النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني: إمكانات وعناصر حل
Keywords: 
النزاع العربي - الإسرائيلي
حل النزاعات
الأراضي الفلسطينية المحتلة
إسرائيل
الدولة الفلسطينية
سياسة الاستيطان
القدس
Full text: 

قدم رئيس الوزراء الإيرلندي السابق، غاريت فيتزجيرالد، تقريرًا موسَّعًا إلى اللجنة الثلاثية غير الحكومية، خلال اجتماعها الذي عقدته في واشنطن في نيسان / إبريل ١٩٩٠، يتضمن تقديرات تتعلَّق بإمكانات التقدم نحو تسوية النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.

ويحاول التقرير، الذي وضع في ضوء مناقشات أُجريت مع مجموعة واسعة من الأطراف  في الشرق الأوسط، تحديد عناصر الحل النهائي، ويقترح نشاطات تستطيع الدول الأعضاء في اللجنة الثلاثية أنْ تقوم بها للمساعدة في البحث عن تسوية.

وقد زار فيتزجيرالد، وهو عضو في البرلمان الأوروبي ورئيس سابق للمجلس الأوروبي، الشرق الأوسط (تونس ومصر وإسرائيل والضفة الغربية) خلال الشهر الماضي، واجتمع إلى كل من الرئيس ياسر عرفات، ورئيس الحكومة الإسرائيلية يتسحاق شمير. كما أجرى مناقشات مع أعضاء في اللجنة، وموظفين رسميين، وخبراء، وممثلين عن المنظمات اليهودية والعربية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان.

ألفت اللجنة سنة ١٩٧٣. وهي تضم نحو ٣٣٠ عضوًا من مواطني أوروبا الغربية وأميركا الشمالية واليابان البارزين، وهدفها المعلن تشجيع "التفاهم المتبادل والتعاون الأوثق بين هذه المناطق الثلاث تجاه المشكلات المشتركة."

رئيس اللجنة في أميركا الشمالية هو ديفيد روكفلر. أمَّا فيتزجيرالد فهو نائب الرئيس في أوروبا وعضو لجنتها التنفيذية التي تشمل، من جملة شخصيات أخرى،  هنري كيسنجر وزبغنيو بريجنسكي.

يتألَّف التقرير من أربعة أقسام. يتناول القسمان الأول والثاني تغيرات الوضع الدولي والأطراف الاقليمية ومجريات الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي عبر الولايات المتحدة ومصر. وفيما يلي ترجمة كاملة للقسمين الثالث والرابع من التقرير.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا التقرير منحاز انحيازًا كاملًا إلى إسرائيل وأمنها ومستقبلها، وتنشره "مجلة الدراسات الفلسطينية" لتضع بين يدي القارىء العربي المعني مختلف وجهات النظر الإسرائيلية والدولية، أيًّا كانت اتجاهاتها. وقد قدمت – في هذا السياق – في العدد الأول تقرير مؤسسة راند، وفي العدد الثاني تقريرًا عن آراء قادة اليهود الأميركيين في تطورات الصراع العربي – الإسرائيلي.

مجلة الدراسات الفلسطينية 

ثالثًا: حل بعيد الأجل

المشكلات التي قد تنشأ في البحث

عن حل دائم

 تتضمن المشكلات التي سوف تنشأ في البحث عن حل دائم للقضية الفلسطينية – الإسرائيلية ما يلي:

  • قلق إسرائيل على أمنها حيال دولة فلسطينية والدول العربية المجاورة.
  • رغبة بعض الإسرائيليين في توسيع دولتهم واستيطان فلسطين كلها.
  • الاهتمام الواسع لدى الإسرائيليين بأنْ تكون دولتهم دولة يهودية، ويكون لليهود في سائر أنحاء العالم الحق في الإقامة فيها.
  • قلق الدول العربية والفلسطينيين على أمنهم حيال إسرائيل.
  • رغبة بعض الفلسطينيين في إعادة خلق دولة تضم فلسطين كلها، وتمكين أولاء الذين كانوا يقيمون فيما هو الآن إسرائيل، أو أولاء الذين كان آباؤهم أو أجدادهم يعيشون هناك، من العودة إلى حيث كانوا يقيمون.
  • الاهتمام الواسع لدى الفلسطينيين بأنْ تكون لهم دولة فلسطينية تضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وبأنْ يتاح للفلسطينيين الذين غادروا ديارهم سنة ١٩٤٨ أو بعدها حق العودة والعيش في دولة كهذه.
  • رغبة الإسرائيليين والفلسطينيين معًا في أنْ تكون القدس عاصمة لكل من الدولتين، وأنْ تكون تحت سيادة هذه الدولة أو تلك، وموقف باقي الدول من وضع قانوني دولي للقدس، أو من نظام خاص بالنسبة إلى الأماكن المقدسة.

من الواضح أنَّ ٢ و٥ لا يتنافيان فحسب بل هما مرفوضان أصلًا من قبل الدولة الأخرى في الحالين كلتيهما وبالنسبة إلى المجتمع الدولي. ولا يمكن التوصُّل إلى أي حل سياسي ينطوي على أي من هذين العنصرين.

ومن الواضح أنَّ ٧ يطرح صعوبات كبرى، مع أنَّ العنصر الوحيد الذي ربما لم يكن من الممكن أنْ يتصور له حل هو مطالبة أي من الطرفين بالسيادة الحصرية. على أنَّ كلا الطرفين ملتزم وحدة القدس.

يبقى أنَّ ١ و٣ و ٤ و ٦ قابلة، من حيث المبدأ، لأن تحل بحسن النية من قبل الطرفين.

 مشكلات الأمن

(أ)  إسرائيل والدولة الفلسطينية:

ثمة على اليمين، في إسرائيل، كثيرون ممن يشعرون بأنَّ الأمن من العنف الذي يخشون اندلاعه من كيان سياسي فلسطيني في الأراضي المحتلَّة، يستلزم بقاء حضور عسكري إسرائيلي داخل تلك الأراضي في أية حال حتى تقتنع إسرائيل بعدم وجود خطر كهذا.

وثمة على اليسار، في إسرائيل، كثيرون ممن يعتقدون أنَّ خطرًا كهذا لن يصير فعليًا لأنَّ أكثرية الفلسطينيين الساحقة في كيان كهذا ستكون معنية بنجاحه واستمراره؛ وهذا ما لا يمكن تحقيقه – إذا ما أُخذ وضع الضفة الغربية المغلقة بريًا بعين الاعتبار – إلَّا بالتعاون مع إسرائيل. ومن شأن هذه الأكثرية أنْ تتخذ الإجراءات الضرورية لاحتواء أي عنف من هذا القبيل بدلًا من التعرُّض لخطر التدخل الإسرائيلي مثلما لا يزال يحدث في لبنان منذ أعوام عدة.

لمَّا كان ثمة ضرورة لتطمين الرأي العام الإسرائيلي من ناحية والمخاوف الفلسطينية من التدخل الإسرائيلي من ناحية أخرى، فمن الممكن اتخاذ بعض إجراءات الرقابة الدولية لمدة من الزمن تطول ما دام ذلك ضروريًا لتطمين الجهتين. على أنَّه يجب أنْ تُصمَّم هذه الإجراءات على نحو يضمن عدم تكرار الوضع المؤسف الذي ما زال يسود، منذ أعوام، منطقة الحدود ومناطق عمل قوات الطوارىء الدولية في الجنوب اللبناني.

إنَّ من شأن إجراءات كهذه، إذا ما شُفعت بتجريد الأراضي المحتلَّة ومرتفعات الجولان من السلاح (أنظر ب أدناه)، أنْ ترد على مخاوف كثيرين من الإسرائيليين من كون هذا الكيان دولة بدلًا من أنْ يكون منطقة ذات حكم ذاتي خاضعة للسيادة الإسرائيلية لفترة زمنية تحددها إسرائيل.

(ب)  إسرائيل والدول العربية:

إنَّ جزءًا من مخاوف إسرائيل من تعرضها لهجوم الدول العربية يمكن معالجته بتجريد الكيان الفلسطيني من السلاح، والتأكد من حياده. أمَّا مخاوف الفلسطينيين من إمكان التدخل العسكري الإسرائيلي فستتم معالجتها بضمانات دولية وبوجود قوات دولية تقوم بدور الشرطي في المنطقة.

وإنَّ من شأن المؤتمر الدولي أنْ يقوم بدور حيوي بالنسبة إلى هذه المشكلات، وكذلك بالنسبة إلى تأمين بنية تكفل الأمن المتبادل لإسرائيل والدولة الفلسطينية، كل منهما بالنسبة إلى الأخرى.

(١نزع السلاح: بيد أنَّ مشكلة إدراك التهديد المتبادل الذي تطرحه كل من إسرائيل والدول العربية في المنطقة، تستلزم تدابير أوسع مدى. ذلك بأنَّ من شأن كمية ودرجة التسليح التقليدي، ولا سيما من الجانب العربي، ووجود صواريخ قصيرة المدى ومتوسطة المدى وخطر الأسلحة الكيميائية – الذي يزداد واقعية نظرًا إلى أنَّ العراق قد استعملها في الحرب مع إيران وإلى إمكان استعمالها ضد إسرائيل في أوضاع معيَّنة –  فضلًا عن وجود قوة نووية إسرائيلية: إنَّ من شأن هذه العوامل كلها أنْ تؤخذ في الاعتبار عند تصميم أي نظام أمني يقصد منه رفع خطر الحرب عن المنطقة. وتستلزم هذه الاعتبارات بعض إجراءات نزع السلاح، ومنها إجراءات التحقق التي يمكن أنْ تستلهم من النموذج الذي بدأ يبرز إلى الوجود في أوروبا اليوم.

ربما رأى البعض في حجم وتنوع الأسلحة الموجودة لدى كل من الفريقين ضمانة ملائمة لمستوى الردع المتبادل. لكن، ليس من الواضح تمامًا أنَّ هذه هي الحال فعلًا. فمن شأن عوامل، مثل الفوارق في الدقة النسبية للصواريخ، والتساؤلات عن إمكان نشر الأسلحة الكيميائية بعيدًا عن ساحة المعركة، وعدم التكافؤ بين الفريقين بالنسبة إلى الأسلحة النووية، وإمكان ارتداد أثر هذه الأسلحة عندما تستعمل في منطقة ضيقة الرقعة، والشكوك – أخيرًا – في الفعالية النسبية للقدرة العسكرية لدى كل من الفريقين: من شأن هذه العوامل كلها أنْ تجعل قدرة الردع المتبادلة التي يتيحها هذا الخليط من الأسلحة أمرًا مشكوكًا فيه عند الطرفين كليهما. أضف إلى ذلك أنَّه لا يمكن الافتراض أنَّ أيًّا من الطرفين سوف يروز حتمًا، وعلى نحو عقلاني، عواقب استعمال هذه الأسلحة في حال نشوب نزاع مسلح.

في هذه الأوضاع، ربما لم يكن التطمين المطلوب ممكنًا إلَّا بتخفيض واسع النطاق للأسلحة إلى حد يوافق حاجات الطرفين الدفاعية، ولا يمكِّن أيًّا منهما من الهجوم. على أنَّ عملية كهذه ستحتاج حتمًا إلى إشراف دولي ومراقبة، وربما إلى ضمانات أيضًا.

وكما قد بيَّنا من قبل، فإنَّ مخاوف سوريا والعراق وإيران قد تجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق مبكر في شأن تخفيض سريع للتسلح من الجانب العربي، وذلك كجزء من عملية السلام الشاملة. غير أنَّه ليس من شأن هذا أنْ يقف بالضرورة عائقًا في طريق حل مسألة إقامة كيان فلسطيني مستقل. ففي انتظار اتفاق سلام مع الأردن (هذا إنْ لم يكن هذا الاتفاق جزءًا من اتفاق أعم يصاحب حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني)، فإنَّ من الممكن ضمان أمن إسرائيل خلال فترة انتقالية عن طريق تجريد الدولة الفلسطينية من السلاح، ومرابطة قوات إسرائيلية على التلال القليلة السكان المشرفة على غور الأردن. وليس من شأن ترتيب عسكري انتقالي كهذا، إذا ما نشأت الحاجة إليه نتيجة وجود فاصل زمني بين الاتفاق مع الفلسطينيين وبين عقد الصلح مع الدول العربية المجاورة، أنْ يعطل استقلال الدولة الفلسطينية – كما أنَّ استبقاء المملكة المتحدة لثلاث قواعد بحرية في الدولة الإيرلندية (وكانت إحداها في منطقة كورك الآهلة) لم يعطل استقلال الدولة الإيرلندية الجديدة في الفترة التي امتدت من سنة ١٩٢٢ حتَّى إزالة القواعد الثلاث بالاتِّفاق بين البلدين بعد ستة عشر عامًا.

(٢) الضمانات الدولية: ربما كانت هناك حاجة إلى الضمانات الدولية وإلى الرقابة الدولية أيضًا، ولا سيما في أثناء الفترة الانتقالية التي تلي الاتفاق على الصلح. وفي الوضع الدولي الناشىء اليوم، ربما كان من الممكن تصور اتفاق يلزم كل الدول المنتجة للأسلحة بعدم شحن بدائل من الأسلحة إلى أي طرف يقوم باعتداء على الآخر، أو يستعمل الأسلحة الكيميائية أو النووية.

 مشكلات الاستيطان

ثمة ضرب آخر من المشكلات التي قد تنشأ بالترابط مع أي اتفاق إسرائيلي – فلسطيني مقترح، والتي تتعلق بأشخاص يعيشون الآن في الخارج ويودون الإقامة في إحدى الدولتين: الإسرائيلية أو الفلسطينية.

(أ) هجرة اليهود:

لم تزل إسرائيل تصرُّ على كونها ملاذًا لليهود الراغبين في الاستيطان فيها، وللاجئين اليهود الذين لا يتمكنون من ضمان دخول البلد الذي يفضلونه أولًا.

ومن المرجح أنْ يكون آخر استيطان يهودي كبير من هذا النوع هو هذا الذي يجري سنة ١٩٩٠، والذي بدأ فيه اليهود السوفيات يصلون بأعداد كبيرة إلى إسرائيل، مع تفضيل معظمهم الهجرة إلى الولايات المتحدة – يتوقع وصول ٥٠,٠٠٠ تقريبًا في النصف الأول من السنة، و١٨٠,٠٠٠ في النصف الثاني – وربما يليهم نحو ٥٠٠,٠٠٠ في مرحلة لاحقة.

إنَّ هذه الهجرة تعتبر مصدرًا مهمًا من مصادر القلق لدى الفلسطينيين والدول العربية المجاورة.

فعلى صعيد معين يرى الفلسطينيون في ذلك التلاشي شبه الأكيد لأي أمل كان يراودهم بأنْ تؤدي العوامل السكانية إلى ظهور أغلبية عربية في أرض فلسطين.

وعلى صعيد أكثر جدية، نجدهم والمجتمع الدولي يتخوفون من أنْ تؤدي هذه الهجرة الجديدة إلى تسارع الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلَّة، إمَّا بإسكان المهاجرين اليهود السوفيات فيها مباشرة – يبدو أنَّ نحو ١٠٪ من أوائل الواصلين قد تم إسكانهم في القدس الشرقية – وإمَّا من جرَّاء زيادة الضغط على السكن في إسرائيل بحيث يزداد حجم تحرك السكان المقيمين فيها أصلًا في اتجاه الأراضي المحتلَّة.

أمَّا بالنسبة إلى المشكلة الكبرى، وهي مشكلة المستعمرات اليهودية في الأراضي المحتلَّة، فإنَّ الفلسطينيين يرفضون طبعًا الفكرة القائلة إنَّ الـ٥٥٪ من أراضي الضفة الغربية التي صادرتها إسرائيل لإقامة المستعمرات، يجب أنْ تظل ملكًا لإسرائيل من أجل هذه الغاية. إلَّا أنَّهم لا يستبعدون إقامة المستوطنين اليهود كمواطنين فلسطينيين في الدولة الفلسطينية. أضف إلى ذلك أنَّه ربما كان من الممكن التوصل إلى اتفاق لإعادة تجميع المستوطنين المبعثرين في أنحاء الضفة الغربية وإسكانهم في مستعمرات قريبة من الخط الأخضر، مع بعض التعديلات التي سيتم إدخالها على هذا الخط كجزء من الاتفاق على تصحيح الحدود.

(ب) "حق عودة" الفلسطينيين:

يعبِّر الإسرائيليون عن خشيتهم إمكان عودة الفلسطينيين الذين غادروا في إبَّان الصراع الذي صاحب إقامة إسرائيل أو بعد ذلك، وعودة أولادهم أو أحفادهم.

أمَّا السبب في رفض الإسرائيليين "حق عودة" هؤلاء الفلسطينيين، فيرجع إلى أنَّ "حق العودة" لم يزل، بالنسبة إلى الكثيرين من هؤلاء المعنيين ممن غادروا أماكن هي الآن داخل الدولة الإسرائيلية، يعني حقهم في العودة إلى مواضعهم الأصلية، وربما مطلبًا باستعادة ممتلكاتهم السابقة هناك.

أمَّا إذا كان "حق العودة" يعبر عن المطالبة بالإِذن في المجيء إلى الدولة الفلسطينية التي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة والإقامة فيها، مع جواز المطالبة بالتعويض مما كانوا يمتلكونه فيما غدا اليوم إسرائيل، فمن الممكن عندئذ إزالة مصدر القلق الإسرائيلي هذا. والحقيقة أنَّ هذا، فيما يظهر، هو ما يعنيه الكثيرون من فلسطينيي الشتات، ومنهم منظمة التحرير، عندما يتكلمون عن حق العودة.

غير أنَّ بعض الإسرائيليين يعارض "حق عودة" الفلسطينيين على أسس أعم من هذه.

فهم يعترضون، أصلًا، على أية زيادة في عدد الفلسطينيين في أرض فلسطين: وهذه طبعًا صورة مصغرة لاعتراضات الفلسطينيين على هجرة اليهود إلى إسرائيل نفسها. إلَّا أنَّ هذا الاعتراض مما يصعب الدفاع عنه جدًّا. ففي وسع الفلسطينيين أنْ يردوا عليه سائلين: لمَ كان لليهود الحق في العودة إلى جزء من الأرض التي غادروها منذ نحو ألفي عام ولا يكون للفلسطينيين حق مماثل، على الأقل، في العودة إلى جزء من الأرض التي غادروها منذ ما يقل عن نصف قرن من الزمان.

(ج) قدرة فلسطين على استيعاب المهاجرين اليهود واللاجئين الفلسطينيين العائدين من الشتات:

لكن ثمة سؤال قد يطرح على الفريقين: هل تستطيع أرض فلسطين أنْ تتحمل زيادة عظمى في السكان من هذين المصدرين؟

إنَّ سعة ما قد استصلح من الأراضي المجدبة خلال الأعوام الأربعين الماضية، وارتفاع مستوى المعيشة في إسرائيل في هذه المدة نفسها، يميلان إلى إظهار بعض المسوغات للإجابة عن هذا السؤال بنعم – لكنْ شرط التغلُّب على مشكلة طاغية، وهي المياه.

المياه: إنَّ كمية المياه في إسرائيل نفسها محدودة. وقد أدَّى سحب إسرائيل المياه من منطقة غزة إلى شكاوى واسعة من قبل الفلسطينيين بسبب الأضرار التي لحقت بإنتاجية أرضهم بعد استنزاف المياه لأغراض الريّ.

إنَّ الحاجة واضحة إلى سلطة محايدة تدير شؤون المياه داخل أرض فلسطين، علمًا بأنَّ كميتها قد تكفي – إذا ما أُحسن استعمالها – تلبية مطاليب زيادة السكان. وثمة إمكان آخر، قد يكون جزءًا من معاهدة سلام شاملة في المنطقة، يكمن في جر كمية من مياه نهر الليطاني في الجنوب اللبناني لتستعملها إسرائيل والدولة الفلسطينية على أساس عقد تجاري. ومن شأن عائدات مشروع كهذا أنْ تعين لبنان على مهمات إعادة الإعمار إذا ما قُيِّض لمشكلات هذا البلد المروعة – والمستبعدة من نطاق هذا التقرير – أنْ تتحرك نحو الحل في إطار تسوية النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.

أمَّا الإمكان البعيد الأجل الثاني، فقد يتمثَّل في فتح جديد في تقنيات تحلية المياه، وهذا مما يمكن حدوثه في المستقبل المنظور.

(د) حقوق اليهود في الدولة الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين في إسرائيل:

لا بد من أنْ ينطوي أي حل لمشكلة الاستيطان على فقرات تنص على حقوق الفلسطينيين في إسرائيل وحقوق اليهود في دولة فلسطينية. فمن الممكن لكل من أفراد الجماعتين أنْ يكونوا مواطنين في الدولة التي يجدون أنفسهم فيها جغرافيًا، مع نصوص ملائمة لحماية حقوقهم كأقليات في كل من الدولتين.

إنَّ العرب في إسرائيل اليوم مواطنون في هذه الدولة، لهم حقوق انتخابية متساوية. والموقف الفلسطيني بالنسبة إلى المستعمرات اليهودية هو أنَّ في إمكان اليهود المقيمين في هذه المستعمرات أنْ يمكثوا في الدولة الفلسطينية إذا ما رغبوا في ذلك، على أنْ يمنحوا حقوق المواطنية في هذه الدولة.

ومن الممكن طبعًا أنْ يتخيل المرء حالًا يخيَّر فيها العرب في إسرائيل واليهود في الدولة الفلسطينية بين حق المواطنية في الدولة التي لا يقيمون فيها، مع ما يرافق ذلك من حقوق انتخابية. لكن هذا يبدو أقل حظًّا في القبول لدى الطرفين كليهما. وهذه القضية يمكن أنْ تحل، في أيَّة حال، في سياق مفاوضات السلام.

 الحدود

تود إسرائيل إدخال بعض التعديلات المؤاتية لها في شكل الحدود بينها وبين الأراضي المحتلَّة، وذلك لأسباب أمنية، ولتدخل ضمن حدودها بعض المستعمرات القائمة في الأراضي المحتلَّة والقريبة من الخط الأخضر.

وقد تمَّت الإشارة أيضًا إلى الحاجة إلى تعديل الحدود من أجل حماية مآخذ إسرائيل من المياه الجوفية. لكنَّ هذه المسألة تبدو أحرى بأنْ تعالج في إطار لجنة مشتركة أو دولية للإشراف على توزيع المياه.

فالفلسطينيون يعترضون على أي تقليص إضافي في المساحة المتاحة لإقامة دولة فلسطينية.

وإنَّ حل هذه المسألة سيكون صعبًا، لكنْ ربما ليس مستحيلًا.

 القدس

واضح أنَّ ليس ثمة من حل سهل لمشكلة القدس.

ومهما تكن الانقسامات القائمة بين الإسرائيليين في شأن مستقبل الضفة الغربية والقطاع، فثمة ما يقارب الإجماع بينهم في شأن مسألة بقاء القدس عاصمة لإسرائيل وبقائها تحت السيادة الإسرائيلية.

ويبدو أنَّ ثمة توافقًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين في شأن وحدة القدس. أمَّا فيما يتعلَّق بمسألة السيادة فهما على طرفي نقيض.

يثير مفهوم "السيادة" قضايا صعبة للغاية في أي خلاف كذلك الواقع بين إسرائيل والفلسطينيين، لا بالنسبة إلى القدس فحسب بل أيضًا بالنسبة إلى وضع الكيان الفلسطيني – كما هي الحال بين الفلسطينيين واليمين الإسرائيلي.

إنَّ مسألة السيادة – المستمدة تاريخيًا من حقب أنظمة الحكم المطلق في أوروبا ما بعد الإقطاع – قد باتت يكتنفها المزيد من الغبشة داخل المجموعة الأوروبية، وذلك مع انتقال السلطة العليا صاحبة القرار، في مجالات سياسية تتسع يومًا بعد يوم، من المستوى القومي إلى المستوى الجماعي.

وليست هذه الظاهرة ذات علاقة مباشرة بالقضية الإسرائيلية – الفلسطينية، لكنَّها توحي بأنَّ تصور السيادة – باعتبارها تنطوي على الحق المطلق الذي يمارس كيان سياسي معيَّن في التحكم في كل وجه من أوجه شؤونه – ربما لم تكن له تلك الأهمية الشاملة التي قد يبدو أنَّ مجرى التاريخ الأوروبي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين ينسبها إليه. فإذا ما قوربت مسألة القدس على هذا النحو، ربما بدا التعارض الظاهر المطلق بين النظرتين أقل شدة في المستقبل ممَّا قد يبدو أوَّل وهلة.

وربما بدا مع مرور الزمن أنَّ المسائل الحقيقية إنَّما تدور حول الدور الملائم الذي قد تقوم به إسرائيل والدولة الفلسطينية بالنسبة إلى القدس في المستقبل، وحول الوظائف التي قد تقوم القدس بها بالنسبة إلى هاتين الدولتين.

وهذه أمور يمكن معالجتها إذا ما شارفت المسائل المعقدة الأخرى على الحل.

 الكونفدرالية

إنَّ "الخيار الأردني" وإنْ لم يعد واردًا، مع ما ينجر عن ذلك من اضطرار إسرائيل إلى النظر في المفاوضات مع الفلسطينيين لا مع الأردن، فمن الممكن للدولة الفلسطينية أنْ ترتبط بالأردن من خلال كونفدرالية ينضم الطرفان إليها طوعًا.

إنَّ كونفدرالية كهذه لنتيجة مفضَّلة عند الكثيرين من الإسرائيليين – وربما عدَّها البعض ضرورية.

والقبول الفلسطيني بهذه الفكرة، في إعلان الجزائر سنة ١٩٨٣، لم يُسحب طبعًا، بل ما زال هناك قائمًا، لكن على أساس اتفاق تلتزمه الدولة الفلسطينية والأردن طوعًا. ومن الممكن توقع اتفاق كهذا في مرحلة لاحقة من المفاوضات.

ويجب ألَّا يسمح لمشكلة "البيضة والدجاجة" بأنْ تقف عثرة في طريق اتفاق ينهي النزاع.

وقد اقتُرحت أيضًا كونفدرالية تضم إسرائيل. والحق أنَّ بعض الإسرائيليين – من أمثال زئيف شيف في مقالته المهمة بعنوان "الأمن في مقابل السلام" الصادرة عنWashington Institute Policy – يقترح أنْ تكون الكونفدرالية شرطًا مسبقًا للاتفاق مع الفلسطينيين.

إنَّ موقف منظمة التحرير الفلسطينية، كما عبَّر عرفات عنه، يرفض هذا الاقتراح ويبدي استعداده للنظر في دولة علمانية موحَّدة في أرض فلسطين. ولمَّا كان هذا يتنافى والدولة اليهودية فهو لن يكون مقبولًا عند إسرائيل.

على أنَّ العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الكونفدرالية الفلسطينية – الأردنية وإسرائيل، وما تنطوي عليه من سوق مشتركة أو بنية على غرار البنيلوكس، لهي من الأمور المقبولة عند منظمة التحرير والفلسطينيين، وعند كثيرين من الإسرائيليين المستعدين للنظر في إمكان نشوء دولة فلسطينية أو دولة فلسطينية – أردنية كهذه. وربما كان إمكان تطوير هذه إلى نوع من كونفدرالية ثلاثية واردًا في نهاية المطاف.

ومن المتوقع أنْ تكون ثمار التعاون بين إسرائيل ودولة فلسطينية عظيمة الفائدة، ولا سيما إذا ما أُخذت في الاعتبار القدرات الفائقة التي يتمتع بها هذان الشعبان – الأفضل ثقافة بين شعوب الشرق الأوسط كله.

إنَّ المكاسب التي ستجنيها إسرائيل من حرية الدخول إلى عمقها الطبيعي لا يمكن الاستهانة بها، كما أنَّ الدولة الفلسطينية ستحتاج إلى مرفأ في إسرائيل.

 جملة القول

تمثل الأفكار التي عرضت أعلاه، والتي ليست جديدة طبعًا، محاولة لتحديد القاعدة التي تصلح لحل ممكن للخلاف الإسرائيلي – الفلسطيني، وذلك مع الأخذ في الاعتبار مصالح طرفي النزاع المتضاربة.

إنَّ أي حل، سواء أكان على هذه الأسس أم على غيرها، ما زال بعيدًا جدًّا بصورة يقينية. لكن لمًّا كانت قد ظهرت أول مرة، في القسم الأخير من سنة ١٩٨٩ وأوائل سنة ١٩٩٠، بوادر آفاق حقيقية لقيام حوار فعلي بين إسرائيل وممثلي الفلسطينيين، فإنَّ في ذلك ما يسوِّغ هذه المحاولة لاقتراح بعض السبل التي قد تؤدي، في نهاية المطاف، إلى حلحلة بعض عناصر المشكلة.

وتبقى مسألة ما يستطيع أنْ يفعله المجتمع الدولي في هذه الأثناء لتشجيع هذه العملية.

 رابعًا: دور المجتمع الدولي

أمَّا المهمة الفورية المتعلقة بتأمين إطلاق الحوار بين الفريقين، فيقوم بها بمهارة كل من الولايات المتحدة ومصر اللتين تنسقان عملهما تنسيقًا وثيقًا. فإذا ما عُدَّ هذا الأمر مفروغًا منه، فإنَّ مجالات أخرى قد تفيد من مبادرات تقوم بها أوروبا والولايات المتحدة واليابان. كما أنَّ للمجموعة الأوروبية مصلحة خاصة في أنْ تقوم من تقوم من خلالها بدور بنَّاء.

نزع السلاح ومنع انتشار الأسلحة

في وسع أوروبا والولايات المتحدة واليابان أنْ تعضد عملية السلام، فضلًا عن المساعدة في تخفيض المخاطر على مصالحها الخاصة من جرَّاء تجدد الصراع بين الدول في الشرق الأوسط، وذلك من خلال ملاحقة قضايا منع انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والذرية والتقليدية، والعمل على الحد من مبيعات الأسلحة إلى المنطقة.

إنَّ مدى ما تشكله مبيعات الأسلحة والتكنولوجيا في الماضي، الشرعي منها وغير الشرعي، من مخاطر يومية على السلام في المنطقة، لأمر لا يمكن المبالغة في وصفه.

والدول المنتجة للأسلحة في العالم الصناعي، فضلًا عن الاتحاد السوفياتي والبعض من الدول التي كانت تدور في فلكه، ومثلها الصين، تتحمل جميعها المسؤولية عن ذلك.

كما أنَّ تطوير الأسلحة النووية والكيميائية في المنطقة لم يكن من الممكن أصلًا لولا ما أُتيح له من مواد وتكنولوجيا غربية. وثمَّة تقصير فاحش في مواجهة المخاطر المنجرَّة عن هذه التسريبات إلى إسرائيل والدول العربية، كالعراق.

وسيكون من الصعب تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، من دون مبادرة دولية تهدف إلى الحؤول دون هذه المخاطر – مبادرة قد تكون اليوم أقرب إلى التحقيق بفضل التفاهم بين الشرق والغرب من جرَّاء التحسن الكبير في مناخ العلاقات الدولية.

ونظرًا إلى قدرة الصين على ضرب الاستقرار ببيع المزيد من صواريخها إلى بعض دول المنطقة، فإنَّه لا بد من تعاون هذا البلد من أجل تحقيق تقدم حقيقي في المنطقة. وربما كان من الجدير بالذكر، في هذا السياق، أنَّ الأمم المتحدة قد اعتمدت قرارًا، منذ بضعة أعوام، من أجل إقامة منطقة مجرَّدة من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وذلك من دون تصويت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، ومن دون أنْ تصوب إسرائيل ضده.

ولذلك، فلا بد من العمل السريع الآن لاتِّخاذ إجراءات مترابطة لنزع الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ومراقبتها، والتحقق من ذلك في الشرق الأوسط.

 خطوات نحو السلام بين سوريا وإسرائيل

إنَّ إمكان التقدم نحو حل سلمي للتوتر السوري – الإسرائيلي قد بات من المفيد سبره، ولا سيما بعد توفر الدلائل على التغير في الموقف السوري، مثل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين سوريا ومصر، والرسالة التي جاء بها الرئيس كارتر إلى إسرائيل من الرئيس الأسد. إنَّ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كليهما في موقع جيد جدًا للمضي قدمًا في سبر هذا الإمكان.

 مسائل حقوق الإنسان

ثمة قضايا فورية ملحة تثير قلق المجتمع الدولي، وهي قضايا حقوق الإنسان في الأراضي المحتلَّة.

(أ) ردود الجيش الإسرائيلي على الانتفاضة:

إنَّ ردود الجيش الإسرائيلي على نشاط رمي الحجارة والزجاجات، المميز للانتفاضة، لم تؤدِّ إلى جرح نحو ٧٥,٠٠٠ فلسطيني فحسب، بل أدَّت أيضًا إلى وفاة عدة مئات منهم: ٦٠٠ قتلوا بالذخيرة الحية، ربعهم تقريبًا من الأولاد والفتيان تحت السابعة عشرة من العمر. ويُعَدُّ هذا الرد، وفق معايير مكافحة الشغب في دول أوروبا، مبالغًا فيه وغير ملائم أبدًا. وقد انتقدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على نحو غير معتاد، "الانتهاكات الخطرة والمتكررة" لحقوق الإنسان، ولا سيما "تزايد وتيرة استعمال الأسلحة النارية وأعمال العنف الجسدي ضد المدنيين العزَّل." يضاف إلى ذلك أنَّه على الرغم من مرور عامين ونصف العام على بداية الانتفاضة، فثمة دلائل قليلة جدًّا – فيما يبدو – على أي تحسُّن في الوسائل المتبعة مع مرور الزمن؛ كما أنَّه لم تجر، فيما يبدو، أيَّة محاولة لاستعمال وسائل مكافحة الشغب المستعملة في دول أخرى.

وقد روى بعض المراقبين المستقلين أنَّ الوضع قد ازداد، فيما يظهر، تفاقمًا من جرَّاء ما يبدو أنَّه مواطن ضعف في الإجراءات التأديبية بحق أفراد الجيش الإسرائيلي قياسًا بما هو معمول به في بعض الجيوش الأخرى. ومن الصحيح، طبعًا، أنَّ هذه الإجراءات وإنْ وُجدت في بعض الأماكن الأخرى، فهي غالبًا ما توصف بأنَّها غير مرضية من قبل المعنيين بحقوق الإنسان. وكثيرًا ما يقف القلق على معنويات القوى المسلحة عثرة في وجه فعالية إجراءات كهذه، ويؤدي غالبًا إلى تبرئة ساحة تلك القوى حتَّى لو قامت البيِّنة الدامغة على شططها في ردات فعلها. ومع ذلك، فإنَّ استعمال هذه الإجراءات على نحو مطَّرد يؤدِّي غالبًا إلى ضبط النفس. فمن ذلك، مثلًا، أنَّه مع ما وُجِّه من انتقادات عديدة إلى الطريقة التي عالجت قوات الأمن بها أحوال الشغب في إيرلندا الشمالية، فإنَّ الوفيات نتيجة استعمال الذخيرة الحية في أوضاع كهذه كانت نادرة جدًا.

وثمة قضية أخرى يمكن للمجتمع الدولي أنْ يلاحقها على نحو مفيد، وهي الآثار المؤذية التي ينسبها الفلسطينيون إلى ما يدَّعون أنَّه غاز CZ المستعمل لمكافحة الشغب.

ثمة أسباب قوية تدعو إلى المزيد من تضافر جهود أوروبا والولايات المتحدة واليابان، دعمًا لاستعمال أساليب أقل فتكًا في مكافحة الاضطرابات في الأراضي المحتلَّة، وكذلك لممارسة ضبط النفس في أمور كنسف المنازل التي يُزْعَم أنَّها قد استعملت للهجوم على الجنود.

ويجدر بالذكر هنا أنَّ المجموعة الأوروبية ودول أخرى عدة، فضلًا عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ترى أنَّ إسرائيل ملزمة قانونًا باتفاقية جنيف الرابعة فيما يتعلق بالأراضي المحتلَّة، ولا تقبل بموقف إسرائيل السلبي من هذه القضية القانونية المهمة.

(ب) إغلاق المدراس والجامعات:

ويمكن أنْ يمارس المزيد من الضغوط من أجل حمل السلطات الإسرائيلية على إعادة فتح المدارس والجامعات. ذلك بأنَّ نفرًا من المراقبين المحايدين يرى أنَّ مدى عمليات الإغلاق هذه ومدتها ووتيرتها مما يصعب تسويغه على أسس أمنية، ويعدونها شكلًا من أشكال العقوبات الجماعية لا تعود بأي نفع بل بالضرر، إلَّا في الأجل القريب جدًا. إنَّ تأثير الحرمان من التعليم في السكان الفلسطينيين ستنجرُّ عنه عواقب في استقرار المنطقة مستقبلًا، عواقب قد تكون ضارَّة بمصالح إسرائيل البعيدة الأجل.

ولقد تبين أنَّ ضغط المجموعة الأوروبية كان شديد الفعالية في التوصل إلى إلغاء العقبات من وجه تصدير المنتوجات الفلسطينية، التي باتت تتزايد اليوم بسرعة. وثمة فرصة لممارسة ضغط مماثل من أجل إعادة فتح الجامعات عبر آلية اقترحها البرلمان الأوروبي في قراره الصادر في ١٨ كانون الثاني / يناير ١٩٩٠، والمنطوي على تجميد بند التعاون مع إسرائيل في الميزانية. وقد عارض بعض الدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة استعمال هذا النوع من الضغط. لكن إذا لم يتم إقرار فتح الجامعات في حزيران / يونيو ١٩٩٠، أي عندما سيعاد النظر في القضية من جديد، فإنَّ على المجموعة الأوروبية أنْ تنظر في إمكان عمل من هذا النوع.

 المساعدات

إنَّ استعداد المجتمع الدولي – على الرغم من الأعباء الجديدة المترتبة على موارده – لأن يساعد ماليًا في تطبيق حل سلمي قد يكون عاملًا مهمًا في تحقيق الحل وصونه.

لقد وضع سقف لميزانية الأونروا من شأنه، إذا ما أخذ النمو السكاني في مخيمات اللاجئين في الأراضي المحتلَّة بعين الاعتبار، أنْ يخفض حجم المساعدة لكل فرد. ويبدو أنَّ هذا ناجم، جزئيًا، عن عدم رغبة بعض الدول في توسيع موارده الجوية في وجه الحاجات المستجدة في أوروبا الشرقية، وما يترتب على ذلك من تحويل الموارد بعيدًا عن قضية إسرائيل / فلسطين.

إنَّ في هذا لنزعة مقلقة نظرًا إلى أنَّ التقدم نحو حل للنزاع سوف يستلزم، فيما سيستلزم، على المدى المتوسط ضرورة زيادة المساعدات لإعادة إسكان اللاجئين المقيمين الآن داخل الأراضي المحتلَّة وخارجها، والمساعدة في التنمية الاقتصادية التي ستعقب ذلك. يجب أنْ تتوفر لدى المجتمع الدولي رغبة واضحة في مواجهة هذه المشكلة من أجل ضمان تطور سلمي لدولة فلسطينية محتملة.

تليين إجراءات الهجرة إلى الولايات المتحدة

إنَّ التوتر المتصاعد، الناشىء حاليًا عن السرعة في تزايد هجرة اليهود السوفيات وتوطين جزء منهم في القدس الشرقية وفي أنحاء أخرى من الضفة الغربية، ليشكل عاملًا سلبيًا في الوضع القائم. ومن شأنه أنْ يجعل التقدم نحو السلام أمرًا عسيرًا، ويزيد في مخاطر انهيار المحادثات عندما يبدأ الحوار.

وقد ازدادت هذه المشكلة تفاقمًا بعد أنْ اتخذت الولايات المتحدة قرارًا بتحديد عدد هؤلاء اللاجئين الراغبين في دخول الولايات المتحدة. والظاهر أنَّ ٩٠٪ من هؤلاء يفضِّلون الولايات المتحدة على إسرائيل وجهةً لسفرهم، إلَّا أنَّهم يضطرون من جرَّاء هذا التحديد إلى التوجه نحو إسرائيل كخيار ثان – وهم يتعرَّضون فيها للضغط من أجل المكوث فيها فيما بعد، وذلك لأنَّ إسرائيل تفرض عليهم أنْ يردُّوا إليها نفقات السفر وما إليها. إذا ما أُتيحت لهؤلاء المهاجرين فرصة الانتقال من إسرائيل إلى بلد آخر يختارونه، كالولايات المتحدة مثلًا.

إنَّ من شأن قرار تتخذه الولايات المتحدة، لأسباب إنسانية، بتخفيض أو إلغاء القيود على دخول اليهود السوفيات الولايات المتحدة، أنْ يخفض كثيرًا التوتر القائم في الأراضي المحتلَّة ولدى الدول العربية المجاورة، والناشىء عن حصر خيارات المهاجرين اليهود السوفيات في خيار أوحد، هو إسرائيل. وفي وسع الدول الأوروبية أيضًا أنْ تقدم المساعدة عن طريق تخفيف القيود على هجرة اليهود السوفيات.

جملة القول

إنَّ التقدم في مجال الحد من الأسلحة ونزع السلاح في المنطقة، وبين سوريا وإسرائيل، سيسهل موافقة إسرائيل على تسوية سلمية تنطوي على دولة فلسطينية. ولا مجال للشك في حقيقة قلق إسرائيل حيال مستوى ومدى الأسلحة التي أصبحت في حيازة جيرانها العرب، ولا في ارتيابها من حكمة السماح بنشوء دولة فلسطينية في ظل انعدام أية تسوية سلمية مع الدول العربية المجاورة، كسوريا.

كذلك، فإنَّ من شأن العمل على قضايا حقوق الإنسان، والمساعدات، وتليين إجراءات الهجرة إلى الولايات المتحدة، أنْ تخفف التوتر في الأراضي المحتلَّة، وأنْ تخلق جوًّا أكثر استرخاء من أجل قيام مفاوضات فلسطينية بناءة مع إسرائيل.

المصدرMideast Mirror, April 27, 1990, pp. 2-17.

Read more