، وستُنتخب من قبل سكان المناطق. القدس لا يشملها الحكم الذاتي. وافِقوا على الموعد وعلى مسألة ماذا تنتخبون. تعالوا ننقسم إلى مجموعتين، إلى لجان فرعية. إحدى اللجان تعالج، حتى 1 كانون الأول/ ديسمبر، صيغة الانتخابات. مجموعة ثانية تلخص، حتى أول شباط/ فبراير، كل ما تنقله إسرائيل إلى اختصاص تلك الهيئة في إدارة حياة الفلسطينيين. نحن سنصر على ثلاثة مبادئ: الأمن في يدنا؛ المسؤولية عن المستوطنات اليهودية وعن حياة اليهود في المناطق في يدنا؛ وكذلك مسؤولية شؤون التنظيم والجمارك والعملة. والباقي كله بكل سرور.

قمنا بعدة مبادرات حسن نية. أخذت على عاتقي القيام بعدة مبادرات حسن نية، لخلق مناخ أفضل.

لقد فوجئ الفلسطينيون، في رأيي. إنهم غير قادرين على مجابهة المشكلات الحقيقية. تكتيكهم هو التحدث عن حقوق الإنسان، الاعتقالات، نسف البيوت. إنهم يعالجون أعراض المرض لا المرض. يريدون لجنة لحقوق الإنسان؟ "أوكي"، شرط أن تعالج عدة لجان أُخرى لب المشكلة. أنا أعتقد أنه في هذه القضية يوجد تفهم من الجانب الأميركي لموقفنا؛ فهو يلاحظ أن الفلسطينيين يهربون من الحسم.

كنت أرغب أكثر في تدخل أردني مساعد، لكن هذا مشروط بالأردنيين. هذه المفاوضات تحتاج إلى صبر. أما ما زلت متفائلاً بأن ما بين تسعة أشهر وسنة سيكون هناك إمكان. لكنني أريد، قبل كل شيء، أن أعيش بسلام مع نفسي، بأنني بذلت الجهد المعقول، أظهرت استعداداً للتصالح، لا على (حساب) المصالح الأكثر حيوية لإسرائيل كما أراها. لذلك أوقفت بناء 7000 وحدة سكنية كانت مخططة للمناطق. لو كان هذا متعلقاً بي لما بقي هنا أيضاً 11,000 وحدة (في قيد البناء). لكن أنا أيضاً لدي قيود.

س -  ألن يتحول الحكم الذاتي، تلقائياً، إلى دولة فلسطينية خلال وقت معين؟

ج هناك دائماً مخاطر. أنا لا أستطيع القول بالتأكيد أنه لا يوجد خطر كهذا. هذا يتعلق بنا. أنا مؤمن بأنه إذا توصلنا إلى حكم ذاتي، وفق مفاهيمي، فهناك فرصة لأن ينتقل مركز الثقل في القرارات الفلسطينية من تونس إلى المناطق. ستكون هناك هيئة منتخبة. ستكون هيئة مع مسؤولية تنفيذية. ستكون هيئة مع تأثير في حياة مليون وسبعمئة ألف فلسطيني.

س نحن في الواقع نتحدث الآن مع م. ت. ف.

ج ماذا تعني بقولك الآن؟ طوال الوقت. أنا لم أحاول مرة سلوك طرق الليكود وأتصنع. قلت: بالنسبة إليّ عنوان التحادث هو وفد سكان المناطق، ومع من يتحادثون هم، فهذه مشكلتهم. لقد تحدثوا في السابق أيضاً، في مدريد وفي واشنطن. ما هو الجديد؟ هل بدأ هذا الآن؟

س – ماذا تقول للمستوطنين، الذين يتحدثون عن قلقهم في الخمسين يوماً هذه؟

ج – إسمع، أنا لا أنتمي إلى وجهة النظر التي أدت إلى ما أسميه مستوطنات سياسية. أنا لا أعتقد أن المستوطنات لا تساهم أبداً في كل ما يتعلق بالأمن الوجودي لدولة إسرائيل. ما هو الأمن الوجودي؟ في مواجهة تهديد جيوش الدول العربية، وصواريخ أرض – أرض، وسلاح غير تقليدي، فإن مساهمة المستوطنات في المناطق، وأقصد المستوطنات السياسية، هي صفر. هذه الأموال لو خصصوها للأمن، لكانت ساهمت في الأمن الوطني أكثر من كل المستوطنات. لكن هناك وجهات نظر مختلفة.

لذلك أقول لأولئك المستوطنين: لا خيار لي. أنا ملزم، كرئيس حكومة في إسرائيل، بأن أهتم بأمنهم. هم بالنسبة إليّ ليسوا الأفضلية الأولى بل أفضلية هامشية، لأن الأفضلية الأولى هي مكافحة البطالة، وضائقة الأحياء ومدن التطوير في إسرائيل، والتعليم، وتعزيز الاقتصاد. هذا ما سيصنع من إسرائيل دولة قوية، وليس المستوطنات السياسية.

[.......]

شمعون بيرس*: أعترف بأن هناك مسألتين

كيف لا ننزل عن هضبة الجولان،

وكيف لا ننزل عن هضبة السلام!**

 

              [.......]

س -  في نهاية المطاف، ألسنا نقف اليوم مع السوريين في المكان نفسه الذي كنا نقف فيه عندما كان الليكود هو الذي يدير المفاوضات؟

ج -  كلا. مع الليكود كان هناك طرفان يتحاور كل منهما مع نفسه. والآن هناك، على الأقل، حوار متبادل. كل طرف خرج قليلاً عن دائرته السابقة. نحن بإعلاننا أن القرارين 242 و338 يسريان أيضاً على القطاع السوري وفيهما بُعد إقليمي، والسوريون بقولهم أخيراً أنه يجب إنهاء الأمر باتفاقيات سلام؛ فهذا وضع جديد.

س إذا كنا ننوي الانسحاب في نهاية الأمر ولا يغير في الأمر شيئاً الآن في مقابل سلام تعاقدي كامل، فلماذا لا نعلن من طرف واحد للسوريين: نحن مستعدون لهذا؛ فإذا كنتم تريدون تفضلوا، وإذا كنتم لا تريدون فليس ضرورياً؟

ج إسمع، هدفنا الكبير هو التوصل إلى سلام دائم في إطار معاهدة سلام. ولا عجب من أن يريد كل طرف أن يحصل على اقصى قدر من الموافقة على هدفه الاستراتيجي. وهدفنا هو سلام كامل. كذلك فإن تبادل الحديث بين رؤساء الدول، لا رؤساء الوفود فقط، هو جزء من المفاوضات. كل تفاوض مبني على "خذ واعط". وكل من يقترح "اعط" فقط، أو "خذ" فقط، فإنه لا يقترح مفاوضات. من يقترح "اعط" فقط يقترح استسلاماً، ومن يقترح "خذ" فقط يقترح رفضاً.

س هل أنت مستعد لإعادة كل الجولان في مقابل سلام كامل؟

ج كلا. وطبعاً لست مستعداً لإعلان ذلك. في نقاش برلماني، اتهمنا أعضاء الليكود بأننا نجري "مفاوضات ضعيفة". المشكلة ليست كيف نجري المفاوضات، وإنما ما هي النتيجة. الليكود مع مفاوضاته المتصلبة، تنازل عن كل سيناء. بينما نحن، في مفاوضات أكثر مرونة، حصلنا في الأمم المتحدة، التي هي مكان غير مريح لنا، على حل وسط إقليمي: القرار 242 الذي يتحدث عن انسحاب من مناطق وليس كل المناطق. لا أرى سبباً لأن نناضل في الأمم المتحدة من أجل شيء معين، ونتنازل عنه في المفاوضات مع السوريين.

س هل هناك أية فرصة لأن توافق سوريا على السلام، من دون إعادة الجولان بأسرها؟

ج لا أرى أية ضرورة، في هذه المرحلة من المفاوضات، للذهاب إلى ما هو أبعد مما قلنا. يجب أن نصرّ على موقفنا.

س هل يعني قولك: "في هذه المرحلة"، أنه إذا كان السلام في النهاية متعلقاً بالانسحاب الكامل من الجولان، فستكون مستعداً لذلك؟

ج إسمع. ذات مرة تحدثنا مع كيسنجر في موضوع سوري معين، وطلبنا منه أن يشرح للسوريين بمنتهى الوضوح أن إسرائيل مصرّة على موقفها. وسأل، بيننا وبينه، ماذا سيكون موقفنا النهائي وأخبرناه بذلك، لعلمه فقط. وسافر إلى دمشق وشرح موقف إسرائيل. وتركه السوريون يشرح ويشرح، وعندما انتهى قالوا له: سيدي، إقرأ "هآرتس" وسترى أن لإسرائيل موقفاً نهائياً مختلفاً. إذاً، لماذا السؤال عن الموقف النهائي؟ لدينا موقف واحد فقط. ومن يقول لدينا موقفان، فإنه يخسر الموقف الذي يطرحه.

س في أي انسحاب ستنشأ مشكلة مستوطنات. هل سيجري إخلاؤها؟ هل نحن متجهون نحو ياميت

ج لا أستطيع التنبؤ. أستطيع فقط أن أقول إننا سنفعل كل ما في وسعنا كي تبقى المستوطنات قائمة.

س أنت تعرف أن هذا [الجواب] ليس كافياً لإرضاء مستوطني الجولان.

ج سألتني ماذا سنفعل، لا ما الذي يرضيهم.

س هل من الواقعي أن تبقى مستوطنات يهودية في منطقة سورية؟

ج دعك من ذلك. لن أذهب إلى ما هو أبعد من مواقف إسرائيل. لا أرى ضرورة لفعل ذلك الآن.

س لقد قال حزب العمل دائماً، بصورة أو بأخرى، أننا لن نتحرك من الجولان. والآن، إذا تنازلتم هناك، لماذا يصدق سكان الغور وغوش عتسيون، وحتى القدس الكبرى، أنكم لن تتنازلوا عندهم؟

ج أولاً، كل من صوّت لنا سمع أعضاء كثيرين منا – وطبعاً سمعني – يقولون أننا مستعدون لحل وسط إقليمي في الجولان. لا يمكن القول أننا ضللنا أحداً. ثانياً، أنْ تتحدث عن وضع افتراضي. حتى الآن لم يفكك حزب العمل أية مستوطنة. لا تستطيع أن تعذبنا على شيء لم يحدث. صحيح، نحن نعترف بأن هناك مسألتين: كيف لا ننزل عن هضبة الجولان، ولكن أيضاً كيف لا ننزل عن هضبة السلام، أي فرص السلام.

س هل أنت من اقترح على وزير الخارجية السوري، [فاروق] الشرع، أن تستأجر سوريا هضبة الجولان؟

ج أولاً وقبل كل شيء، لم ألتق الشرع ولم أتحدث معه هاتفياً [....]. لم أقترح، ولن اقترح. أنا لست في وضع يسمح لي بتقديم مقترحات خاصة. أنا أمثل خط الحكومة.

س ربما هذا هو خط الحكومة؟

ج كلا. لا يوجد خط كهذا.

[.......]

س هل نسعى لسلام منفرد مع سوريا؟

ج لا نريد ارتباطاً بين مفاوضات وأُخرى؛ فمن شأن الارتباط أن يعرقل التقدم. إذا أمكن التقدم بسرعة أكبر مع الفلسطينيين، لماذا نشترط ذلك بتقدم مع السوريين؟ أو بالعكس. أنا مع سلام شامل، لكن مع مفاوضات ليست مشروطة بمفاوضات أُخرى.

س في الحقيقة حدث هنا انقلاب ما. كان الحديث طوال الوقت عن ترك السوريين إلى النهاية، والسير مع الفلسطينيين. وفجأة انقلبت الأمور، ونحن نسير مع سوريا. هل كان ذلك مخططاً له، أم أن الأمر تطور على هذا النحو؟

ج جزئياً كان مخططاً له، وجزئياً لا. مثلاً، اقترحنا على سوريا ثلاثة أمور لم تُقترح من قبل: 242 و338 يسريان أيضاً على القطاع السوري ولهذا أيضاً بُعد إقليمي؛ مستعدون لمناقشة أمن جميع الأطراف المشاركة في المفاوضات؛ آذاننا مفتوحة لمقترحات مرحلية. هذا غيّر وجه المفاوضات، وتجاوب السوريون، وذاب الجليد. ولأن الجميع توقعوا تقدماً ضئيلاً [في المفاوضات] مع السوريين، فإنهم فوجئوا. وفي المقابل، يعاني الفلسطينيون جراء تدخل مفرط من جهات خارج المناطق، وهذا يحول دون إحراز تقدم.

[.......]

س ماذا يقول اليوم في الواقع إلياكين روبنشتاين للفلسطينيين، ولم يكن قاله لهم باسم حكومة الليكود؟

ج عدة أشياء: الليكود قال انتخابات بلدية في المناطق، ونحن نقول انتخابات سياسية، والمنتخب مسؤول تجاه ناخبيه؛ حدث تغير درامي في السياسات الاستيطانية؛ اقترح عليه جدول مواعيد الحكم الذاتي؛ إسم الهيئة المنتخبة سيكون المجلس الإداري الفلسطيني؛ بدلاً من عنوان "بنية تحتية"، سنتباحث معهم أيضاً في موضوعي الأراضي والمياه؛ أرادوا لجنة فرعية لحقوق الإنسان وحصلوا عليها.

س ومع ذلك المفاوضات معهم غارزة في الأرض؟

ج إنهم يريدون أموراً لا نستطيع تلبيتها: أنْ نلتزم منذ الآن بشأن الحل الدائم، وأنْ نرسم منذ الآن خريطة، وأنْ نمنحهم استقلالاً.

س ولا تزال هناك أيضاً خلافات كبيرة: مسألة القدس. مطالبتهم بمجلس تشريعي، مطالبتهم بإيقاف مطلب للبناء في المناطق. وأمور أُخرى. هل هناك، في مثل هذا الوضع، أمل بالتقدم معهم، أم ستغرزون في الأرض مثل الليكود؟

ج أعتقد أنهم يدركون أن هذه فرصة نادرة، على الرغم من أنها ليست كاملة، وينبغي لهم ألا يضيعوها، أعتقد أنه نشأت فرصة.

[.......]

اللواء أوري ساغي*: التغيّر

الذي حدث في سوريا مهم وحقيقي**

[.......]

س فلننتقل إلى المجال السياسي وعملية السلام.

ج الواقع أن دولاً عربية، بإرادتها، ليس دائماً بمبادرة منها لكن بإرادتها، تجري مفاوضات سياسية مع دولة إسرائيل. وكذلك الفلسطينيون. وهذا تجديد. هل هذا التجديد أمر مدهش، أم أن لا قيمة له؟ كل امرؤ ورأيه. إن مجرد الجلوس للتفاوض والمناقشة مع إسرائيل يشكل اعترافاً بدولة إسرائيل وبوجودها. لدينا هنا محاولة لتحديد المشكلات المشتركة من أجل التوصل إلى حل لها. كل طرف طبعاً بحسب أسلوبه. لا يزال هناك تناقض كبير جداً وفجوات هائلة بين مواقف الأطراف، ولا أريد أن أوجد أوهاماً. ستكون المفاوضات طويلة جداً، مع أزمات كثيرة، وأيضاً مع تسويات ليست قليلة.

من يعتقد أن المفاوضات لا تشتمل على تسويات يبدو أنه لا يعرف، أو نسي كيف تُجرى المفاوضات. وستكون هناك ضرورة، كما يبدو، لتدخل جهة ثابتة، من أجل جَسْر الفجوات، مع أنه في الوقت الحاضر لم يطلب منها ذلك مباشرة.

مشكلتان أساسيتان ومركزيتان ستحسمان مصير المفاوضات: الأولى هي المشكلة السورية، والأُخرى هي المشكلة الفلسطينية. وليس مصادفة أن أوردهما بهذا الترتيب. إذ إن سوريا هي، بحسب رأيي، الجهة المركزية والحاسمة بالنسبة إلى تحقق السلام. وهذا هو السبب في الوزن الكبير الذي نعزوه للمشكلة السورية، قياساً بمشكلات أُخرى قائمة لا أستهين بها.

في سوريا حدث تغير متطور ناجم عن إدراك قادتها للواقع الاستراتيجي الذي نشأ هنا. هذا لا يعني أن سوريا تحولت إلى صديق لإسرائيل. ولا أعد أيضاً بأنه لن تنشب حرب في المستقبل. لكن، في الوقت الحاضر، تدرك سوريا أن استخدام القوة العسكرية لن يحقق لها النجاح.

س هل هذا تغيير استراتيجي، أم تغيير تكتي؟

ج هذا سؤال مهم جداً، طبعاً، أعتقد أن التغيير ذو مغزى استراتيجي من ناحية تمييز المشكلات في الشرق الأوسط، وإدراك الفرص، لا الأخطار فقط.

إذا حاولنا النظر بعيون مفتوحة من زاوية الرؤية السورية، نجد أنه لا توجد لديهم قدرة على الوصول في المدى القريب إلى توازن استراتيجي مع دولة إسرائيل؛ لا من الناحية العسكرية، ولا من الناحية السياسية، ولا من الناحية الاقتصادية، ولا من الناحية التكنولوجية. هذا مباشرة. ومن ناحية غير مباشرة، فإنهم يدركون  أنهم حتى لو أرادوا، فلن يكون في وسعهم الآن بلورة أي ائتلاف عسكري ضد إسرائيل. فالأردن لن يقبل، ولبنان لم يقبل ذلك في تاريخه، والعراق غير قائم عملياً. يبقى هناك فقط سوريا وحدها. ويحتمل أن يجد [السوريون] أنفسهم معزولين وسط جيرانهم، أو وسط العالم العربي. وهم يلاحظون، والمصريون حريصون على التأكيد، أن هناك نموذجاً للحدود بين مصر وإسرائيل يجسّد كيف تستطيع دولة ما تحقيق كل أهدافها السياسية بعملية سياسية، كيف أنه لا توجد حبة رمل واحدة في سيناء لم تعد إلى مصر. النموذج المصري ليس شيئاً يمكن تجاهله.

وأمر آخر، السعوديون [...]. إن السوريين تلقوا من السعودية، في نهاية حرب الخليج، هبة مالية لمرة واحدة، أتاحت لهم شراء صفقات أسلحة [...]. لكن هذه الهبة لا تتيح لهم شراء صفقات أسلحة أُخرى كثيرة. ولا تتوفر لسوريا مصادر مالية وفيرة، تتيح لها تنفيذ صفقات أسلحة استراتيجية جدية.

س لماذا لا نستمر في الوضع الراهن؟

ج هذا ممكن. لم أقل أنه من غير الممكن الاستمرار في الوضع الراهن. الحقيقة هي أن الحدود [مع سوريا] وأتفق معك في ذلك. الطرفان يقولان إن هذه الحدود هي أهدأ حدود لدولة إسرائيل مع جيرانها.

لكن سوريا تدرك أن الوضع الدولي تغيّر تغيراً جذرياً. هناك اليوم قوة عظمى وحيدة تؤثر وتقرر في الشرق الأوسط، هي الولايات المتحدة. الاتحاد السوفياتي لم يعد موجوداً، لا يوجد دعم عسكري، ولا دعم اقتصادي، ولا دعم سياسي، وليس هناك توازن. إذا لم تتقدم سوريا في عملية السلام فمن الممكن أن تبقى معزولة. ومعنى العزلة أنه لن يكون هناك دعم اقتصادي، ولا أي تأييد، ولا أي تعاون. وسيستمر السوريون في العيش في ظل التهديد المتخيل لعدوان إسرائيلي، وفي انتظار فرصة لمهاجمتنا.

[.......]

س ننتقل الآن إلى الموضوع الفلسطيني. إن وتيرة المفاوضات تباطأت. هل هذا فعلاً بسبب التوتر الداخلي فيما بين الفلسطينيين؟

ج هناك مصلحة واضحة للفلسطينيين القادمين إلى المفاوضات في أن يستخلصوا من هذه العملية كل ما يمكن استخلاصه، لأن أي بديل، إنْ كان هناك أصلاً بديل كهذا، هو أسوأ بالنسبة إليهم. نحن نشهد ناطقين يمثلون الموقف الفلسطيني، ليسوا بالضرورة أولئك الذين يمثلون م. ت. ف في تونس، مع أن الوزن النسبي لـ م. ت. ف. ما زال قائماً، لكنه لا يتعزز بالضرورة من جراء العملية السياسية. هناك عملية، م. ت. ف. تصادق، تساند، تجد حلاً، تمنع، بحسب تكتيك المفاوضات. لكن هناك نقاشات بين الفلسطينيين في شأن طابع الحل المرحلي، المقترح لخمسة أعوام، والذي هو في قيد التفاوض الآن. إن النقاشات تظهر في وسائط الإعلام، ومغطاة تغطية لا بأس فيها. وبصورة عامة، هناك وعي كاف للمشكلة الناجمة عن ذلك.

س هل تدفعهم م. ت. ف. إلى التوصل إلى الحل الدائم؟

ج ما يريدونه كأنما هو السير من النهاية إلى الخلف. توجد لـ م. ت. ف. طموحات بعيدة جداً، لكن يُطلب منها ما هو عملي أكثر وبراغماتي أكثر، إذا أرادت التقدم في النقاش بشأن الحكم الذاتي وبشأن شكل سيطرتهم في إطار حكم ذاتي.

س بصورة عامة، هل تفكير سكان المناطق السياسي أكثر براغماتية من تفكير م. ت. ف. السياسي؟

ج -  يصح القول إننا نلمس لديهم مقاربات براغماتية أكثر كثيراً من مقاربة عرفات. لكن، عندما نتحدث عن سكان المناطق يجب أن نميز بين من نتحدث إليه. لكل واحد من القادة المحليين لون مختلف تماماً. لذلك لا أقول إن هناك مقاربة موحدة للفلسطينيين في المناطق، مع أن من الممكن أن نلحظ بينهم تيارات أكثر براغماتية من مقاربة عرفات. وعرفات يُنظر إليه باعتباره براغماتياً. إنه هكذا.

س هل يقدم لهم مساندة كاملة وهو القاطرة التي تجرهم، أم أنه بالأحرى منجرّ وراءهم؟

ج أعتقد أنه من الصحيح القول إن ضابطي الإيقاع في المفاوضات هم أولئك الذين يقومون بالتفاوض.لكن تدخل م. ت. ف. وعرفات من وراء الستار ملموس. ولا تزال م. ت. ف. تشكل، بالنسبة إلى المفاوضات، الغطاء الرسمي الذي يحتاجون إليه.

[.......]

اليوم لن نزحف إلى دمشق*

زئيف شيف: من الواضح أن هناك تغييراً معيناً في سورياً، وإلا لما وصل السوريون إلى مؤتمر مدريد، وبالتأكيد لما وصلوا إلى مفاوضات مباشرة معنا. ما الذي أدى، في رأيكم، إلى تغيير موقف [الرئيس حافظ] الأسد، وهل التغيير استراتيجي، أم تكتي منطوٍ على خدعة؟

عاموس غلبواع: منطلقي هو أن هناك، فعلاً، تغييراً. إن العامل المركزي في التغيير هو الوضع الاستراتيجي الجديد في المنطقة والعالم، كما قدره الأسد. بعبارة أخرى: إن الأوضاع الخارجية هي التي تكمن في أساس التغيير الذي حدث لدى الأسد. لم تكن الرغبة الداخلية أو الضرورة الداخلية الملحّة هي التي دفعت الأسد  إلى التغيير، كما كان الأمر بالنسبة إلى السادات. إنني اقصد مجموعة من التغيرات: سقوط الاتحاد السوفياتي، انهيار المعسكر الشيوعي. إن ذلك لم يسدد ضربة قاضية لمفهوم الأمن السوري، غير أنه ألحق به ضرراًُ جسيماً. كان الاتحاد السوفياتي واحداً من الأعمدة الفقرية لمفهوم الأمن السوري، وهذا العمود الفقري انكسر.

العامل الثاني هو النظام العربي، الذي طرأ عليه تغيران أساسيان: أولاً، من الواضح أن العراق خرج من المعركة. كان هناك دائماً نزاعات مع العراق، لكنه كان مصدر تهديد محتملاً، حتى وإنْ كان ذلك بصورة طارئة أحياناً. لقد انحسر أيضاً هذا التهديد المحتمل في المدى البعيد. من الواضح للسوريين أن ذلك ليس مسألة عام أو عامين. التطور الثاني هو أنه أصبح هناك في العالم العربي، أيضاً في السعودية وإمارات الخليج، نوع من التسليم بدولة إسرائيل. إنه عالم عربي لا يهبّ لمنح سوريا ما كان يمنحها إياه دائماً – مساعدات عسكرية وأيضاً مساعدات اقتصادية. صحيح أن سوريا حصلت على مساعدات في إثر حرب الخليج، لكنها كانت بدل أجر يمنح مرة واحدة.

كنت لأضيف إلى كل ما سبق التقدير السوري الذي فحواه أن من الصعب الاستمرار في تحمل عبء الأمن. إن التوازن الاستراتيجي أمر بعيد، من المحال المضي قدماً في تحقيقه. كان التغيير متدرجاً. في الإمكان رؤية التغيير منذ سنة 1989، سواء في الموقف من الولايات المتحدة أو في الموقف من مصر – وبصورة غير مباشرة في الموقف من إسرائيل أيضاً. هذا هو الأساس في رأيي.

أفيغدور بن غال: إنني أذهب إلى أن التغيير استراتيجي في جوهره. لقد وصلت سوريا إلى وضع من الاستقرار السياسي في المنطقة. وفي إمكانها السماح لنفسها بالتخلي عن التقوقع كالقنفذ الذي لا يطلق إلا الشوك. وفي رأيي أن كل ذلك ناجم عن حرب يوم الغفران [1973]. ففي إثر الحرب، فهمت مصر أنها لا تستطيع التوصل إلى تحقيق إنجازات عسكرية في مواجهة إسرائيل، وأنها تستطيع التوصل إلى إنجازات سياسية، لا عن طريق القوة، وإنما عن طريق السلام فقط. وبسبب التكوين الشخصي السيكولوجي للرئيس السوري، فإنه احتاج إلى 17 عاماً كي يفهم ما فهمه الرئيس المصري قبل 17 عاماً. إنه اليوم ناضج بعد تأخر طويل، للسير في أعقاب الرئيس المصري، الذي تم اغتياله.

بالإضافة إلى ذلك، هنالك الجانب النفسي. فمن المعروف أن الأسد على عتبة نهاية نشاطه السياسي، وهو معني باستعادة الأرض المحتلة التي فقدها سلفه، بأي ثمن، ولو في مقابل الاعتراف بإسرائيل وتوقيع اتفاق سلام معها.

دان ميريدور: إننا نشتغل بالتقويم، وقد نخطىء. لقد أخطأنا في معظم التقويمات حيال الأحداث المهمة، التي وقعت في العالم خلال الأعوام الأخيرة. لم نعلم بها إلا قبل شهر، أو أسبوع، أو يوم من وقوعها. عندما نستخلص استنتاجات عملانية بناء على التقويمات – سواء قدرنا أن التغيير استراتيجي أو اعتقدنا أنه تكتي – فإن ذلك يستوجب منا الحذر. يجب أن نحافظ دائماً على هوامش أمن عريضة بما فيه الكفاية، تحسباً للخطأ.

              نحن دولة ديمقراطية تجري مفاوضات. ما نقوله هنا غير مخصص للنقاش الداخلي. إنه مخصص للكتابة في الصحيفة، لجملة أسباب، منها أن يقرأه الطرف الآخر. وبصرف النظر عن مسألة المواقف الملموسة التي ستنتهجها الحكومة الحالية، فمن المهم أن يكون الشعور العام في البلد – الشعور الذي سيُبث تجاه الخارج – هو أنه ليس هناك ضغط على الحكومة كي تتنازل، وإنما هناك ضغط على الحكومة كي لا تتنازل.

بن - غال: إنني أرفض ما قيل هنا. ليس في الإمكان في أي حال من الأحوال، في دولة ديمقراطية كإسرائيل، خلق وضع يتم فيه الإعراب عن الآراء، مع تناول الأمن الميداني أو الأمن الاستراتيجي البعيد المدى، من منظور كيف سيفهمهما العدو.

ميريدور: أنتقل إلى السؤال الذي طرحته. أريد أولاً أن أثني على رئيس شبعة الاستخبارات العسكرية الحالي، أوري ساغي. قبل ما يقارب من العام ونصف العام، قال أموراً واضحة لم يقلها أحد آنذاك. لقد قال أنه يرى تغييراً في سوريا. أنا أعتقد أن هناك تغييراً في سوريا. أعتقد أن ما رأيناه قبل عام، في تشرين الأول/ أكتوبر، في مدريد، كان تغييراً ذا دلالة. محادثات مباشرة بين إسرائيل وسوريا، من دون شروط مسبقة، هذا أمر لم يحدث في السابق. من المحال الاختلاف في أن ذلك يمثل تغييراً.

بالنسبة إلى السؤال: هل يمثل ذلك تغييراً استراتيجياً أم تغييراً تكتياً، لن نعرف الجواب مطلقاً، أو ربما لن نعرفه إلا بعد مدة. أعتقد أنه يجب أن نرى ذلك حقيقة بمصطلحات استراتيجية بعيدة المدى. أعتقد أن محاولة البحث عن تغيرات مداها أيام، أو أسابيع، محاولة غير صحيحة. أعتقد أنه خلال الأعوام الـ 25 الأخيرة،  منذ سنة 1967، هناك عملية إيجابية تتمثل في تسليم قسم من العرب بوجود إسرائيل. ليس تسليماً إيديولوجياً، وإنما تسليم بالوجود. أعتقد أن حرب الأيام الستة غيّرت النظرة العربية إلى إسرائيل تغييراً مهماً، وهي تُعتبر منذ ذلك الحين دولة قوية، لها حدود تنطوي على طاقة دفاعية واضحة.

بالمناسبة، لم يكن السادات أول [زعيم] شاهدنا ذلك لديه، بل سبقه حسين. منذ سنة 1970 ونحن على علاقات جيدة بالأردن. إن حدودنا الأطول هي أيضاً حدودنا الأهدأ. ليس بسبب الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) فحسب، بل بسبب ما يفعله الملك أيضاً. كانت ثاني دولة تفهم هذا الأمر هي مصر، في سنة 1977. من الجائز أن تكون المرحلة الثالثة قد بدأت في سنة 1991، بتسليم دولة عربية إضافية بوجود إسرائيل.

هناك تطور آخر لم يتم التطرق إلى ذكره، وهو الهجرة الضخمة التي ساهمت في خلق صورة لإسرائيل كدولة تنمو حجماً وقوة. لعل هذه العوامل كافة أوضحت للأسد أنه بعد عشرة أعوام ستُجرى المفاوضات مع إسرائيل وهي أشد قوة. لذلك، فإن الزمن لا يعمل في مصلحة سوريا، وقد يكون الأسد بدأ المفاوضات في تشرين الأول/أكتوبر الماضي لهذا السبب.

حاييم بار ليف: إنها لحقيقة أن سوريا قد مرت بتغيير ولا جدال في شأن ذلك. السؤال هو ما إذا كانت الدوافع والنيات الكامنة وراء هذا التغيير، تحمل دلالة استراتيجية – أي التسليم بإسرائيل والبحث عن إمكان للعيش معها في سلام – أم أن التغيير متعلق بتضافر أوضاع ووراءه نيات تكتية. بعبارة أُخرى، أن يكون السوريون راغبين في استعادة هضبة الجولان، لكنهم من حيث المبدأ لم يتخلوا بعد عن فلسفة وعن حلم سوريا الكبرى. فيما يتعلق بهذه المسألة، أعتقد أن من المحال اليوم أن نصف الأمر بالتغيير الاستراتيجي، أو التغيير التكتي، بصورة مسؤولة بما فيه الكفاية.

إنني أقول إن المجازفة أيضاً معكوسة. المجازفة هي أن نفترض أن ذلك كله تكتيك، وأن نفوّت بذلك فرصة التوصل إلى تسوية. لهذا أقول: لا يجوز أن نتبنى مقاربة تقول إن سوريا تغير الاتجاه 180 درجة. الاختبار سيكون، في نظري، استعداد سوريا للحل الوسط. إذا أصرت سوريا، حتى نهاية المفاوضات، على أن نعود إلى نهر الأردن...

شيف: إذ أعطيته [الأسد] نصف الأرض، فسيقول: لا أعطيك سلاماً، وإنما أعطيك إنهاء لحالة الحرب، هذا حل وسط. فهل يرضيك ذلك؟

بار ليف: إن الموقف السوري، في هذه اللحظة، غير قابل بالحل الوسط. إن سوريا تقول: انسحبوا لا من كل هضبة الجولان فحسب، بل من جميع المناطق أيضاً. وعندئذ، يمكن أن نتحدث عن السلام. الحل الوسط يمكن أن يكون إقليمياً، ويمكن  أن يكون وظيفياً إلى الأبد، كما يمكن أن يكون تسوية مرحلية ترفضها سوريا في هذه الأثناء. إن استعداد سوريا للحل الوسط سيعزز الاعتقاد أنه حدث لديهم تغيير استراتيجي. يجب محاولة استغلال هذه الفرصة حتى النهاية. هناك على الأرض أدلة تشير إلى هذا الاتجاه، وأيضاً إلى ذاك.

شيف: الكل يوافق على أن هناك تغييراً، كهذا أو ذاك. لكن، هل اجتاز الأسد ما يسمى نقطة اللا عودة؟ أي النقطة التي لن يستطيع بعدها العودة إلى الخيار القديم، العسكري، خيار الحل عن طريق القوة؟

موشيه بار - كوخبا: إن الهدف السوري في جميع الحروب، منذ أن احتللنا هضبة الجولان، لم يكن احتلال تل أبيب. الهدف كان إعادة الجولان إلى السيطرة السورية. لم تغير سوريا هذا الهدف. لو كان السوريون يقولون أنهم على استعداد للاكتفاء بنصف هضبة الجولان، لكان ذلك تغييراً استراتيجياً. إنهم يقولون أنهم لن يتنازلوا عن ذرة من التراب. لذلك، فإننا في الواقع نوهم أنفسنا. إن الهدف لديهم لم يتغير. هناك تغيير في الأسلوب الذي يسعون عن طريقه لتحقيق هذا الهدف.

هل هناك سبيل للعودة إلى الطريق العسكري؟ هناك سبيل للعودة! بدلاً من العراق، فإن لدى السوريين إيران. من ناحية الجيش والقوة العسكرية والوسائل القتالية، فإن سوريا بلد مختلف. إن الأسد يرسل إلينا تلميحات أيضاً. فهو يقول، بواسطة القوة العسكرية التي يطورها: إذ لم تحققوا إرادتي الوطنية في إعادة هضبة الجولان، فستواجهون حرباً.

نظراً إلى أن هناك خياراً عسكرياً، ونظراً إلى أن من شأن كل العالم العربي المجاور لنا أن يأتي لمساعدتهم إذا رأوا أن العملية السياسية وصلت إلى طريق مسدود، لهذا السبب أو ذاك، فإنه يجب أن نكون أيضاً مستعدين لهذا الخيار. السؤال هو هل سننزل عن هضبة الجولان، أم سنحتفظ بها، لأنك في اللحظة التي تقول فيها أنه لا يوجد خيار عسكري، وأنهم لا يبنون خياراً عسكرياً، فإنك في الواقع تعلم أن في الإمكان الاقتراب نحو [موقف] الأسد بصورة متمادية. لكن إذا كنت تعي أنك لا تعرف نيّاته تمام المعرفة، وأن استخباراتنا غير قادرة على كل شيء، وأن الخيار العسكري يجري بناؤه، فيجب أن تكون مقاربتك أشد حذراً بكثير.

شيف: هل الأسد هو الرجل الصحيح الذي من الممكن ومن المجدي إبرام الصفقة معه، أم أن من المجدي الانتظار؟

بن غال: إنه الرجل الصحيح، لأنه لا يوجد غيره. كما أنه ليس في الإمكان ترك الوقت يمر إلى أن يظهر شخص ما غيره.

              فيما يتعلق بالخيار العسكري، فإننا نقول إن المصريين يتسلحون، وإن السوريين يطلقون... ونحن ألسنا نجري تجارب على صاروخ حيتس؟ ألسنا نبني دبابة مركافا 3؟ ألسنا نبني طائرات؟ إن سوريا تتسلح بسبب الخوف من إسرائيل، لا انطلاقاً من رغبتها في مهاجمتنا. منذ اتفاقي 1973 -1974، كان "الطائش" في نظر الدول العربية هو إسرائيل: قصف المفاعل النووي، عملية الليطاني، عملية سلامة الجليل – كنا نحن الطائشين، كنا نحن الهمجيين، كنا نحن الذين لا يمكن توقعهم.

إنني أذهب إلى أن لا خيار عسكرياً فعلياً اليوم. إن لديه [الأسد] قدرة على شن حرب ضد إسرائيل. لديه القدرة على القيام بذلك إذا لم نكن متيقظين، وإذا خيّبت الاستخبارات العسكرية أملنا كما فعلت طوال الأعوام، بمفاهيمها الحمقاء التي كنا جميعاً أسرى لها.

ميريدور: ربما ليس لديه خيار، لأنه لا يملك هضبة الجولان.

بن غال: إن لديه خياراً عسكرياً نظرياً. السؤال هو ما إذا كان يستطيع تحقيقه، أم لا. في نظري إنه لا يستطيع تحقيق هذا الخيار لسبب واحد، هو أن حله غاب عن الساحتين الشرق الأوسطية والدولية. إن الولايات المتحدة هي اليوم القوة العظمى الوحيدة في العالم. إنني لا ارى إمكان نشوب حرب في الشرق الأوسط ما دامت الولايات المتحدة صاحبة الأمر والنهي.

بار ليف: أعتقد أنه سيكون لدينا ردع فعال ضد سوريا ما دمنا تحدثنا عن أسلحة رادعة. لا أعتقد أن في وسع سوريا التوصل إلى استنتاج فحواه أنها قادرة على القيام بخطوة عسكرية حقيقية ضدنا، والخروج من ذلك سالمة. لذلك لا أعتقد أن سوريا تشكل اليوم تهديداً هجومياً يمكن أن تبادر إليه بنفسها. يمكن للوضع أن يتغير إذا توصلت إيران إلى امتلاك قدرة نووية مثلاً. ذلك بأننا في اللحظة التي ندخل الميدان النووي، فإن طاقتنا الردعية تنخفض، ونصبح في مجال مختلف تماماً. وهذا تطور أرتأب كثيراً في إمكان الحؤول دونه. لذلك يوجد أمامنا بضعة أعوام لتقليص الحوافز. لنفترض أن لدينا تسوية سياسية مع الفلسطينيين، ومع الأردن والسوريين، وأن لدى إيران قدرة نووية. إذا نجحنا في تقليص الحوافز، فإني أعتقد أن الخطر النووي، بعد خمسة أعوام أو عشرة أعوام، أو بعد 15 عاماً، سيتقلص كثيراً.

ميريدور: إن السلام الذي نتحدث عنه، أو التسوية التي نتحدث عنها، من المفترض أن يصمد أعواماً طويلة – أيضاً بعد وفاة الأسد. لا أعرف ما سيحدث في سوريا بعده. لذا هنالك أهمية أيضاً للميزان الاستراتيجي الموضوعي بين سوريا وإسرائيل. وفي هذا السياق، عندما نقبل على صوغ شروطنا للسلام، فإن الفارق بين هضبة الجولان وسيناء فارق هائل، لأسباب مختلفة. إن الصيغة التي تحدث بار – ليف بها صيعة مهمة. إنه لن يعتبر أن الأسد أجرى تغييراً استراتيجياً إذا طالب بتحقيق مطالبه كافة. ما الذي يزعجني في صيغة حاييم؟ إنه يقول إن حلاً وسطاً متمثلاً في اتفاق مرحلي، في انسحاب جزئي، هو أيضاً حل وسط في شأن تغيير استراتيجي. مع كل الاحترام، إنني أختلف معه في هذه النقطة. إذا كان في وسع الأسد أن يقبل منا انسحاباً جزئياً من دون أن يكون ذلك في مقابل سلام كامل، فمعنى ذلك أنه لم يغير شيئاً من موقفه الاستراتيجي. إنه يزيح إسرائيل بضعة كيلومترات إلى الوراء، من دون أن يعطي الشيء الأساسي. ومعنى ذلك أنه يحسّن وضعه صوب المواجهة المقبلة. ولذا يجب أن نحذر ذلك فعلاً.

عاموس غلبواع: إن الأسد هو الرجل [الصحيح لإبرام التسوية معه]. غير أننا عندما نقول حلاً وسطاً بالنسبة إلى الأسد – وهنا أنا أعارض أقوال حاييم بـ 180 درجة – فإن القصد ليس التنازل عن هضبة الجولان. إن الحل الوسط من جهته [يجب أن] يكون استعداداً للاقتراب من موقفنا في مجال السلام، كما فعل السادات. ومن جهته، فإن التنازل عن هضبة الجولان أمر غير وارد. عندما نقول في إسرائيل حلاً وسطاً، فإننا نقصد البعد المتعلق بالأرض، والبعد المتعلق بالسلام. وبالنسبة إلى الأسد، فإن الحل الوسط يكمن في استعداده للاقتراب من موقفنا في مجال السلام، وليس التنازل، قيد شعرة، عن البعد المتعلق بالأرض.

بار كوخبا: إن موقف الأسد متين، لأن لديه إنجازات أيضاً. لقد خرج من حرب سلامة الجليل بوضع جيد. وهو اليوم يسيطر على لبنان، ويتمتع بدعم مالي من الدول العربية الغنية. لقد رأينا أن الزعيم الذي صنع سلاماً معنا لم يعد اليوم في قيد الحياة. ولو افترضنا أن الأسد وافق على تقديم تنازل ما لإسرائيل، فإنه في رأيي سيُقتل. إذا لم يسر على نهج استعادة هضبة الجولان بكاملها، فإنه لن يبقى.

أود أن أضيف شيئاً في شأن الخيار العسكري. لقد تحول الجيش السوري من جيش دفاعي إلى جيش هجومي. إن العقيدة القتالية السورية، في مجملها، تتلخص اليوم في إيجاد حل مكين لتشكيلنا الدفاعي. إن مجمل مفهومهم التدريبي، مجمل مفهوم التجهّز بالمعدات الحربية، يقوم على نظرة هجومية. ومن لا يرى الأخطار المحتملة فسيجلب علينا يوم غفران ثانياً.

بن غال: يجب أن نتخلص من مخاوف الماضي! لا يمكن لإسرائيل أن تعيش دائماً في غيتو الفزع والخوف، لأننا واجهنا حروباً عدة، انتصرنا في بعضها، وخرجنا متعادلين في بعضها الآخر. ينبغي لنا أن نرى المستقبل بمنظار أكثر تفاؤلاً بكثير، وأن نفهم أن لدينا فرصة لإبرام اتفاق سلام مع العدو الأكبر، بعد أن وقعنا اتفاقات السلام مع مصر. إن سوريا هي عدونا الأكبر، والأعنف، والأكثر فطنة. ولا يجوز أن نقول لأنفسنا دائماً أنها كادت تحتل هضبة الجولان في يوم الغفران. إن الوضع الدولي يستوجب اليوم من إسرائيل السير نحو حل وسط. إنني، خلافاً لزملائي الآخرين، أرى النهاية، لا الطرق المرحلية. التصور هو الهدف النهائي. إني أرى أن علينا إعادة هضبة الجولان كلها، إذا تمسّك [السد] بإصراره على إعادة جميع المناطق السكنية، شرط أن تكون هضبة الجولان وجنوب سوريا منطقتين منزوعتي السلاح.

شيف: هل يمكن الاستمرار في الوضع الراهن، من دون أن يقع انفجار بيننا وبينهم في نهاية الأمر؟

ميريدور: لا أعتقد أن علينا التوصل إلى اتفاق تكون نتيجته أننا نعتمد فقط على الرؤيا المتفائلة التي اقترح يانوش [بن – غال] أن نراها في المستقبل. يجب أن نبذل جهداً كبيراً كي لا تكون نتيجة المفاوضات وضعاً نكون فيه هناك ويكون من الصعب عليه [الأسد] أن يهاجمنا. إن المسافة التي تفصلنا عن عاصمته هي تهديد يجعل من الصعب عليه أن يشن حرباً. يجب أن ندير معه مفاوضات بمزيد من التعنت والتصلب؛ أن نتوصل إلى نتائج نستطيع الدفاع عنها استراتيجياً.

شيف: لكن ذلك يولّد أيضاً حوافز على شن حرب ضدنا.

بار ليف: لا أعتقد أننا نستطيع القول، بصورة مسؤولة، إن سوريا متجهة نحو السلام، وبالتالي فإنه يمكننا الانسحاب من هضبة الجولان. فيما يتعلق بسوريا، أعتقد أننا مجبرون على أن نُدخل البُعد الزمني في المعادلة. إذا كان عاموس على حق وكان الحل الوسط، الذي لدى سوريا استعداد للتوصل إليه، هو مجرد استعدادها للسلام معنا، فإني أعتقد أن ذلك غير كاف لنا. إن هضبة الجولان منطقة صغيرة جداً، وإذا كان السوريون موجودين في المنطقة المنزوعة السلاح، خلافاً لسيناء، فإن ذلك أمر لا دلالة له. إن سيناء منطقة مساحتها مئات الكيلومترات، وإذا قرر المصريون خرق الاتفاق، فسيكون في إمكاننا، في غضون ذلك، اتخاذ تدابير معينة. أما مسافة العشرين كيلومتراً في هضبة الجولان، فيمكن عبورها خلال ساعة.

شيف: أجل. لكن نزع السلاح لن يقتصر على العشرين كيلومتراً هذه؛ فقد يكون أعمق.

بار ليف: كانت لنا تجربة نزع سلاح في مناطق مختلفة. لقد كانت الضفة الغربية أيضاً منزوعة من السلاح؛ وقطاع غزة أيضاً كان منزوعاً من السلاح؛ وسيناء أيضاً بعد سنة 1956 كانت منزوعة من السلاح وفيها قوات تابعة للأمم المتحدة. فهل حال ذلك دون شيء ما؟ كلا. هناك، إذاً من يقولون إن ليس في الإمكان الاعتماد على الأمم المتحدة، أما الاعتماد على الولايات المتحدة فممكن. إني أقول إن هذا أيضاً غير ممكن. فقد يقول الكونغرس، أو الرئيس: لماذا ينبغي لجنود أميركيين أن يكونوا في هضبة الجولان بين هذين الصقرين؟ المنطقة صغيرة إلى حد يجعلني أعتقد أن ليس في إمكاننا الاعتماد على الآخرين. لذا أعتقد أنه سيكون عملاً غير مسؤول من جانبنا أن نقرر اليوم – من دون فترة اختبار فعلية، طويلة نسبياً – أن سوريا تغيرت، وأن في إمكاننا التخلي عن كل شيء.

بار كوخبا: يجب أن يكون السوريون آخر من نعقد معهم الاتفاق. ذلك بأنك إذا رسّخت اتفاقاً شاملاً مع المصريين، ومع الفلسطينيين، ومع الأردنيين، فسيكون في وسعك اتخاذ قرارات أكثر جرأة في المفاوضات مع السوريين. في رأيي أنه يجب أن نبذل كل ما يمكن كي لا تنتهي المفاوضات، لا بل أن نركز على مشكلات أُخرى في محاولة تحييدها وحلها.

ليس هناك داعٍ إلى العجلة مع السوريين. إنني أختلف مع التصور الذي يقول إن هذه فرصة. لن يخرج السوريون إلى الحرب في الوضع الذي يوجدون فيه اليوم. هناك فارق بين الخيار وقرار شن الحرب، وهم الآن يبنون الخيار. لم أقل إنهم متجهون الآن إلى الحرب. حتى بعد أن نحل جميع المشكلات مع العرب، سيتعين علينا أن ندرس جيداً ماذا يجب أن يكون مفهومنا الأمني تجاه هضبة الجولان.

شيف: هل يجب التعنت وعدم الانسحاب من هضبة الجولان كلها، حتى في مقابل سلام كامل؟ أكرر: من هضبة الجولان كلها، واليوم!

غلبواع: حتى في مقابل سلام كامل وتطبيع، يجب ألا ننسحب الآن من هضبة الجولان. أقول الآن، كيف أوضح أن ذلك [يجب ألا يتم] في هذه اللحظة. وما أقصده هو مدة ثلاثة أعوام.

بار كوخبا: وهل ستكون على استعداد للانسحاب من الهضبة بعد أربعة أعوام؟

غلبواع: إن السوريين يقترحون سلاماً وتطبيعاً. حتى في مقابل ذلك، فإنني لست على استعداد للانسحاب من الهضبة كلها. سمعت هنا، كما يبدو لي، شخصاً ما استخف بالترتيبات المرحلية. إنني لا أستخف بالترتيبات المرحلية التي ربما انطوت على تغيير معين في العنصر الإقليمي، لكن إذا كانت مقرونة بإنهاء حالة الحرب، وببناء شبكة ثقة مع الجيش السوري، فسيكون ذلك إنجازاً كبيراً.

ميريدور: عاموس، باعتبارك رجل استخبارات عسكرية، أو عسكرياً في الجيش الإسرائيلي، هل يمكنك أن تقترح خطاً في هضبة الجولان؛ خطاً يقع شرقي الخط الحالي، لكن يمكن الدفاع عنه إذا نُسفت التسوية؟

غلبواع: أجل. أقول لك أجل. إن الانسحاب، إذا ما نُفذ، وعندما يُنفذ، سيتم بعد أن يكون الأسد خارج السلطة. إذا حدث صراع بشأن الخلافة في سوريا، فسيكون الجيش الإسرائيلي لا يزال في الجولان.

شيف: هل كنت ستعزو أهمية عسكرية إلى هضبة الجولان، حتى في حالة السلام، بعد خمسة أعوام أو عشرة أعوام؟

بن غال: إنني أجزم أن ليس لهضبة الجولان، كمنطقة استراتيجية، تكتية أو عسكرية من أي نوع كان، اية أهمية في وقت يوجد فيه سلام بيننا وبين سوريا. إنني ايضاً أجزم انها ملكية أخذناها لفترة من الزمن، واليوم يجب أن نستغلها للحصول على السلام الحقيقي. إنني أوافق على أن شرط السلام الحقيقي بيننا وبين السوريين هو إعادة هذه البقعة من الأرض، التي ليس لها أية أهمية زمن السلام. لكن يوجد لها أهمية كبيرة في نظر السوريين – من ناحية وطنية وثقافية، ومن ناحية الكبرياء العربية.

إن مقاربتنا المفاوضات بيننا وبين السوريين يجب أن تنطلق من النهاية، لا أن تكون بأسلوب نقانق السلامي [الأسلوب المتدرج]. يجب أن يجلس الطرفان فيحددان الهدف النهائي الذي يجب الوصول إليه. الهدف النهائي هو أن يعترفوا بدولة إسرائيل، وأن يعدوا بتنمية علاقات سلمية حقيقية بين تل أبيب ودمشق، على غرار النموذج المصري.

شيف: ما هي الترتيبات الأمنية التي ستوضع؟

بن غال: من المهم أن يكون هناك فعلاً منطقة عازلة، من دون جيش. هذه المنطقة يجب أن تشمل عنصرين: هضبة الجولان، وجنوب سوريا كله. الأمر الثاني، المترتب على ذلك، أن تخفض سوريا حجم جيشها النظامي. الآن، ما الذي يمكن أن يحدث؟ في حال تغيرت السياسة، سيكون في إمكاننا التأهب والانتشار في المنطقة التي ستكون منزعة السلاح. أقول إن في وسع الجيش الإسرائيلي، اليوم وفي المستقبل، أن يحتل هضبة الجولان من جديد، وأكثر منها، بالوسائل الموجودة في تصرفه. من هنا فإنني لا ارى أن التجريد من السلاح ينطوي على أي خطر كبير.

شيف: هل توافقون على أنه ربما ارتُكب خطأ في السابق، بعد حرب الأيام الستة مباشرة، عن طريق إقامة مستوطنات في هذه المنطقة التي كانت منطقة عازلة؟ هل أنتم على استعداد لإزالة هذه المستوطنات؟

بار ليف: بعد حرب الأيام الستة، لم يكن هناك زعيم عربي على استعداد للاعتراف بإسرائيل وإبرام سلام. لقد وقعت جميع المناطق في يدنا بعد عدوان عربي. بعد الحرب لم يكن هناك من نتحدث إليه. ولذا، فأنا أعتقد أن الدفاع المحلي، وبحق، امتد على طول الحدود، بما في ذلك هضبة الجولان.

شيف: ماذا بالنسبة إلى المستقبل؟

بار ليف: بالنسبة إلى المستقبل، إذا كان في اتفاق السلام أنه يجب إزالة مستوطنات، فسيتعين إخلاؤها. إنني آخذ ذلك في الحسبان.

ميريدور: لا أعتقد أن من الضروري تقديس الحدود التي كانت قائمة خلال الفترة الأقصر، 19 عاماً، وعدم التمسك بالحدود التي كانت قائمة لمدة 25 عاماً – معظم الفترة التي كانت الدولة فيها قائمة. مع ذلك، أود أن أقول شيئاً ما عن المستوطنات. لست واثقاً بأن مبرر وجود المستوطنات كان مبرراً أمنياً فقط. لست واثقاً بأن الأمن أمر مركزي – لا في يهودا والسامرة ولا في الجولان – مثلما لم يكن في سيناء. وبقدر ما إنني لا أقلل من الأهمية الأمنية التي يمكن أن تكون لمستوطنة ما في أوضاع معينة، فإنه يوجد هنا شيء يتعدى ذلك. يوجد هنا شيء، وعفوكم على هذا التعبير، من الروح الصهيونية. ذهب يهود [إلى هناك] – وبالمناسبة، لم يكن هؤلاء أشخاصاً مسيحانيين، مهووسين، بل كانوا أشخاصاً من حركة الكيبوتس الموحد، ممن لم يكن ينظر إليهم كمتطرفين، بل كأناس قَبلَهم البلد بكامله. يرسلون أناساً ويقيمون هناك 20 عاماً أو 15 عاماً، وفق ما تقتضي الحال. ماذا في شأن آلاف الأشخاص الذين ربما ولدوا هناك، وأنجبوا أطفالاً هناك، وفلحوا الأرض هناك، وعاشوا هناك. إن ذلك جزء من كل البنية النفسية الصهيونية التي نُمّيت في البلد. إنه ليس سحّاباً يفتحونه ويغلقونه.

شيف: لكنك لا ترفض إمكاناً كهذا؟

ميريدور: أعتقد أن علينا أن نصرّ في المفاوضات، بشدة، على إجراء تغيير في الحدود يحول دون هذه المحنة. إنني لا أقول، لكني أقترح أن تتعنت إسرائيل في المفاوضات. سيكون ذلك اختباراً للسوريين.

بار كوخيا: كان من الضروري إقامة المستوطنات، لكن كان من الضروري إقامتها على خط يترك للجيش شريطاً أمنياً لإدارة دفاع مرن فيما وراء المستوطنات. إن الطريقة التي تم بها ذلك قادتنا أيضاً إلى أسلوب عسكري غير صالح، أسلوب للحفاظ على خطوط ثبت أنه خطأ في جميع الحروب، وأيضاً في يوم الغفران. كان يمكن، على سبيل المثال، اختيار خط كتسرين على وجه التقريب، وبناء المستوطنات على خط كتسرين وإلى الغرب منه، وإبقاء الجزء الأمامي للدفاع الحر. وخط الدفاع الثاني كان من الممكن أن يكون كتسرين مع كل المستوطنات. هناك أهمية كبيرة لذلك، ولا سيما أن القوات النظامية المتوفرة لتنظيم دفاع محلي صغيرة الحجم. فيما يتعلق بالمستقبل، فإنني ما كنت لأزيل بيتاً واحداً. ينبغي للعرب أن يفهموا أنه من ناحية تاريخية، حيثما وُجدت مستوطنة، لا مجال للتنازل عن الأرض. يؤسفني أنهم تنازلوا في سيناء، لقد وضعوا سابقة سيكون لها تأثيرها.

غلبواع: إنني أنطلق من منطلق موقف حكومة رابين، الذي يقول أنه إذا كان السوريون على استعداد لإبرام سلام حقيقي ولتطبيع العلاقات، إذا وقف السلام على قدميه، فآنذاك ستكون إسرائيل على استعداد لتقديم تنازل إقليمي معين في هضبة الجولان. في مقابل ذلك فإنني، مع كل الأسف والألم، على استعداد للتنازل عن بضع مستوطنات.

بن غال: بعد حرب الأيام الستة، أوافق على أن تلك كانت هي الطريقة لمواصلة المشروع الصهيوني، ولإظهار الانتماء إلى تلك البقعة من الأرض التي تم احتلالها – لا بواسطة تصريح سياسي، بل بواسطة إقامة مستوطنات، كما كان متبعاً خلال الأعوام المئة الماضية. مع ذلك، فإن المستوطنات تشكل عبئاً على الجيش خلال الحرب. إنني لا أؤمن بجميع المصطلحات التي تسمّى الدفاع المحلي. لعل الدفاع المحلي كان صالحاً للدفاع عن تسيمح ومساده في سنة 1948. أما في العصر الحديث، فإنه ليس هناك أية قيمة للمدنيين المسنّين والراشدين الذين يحملون سلاحاً غير متطور نسبياً. إذا ما شكلوا عقبة، فمن الضروري إزاحتهم جميعاً. إنني أعتقد أيضاً أن الحركات الاستيطانية والأحزاب السياسية التي وقفت وراءها، والمستوطنين أنفسهم أيضاً، كانوا يعلمون في قرارة نفوسهم ولاوعيهم أنهم يعيشون في وقت مستعار.

شيف: ما هي العناصر الضرورية في الترتيبات الأمنية – سواء في التسوية المرحلية أو في التسوية النهائية – التي لا بد منها مهما يكن الثمن، والتي يجب أن تشملها التسوية؟ أرجو في هذا السياق ألا تنسوا نقطتين: مسألة المياه، التي لسبب ما لم يؤت إلى ذكرها، ومسألة الجنوب اللبناني.

بار ليف: إن العناصر المهمة، في تسوية جزئية، هي أن نكون في هضبة الجولان؛ لا في هضبة الجولان كلها، وإنما [يجب] أن نكون عليها. وهذا الاتفاق، الذي سيكون لفترة معينة طويلة، يجب أن تكون له ملحقات سياسية. من ناحية القوات، يجب خفض كثافتها بدرجة معينة. من المحظور أن تكون هناك قوات على مسافة 10 كلم من كل جانب. إن مجال الإمكانات ضيق للغاية، لأن الأمر هنا يتعلق  بعشرات الكيلومترات. إننا نرابط على بعد 60 كلم من دمشق. دعونا لا ننسى أنهم يشعرون بأنهم في وضع غير مريح للغاية. يجب أن تنص التسوية المرحلية أيضاً على خفض متبادل في كثافة القوات في الاتجاهين، مضافاً إليه قوة ما من خارج المنطقة، متعددة الجنسية أو تابعة للأمم المتحدة، لفترة محددة متفق عليها. وفي هذه الفترة، ينبغي لنا أن نرى كيف تسير الأمور، وبعدها يمكن أن نتحدث فيما هو أبعد من ذلك.

ميريدور: أريد أن أبدأ بملاحظة بعيدة عن اللياقة. لا أعتقد أن من الضروري الإجابة عن هذا السؤال، وسأشرح السبب. عندما تضع إسرائيل شروط حد أدنى، فهناك أمر واحد واضح: إنها خسرت كل ما يتعدى ذلك، وهذا الحد الأدنى يتحول  إلى حد اقصى قد نقبل به وقد لا نقبل به.

              إننا راغبون جداً في عقد اتفاق، وحتى داخل حركتي ارتابوا بي واتهموني بأنني أرغب في اتفاق أكثر مما يجب. أعترف بأنني أرغب في التوصل إلى اتفاق أيضاً في يهودا والسامرة، وإذا أمكن أيضاً مع سوريا. أعتقد أن ذلك جيد جداً لإسرائيل. لا أستطيع القول إن إسرائيل غير قادرة على العيش من دون اتفاق، ولا يجوز أن نقول ذلك في أي وقت من الأوقات. يجب بذل كل جهد ممكن للتوصل إلى اتفاق، لكن علينا ألا نبدو طرفاً مضطراً إلى اتفاق. أرغب كثيراً، أجل. مضطر، كلا. أسير إلى اتفاق، أجل. اركض إلى اتفاق، كلا. يجب أن يفهم السوريون أنه ربما توفرت لهم فرصة، وليس لنا فقط.

بار كوخبا: من جهتي، كنت لأتبنى تصوراً يقول أننا لن نتنازل عن أي شيء حيوي للدفاع عن أرض إسرائيل القديمة. إنني أعتبر هضبة الجولان سوراً واقياً لعشرات من مستوطناتنا القائمة على خط نهر الأردن. في رأيي أننا إذا لم نحتفظ بهضبة الجولان، فإن كل خط مستوطناتنا – كل الطريق الرئيسي من المطلة في اتجاه طبريا – يصبح مكشوفاً. يجب إقناع السوريين بأن هذا موقف ضروري من جانبنا، وسيتعين عليهم الاعتياد على ذلك. ينبغي لنا أن نكون مسعدين لخوض حرب جديدة.

شيف: هضبة الجولان كلها؟

بار كوخبا: لن نخلي مستوطنات. لن نكرر أخطاء الليكود. في المستقبل، عندما يشنون حرباً، عليهم أن يفهموا ويتذكروا أنه عندما تقام مستوطنة يهودية في مكان معين، فإنهم لن يروا هذه المنطقة بعد ذلك.

حتى إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي يقوم على حل إقليمي، فإن الحرب المقبلة في الشرق الأوسط ستنشب بسبب المياه. هناك ضائقة مياه في سوريا، وهناك ضائقة مياه في الأردن، ولدينا أيضاً ضائقة مياه. لقد دخل الشرق الأوسط حقبة من العطش، ويجب أن يبلور الاتفاق تسوية على مدى الأعوام، لإيجاد حل متفق عليه بين الدول في هذا الشأن.

لكني أريد القول إن هناك، مع الأسف، تآكلا في قدرتنا العملانية منذ يوم الغفران. من لا يرى أن هناك مساراً من التدهور في قدرتنا الاستراتيجية العملانية فهو أعمى. نحن بحاجة إلى ترميم داخلي ما.

شيف: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى عناصر الترتيبات الأمنية؟

بار كوخبا: في رأيي أن مردخاي غور أخطأ عندما قال إننا سنزحف إلى دمشق. إنه لا يعرف الجيش الإسرائيلي اليوم. إنه لا يعرف الجيوش العربية. اليوم لن نزحف إلى دمشق. الاستنتاج هو أن في السلام الموقت أيضاً جدوى، إذا اقترن باصطفاف قومي ملائم لفحص قدراتنا الحربية – الاستراتيجية.

شيف: لكنك ستضطر إلى أن تدفع، ولم تقل ذلك.

بار كوخبا: على هذه الخلفية، سأكون على استعداد لأن أدفع.

غلبواع: في أي حال من الأحوال، يجب عدم تكرار سوابق الترتيبات الأمنية التي أُجريت مع مصر. إن تلك الترتيبات غير قابلة إطلاقاً للتطبيق في هضبة الجولان. يجب استخدام سوابق أميركية في هذه المسائل. عندما يجرون ترتيبات مع الروس، فإن الدبابات الروسية تنكفىء حتى جبال الأورال.

شيف: لن يضع السوريون دباباتهم خلف دمشق.

غلبواع: من الضروري أن يصار إلى إجراء تقليص شديد في الجيش السوري، أو بدلاً من ذلك، أن يشكَّل معظم الجيش من جنود الاحتياط.

بار ليف: لن يتك ذلك من جانب واحد. سيقول لك: قلِّص أنت أيضاً!

ميريدور: سيخفضون فيلقاً واحداً من الفيالق التي يقدرون على تعبئتها. فهل هذا سيغير الوضع؟

غلبواع: كنت لأرغب في أن تبقى ثلاث أو أربع فرق سورية نظامية. الأمر المركزي الثاني هو ألا يكون في لبنان قوات سورية. الأمر الثالث، الذي أعتبره أيضاً عنصراً أمنياً، هو أن نحتفظ، مهما يكن نوع التسوية، بمصادر المياه عن طريق تعاون ما مع السوريين. يمكن أن تتم تسويات كهذه أو تلك، لكن شرط أن تبقى سيطرتنا على مصادر المياه.

بن غال: لكن تلك المصادر لا تقع داخل حدود دولة إسرائيل؛ إنها تقع على بعد 100 كلم من الحدود. إن اليرموك وبانياس ليسا في إسرائيل. أوافق على أن ثمة حاجة إلى قوة عسكرية مهمة ثالثة، كنت لأفضل جيش الولايات المتحدة لا الأمم المتحدة. الأمر الرابع هو إشراك سوريا في اتفاقات المياه الإقليمية.

شيف: ما لا يريدون أن تفعله تركيا ضدهم، إلا يفعلونه ضد الأردن وضدنا؟

بن غال: أريد أن أشير إلى أن الوجود السوري في لبنان عامل مهم في الاستقرار، ولا يسبب اضطراباً أو عدم استقرار. إنني لا أرهن التسوية بخروج السوريين من لبنان. نقطة أُخرى يجب أن يشملها الاتفاق، وهي التزام رسمي وفعلي من السوريين بوقف نمو مختلف الحركات الإرهابية. يجب أن يكون ذلك متضمناً في أية تسوية.

بار كوخبا: ثبت تاريخياً أن جميع التدابير الأمنية التي ذكرتموها هنا لم تنجح في الاختبار، ولم تحم إسرائيل. بحق الله، ألا نتعلم من التاريخ؟

بن غال: يمكن، بعد اتفاق السلام مع سوريا، كما هو الحال أيضاً مع مصر، أن تقع حرب أُخرى.

شيف: ما هو استنتاجك من مثل هذا القول؟

بن غال: استنتاجي من هذا القول هو أن من المجدي توقيع اتفاق سلام، ولو لفترة محددة من الوقت تصل إلى 10 – 20 عاماً، أن هذه الفترة مهمة بالنسبة إلى دولة إسرائيل.

شيف: وأنْ نتخذ هذه المجازفة؟

بن غال: أجل، وأنْ نتخذ هذه المجازفة. ردي على ذلك هو أن الجيش الإسرائيلي لن يُحَل.

شيف: أيها السادة شكراً لكم.

المفاوضات مع الوفد الأردني الفلسطيني

الجولات الأولى*

                                                                              إلياكيم روبنشتاين**

 

              [.......]

لقاء أول في مدريد

              وصلنا إذاً إلى مدريد. وافقت الحكومة على مؤتمر افتتاحي يعقد في الواقع مرة واحدة، لأن رسالة الدعوة إلى مدريد – التي هي اليوم بمثابة "دستور" العملية لكونها موافقاً عليها من قبل الجميع – لا تفسح المجال أما إعادة عقد المؤتمر إلا بموافقة المشتركين كافة. يجب أن نضيف أنه يوجد حقاً لدى كل طرف في المفاوضات رسالة "تطمينات" (Assurances) من الأميركيين في شأن المواقف تجاهه. لكن الوعود التي أُعطيت لنا لا تُلزم الآخرين، وما أُعطي للآخرين لا يلزمنا. وبديهي أن الأمر المشترك بين الجميع هو الدعوة إلى مدريد. وهذه الدعوة، إذا شئتم، هي بمثابة اتفاق دولي عام. ومن الضروري تفسير رسالة الدعوة بين آونة وأُخرى. في بداية المفاوضات، حاول الفلسطينيون بضع مرات أن يقرأوا على مسامعنا فقرات من التطمينات التي تلقوها من الأميركيين، وأن يقولوا أن علينا، بسبب الأمر الفلاني الذي تتضمنه، أن نفعل كذا وكذا. قلنا لهم مراراً وتكراراً: سادتي، تلقيتم ذلك من الأميركيين، لكن الأمر لا يلزمنا، لم نر ذلك، لم نتلق ذلك من الأميركيين. وبالمناسبة، لم يعطنا الأميركيون رسمياً، حتى اليوم، نسخة عن الـ"وعود" التي أعطوها للآخرين، وعرفنا فحواها من التسريبات التي حدثت. بعد الافتتاح، بدأنا المفاوضات الثنائية. وسأتحدث، في الأساس، عن المفاوضات مع الوفد الأردني – الفلسطيني.

جئنا إلى المفاوضات هادفين إلى دفعها إلى الأمام قدر المستطاع، في إطار سياسة الحكومة، وانطلاقاً من مجهود – تم التعبير عنه – لمدّ يد المساعدة إلى الطرف الآخر، وللسير نحو حوار جماعي وشخصي.

أولاً، يجب أن نذكر أنه كانت لدينا فعلاً اتفاقات ومفاوضات رسمية مع الدول العربية المجاورة: مع مصر – الهدنة (1949)، وفصل القوات (1974)، واتفاق مرحلي (1975)، وكامب ديفيد (1978)، ومعاهدة السلام (1979)؛ مع السوريين – الهدنة (1949)، وفصل القوات (1974)؛ مع اللبنانيين – الهدنة (1949)، والاتفاق الذي لم يُقلع في سنة 1983. وبالمناسبة، كان لهذا الاتفاق بالتأكيد فوائد في بضعة مجالات. لقد قال لي وزير الخارجية، شولتس، ذلك أكثر من مرة. أحد الأمور هو مفهوم الحزام الأمني. إن الحزام الأمني، عدا كونه مرسَّخاً في حاجات أمنية إسرائيلية، فإنه أيضاً مرسَّخ في اتفاق 17 أيار/ مايو 1983. كان للاتفاق أيضاً فوائد في العلاقات بالولايات المتحدة. إنه لم ينجح في العلاقات بلبنان لأنه لم يكن في لبنان حكومة قادرة على تنفيذه، وذلك لأن السوريين قالوا "لا"؛ وكانوا في سنة 1983 قد أصبحوا أقوياء بما فيه الكفاية، بعد الضعف الذي أصابهم نتيجة الحرب قبل ذلك بعام، بحيث استطاعوا أن يقولوا "لا". مع الأردن كان هناك اتفاق الهدنة (1949). وفي المقابل، لم يكن هناك قط في تاريخ النزاع، سواء حددنا بدايته قبل مئة عام أو قبل سبعين عاماً، طاولة رسمية للمفاوضات بين اليهود والعرب في ارض إسرائيل؛ أي بيننا وبين الفلسطينيين.

صحيح أنه كان هناك محادثات كثيرة مع عرب أرض إسرائيل طوال عهد الانتداب، أجراها رؤساء الحركة الصهيونية والييشوف اليهودي في البلد، ومحادثات أجراها ابتداء من سنة 1967 رؤساء الحكومة ووزراء الدفاع، بصورة أو بأُخرى، وطبعاً رجال الحكم العسكري والإدارة المدنية. غير أنه لم يكن هناك قط مفاوضات رسمية مع عرب أرض إسرائيل؛ وهذا طبعاً يفسّر لماذا توجد هناك صعوبة في كل خطوة، ولماذا يوجد هناك لغم مزروع في كل سنتيمتر.

في اللقاء الأول في مدريد، طلب الأردنيون والفلسطينيون الانفصال. لقد كُتب، في رسالة الدعوة إلى [مؤتمر] مدريد، أن المفاوضات ستكون مع وفد أردني – فلسطيني مشترك (Joint Jordanian – Palestinian Delegation) وأن الفلسطينيين سيحضرون كجزء منه. كان ذلك طلباً منا في المفاوضات. وأياً يكن الحزب الحاكم في إسرائيل، فإن جميع الأحزاب الكبيرة تؤيد أن يكون هناك، في إطار الحل الذي سيتم التوصل إليه، ارتباط ما بين الأردن والموضوع الفلسطيني. ولن أخوض موضوع تعريف الارتباط، أو تفصيله. إن هذا الأمر يستند إلى دواعٍ جيوسياسية وتاريخية، وغيرها.

لماذا لم نطالب بهذا الارتباط كمطلب رسمي في مبادرة السلام [الإسرائيلية] لسنة 1989؟ لم نفعل ذلك – على الرغم من أننا خضنا نقاشات داخلية كثيرة بشأن الموضوع – لأن الأردنيين كانوا أعلنوا قطع صلتهم بقضايا يهودا والسامرة وغزة في سنة 1988. ولم نشأ المطالبة بالمدمج، في سنة 1989، لأن الجميع كانوا سيقولون آنذاك: لستم جادّين، لأن الأردن قطع الصلة. وقد قلنا، في سنة 1989، إذن فليكن ذلك شرطاً في التسوية الدائمة، ولم نشترط ذلك فيما يتعلق بالتسوية المرحلية. لكن في الأوضاع التي عقبت حرب الخليج، قلنا إننا معنيون بوجود وفد مشترك، وتمت الموافقة على ذلك. وقد ورد أيضاً، في رسالة الدعوة إلى [مؤتمر] مدريد، أن المفاوضات ستكون Along Two Tracks، في مسارين، أو قناتين: الأولى بين إسرائيل والدول العربية، وبديهي أن الأردن مثله مثل كل دولة من الدول العربية. وتجري المفاوضات الآن في قنوات إسرائيل – الأردن، إسرائيل – سوريا، إسرائيل – لبنان؛ والقناة الثانية، أو المسار الثاني هو إسرائيل في مقابل الفلسطينيين الذين يشكلون جزءاً من الوفد المشترك – هكذا ورد في الدعوة. وقد استندت المطالبة بالانفصال إلى حجة أن هناك مسارين، لذلك ينبغي لنا التباحث مع هؤلاء وأولئك، كل على حدة.

"محادثات الكنبة"

              كان ردنا أننا لم نسمع بأي وعد بالانفصال كهذا. وفعلاً، جلسوا سوية معنا في اليوم نفسه في مدريد، لكنهم أثاروا الحجة. ولدى مجيئنا إلى واشنطن للجولة الأولى من الجولات الأربع التي جرت هناك، جرت المطالبة بغرفتين منفصلتين، وأفضى ذلك إلى المحادثات التي تناولتها وسائل الإعلام بشيء من الدعابة، والتي وصفت بـ"محادثات النكبة"؛ أي أن المفاوضَيْن، الأردني والفلسطيني، جلسا معي على الكنبة طوال 8 أيام، ثم ليوم أو يومين آخرين في الجولة التالية، كي نتوصل إلى التفاهمات الإجرائية. وعندما عدت ورفعت تقريري إلى الحكومة، قلت: من المؤكد أن الشرق الأوسط مريض جداً إذ تعين علي الجلوس بين طبيبين قرابة أسبوع على الكنبة (المفاوضان كلاهما طبيب: الأردني د. عبد السلام المجالي، والفلسطيني د. حيد عبد الشافي).

في سياق "محادثات الكنبة"، التي كانت مكثفة للغاية، والتي جاءت جميع المبادرات الرامية إلى التوصل إلى حوار وتقدم نحو اتفاق فيها من جانبنا، حاولنا التوصل إلى تفاهم إجرائي، ضمن وضع أردنا فيه المحافظة على العلاقة بين الأردنيين والفلسطينيين، وعلى الارتباط فيما بينهم، وأرادوا هم – كما أسلفنا – الانفصال.  وفي النهاية، وجدنا حلاً وسطاً دقيقاً، صيغ الجزء الأكبر منه خطياً، وكان بعضه شفهياً. وقد أوجد الحل الوسط القدرة على الاستمرار في المفاوضات.

ما كانت ماهية الاتفاق الإجرائي؟ هناك من يعتقد أحياناً أن النواحي الإجرائية غير مهمّة. لكن، في المفاوضات الدولية التي تنطوي على حساسيات كثيرة للغاية، وعلى رموز ومشكلات قومية وتاريخية، هناك حاجة إلى إطار إجرائي سليم [....].

بناء على ما اتفق عليه، يجلس الأردنيون والفلسطينيون، في "اللقاء العام" الذي يشمل القناتين، في جانب واحد من الطاولة، ونجلس نحن في جانبها الآخر. وهناك في كل جولة لقاء واحد كهذا على الأقل، استُخدم حتى الآن لأغراض إجرائية أساساً، لكن بحسب الاتفاق المكتوب يمكن أن يستخدم أيضاً لأغراض أُخرى. وفي هذا المنبر، هناك 13 إسرائيلياً، أحدهم يجلس إلى الخلف (يوجد سبب لذلك)، و11 أردنياً و8 فلسطينيين. وللأرقام صلة أيضاً بمشكلات بين الأردنيين والفلسطينيين.

قبل لقاء عام كهذا، أو في أي وقت آخر، هناك لقاء لرئيسي القنوات الثلاث، أي: الأردنية، والفلسطينية، والإسرائيلية. وهذه اللقاءات، سواء لقاء رئيسي القنوات أو اللقاء العام، يتم بناء على طلب أي طرف من الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، هناك في الوقت الحاضر قناتان يجري فيهما الجزء الأساسي من العمل: القناة الإسرائيلية – الأردنية، وتشمل 11 إسرائيلياً، و9 أردنيين وفلسطينيَّين؛ وتشتمل القناة التي بيننا وبين الفلسطينيين على 11 إسرائيلياً، و9 فلسطينيين وأردنيَّيْن. وبالتالي هناك في كل مكان تمثيل متبادل بين الأردنيين والفلسطينيين، وهذا أمر مهم في نظرنا. صحيح أنهم إلى الآن لا يقيمون حتى في الفنادق نفسها، وأنه يوجد بينهم فوارق طبعاً، ولديهم ناطقون مختلفون، لكنهم معنا يجلسون سوية، ونحن كنا في الإجمال راضين عن التفاهم الإجرائي كما تم تحقيقه – ويبدو لي أنهم هم أيضاً راضون عنه.

كان الاتفاق الإجرائي، الذي تم تحقيقه، أول اتفاق من نوعه يحمل توقيع ممثل إسرائيلي وممثل أردني وممثل فلسطيني.

من المهم جداً أن نؤكد أن المفاوضات بشأن الإجراءات، حتى توقيع الاتفاق، وأيضاً كل المفاوضات الجوهرية التي عقبته، كانت مباشرة بيننا وبين الجانب العربي، من دون أية وسائطة أميركية. وهذا الأمر مهم، لأننا حاولنا أن نزرع في الأذهان أنه من أجل إدارة مفاوضات بشأن السلام، يجب الجلوس مع إسرائيل، لا انتهاج مقاربة فحواها أن الأميركيين هم الذين "سيقدمون البضاعة".

فيما يتعلق بالمفاوضات نفسها، يمكن القول بصورة عامة، وبالحذر المستوجب، إن هناك تحسناً متدرجاً في بعض المجالات. لم يتحقق اختراق. وهناك فجوة كبيرة بين المواقف، لكن هناك تقدم طفيف، من جولة إلى أخرى – من الاتجاه الذي يسميه الأميركيون Posturing، أي الانشغال بالإعلام، الذي تميّز به على الأخص الموقف الفلسطيني في البداية، نحو اتجاه المفاوضات.

المفاوضات الجوهرية

              كان الفلسطينيون خاضعين، على الأرجح، لضغوط الصورة الإعلامية التي أرادوا خلقها. وقد برز ذلك بصورة خاصة في المراحل الأولى من المفاوضات، وأدى إلى تحفظات علنية أيضاً من قبل الناطقين بلسان حكومة الولايات المتحدة. عليّ الإشارة إلى أن فتح المفاوضات أمام وسائل الإعلام بصورة زائدة على الحد، ينطوي على صعوبة. ومن الجدير أن نذكر أن من أسباب نجاح اتفاق كامب ديفيد، على افتراض أن معظمنا يعتقد أن هذا الاتفاق كان بمثابة اختراق، أنه لم تكن هناك وسائل إعلام داخل المفاوضات. كان هناك تقارير إعلامية كثيرة في شأن ما يصفه الصحافيون بـ"الألوان": من ركب الدراجة، ومن لعب البلياردو، ومن شاهد فيلماً، ومن أكل طعاماًُ حلالاً. ونظراً إلى أنني كنت ارتدي قبعة دينية هناك، فقد صورتني التلفزة الأردنية قائلة إن السيد بيغن أحضر طباخه الشخصي، الأمر الذي فاجأ زوجتي مفاجأة كبيرة كونها تعرف قدراتي في هذا المجال. غير أن المفاوضات نفسها في كامب ديفيد، من حيث الجوهر، لم تغطَّ إعلامياً، لأنه كان هناك اتفاق، تم احترامه بصورة أو باُخرى، على عدم نشر شيء من الداخل، مع أنه كان هناك ظمأ إلى أية معلومة.

في تقديري، وأحسب أني لا أنفرد وحدي بهذا التقدير، مع أن هذا الأمر من المحال إثباته – أنه لو كانت هناك وسائل إعلام داخل المفاوضات في كامب ديفيد، أي لو كانت المفاوضات الجوهرية مغطاة إعلامياً بحسب المعتاد، لما تمّ اتفاق، لأنه كان هناك داخل كل طرف من هو معني بالحيلولة دونه. كان للاتفاق ثمن باهظ بالنسبة إلى الطرفين – في جانبنا، الألم في مجال إخلاء المستوطنات والمطارات، والصعوبة في مجال ماهية الإدارة الذاتية؛ وبالنسبة إلى المصريين، الانفصال عن العالم العربي والمضي في سلام منفرد؛ صحيح أنه أُضيف إلى ذلك اتفاق الإطار المتعلق بالإدارة الذاتية، لكنه في نهاية الأمر كان سلاماً منفرداً وعلى الصعيد الثنائي. والحقيقة أن بعض زعماء الوفد المصري، بمن فيهم وزير الخارجية، استقالوا ليلة الاتفاق. ومن المنطقي القول، إذاً، إن الاتفاق ما كان ليتم لو أن وسائل الإعلام كانت موجودة في الداخل. إن وسائل الإعلام مقحمة اليوم [في المفاوضات] بدرجة كبيرة. عندما تخرج، كل صباح ومساء، يضعون أمامك ميكروفوناً. وإذا لم تقل شيئاً، فلعل هناك – لا سمح الله – أزمة. وإذا قلت شيئاً، فسيردّ الطرف الآخر، وهكذا دواليك؛ وهذا يدخلنا في جو من الانشغال الدؤوب بوسائل الإعلام. وبحسب ذوقي، باعتباري من هواة الدبلوماسية الكلاسية، كنت أفضل أن يكون الحال مختلفاً بعض الشيء. كما أنه، طبعاً، لا مجال للمقارنة بين مرتبة المفاوضين في كامب ديفيد ومرتبتهم في هذه المحادثات. وهذا ما يجب أن نذكره.

لكن، فيما يتعدى مسألة رسائل الإعلام. كان هناك أيضاً مسألة الرموز، وفي طليعتها حقيقة جلوسنا أمام الفلسطينيين أول مر إلى جانب طاولة رسمية. كان هناك حساسيات كثيرة للغاية في البداية، وأيضاً في سير المحادثات، مع أنه يبدو لي أن الأمر تحسن تحسناً مهماً بمرور الوقت. وكان هناك أمثلة استدعت الحاجة فيها التصدي لجهود رمت إلى فرض حقائق، بواسطة رموز، كما هو الحال في كل ما يتصل بـ م. ت. ف.؛ وكما هو مفهوم، فإن الدلالة الرمزية مهمة على الصعيد السياسي، لأن دولة إسرائيل لا تتفاوض مع م. ت. ف.، وإنما مع فلسطينيين من سكان يهودا والسامرة وغزة. وكان هناك أيضاً حساسيات: محاولات للتحدث عنا بلغة لاذعة، وللصراخ بأننا "عنصريون"، وأن لدينا "فرق موت"، أي "وحدات تصفية" في يهودا والسامرة وغزة. سلكنا طريق التجربة والخطأ: في البداية، مِلْنا إلى الرد بصورة عاطفية، ثم وجدنا طرقاً أهدأ. وفي أية حال، طرأ تحسن معين في هذا الشأن، ورويداً رويداً اقترب الفلسطينيون، أيضاً بمناشدة من الأميركيين، من النقاش الموضوعي، وابتعدوا قليلاً عن وسائل الإعلام. ومن الأمثلة لذلك: ورقة قدمناها في جولة سابقة وقالوا عنها "من كتب هذه الورقة يجب كسر رقبته"، وبدأوا في الجولة التالية التحدث عن مضمون تلك الورقة.

في المرحلة التي تلت الاتفاق الإجرائي، بدأ الانشغال بجداول الأعمال. والمقصود بذلك تحديد موضوعات وأولويات للمفاوضات. بالإضافة إلى ذلك قدّمنا، على الصعيد الجوهري، قائمة بصلاحيات مقترحة لأجهزة الترتيبات المرحلية؛ وهي صلاحيات واسعة جداً، وتشمل مجالات كثيرة من حياة السكان التي سيديرونها بأنفسهم، بما في ذلك الصناعة والتجارة والزراعة والتعليم والصحة والثقافة والدين وسلطة البلديات والشرطة المحلية وإدارة القضاء والشؤون المالية والسياحة وغيرها. ولا تشمل القائمة موضوعات مثل: الأمن والخارجية والاستيطان اليهودي، والموضوع الإقليمي. فعلنا ذلك كي نعمل فعلاً على الترتيبات المرحلية، التي لن تغلق خيارات التسوية الدائمة.

النموذج الفلسطيني

والموقف الإسرائيلي

              قدم الفلسطينيون نموذجاً سمّوه Palestinian Interim Self-Government Authority-PISGA (سلطة الحكومة الذاتية الفلسطينية الموقتة) في مقابل الـ ISGA التي نتحدث عنها نحن، بناء على الدعوة، أي Interim Self-Government Arrangements (ترتيبات الحكم الذاتي الموقت). لم يكن في الإمكان أن تلقى مقاربتهم قبولاً من جانبنا، لأن النموذج الذي قدموه كان دولة بكل معنى الكلمة تقريباً، باستثناء الإسم، بما في ذلك مجلس تشريعي (بمثابة برلمان)، وصلاحية إقليمية واسعة، وغيرهما. لقد قالوا في الواقع: "إننا نريد دولة فلسطينية. لو استطعنا الحصول عليها اليوم لكان ذلك حسناً، غير أننا التزمنا، بناء على الاتفاق الذي سبق مدريد، مفاوضات في شأن تسوية مرحلية مدتها خمسة أعوام، لذلك نقدم نموذجاً يمكن أن يرتقي فوراً إلى دولة، كي تروا ماذا نريد، وإلى أين ننوي الوصول." إن الأفكار التي قدمناها نحن لم تصل بعد إلى مستوى النموذج المفصل، لكننا قدمنا تصوراتنا العامة حيال التسوية المرحلية، والقائمة المفصلة والموسعة لصلاحيات المجالس.

إننا نقول، كما أسلفت، إننا لا نوافق على النموذج الفلسطيني، وإن علينا التحدث أولاً عن جدول الأعمال الموضوع أمامنا. اي عن ترتيبات مرحلية، وهذه يجب أن تكون منطقية، لكنها يجب أن تترك مجالاً لخيارات مفتوحة فيما يتعلق بالتسوية الدائمة، وألا تغلقها. إن ضرورة التسوية المرحلية برمتها، التي هي – في الواقع – بيت القصيد في كامب ديفيد، مردها إلى استحالة التوصل إلى التسوية الدائمة بخطوة واحدة، لأن الفجوة في المواقف كبيرة للغاية، ولأن النزاع صعب جداً. وبالمناسبة، ربما يكون في الإمكان، في هذه المرحلة، التوصل إلى إجماع داخلي إسرائيلي فيما يتعلق بالتسوية المرحلية. غير أن من المحال التوصل إلى إجماع إسرائيلي في شأن التسوية الدائمة. ربما يكون هذا الأمر ممكناً في المستقبل. وأنا شخصياً آمل بأن يحدث ذلك، وبأن يكون في الإمكان التوصل إلى إجماع داخلي يشمل أغلبية كبيرة معقولة، إنْ لم يكن إجماعاً كاملاً.

ما العلاقة بين مقاربة إسرائيل اليوم وبين كامب ديفيد؟ إنه سؤال مشروع يُطرح مراراً كثيرة. إن العملية الحالية تستند رسمياً إلى القرار رقم 242 والقرار رقم 338. لقد حاولوا إقناعنا بالموافقة على أن تستند العملية إليهما. وبعد أخذ ورد وافقنا. ورد في رسالة التطمينات التي تلقيناها من الأميركيين، أن من الواضح لديهم وجود تفسيرات مختلفة للقرار رقم 242. كان من المهم بالنسبة إلينا أن يشار إلى ذلك، لأن القرار رقم 242 يتضمن صيغاً تعتبر إشكالية من ناحية موقف الحكومة، أية حكومة، في إسرائيل. ثانياً، إن مسألة كامب ديفيد مهمة بالنسبة إلينا. وفعلاً، فإن صيغة الدعوة إلى مؤتمر مدريد هي عملياً صيغة كامب ديفيد، لأنها تتحدث – شأن كامب ديفيد – عن تسوية مرحلية مدتها خمسة أعوام، تبدأ في العام الثالث منها مفاوضات في شأن التسوية الدائمة؛ وهذه هي هيكلية كامب ديفيد. صحيح أن محاورينا يقتبسون كامب ديفيد من حين إلى آخر، لكن الأمر ليس التزاماً. لقد قلنا إن مقاربتنا تستند إلى كامب ديفيد، لكنه لأمر شرعي، في نظرنا، أن تكون هناك تعديلات بعد 13 – 14 عاماً. إن العالم لا يراوح مكانه. وعلى سبيل المثال، فإن موضوع الأمن يستوجب حذراً مضاعفاً في الأوضاع القائمة.

إن الفلسطينيين يطرحون موضوع الانتخابات على أنه موضوع مركزي: انتخابات على وجه السرعة. ونحن نقول إننا لا نرفض انتخابات لهيئة إدارية – وظيفية تبتّ في شأن الترتيبات المرحلية. إن دولة إسرائيل ديمقراطية، وهذا كاف لنقول إننا لا نرفض الانتخابات. لكن في البداية سنناقش الترتيبات، ثم في وقت لاحق سيتم اتخاذ قرار بكيفية تشكيل الأجهزة. وكمسار مقابل، اقترحنا فكرة الانتخابات البلدية، لا كبديل من أي شيء آخر. كان الهدف، أولاً، أن نقول أنه يجدر البدء بعملية تحوّل نحو الديمقراطية، كي لا ينشأ وضع يُسمّى ما يجري فيه انتخابات. لكنه في الواقع ليس انتخابات، بل طرف يلوي ذراع الآخر. وبواسطة الانتخابات البلدية، سيشترك مزيد من الناس في العملية.

اقترحنا أيضاً تناول مجال كالصحة، الذي له أهمية في أي نظام، وبمفاوضات حثيثة يُسلَّم إلى إدارة ذاتية فلسطينية. صحيح أن أكثرية موظفي جهاز الصحة اليوم تأتي من السكان – الممرضات والأطباء وموظفو الخدمات – لكن إدارة تخصيص الميزانيات والتخطيط والتطوير، لا يزال يتولاها الجهاز الإسرائيلي. وقد طرح اقتراح المفاوضات الحثيثة لفسح المجال أما إدخال دينامية في العملية. وفي الإمكان أيضاً التحدث عن مجالات أُخرى.

من المهم أن تشمل الترتيبات تنسيقاً وتعاوناً مع إسرائيل في مجالات يوجد تماسّ بينها، وايضاً ترتيبات للتعاون مع الأردن.

كيف عملنا في المفاوضات حتى الآن؟ كان لدينا فريق مشترك من عدة وزارات: اشتمل وفدنا على أشخاص من مكتب رئيس الحكومة، ومن وزارة الخارجية (نائب المدير العام لوزارة الخارجية، ويعمل كنائب لرئيس الوفد)، ومن وزارة الدفاع، ومن الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك [هيئة] تنسيق الأنشطة في يهوداً والسامرة وغزة، ووزارة العدل، وهيئات رسمية أخرى، وأيضاً خبراء بشؤون محددة. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالأردنيين، فإن الموضوعات ذات الأهمية، عدا السياسية، هي موضوعات عملية – مهنية: المياه والطاقة ونوعية البيئة، ولذلك يحضر متخصصون من الجهاز الحكومي صاحب العلاقة. في الموضوعات الاقتصادية المتعلقة بيهودا والسامرة وغزة، تم إشراك خبير اقتصادي مهمته الاهتمام بهذا الجانب. وفي مجال إداري محدد، كالصحة، أُحضر ضابط الصحة في يهودا والسامرة لعرض الموضوع. لقد كان وفدنا أكبر الوفود الإسرائيلية، وفي استطاعتي الإشارة برضى إلى التعاون الجيد بين عناصره.

فيما يتعدى صميم المفاوضات، حاول الفلسطينيون أن يقدموا لنا تقريراً يومياً عن موضوع حقوق الإنسان في يهودا والسامرة وغزة، من خلال إثارة ادعاءات قاسية ضد الجيش الإسرائيلي والحكم العسكري، مأخوذة في الأساس من الصحافة. درسنا كيفية معالجة ذلك، وقلنا: "إذا كانت هناك مشكلات محددة تريدون طرحها، ففي إمكانكم القيام بذلك، مع أن هذا ليس موضوع المفاوضات. ومنسق الأنشطة في يهودا والسامرة وغزة وأنا على استعداد للتحدث، بيد أنكم إذا كنتم تريدون تظاهرة إعلامية، فهذا ليس من شأننا."

وطبعاً، فإن الفجوة بين مواقفنا ومواقف الفلسطينيين، من حيث الجوهر والأساس، تتعلق بطابع الترتيبات المرحلية. كما قلنا آنفاً، إنهم يريدون ترتيبات مرحلية بصلاحيات واسعة جداً، تفضي إلى دولة، ويطالبون ببنية إقليمية واسعة لهذه التسوية، أي كل الأرض، جميع الناس، بمن فيهم من كان خارج المنطقة ويريد العودة، بمن فيهم سجناء يطالبون بالإفراج عنهم، وأيضاً القدس. إننا نقول: إن موضوع الحديث هو تسوية إدارية – وظيفية، غير إقليمية، بل سيطرة منطقية وجدية على مجالات صلاحية.

عندما يثيرون معنا موضوع اللاجئين، نكرر القول لهم دائماً: إن أية حكومة إسرائيلية لن تقرر انتحاراً قومياً عن طريق تبني حق العودة – الذي ذكروه في أوراقهم. إننا نقول لهم أيضاً، وهذا مهم من ناحية الخلفية التاريخية، إن الدول العربية خلّدت اللجوء الفلسطيني إلى درجة أن الكويت عمدت مؤخراً، بعد حرب الخليج، إلى طرد 300,000 فلسطيني أو أكثر، فمن ولد أحفادهم في الكويت ولم يحصلوا على جنسيتها؛ دفعوا بهم إلى الأردن، إلى الدولة التي أعطت الجنسية [للفلسطينيين]. لقد قلنا للفلسطينيين: في وفدنا يوجد عضو من مصر، وعضو ولد في المغرب، وعضو ولد في تونس – فهل هم لاجئون؟ كلا، لأن دولة إسرائيل لم تعاملهم كلاجئين، بل أصبحوا، ككل يهودي من هنغاريا أو من روسيا أو من المغرب، مواطنين إسرائيليين، ونسي العالم كله أنهم كانوا ذات يوم لاجئين؛ إن الأمر يتعلق بأناس تركوا هم أو آباؤهم الدول العربية كلاجئين، في الفترات نفسها التي غادر فيها عرب أرض إسرائيل البلد.

واضح مما سبق أن المفاوضات ستكون، بديهياً، صعبة للغاية في الفترة اللاحقة.

لقد تصرف الأميركيون، حتى الآن، بصورة مقبولة من جانبنا. لم يدخلوا غرفة المحادثات كوسطاء. كانوا، طبعاً، الوسطاء حتى مدريد، ومنذئذٍ لا يزالون ضالعين جداً في المفاوضات المتعددة الأطراف. في المفاوضات المتعددة الأطراف، وُجد اشخاص من وزارة الخارجية حول الغرف، وحصلوا على تقارير موجزة، وأيضاً على الأوراق. وفي بعض الأحيان، حصل أيضاً وزير الخارجية ومساعدون المقربون على تقارير موجزة، إن الأميركيين يتحدثون مع جميع الأطراف. وبهذه الطريقة يقدمون المساعدة، غير أنهم لم يتدخلوا في المفاوضات نفسها. وفي محادثاتهم، حاولوا التأثير في الفلسطينيين كي يقللوا من الإعلام، ويدخلوا المفاوضات [....] .

[.......]

المفاوضات مع الأردن

[.......]

من ناحية المضامين، لم يرد الأردنيون البحث في "معاهدة سلام". لقد أعددنا مسودة لمعاهدة سلام، لكنهم لم يريدوا أن يتكون انطباع بأننا نتباحث معهم في شأن معاهدة سلام؛ إن الحكم الأردني حذر جداً، ولا يريد أن يتعرض للنقد بسبب تقدم مزعوم، بينما لا يوجد تقدم كاف لدى السوريين أو الفلسطينيين.

كان الأردنيون على استعداد للتحدث عما سمّوه "رؤية السلام". وتم ذلك في إطار ما هو ممكن البحث فيه، لأن السلام ذُكر بصورة معينة أيضاً في القرار رقم 242. نحن لم نشأ أن "نكسب عناوين إعلامية" بقولنا إننا قدمنا معاهدة سلام، لأن ذلك من شأنه أن يولّد مرارة في المفاوضات. بصورة عامة، لعلنا تقدمنا مع الأردنيين أكثر قليلاً مما تقدمنا مع الفلسطينيين، فيما يتعلق بجدول الأعمال. يبدو أنهم فهموا ما يقلقنا، ونحن فهمنا ما يقلقهم. لا يزال هناك فجوات، لكنْ تم تقديم مقترحات، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأردنيين، لجدول أعمال مشترك. فعلياً، فإن الحذر الأردني يبعث على الاهتمام الشديد؛ إنهم لا يريدون الانفصال عن الفلسطينيين، لكنهم ايضاً لا يريدون الظهور بمظهر من يملي عليهم، لا سمح الله، أو يتحدث عوضاً منهم وباسمهم. لذلك فإن يقدمون تعليلاً قانونياً للارتباط، لكن أيضاً يقدمون الوجه الآخر: وجه الهوية المنفصلة. إنهم يثيرون موضوع المستوطنات، لأنه موضوع مهم للفلسطينيين، وعليهم إذاً التحدث عنه. لكنهم يفسّرون ذلك بالبعد الديموغرافي. أي أنه إذا وُجدت مستوطنات كثيرة، فمن الممكن أن ينتقل سكان من يهودا والسامرة إلى الأردن. فعلياً، لا يريدون تطابقاً أردنياً – فلسطينياً. غير أنهم، أيضاً، لا يحبون أن نقول أنه ليس لديهم مستند قانوني في يهودا والسامرة.

إننا نتحدث مع الأردنيين في شأن المياه، ونوعية البيئة، والطاقة. لقد تحدثت أطقم الخبراء عن هذه الموضوعات، التي بدا أنها تنطوي على احتمالات للمحادثات. فيما يتعلق بالمياه، فإن البلدين في الأساس يعيشان من المصدرين نفسيهما: الأردن واليرموك. هناك خلافات تاريخية بشأن اعتماد الحصص، وهي مستمرة منذ أيام مشروع جونستون في الخمسينات، الذي يعمل الجميع، فعلياً، بموجبه في الظاهر، على الرغم من أنه لم يصادق عليه. وهناك، طبعاً، خلافات في الرأي بشأن تفسيره.

والسؤال هو: هل يمكن أيضاً التوصل إلى صيغة متفق عليها، تتجاوز الصيغة المبدئية لتقاسم المياه (Water Sharing)، أي كيف نقسّم المياه؟ وطبعاً، من أجل أن نتوصل إلى ذلك، سيكون ثمة حاجة إلى الكثير من الإبداعية في المفاوضات، وأيضاً إلى عناصر غير موجودة في صيغة مياه الأردن – اليرموك، كإزالة الملوحة، وإقامة السدود، والمياه الجوفية، وما إلى ذلك. على سبيل المثال، ما زلنا غير مهيئين، نحن والأردنيون، لاستيعاب ما يهدر من مياه الأمطار. كما أن في الإمكان، بواسطة التكنولوجيا الحديثة والتعاون، زيادة المياه الموضوعة في تصرف السكان في البلدين بكمية مهمة.

[.......]

خلاصة

بإيجاز، أنا على يقين تام من أن الوقت الذي بُذل في هذه الجولات لم يذهب سدى. وأعتقد أن هذا ليس رأيي فقط. صحيح أن الفلسطينيين يدّعون، علانية، أن كل شيء في طريق مسدود وأن شيئاً لا يحدث، لكنهم في رأيي يعلمون أن الأمر ليس كذلك. لو كان الفاصل الزمني بين جولة وأخرى أصغر، لكان التقدم أكبر. لكن ما حدث أن الفواصل الزمنية كانت كبيرة نسبياً. لقد حاولنا إجراء اتصالات بين الجولات، غير أنه لا يوجد لدينا، حتى الآن، اتصال بالأردنيين كما يجب، مع أننا اقترحنا ذلك. كما أن الفلسطينيين الذين نقيم في جوارهم، لم يوافقوا بعد على إقامة اتصال بين الجولات؛ غير أن كل جولة تقريباً كانت أفضل قليلاً من سابقتها. وقد أصبح هناك حوار، وأصبح هناك مفاوضات.  ما زالت الفجوات كبيرة، لكن يجب أن تستمر المفاوضات.

لا أريد أن أطرح توقعات فيما يتعلق بالوقت ونتائج المفاوضات. وبحسب رأيي، فإنه عندما يعدل الفلسطينيون مواقفهم بحيث تصبح منسجمة مع صيغة مدريد، فسيمكن التوصل إلى بداية الترتيبات المرحلية. وطبعاً، سيكون الأمر شديد الصعوبة على الصعيد الداخلي الإسرائيلي. والسؤال هو كيف يمكن إيجاد توازن سليم بين المصالح الإسرائيلية وبين ما تقتضيه المفاوضات مع الطرف الآخر. وهذا الأمر، في رأيي، ممكن لكن بصعوبات كثيرة. لذا، فإنه يستوجب الحذر [....].

[.......]

البحث عن متهمين*

                                                                        ميرون بنفنستي**

              في منتصف الأسبوع الثاني من المحادثات الثنائية مع الوفود العربية، شعرت "جهات سياسية" بضرورة البحث عن متهمين، واختلاق إثباتات لادعاء البراءة. فـ"صنع السلام" بجهد حثيث و"المناقشات المتواصلة"، اللذان عرضا كوصفة مجربة للتقدم تؤدي إلى "حكم ذاتي خلال عام"، لم يؤديا إلى أي اختراق. ولم يعد في وسع التسريبات عن اجواء حسنة وعن لين في المواقف، التي جاءت لتغذي الآمال الكبيرة بشأن فتح صحفة جديدة، أن تغطي الشعور الواضح بالإحباط. وعشية قدوم الوفود لتقديم تقارير وتلقي تعليمات، نشأت ضرورة للكشف عن المذنبين، وتم تحديدهم بسهولة: الفلسطينيون وإلياكيم روبنشتاين.

الفلسطينيون هم كيس تمرين على الملاكمة، قديم ومبتذل: الجمهور الإسرائيلي معتاد على رؤيتهم متهمين بكل شيء – بما في ذلك المسؤولية عن الضائقات التي يعانونها هم أنفسهم. ومن الأمور المعروفة جيداً أن الفلسطينيين، بعماهم وضعفهم الداخلي، ضيعوا كل فرصة للحل منذ وعد بلفور حتى كامب ديفيد. ويطلب وزير الخارجية، شمعون بيرس، منهم "أن يكفوا عن الانشغال بالتصريحات الجوفاء"، التي تخرب عملية السلام. ويجزم رئيس الحكومة، يتسحاق رابين، أنهم "يريدون مناقشة أعراض النزاع لا المشكلة"، ويرفضون قبول تعريفه للمشكلة وللأعراض: وها قد حددنا المتهم الأول.

أيضاً التهمة على إلياكيم روبنشتاين ثابتة: ألم يخدم شمير بإخلاص، وجرجر الأمور بهدف كسب الوقت وتحويل الوضع في المناطق إلى وضع لا يمكن عكسه؟

لا مجال للمقارنة طبعاً بين الفلسطينيين وروبنشتاين، ولو فقط لأن الأوائل لا يمكن استبدالهم. لكن الطرفين، من ناحي واحدة جوهرية، متشابهان: إن مواقف الفلسطينيين وروبنشتاين تستند إلى منطق داخلي – متناقض لكنه راسخ – وهذا ما لا يمكن قوله عن مواقف حكومة رابين. إن الفلسطينيين يرون المفاوضات كعملية أفقية. وقد كتبوا في الوثيقة الأخيرة التي قدموها: "المرحلة الانتقالية (هي) جزء من تطبيق قرار مجلس الأمن 242، وتؤدي إلى المرحلة النهائية التي سيستطيع الفلسطينيون فيها نيل حقهم في تقرير المصير." إنهم مستعدون لتلقي صلاحيات السلطة بالتدريج، شرط أن تتجسد في كل صلاحية تُنقل إليهم نواة الحل الدائم، وشرط ألا يتناقض إطار المفاهيم والبُعد الإقليمي مع المرحلة النهائية، كما يتصورونها. ومن الممكن الاعتراض على هذا الموقف، لكنه يظل مشروعاً؛ إذ إنه من المتفق عليه أن الحل المرحلي هو مقدمة للمرحلة النهائية، ويحق لكل طرف أن يتمسك بتصوره لطابع الحل الدائم.

إن الفلسطينيين والمبادرين الأصليين إلى طرح مشروع الحكم الذاتي [الليكود]، يشتركان في المنطق الداخلي الذي يشتق المرحلة الانتقالية من تصورهما للحل الدائم المفضّل لدى كل منهما، لكن بصورة متعاكسة. فالليكود، الذي يطمح إلى السيطرة على المناطق لفترة غير محدودة وربما ضمها، نظر إلى الحكم الذاتي بصفته حلاً دائماً، أو على الأقل حلاً مرحلياً لا يتناقض مع المرحلة النهائية، ولا يعدو كونه استمراراً للوضع الراهن من ناحية السلطة. إن النظرة إلى الحكم الإسرائيلي في المناطق بصفته أمراً دائماً، مهما تكن تعريفاته القانونية (وليس حكماً عسكرياً موقتاً، كما يترتب عن القانون الدولي والقرار رقم 242) هي التي حددت موقف إسرائيل بشأن مصدر الحكم الذاتي وكونه نظاماً شخصياً وإدارياً خالياً من أية سمة من سمات تقرير المصير.

إن إلياكيم روبنشتاين، الذي كان ضالعاً في بلورة مفهوم الحكم الذاتي قبل [مؤتمر] مدريد وبعده، يمثل هذا الخط بأمانة. ومن يتبنى "صيغة مدريد" لا يستطيع أن يتهمه بشيء، إلا إذا كان موجه الاتهام ينادي بمفهوم آخر، مختلف عن المواقف التي قدمت في واشنطن، والتي هي موجهة بأسرها لتطبيق مفاهيم الليكود.

وهنا، بالضبط، يبرز انعدام المنطق الداخلي في مقاربة حكومة رابين: فبناء على تصريحاتها، تنادي هذه الحكومة بجل وسط إقليمي، وترى في حكم إسرائيل لجزء من  المناطق [المحتلة] حكماً موقتاً، ستجري تصفيته في المراحل النهائية لعملية السلام. إن حكماً ذاتياً مستنداً إلى نظرة كهذه بشأن الوضع الدائم، ليس كحكم ذاتي مستند إلى طموح إلى تخليد السيطرة [الإسرائيلية] على المناطق. إن حكماً ذاتياً مشتقاً من حل وسط إقليمي هو بمثابة "كتاب تفويض"، وهو ليس إلا مرحلة تحضيرية لانفصال جيو – سياسي، ممراً لوضع نهائي سينشأ فيه نظامان منفصلان: إسرائيلي وفلسطيني. ومن هنا، فإن نظرة حكومة حزب العمل – ميرتس لا تتناقض مع النظرة الفلسطينية، وكان من المفترض أن ينحصر النقاش في موضوعات العلاقات المتبادلة، وفي مدى التشارك والتعارض ما بين النظامين – موضوعات صعبة، لكن قابلة للحل.

غير أن ما يجري فعلياً هو نقاش وفق جدول أعمال حددته نظرة الليكود. إن حكومة رابين لم توضح لنفسها مغزى حكم ذاتي في سياق حل وسط إقليمي، متذرعة بحجة شكلية فحواها أن الوضع الدائم ليس من شأن فترة الحكم الحالي. إنها هي التي امتنعت من تحديد نظرتها إلى الحل الدائم، وهي العاجزة عن اشتقاق نظرة منها للمرحلة الانتقالية. ولذلك فهي تلتصق بصيغة الليكود، وبذلك تقع في تناقض داخلي، وتقود المفاوضات في طريق مسدود، لأنه لا توجد هناك بين موقف الفلسطينيين ومشروع الحكم الذاتي اية نقطة التقاء. وبدلاً من تسمية متهمين والبحث عن أدلة تثبت ادعاء البراءة، ينبغي للحكومة أن تعمل بما يسنجم مع المنطق الداخلي المترتب عن مواقفها، وإلا سيتعزز الانطباع بأن حزب العمل والليكود هما الشيء ذاته.

انتخابات ليس بأي ثمن*

                                                                             زئيف شيف

هناك استفهامات جدية بشأن فكرة الانتخابات الحرة والديمقراطية في المناطق [المحتلة]، كخطوة نحو إنشاء حكم ذاتي للسكان الفلسطينيين. وتساور الشكوك جميع المشاركين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في عملية المفاوضات: الفلسطينيون – مع أن معظمهم يدعي وجوب إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن – والإسرائيليون، وأيضاً المصريون. وحتى الأميركيون، الذين تحمسوا في حينه للفكرة، يشكّون الآن في جدواها.

إن فكرة الانتخابات الحرة صحيحة في حد ذاتها. وإنه لأمر جيد أن يدخل السكان الفلسطينيون عملية واسعة لديمقراطية حقيقية. إن إرادة الشعب هي التي يجب أن تقرر مصير المفاوضات. وإذا كان الشعب يريد إنهاء النزاع، فستتاح له الفرصة كي يقول ذلك. وهذه هي أيضاً الوسيلة لتحييد المجموعات التي تستخدم الإرهاب لفرض نفسها. وهذه الفكرة مقبولة في الغرب وإسرائيل، ورأى الوسطاء الأميركيون فيها شرطاً لاستمرار المفاوضات.

وقد تنامى هذا الشعور عندما اتضح أن الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات  السلام يجد صعوبة في العمل، بسبب محظورات مختلفة من جانب م. ت. ف.، وبسبب الخوف من المتطرفين في الشارع الفلسطيني. فهذا الوفد الفلسطيني لم يُنتخب، وإنما عينته م. ت. ف. في تونس. أي أنه يستمد شرعيته من م. ت. ف.، لا من انتخابات حرة. وبسبب ذلك، يتعين عليه بصورة عامة أن يحصل على موافقة بشأن كل خطوة يخطوها. وهو خاضع لضغوط شديدة من النواحي كافة، ويخشى اتخاذ قرارات. ولو أنه كان منتخباً عن طريق انتخابات عامة وحرة، لكان يتمتع بشرعية أوسع، حتى من تلك التي يتمتع زعماء م. ت. ف. بها.

لكن الأمور أقل بساطة، حتى مما تبدو تجاه الخارج. إن فكرة الانتخابات صحيحة حقاً، لكنها تبدو في الأوضاع الحالية شبيهة بلعبة روليت روسية. ومن الممكن أن تكون نتائج الانتخابات مدمرة. وكان المصريون أول من حذر من إمكان كهذا، إذ قالوا إن المنطقة ليست ناضجة لانتخابات عامة، ومن المؤكد أن النتائج ستكون عكس ما تتوقعه الجهات المعتدلة والبراغماتية.

لقد اقترحت إسرائيل، في عهد الليكود، أن تُجرى أولاً انتخابات بلدية. وكان رابين أكثر حسماً في موقفه. ففي الوثيقة الرسمية التي قدمتها إسرائيل إلى الفلسطينيين، اقتُرح البدء في وقت مبكر بمناقشات في شأن الانتخابات العامة للمجلس الإداري، من أجل أن يكون ممكناً إجراؤها في نيسان/ أبريل أو أيار/ مايو 1993. وبدا رابين متحمساً أكثر من اللازم في نظر زعماء م. ت. ف. في تونس، ووقعوا تحت الضغط. ولا يوجد في أوساط الخبراء في إسرائيل موقف جازم بأن الانتخابات في المناطق يجب أن تُجرى في وقت مبكر. لكن الرأي هو أنه إذا كان الخيار بين مجلس إداري، يكون أعضاؤه جميعاً معيّنين من الخارج، وبين انتخابات، فمن الأفضل اختيار الإمكان الثاني.

إن الفلسطينيين يتحدثون، تجاه الخارج، بحماسة عن الانتخابات وعن ضرورة إجرائها في وقت مبكر. لكنهم في الأحاديث التي ليست للنشر، يبدون آراء أُخرى. هناك من يقول إن الانتخابات قد تتسبب بسفك دماء، وبتقويض أُطر. وليس من المؤكد أبداً أن أعضاء الوفد إلى المفاوضات مع إسرائيل سيُنتخبون بانتخابات حرة. هناك من يعتقد أنهم حتى لو لم ينتخبوا للمجلس الإداري، فسيعينهم المجلس في وفد المفاوضات. أما التقدير الشائع في أوساط خبراء مختلفين، إسرائيليين وغير إسرائيليين، فهو أنه في مثل هذه الانتخابات سيفوز قادة الانتفاضة، قادة من مخيمات اللاجئين ومن السجون – نشيطون ومتصلبون كان احتكاكهم بالإسرائيليين من خلال السجون وأعمال العنف. وستواجه إسرائيل مجموعة منتخبة أخرى، أكثر تطرفاً.

من الخطأ الاعتقاد أن حماس، ومنظمات الجبهة المعارضة للمفاوضات مع إسرائيل، ستبقى – لأسباب أيديولوجية أو تكتية – خارج عملية الانتخابات. فمن المعروف أن هذه الجماعات قد قررت المشاركة في الانتخابات. وهدفها من وراء ذلك أن تعرقل، بهذه الوسيلة، العملية السياسية. وإذا قام، على الرغم من ذلك، الحكم الذاتي، فالسيطرة عليه من الداخل. وتعي قيادة فتح هذا الخطر، لكنها تعرف أنها إذا أبقت حماس وأعضاء الجبهات خارج عملية الانتخابات والحكم الذاتي، فقد يحدث سفك دماء. ولن يعترف كثيرون بالانتخابات. لذلك تفضّل أن تشرك المتطرفين، فتكبحهم بذلك، لكن لا يستطيع أحد أن يضمن أنه، في نهاية الأمر، لن يسيطر المتطرفون على العملية ويجرّوا خلفهم من يعتبرون الآن براغماتيين. بكلمات أخرى: إن انتخابات عامة وحرة ستمنح فعلاً شرعية للمنتخبين الجدد، لكن من شبه المؤكد أنهم سيكونون أكثر تطرفاً. ففي هذه المرحلة سيرافق الشرعية الجماهيرية بالضرورة زيادة التطرف، ولن يختلف الأمر إذا اكتُسبت الشرعية بطرق ديمقراطية.

والسؤال هو: هل من الضروري إجراء انتخابات الآن مهما يكن الثمن؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي لكل طرف أن يقرر بينه وبين نفسه، ما هو الهدف من هذه الانتخابات. إذا كان الهدف تعيين مجلس إداري في أقرب وقت ممكن، وليس مهماً من يكون أعضاؤه. باعتبار أن الأساس هو التخلص من الحكم العسكري الإسرائيلي [من المناطق المحتلة] حتى لو تفجرت المفاوضات، فمن الأفضل رفض المسلك الديمقراطي. وإذا كان الهدف الاستمرار في المفاوضات، وإيجاد حلول سياسية تؤدي إلى إنهاء النزاع عن غير سبيل العنف، فمن الأفضل التخطيط لكل خطوة، بما في ذلك الانتخابات في المناطق، بحذر وبتعقل أكثر. انتخابات، نعم. لكن ليس على الفور، وليس قبل التأكد أولاً من أنها ستكون أداة لحل سياسي، لا مقامرة خطرة.

لا سلام الآن*

                                                                                         عوزي بنزيمان

يرتكب الرئيس حافظ الأسد، وموفدوه إلى واشنطن، خطأ فادحاً عندما يفتعلون أزمة مع إسرائيل، ويراهنون على الضغط الأميركي الذي سيمارس على رابين. إن البيت الأبيض هو، فعلاً، بوابة مهمة لدفع المفاوضات قدماً. لكن على الأسد، قبل أن يعبر هذه البوابة، أن يقنع الجمهور الإسرائيلي بجدية نياته بشأن تحقيق السلام. وحتى الآن، فإن نجاح الرئيس الأسد في هذا الشأن محدود، وهذا هو السبب في أنه في الوقت الراهن لا يلتف أحد على رابين من ناحية اليسار.

إن موقف رابين من سوريا مقبول من الحكومة بأسرها، وأيضاً من الجناح الأكثر حمائمية فيها. ولا توجد جهة سياسية ذات وزن تعترض على الأسلوب الحذر والموزون، الذي يختبر رابين به نيات السوريين ويرد على خطواتهم. ولا تُلمس أيضاً في أوساط الجمهور العريض تحفظات تجاه مواقفه. لا تُسمع نداءات السلام الآن مع دمشق. والاعتراض الوحيد جاء من ناحية اليمين؛ من ناحية أولئك الذين يخشون أن يكون رئيس الحكومة أبدى تساهلاً مبالغاً فيه تجاه الأسد.

إن صمت اليساريين ليس مصادفة. وهو يعكس الوضع الحقيقي للمفاوضات مع سوريا: حتى الآن لم يقدم الأسد ما يستثير حماسة معسكر الحمائم في إسرائيل. إن الرئيس السوري لا يتحدث بلغة الرئيس المرحوم أنور السادات: إنه لا يعد بسلام حقيقي وتطبيع كامل. إنه يتحدث بمصطلحات مختلفة: إيقاف حالة الحرب، وضع سلام ممكن فقط في المستقبل البعيد، الحل مع سوريا لا يمكن أن يكون منفصلاً عن حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، أيضاً السادات اجتاز مسافة منهكة في المفاوضات إلى أن وافق على توقيع معاهدة سلام كاملة. الأسد لا يزال في بداية الطريق.

لقد نشأن حركة "السلام الآن" عندما بدا أن مناحم بيغن قد يفوّت الفرصة التي أوجدها السادات. وفي اللحظة التي اصطدمت المفاوضات مع مصر من أجل السلام بصعوبات – لا بسبب مواقف القاهرة وإنما بسبب إحجام حكومة إسرائيل – اجتاح الدولة مزاج عام أوضح للحكومة: السلام الآن. أو بكلمات أخرى: السلام أفضل من شرم الشيخ. وقد كان توق الشعب إلى السلام في الحدود الجنوبية من القوة بحيث أدركت القيادة أنها لا تستطيع الوقوف في وجهه. وتراجع بيغن وموشيه دايان عن آرائهما السابقة، ووقّعا اتفاق كامب ديفيد، ومعاهدة السلام مع مصر، ودفعا الثمن الذي طلبه السادات كاملاً.

حالياً، يتلمّس الأسد طريقه نحو الأخدود الذي حرثه السادات، لكنه يمتنع من الخطو فيه. وفي ظل غياب استعداد سوري كامل لسلام حقيقي مع إسرائيل، لم ينشأ دافع إلى تشكُّل حركة شعبية بصيغة سلام الآن مع دمشق. وهكذا هي الحال أيضاً في الحكومة والائتلاف الحكومي. أمام بصر رابين أجنحة معسكر حمائمي لا يستطيع تجاهله، وعملياً لا يستطيع البقاء – بمعنى سياسي – من دونه.

ويعرف رابين، وهو المتروّي والحذر، ذلك. إنه يدرك أن من الممكن أن يقوم عليه ذات يوم عوزي برعام وحاييم رامون، أورا نمير ودافيد ليبائي، شولاميت ألوني ويائير تسبّان، وأيضاً شمعون بيرس الطيب الذكر، فيضغطوا للتوصل إلى حل مع الأسد. ونأمل بأن يدرك أن خطوة سياسية من هذا النوع ستشكل بؤرة لمزاج عام في أوساط الجمهور العريض، وأن أية حكومة إسرائيلية لا تستطيع الوقوف في وجه توق الشعب إلى سلام حقيقي. وسيتعين عليه أن يأخذ في الاعتبار مواقف المجموعة اليسارية في حكومته.

إنما رابين معفى حالياً من ذلك، لأن الأسد لم يقدم له سبباً للقفز في المياه الباردة [....].

أسلاك شائكة وصواريخ في الجولان*

                                                                                       زئيف ب. بيغن

              عندما يقول رئيس حكومة إسرائيل أنه لا يعتقد أن هناك إمكاناً لعقد سلام مع سوريا، من دون تنازل عن شبر من الجولان، فإن القارئ العاقل يفهم من ذلك أن السيد رابين يعتقد أنه في مقابل تسليم جزء من الجولان للسوريين، فإنهم بالتأكيد سيوافقون على عقد سلام معنا. لقد مضى أكثر من عشرين عاماً قبل أن يعترف السيد رابين بأنه هو وزملاؤه أخطأوا عندما ادعوا أن هناك "خياراً أردنياً" لحل وسط إقليمي. ويثير الفضول كم من الوقت سيمضي حتى يدرك أن سلاماً مع سوريا قائماً على حل وسط إقليمي في الجولان، هو واقعي حقاً مثل أمله اللذيذ بأن تغرق غزة في البحر.

              "أرضنا غير معروضة للبيع أو للإيجار" – قالت بكبرياء الأسبوع الماضي الناطقة بلسان الوفد السوري إلى المحادثات في واشنطن. ويجب أن نصدق كلامها، على بسطاته. عندما تقول "مستوطِنة" يهودية في المستوطنة" السياسية" بيت إيل، كلاماً من هذا النوع يسخر اليسار الإسرائيلي منها، لموقفها غير العقلاني. لكن عندما يصدر هذا الكلام عن السوريين، بشأن منطقة تشكل نصفاً في المئة من مساحة دولتهم، يتقبّله اليساريون كموقف محترم، وواقعي، بل عادل.

              هذا ليس موقفاً عادلاً، لكنه جدي، وخصوصاً عندما يكون حائزاً على تأييد دول العالم التي يقصد رؤساؤها، في حديثهم عن "مناطق في مقابل السلام"، جميع المناطق. ويجب أن يكون المرء شخصاً صاحب مذياع تالف في كمشتكا، أو من سكان قرية في بتغونيا لا يصل البريد إليها، كي يفترض أن الأسد – أو من سيحل محله – سيوافق على سيادة إسرائيل على شبر من أراضي الجولان.

              إن مشروع تقاسم السيادة في الجولان متهافت من ناحية منطقية، وخطر من ناحية أمنية. ويعترف أنصاره بأنه حتى بعد توقيع معاهدة سلام، فسيشكل طابع النظام السوري مع قوته العسكرية تهديداً دائماً لإسرائيل. ومن يطالب بأن تحتفظ  إسرائيل بجزء من هضبة الجولان أيضاً في زمن السلام، كمن يقول أنه يأخذ في الحسبان خطر هجوم سوري مفاجئ. وقد أعلن السيد رابين في الماضي، على الملأ، أن حرباً كهذه سترافقها منذ البداية هجمات بالصواريخ على المراكز العسكرية، وحتى على مراكز التجمعات السكانية في إسرائيل، من أجل عرقلة تعبئة جنود الاحتياط الحيوية من أجل الدفاع عنها. ومغزى ذلك أن الجيش سيكلف لعدة أيام الدفاع عن الجليل، بمساعدة قوات نظامية صغيرة في الجولان.

              إذا كانت هذه هي الفرضيات الأساسية، فيجب استخلاص نتائج منطقية منها. إن قدرة الجيش على الصمود عدة أيام، استناداً إلى قوة صغيرة، مشروطة بالسيطرة على خط الحدود الحالي في الجولان، الذي يمر في المكان المنطقي الوحيد الذي يمكن تخيله [....]، وبما أنه أيضاً، بحسب رأي أنصار "الحل الوسط الإقليمي"، يجب الاستعداد لـ [إمكان] هجوم سوري كبير حتى مع وجود سفير إسرائيلي مطمئن في دمشق، فمن الواضح أنهم يعتمدون في هذه المسألة الحيوية على أسلوب "أن الأمور ستستقيم في النهاية." إذ إنه بمثل هذا الأسلوب فقط يمكن للمرء أن يدعو إلى الافتراض أنه سيكون في الإمكان، في ظل موازين القوى المتوقعة، إدارة معركة دفاعية فعالة في رقعة من الأرض عرضها ستة أو سبعة كيلومترات فقط، في الجزء الغربي من هضبة  الجولان، الأسوأ من الناحية الطبوغرافية.

              "أين المشكلة؟" قد يقوم متقاعس ساذج من بيتح تكفا، متفائل ابداً، "إن شيئاً لن ينجم عن هذا الأمر [المفاوضات]، وسيصفق العالم لنا استحساناً!" رجاء ضعيف. فمن ناحية، تقدم تصريحات الحكومة الإسرائيلية شهادة حسن سلوك للسوريين. وهي، من ناحية أخرى، تسحب البساط، بكل ما تعنيه هذه العبارة، من تحت حجتنا الأمنية الجدية في التمسك بالجولان. لا يوجد في الجولان خط قابل للدفاع عنه، سوى الخط الحالي. وفي المرحلة المقبلة، سيقول لنا أصدقاؤنا، وبمنطق سليم: "لماذا تصرون على [التشبث بـ] رقعة بازلت ضيقة لا يمكن الدفاع عنها، وتحولوا دون السلام المنشود، بسبب رمز للسيادة لا معنى له، وقد أعلنتم بأنفسكم أن السوريين دعاة سلام؟" [....].

"بحسب رأي الإدارة في الولايات المتحدة، فإن رابين يخطو في الطريق الصحيح" – يقول معلقون في الولايات المتحدة. لكنهم يعترفون بأن المقياس الأميركي لمكان السيد رابين الصحيح هو خط الهدنة لسنة 1949. يقترب منه – هو في الطريق الصحيح؛ يصرّ على ممسك أمين في الجولان – يصير متعنتاً. كما أن الأميركيين قرأوا خواطر وزير الخارجية شمعون بيرس في "معاريف"، عقب حرب الخليج، حين كتب: "ليس من عادة الصواريخ أن تولي العمق الاستراتيجي أهمية زائدة. وعندما يُطلق صاروخ من العراق أو سوريا، فلن يتمهل في يهودا والسامرة أو في غزة كي يأخذ إذناً في الاستمرار في طريقه."

هذا الصاروخ وجّهه السيد بيرس، في ربيع سنة 1991، نحو المستوطنات اليهودية التي لا يحبها في السامرة، وفي يهودا، وفي قطاع غزة. وبعد عام يضرب، كما كان ممكناً التوقع، في هضبة الجولان. أيضاً في كيبوتس ميروم هغولان لن تطلب الصواريخ السورية إذناً؛ ولذا، ما لنا ولهذه المستوطنة؟

ويتضافر هذا الادعاء مع التدهور السريع في موقف السيد رابين من مستوطنات الجولان. قبل الانتخابات، كان جازماً في شعوره بأن كل هذه هي مستوطنات "أمنية" جديرة بالدعم. وقبل أسبوعين، شرح أنه من ناحية أهمية الجولان لا يوجد فارق إن كان فيها 32 مستوطنة أو 13 فقط (أمنية؟).

إن شروحات كهذه، عندما تقدم مجاناً للدبلوماسيين والصحافيين، وعندما تعلن وزيرة المعارف والثقافة أن الجولان قانونياً ملك لسوريا، فسيزداد في المستقبل الضغط للتخلي عن فكرة "الحل الوسط الإقليمي" الجوفاء، ولمواصلة التحرك في اتجاه الغرب. وعندئذ سيرفع وزراء الأغلبية اليسارية المتطرفة في الحكومة صوتهم ويطالبون، كما قالوا، بـ"قرارات حاسمة وصعبة ومؤلمة"، أي: التنازل عن الجولان. [....]. 

**  "يديعوت أحرونوت"، 4/9/1992. راجع أيضاً الحديث الصحافي لرابين مع مراسلي الصحافة الأجنبية، في باب الوثائق.

**   "يديعوت أحرونوت"، 18/9/1992.

**  "دافار"، 27/9/1992.

*   ندوة أدارها المعلق العسكري في صحيفة "هآرتس"، زئيف شيف، وشارك فيها كل من: أفيغدور بن – غال، يحمل رتبة لواء، وتقلب في عدة مناصب عسكرية رفيعة المستوى؛ حاييم بار – ليف، رئيس هيئة الأركان سابقاً، والسكرتير العام لجزب العمل سابقاً، وعضو كنيست حالياً؛ موشيه بار – كوخبا، يحمل رتبة لواء، وكان قائداً للمنطقة الجنوبية؛ عاموس غلبواع، عميد (احتياط)، ومستشار سابق لرئيس الحكومة في الشؤون العربية؛ دان ميريدور، شغل سابقاً منصب وزير العدل، وعضو كنيست عن الليكود حالياً. ("هآرتس"، 6/10/1992).

*   من محاضرة عن مفاوضات السلام ألقيت في كلية الأمن القومي، في 9/6/1992. أنظر: "سكيراه حودشيت"، العدد 5 – 6، حزيران/ يونيو – تموز/  يوليو 1992.

*   "هآرتس"، 6/9/1992.

*  "هآرتس"، 9/10/1992.

*  "هآرتس"، 20/9/1992.

*   "يديعوت أحرونوت"، 25/9/1992.

Author biography: 

يتسحاق رابين: رئيس الحكومة الإسرائيلية.

شمعون بيرس: وزير الخارجية الإسرائيلي.

 اللواء أوري ساغي: رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

إلياكيم روبنشتاين: سكرتير الحكومة ورئيس الوفد الإسرائيلي إلى المحادثات مع الوفد الأردني – الفلسطيني.

ميرون بنفنستي: رئيس بلدية القدس سابقاً، وباحث في شؤون الأراضي المحتلة.

 

Read more