الروس قادمون
Keywords: 
هجرة اليهود السوفيات
العوامل الديمغرافية
سياسة الاستيطان
القدس
الضفة الغربية
Full text: 

إنَّ سمعة إسرائيل الدولية التي أخذت تنهار بالتدريج منذ حرب إسرائيل على لبنان سنة ١٩٨٢، وتسارع هذا الانهيار مع الانتفاضة، كانت في الحضيض الدائم في أيلول / سبتمبر ١٩٨٩. فما مرّ شهر إلَّا وظهرت فيه على شاشات التلفزة الغربية صور مطوَّلة لبعض جنود إسرائيل أو مستوطنيها يطلقون النار على الصبية الفلسطينيين. كما أظهرت التقارير الصحافية عن التطورات السياسية الإسرائيلية حكومة مشاكسة غير راغبة في الاستجابة بنزاهة لأية خطة سلام في الشرق الأوسط. أما استطلاعات الرأي في "النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط"، فقد أظهرت أنَّ أغلبية الجمهور الإسرائيلي كانت تميل إلى طرد السكان العرب. فمن كان يحتاج إلى وطن كريه كهذا؟

جاء الرد على هذا السؤال، في تلك الآونة، عن طريق سلسلة من الحوادث التي كانت تتخطَّى بوضوح تام سيطرة إسرائيل: فقد رفع الاتحاد السوفياتي فجأة قيوده عن الهجرة متيحًا لمعظم مواطنيه اليهود المغادرة، وذلك في الوقت الذي ألغت الولايات المتحدة، التي لم تزل وجهة اليهود المفضلة، سياسة الدخول الحر إلى أراضيها. كما أدَّى تصاعد موجة اللاسامية السوفياتية، التي لم تلجمها حكومة السيد غورباتشوف، إلى تشجيع اليهود السوفيات بسرعة على الاستفادة من فرصة السفر.

وقد كانت هذه المجموعة من المصادفات الظاهرة تعني أنَّ إسرائيل ما زالت مرغوبًا فيها، وأنَّها تحتاج إلى المهاجرين لتفحم توقعات علماء السكان فيها بأنَّها إذا ما تمسَّكت بالأراضي التي احتلَّتها سنة ١٩٦٧، فإنَّ الفلسطينيين سرعان ما سيشكلون أكثرية في إسرائيل الكبرى. وقد هنَّأ ساسة إسرائيل أنفسهم على أنَّهم ما زالوا يعلمون أنَّ ما من مكان لليهود خارج إسرائيل، وعلى أنَّهم قد أبدوا حصافة كافية في توفير المكان الكافي لاستيعاب هؤلاء.

والحق أنَّ دور إسرائيل في ورطة اليهود السوفيات كان أقرب إلى المناورة على حسابهم وأبعد عن التعاطف معهم مما هو معروف إجمالًا. ذلك بأنَّ إسرائيل كانت تفاوض الاتحاد السوفياتي سرًّا منذ سنة ١٩٨٧، مع أنَّ العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين. وفي سنة ١٩٨٩، توصل البلدان إلى توقيع أول اتفاق تجاري وعلمي منذ سنة ١٩٦٧، إلَّا أنَّ كلاًّ منهما كان يلتمس، من ورائه، صيدًا سمينًا مختلفًا. فقد كان الإسرائيليون يودُّون رفع القيود عن خروج اليهود السوفيات الراغبين في الذهاب إلى إسرائيل. أمَّا السوفيات، الذين كانوا مقتنعين بأنَّ "اللوبي اليهودي" يتحكَّم في صنع قرارات الولايات المتحدة، فكانوا يريدون سياسة أميركية أكثر لينًا في مجالي التسليف والتجارة معهم، بحيث تمكنهم من تحقيق الإصلاحات التي جاء غورباتشوف بها.

في ربيع سنة ١٩٨٩ بدا أنَّ أحد الطرفين على الأقل قد بلغ مراده. ففي ٨ نيسان/ إبريل، وبُعيد زيارة السيد شمير لواشنطن، نسبت الطبعة الدولية لصحيفة Jerusalem Post إلى تقرير حكومي سري، تسرَّب إلى الصحيفة، قوله إنَّ موجة مهاجرين تتكوَّن من مئات الألوف من اليهود الروس قد باتت وشيكة، وأنَّها تفوق قدرة الولايات المتحدة على الاستيعاب. وكانت إسرائيل بتسريبها المعلومات تُوْضِح تمامًا مصالح مَنْ تهمها فعلًا: مصالحها هي أَمْ مصالح المهاجرين الروس اليهود.

كانت النتيجة مما يمكن توقعه. فقد بدأت وزارة الخارجية الأميركية تناقش علانية فرض القيود على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وذلك من جرَّاء التحذير الذي تلقَّتْه. ثمَّ أنَّها سرعان ما اكتشفت بسرور بالغ أنَّ المنظمات اليهودية الأميركية، التي سعت فيما مضى بقوة لفتح المجال أمام هجرة اليهود القادمين، كانت الآن، نزولًا عند طلب إسرائيل، مستعدة للقبول بهذه القيود. وعندما بدأ اليهود السوفيات فعلًا يغادرون بأعداد كبيرة شعرت إدارة بوش بأنَّها حرة في التصرف. ففي أيلول / سبتمبر أنهت حقَّهم شبه التلقائي في الدخول كلاجئين، ووضعت سقفًا لا يتجاوز 50,000 لطلبات تأشيرة الدخول من الاتحاد السوفياتي تتوزع بين اليهود وبين غيرهم من الجماعات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، بدأ مسؤولو وزارة الخارجية ينظرون بعطف متزايد إلى طلبات السوفيات المالية ومقترحاتهم بشأن إقامة مشاريع مشتركة، مع أنَّ ذلك يستلزم تغييرات في القوانين الأميركية، ولا سيما تعديلات جاكسون –  فانيك وستيفينسون.

بعد أنْ وقَّع الإسرائيليون اتفاقًا مع غرفة التجارة السوفياتية للتو، لِيَلي ذلك سريعًا عقد ضخم لبيع المنتوجات الإسرائيلية في الاتحاد السوفياتي، كان الإسرائيليون يعيشون آنئذ في أفضل العوالم الممكنة. كانوا يحظون بعلاقات مطردة التحسن مع اتحاد سوفياتي شديد الامتنان، وبتقدير وزارة الخارجية الأميركية على تحذيرهم لها مسبقًا من موجة هجرة ضخمة، وعلى أهم من ذلك: على واقع أنَّ ٩٠٪ من اليهود الروس، الذين اختاروا حتى الآن الإقامة في الولايات المتحدة، لم يعد في وسعهم القيام بذلك.

ما زالت الحكومة الإسرائيلية تشعر بأنَّ ليس لدى الاتحاد السوفياتي خيار آخر غير الانصياع لمطاليبها في شأن هجرة اليهود، كما يتبَيَّن من جواب ردَّ به وزير الخارجية (وزير الدفاع الآن)، موشيه آرنس، على لجنة الشؤون الخارجية في الكنيست الإسرائيلي في الرابع من حزيران/ يونيو ١٩٩٠. فعندما سئل عن استجابة الرئيس غورباتشوف الممكنة لمطاليب العرب قال إنَّ الاتحاد السوفياتي يعلم علم اليقين بأنَّ اتفاقاته التجارية مع الولايات المتحدة، والتي لا بدَّ منها للبيريسترويكا، تتوقَّف على سياسته في شأن حرية الهجرة.

دور هاياس (HIAS)

إنَّ المنظمة التي لم تزل حتى سنة ١٩٨٩ تمكن اليهود الروس من مغادرة إسرائيل والذهاب إلى الولايات المتحدة هي مؤسسة أميركية أورثوذكسية تدعى جمعية مساعدة المهاجر العبري(HIAS / هاياس). كان المهاجرون يبدلون طائراتهم في فيينا، وكانت مكاتب هذه الجمعية تمدُّ الراغبين منهم في الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة بالمال والمشورة وطلبات الدخول.

ولطالما كانت هذه الجمعية شوكة في عيون الإسرائيليين الذين كانوا يلقون عليها تبعة تساقط اليهود السوفيات بنسبة ضخمة. وقد طالب الساسة الإسرائيليون اليهود الأميركيين مرارًا بوقف دعمهم المالي لهذه الجمعية، وعندما أخفقوا في ذلك طلبوا منها مباشرة، سنة ١٩٨٠، أنْ تغلق مكتبها في فيينا لأنَّه كان يضر بالمصالح الإسرائيلية. وجاء رد الجمعية قاسيًا جدًّا. فقد سأل الحاخام مناحم شنيئرسون، أبرز وجوه الجمعية، في بيان أدلى به في بروكلين: "كيف يمكن لإسرائيل أنْ تنحط إلى حد المطالبة بحجب الخبز والماء عن يهود لا يفكرون على طريقتها؟"

وقد عنى التغيير في سياسة الهجرة الأميركية سنة ١٩٨٩، التي أوجبت أنْ يتقدم الراغبون في الهجرة بطلبات التأشيرة وهم لا يزالون في الاتحاد السوفياتي، أنَّه لم يبقَ للجمعية ما تفعله في فيينا. لكنْ، لمّا تزايدت التقارير عن تنامي اللاسامية الروسية والتهديدات بالمذابح في شباط/ فبراير ١٩٩٠، قررت الجمعية أنْ تفتح مكتبًا لها في موسكو.

وقد كشفت ردة فعل إسرائيل على هذا القرار مدى قسوة الموقف الإسرائيلي الحقيقي من اليهود السوفيات. فمع تزايد "تهديدات المذابح" أعلن رئيس الوكالة اليهودية، سيمحا دينتس، من القدس أنَّ منظمته (وهي جهاز إسرائيلي رسمي تموله هبات يهودية) ستسعى سعيًا حثيثًا للحؤول دون افتتاح مكتب لهاياس. وقد كان من رأيه أنَّ مكتبًا كهذا سيكون خطرًا لأنَّه وإنْ كان يقوم على الرغبة المعقولة في مساعدة الأربعين ألف مهاجر يهودي الذين سمح لهم بدخول الولايات المتحدة سنويًّا، فهو قد يعرقل الهجرة إلى إسرائيل ويستدرج اليهود الروس إلى أميركا مجددًا.(1)  

أمَّا في في إسرائيل نفسها، فإنَّ الشخصيات البارزة القلقة حقًّا على اليهود الروس، والمتعاطفة مع هاياس، أعربت عن انتقاداتها اللاذعة. وقد صرَّح أبرز هؤلاء، وزير الاستيعاب الحاخام يتسحاق بيرتس، وهو يهودي أورثوذكسي غير صهيوني مثل أعضاء هاياس، أنَّ الحال قد باتت خطرة إلى حدٍّ أنَّه "وإنْ كان طريق النجاة لليهود السوفيات سيقودهم إلى أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة، فإن ذلك أفضل لهم من البقاء في الاتحاد السوفياتي."(2) 

لم تكن هذه هي النتيجة التي أراد سياسيو الليكود استخلاصها من تحذيراتهم من اللاسامية السوفياتية المتعاظمة، وقد ردُّوا على ذلك بغضب. فقد نصح رئيس الحكومة شمير للجمهور عدم الالتفات إلى آراء الحاخام بيرتس، كما أدانه زملاؤه الوزراء بعدم الوطنية، ووصفه ميخائيل كلاينر، رئيس لجنة الهجرة في الكنيست، بأنَّه مجنون ساذج.

وصرَّح كلاينر لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية اليومية أنَّ "وزير الاستيعاب، بيرتس، قد وقع ضحية الدعاوة وحملة التخويف اللتين يقودهما بعض المصالح الراسخة الساعية لإعادة فتح أبواب الولايات المتحدة للمهاجرين اليهود." وقد بيَّن كلاينر، فيما بعد، أنَّ "المصالح الراسخة" إشارة إلى هاياس. وقال "إنَّهم لا يريدون إلَّا الاستمرار على هيئة منظمة للاجئين، وينشرون في الوقت نفسه الأكاذيب عن إسرائيل." وتابع يقول إنَّ "علينا أنْ نعمل كل ما في وسعنا لإحباط نشاطات هاياس. فهذه المنظمة سرطان في جسم الصهيونية."(3) 

ومع ذلك، فتحت هاياس مكتبها في موسكو بعيد ذلك. لكنَّ الكثيرين من اليهود الروس كانوا إذ ذاك فريسة للذعر، وكانوا يشعرون بأنَّ ليس لديهم وقت لانتظار الإجراءات البطيئة طلبًا لسمة دخول أميركية. وكان زمن انتظار الطائرة إلى إسرائيل لا يتجاوز بضعة أسابيع، وقد بدا أنَّ هذا هو الخيار الأسلم في ظل أجواء العداء السائدة.

وكما بدا، فإنَّ المذبحة الكبرى ضد اليهود التي أرجف بحدوثها في الخامس من أيار/  مايو بعض الأشخاص المجهولين والغامضين إلى حدٍّ ما، لم تقع. فقد مرَّ ذلك اليوم من دون أية حادثة، إلَّا أنَّ الهستيريا الجماعية التي أطلقها هذا التهديد لم تكن بلا أساس. فالأمر لا يقتصر على وقوع بعض تعديات لاسامية صغرى من دون رادع من قبل السلطات، بل أنَّ المذابح قد باتت اليوم جزءًا من حياة السوفيات المعاصرة، وهي إنْ لم تكن ضد اليهود فهي ضد الأرمن والأذربيجانيين.

بيد أنَّه مع تطاول قوائم الانتظار لدخول إسرائيل، يبدو أنَّ اليهود الروس قد عادوا إلى تقديم الطلبات لدخول الولايات المتحدة بمساعدة من هاياس.

 القطرة التي صارت سيلًا

ارتفع عدد اليهود الذين سمح لهم بمغادرة الاتحاد السوفياتي عقب التقارب السوفياتي – الإسرائيلي منذ سنة ١٩٨٨، إلَّا أنَّ تخفيف القيود لم يفد إسرائيل كثيرًا من الناحية الديموغرافية؛ ففي سنة ١٩٨٨ غادر 19,251 يهوديًّا، إلَّا أنَّ ٢٢٣١ منهم فقط اختاروا الذهاب إلى إسرائيل. وفي سنة ١٩٨٩ غادر 71,000 يهودي، اختار 11,000 منهم الذهاب إلى إسرائيل. وبين الأول من كانون الثاني/ يناير والأول من أيار/ مايو، وصل ما يقارب 35,000 يهودي إلى إسرائيل من دون أنْ يكون أي منهم ذاهبًا إلى أي مكان آخر. كما أنَّ 10,000 منهم وصلوا، بحسب صحيفة New York Times، في شهر آذار/ مارس وحده.

ومن المستبعد الحصول على أرقام دقيقة بالنسبة إلى هذه السنة من جرَّاء الرقابة التي فرضها رئيس الحكومة، يتسحاق شمير، في أوائل آذار/ مارس ١٩٩٠. فمنذ ذلك التاريخ، صارت المعلومات عن عدد الواصلين الجدد والهاجرين المتوقَّع وصولهم، فضلًا عن محطات توقفهم في الطريق، تعامل باعتبارها من أسرار الدولة ولا يجوز نشرها في وسائل الإعلام.

ولم يُصب الحظر على الأنباء، الذي عارضه مدير الوكالة اليهودية، سيمحا دينتس، وغيره من المسؤولين لأنَّه يعرقل جمع التبرعات، إلَّا نجاحًا جزئيًّا، وذلك لأنَّ الصحافيين الإسرائيليين المطَّلعين على هذه المعلومات يميلون إلى تسريبها إلى زملاء أجانب، وهذا ما جعل الصحافة الأميركية المصدر الأوثق في شأن الهجرة. وفي غياب الوقائع الملموسة يشعر الساسة الإسرائيليون بأنَّهم أحرار في فبركة تقديراتهم الخاصة؛ فقد جعلت "هآرتس" عدد الواصلين منذ كانون الثاني/ يناير 35,000 في ٦ أيار/ مايو، وتحدث وزير المال الإسرائيلي في حزيران/ يونيو عن 40,000، كما تحدث غيره من أعضاء الحكومة عن 50,000. أمَّا العدد الإجمالي المتوقَّع لسنة ١٩٩٠ (وهي سنة قد امتلأت قوائم الطلبات فيها الآن، على ما يبدو) فقد تراوح بين 100,000 و150,000 و250,000، مع ميل اليمينيين عادة إلى العدد الأكبر. وقد قدَّر وزير الاستيعاب يتسحاق بيرتس، في ٥ حزيران/ يونيو ١٩٩٠، عدد المهاجرين إلى إسرائيل بنحو ١٨٠,٠٠٠. وأضاف أنَّ مجموع الذين سيستوعبون، في السنوات القليلة المقبلة، سيتراوح بين 450,000 و500,000 مهاجر.(4)

وإذا ما أخذنا الجو السائد في الاتحاد السوفياتي، والقيود الأميركية على الهجرة، فإنَّ ذلك يبدو توقُّعًا واقعيًّا.

واليوم تسوق إسرائيل المهاجرين إليها عبر سلسلة دائمة التغير من نقاط الترانزيت. فهم ينقلون جوًّا إلى إسرائيل من بودابست وبوخارست وهلسنكي، مع ترتيبات لاستعمال مطارات وارسو وبراغ وبلغراد. وقد استمرَّ استعمال نقاط الترانزيت حتى بعد أنْ صارت الرحلات المباشرة من موسكو إلى إسرائيل ممكنة. أمَّا الوجهة الوحيدة التي يجتهد في اجتنابها، فهي فيينا التي فيها التسهيلات والظروف الغربية المؤاتية للاجئين والتي لا تزال تجعلها أسهل الأماكن ليحط مهاجرون معدمون فيها رحلهم.

 تأثير المهاجرين في البيروقراطية الإسرائيلية

إنَّ إصرار أريئيل شارون على تولي رئاسة لجنة الكنيست للهجرة والاستيعاب، في حزيران/ يونيو ١٩٩٠، ليكشف مدى أهمية القضية كقاعدة للنفوذ. والحق أنَّ أول أثر ولدته موجة المهاجرين في المجتمع الإسرائيلي، كان إحياء المنافسة بين المؤسسات. وقد كان من شأن ضرورة معالجة المهاجرين، عبر القنوات البيروقراطية، بعث الحياة مجدَّدًا في الصراع المحتدم بشأن النفوذ بين الهيئتين المولجتين بالمهاجرين: الوكالة اليهودية التي يسيطر حزب العمل عليها والتي تموِّلها المساهمات اليهودية من الخارج، ووزارة الاستيعاب في حكومة الليكود. فالوكالة اليهودية تهتم تقليديًّا بالمهاجرين منذ لحظة قرارهم مغادرة بلدهم الأصلي حتى إتمام فترة التكيُّف الأولي في إسرائيل، في حين أنَّ وزارة الاستيعاب تتولَّى شأن دمجهم الدائم.

غير أنَّ تقسيم العمل على هذا النحو ما لبث أنْ انفرط عندما رأت الشخصيات السياسية، من كلا الطرفين، في الأفق ضخامة المبالغ المالية والنفوذ السياسي. فأصبح تعريف "فترة التكيُّف الأولي" مثار سجالات حادَّة ما زالت تروح وتجيء باليهود الروس الذين يحاولون المطالبة بما قيل لهم في بلدهم أنَّه من حقِّهم كمهاجرين جدد. ولئن كان أحد من اليهود الروس لم يشكُ من العراقيل فذلك إنَّما يعزى إلى شيء واحد: المساعدة السخيَّة التي تتاح لهم ما إنْ يفلحوا في الاهتداء إلى سبيلهم عبر المتاهة البيروقراطية.

 الطريق إلى المواطنية الكاملة

لا يتحوَّل المهاجرون اليوم إلى مواطنين إسرائيليين فور وصولهم. فقد أُبطل ذلك سنة ١٩٦٢ بعد أنْ فرَّ مواطن أميركي يدعى ريتشارد سوبلن، وكان مطلوبًا في الولايات المتحدة بوصفه جاسوسًا روسيًّا، إلى إسرائيل لينجو من السجن. وبعد ساعات من تلقِّيه الجنسية الإسرائيلية في المطار، طلبت الإدارة الأميركية ترحيله. وقد أرادت الحكومة الإسرائيلية العارفة أين مصلحتها الامتثال للطلب، لكنَّها كانت مقيَّدة بواجبها تجاه مواطنها الجديد. ثم حُلت الأزمة بادعاء المسؤولين الإسرائيليين أنَّ تجنيس سوبلن لم يتم وفق الأصول. فسُلِّم إلى مسؤولَيْن في مكتب التحقيق الفدرالي [الأميركي]، إلَّا أنَّه قتل نفسه على الطائرة التي عادت به. وبعد أيام قلائل غُيرت القوانين الإسرائيلية بحيث ما عاد المهاجرون ينالون الجنسية إلَّا بعد عام من وصولهم.

إنَّ ما يحصل المهاجرون عليه لدى وصولهم هو وضع المقيم، ووثيقة مهاجر (تيعودات عولي) وبطاقة هوية (تيعودات زيهوت). ولذلك، يتعين عليهم تقديم معلومات عن أسمائهم وأسماء والديهم وأماكن إقامتهم السابقة ومهنهم وأعمارهم إلخ. وهم يُسألون عن ديانتهم، فأمَّا الذين يعجزون عن تقديم إثبات كشهادة الحاخام أو الإسم اليهودي، وتلك هي حال معظم اليهود الروس، فلا يطلب منهم إلَّا توقيع تصريح يفيد بأنَّهم يهود. وأمَّا الذين لا يستطيعون أنْ يفعلوا ذلك، كالزوجات عادة أو غيرهن من الأقارب، فيمنحون وثائق شخصية تبين جنسيتهم كروس أو أوكرانيين أو ما شابه ذلك، خلافًا لمن هم يهود.

ولا تمييز حقيقيًّا، في هذه المرحلة، بين اليهود وغير اليهود، أو بين أولئك الذين أمهاتهم يهوديات، وهو ما يجعلهم يهودًا بحسب الناموس اليهودي، وبين أولئك الذين آباؤهم يهود "فحسب"، وهو ما لا يؤهلهم لأن يكونوا يهودًا. ثم إنَّ الجميع يحالون من قبل مسؤولي الوكالة اليهودية على مسؤولي وزارة الاستيعاب العاملين في المطار، والذين يطلعونهم على حقوقهم وعلى الترتيبات المعدة لهم: الدروس العبرية، والأعمال المتاحة لهم. كما أنَّهم يمنحون مبلغًا قليلًا من المال لتغطية نفقاتهم في الأيام القلائل الأولى.

وبعد مرور عام، يصبح اليهود المهاجرون مواطنين إسرائيليين تلقائيًّا. أمَّا أولئك الذين يفتقرون إلى الوالد "الملائم" وغيرهم من الزوجات غير اليهوديَّات، فقد يصبحون مواطنين باعتناق اليهودية دينًا. وأمَّا المهاجرون الذين يزعمون كذبًا أنَّهم يهود وقد جاء منهم، بحسب المصادر الرسمية، نحو عشرين شخصًا هذه السنة، فيجرَّدون من وثيقة الإقامة ويرحَّلون.

 الإِسكان

لئن كان ثمَّة من شيء يثير المرارة الشديدة والحسد في صفوف يهود إسرائيل الشرقيين، فإنَّما هو الطريقة التي تُلَبَّى فيها حاجات اليهود الروس إلى السكن قياسًا بالطريقة التي عولِجَت فيها حاجات المهاجرين من البلاد العربية الذين وصلوا أوائل الخمسينات. فاليهود الشرقيون، والكثيرون منهم من الطبقة الوسطى كاليهود الروس، قد رشّوا بمادة د. د. ت. لدى وصولهم، ثم اقتيدوا إلى حيثما قرَّرت الحكومة أنْ يقيموا. وقد أورد شلومو سويركسي في كتابه الممتاز Israel: The Oriental Majority (Zed Press)خبرًا يرويه يهودي مغربي المولد عن وصول والديه إلى إسرائيل: "شحنوهم في شاحنة من مرفأ حيفا، من دون النظر إلى أيديولوجيتهم وأفكارهم ورغائبهم، وحتى من دون أنْ يسألوهم هل يريدون العيش في موشاف أم لا. فإذا ما بلغوا المستعمرة رفع السائق ظهر الشاحنة القلَّاب، فأفرغ حمولتها منهم ثم انطلق بها راجعًا من حيث أتى...".

من ناحية أخرى، يستطيع اليهود الروس اختيار مكان إقامتهم في ظل ترتيب بدأ العمل به منذ عامين، ويسمى الاستيعاب المباشر". وهذا يتيح لهم أنْ يستأجروا مسكنًا حيثما يختارون، ثم تدفع وزارة الاستيعاب قيمة الإيجار للعام الأول.

ويستطيع الذين يعجزون عن الحصول على مسكن مأجور ملائم، ولا سيما الشيوخ والمرضى والطلاب، ومثلهم العازبون الذين يمنحون مخصصات سكن قليلة، أنْ يطلبوا السكن في واحد من ٤٦ مركز استيعاب تديرها الوكالة اليهودية. فإنْ لم يعجبهم المقام هناك، والكثيرون منهم لا يرضون به، لأنَّ مراكز الاستيعاب رطبة في كثير من الأحيان ومتداعية وسيئة الإدارة، ففي وسعهم أنْ يستفيدوا في أي وقت من خيار "الاستيعاب المباشر".

وهذا الخيار وقف على اليهود "البيض". فاليهود الفالاشا الذين ما زالوا يقيمون في ١١ من مراكز الاستيعاب الـ٤٦، التابعة للوكالة اليهودية، لا يسمح لهم بالبحث عن مسكنهم الخاص، بل لا بد من أنْ ينتظروا حتى تقرِّر السلطات أنَّهم قد تعلَّموا ما يكفي من العبرية، وصاروا أهلًا للسكن الدائم الذي سيختار لهم. وعندما اشتكى زعماؤهم في أيار/ مايو من هذا التمييز، صرَّحت ناطقة بلسان وزارة الاستيعاب أن لا حق للفالاشا في هذه الترتيبات نفسها كغيرهم من اليهود، لأن الدولة ستشتري لهم لاحقًا شققًا للسكن. وأوضحت أنَّ "اليهود الأثيوبيين يتمتعون بأفضل الأوضاع الممكنة في مراكز الاستيعاب حيث يجب أنْ يتكيَّفوا ويتعلَّموا العبرية." وتابعت تقول: "وبعد ذلك سيحقُّ لهم الانتقال إلى أي جزء من البلد حيث يمكن العثور على شقة يمكن أنْ تسجَّل باسمهم."(5)  

أمَّا أنْ يسمح مخزون إسرائيل من المساكن باستمرار هذا السخاء على اليهود الروس فأمر مشكوك فيه. ذلك بأنَّ مسؤولي الوكالة اليهودية يقولون إنَّ المساكن المأجورة سوف تنفد عما قريب، على الرغم من الإعفاء الضريبي الذي منح للمالكين الإسرائيليين المستعدين لتأجير المساكن من المهاجرين. والمهاجرون يدركون هذا الواقع جيِّدًا، ولذلك يميلون ميلًا متزايدًا إلى التخلِّي حتى عن النزول في الفندق مجانًا في الأسبوعين الأولين، ويهرعون إلى المساكن الدائمة التي يخشون أنْ يختطفها غيرهم. وقد أدَّى النقص في المساكن إلى ارتفاع الإيجارات بنسبة ثلاثة أضعاف منذ سنة ١٩٨٩.

ويودُّ المسؤولون عن الوكالة اليهودية إنشاء ١٨٠ مركز استيعاب جديدًا، بعضها في جملة بيوت الشباب وغيرها من البيوت الجاهزة في مدن التطوير الصغيرة، مثل أور عكيفا، لا لشيء إلَّا لممارسة شيء من السيطرة على انتشار المهاجرين. وقد دلَّت التجربة على أنَّهم يميلون إجمالًا إلى اختيار منازلهم الدائمة في المدينة التي يقع مركز استيعابهم فيها، وذلك لأنَّهم قلَّما يعرفون مكانًا آخر. لكنْ يُرَجَّح أنْ يكلِّف هذا المشروع ٢٥٠ مليون دولار، وهو مبلغ يصعب جمعه إلى حدٍّ ما.

لكنْ ممَّا لا شك فيه أنَّ المزيد من مراكز الاستيعاب سيُبنى، ولو لمجرَّد إيواء بعض المهاجرين الذين لا يعملون لكسب رزقهم والعائشين في بنية عائلية غير مألوفة لدى الإسرائيليين. إنَّها تلك التي يعيش الجدُّ فيها مع ابنته وحفيده في منزل واحد، وينفقون من معاشات حكومية، وهذا أمر شديد الشيوع في الاتحاد السوفياتي. وقد عبَّر نفر غير قليل من المسؤولين عن الهجرة عن الرعب لكون هذا الترتيب دليلًا على الهوَّة الثقافية القائمة بين بعض قطاعات "الشعب اليهودي".

إنَّ السؤال الحقيقي هو ماذا سيفعل المهاجرون بعد مضي عام الإيجار المجَّاني. الفكرة هي أنَّهم سيشترون المساكن بسعر السوق، لكنَّ الإيجارات مرتفعة في إسرائيل قياسًا بأجور العاملين. يضاف إلى ذلك أنَّ ليس ثمَّة الكثير من المساكن الشاغرة داخل حدود إسرائيل السابقة لسنة ١٩٦٧. وقد أعلنت مصادر حكومية إسرائيلية، أواخر سنة ١٩٨٩، مشاريع لبناء 40,000 شقَّة سكنيَّة خلال سنة ١٩٩٠، لكنَّ عمليات البناء لم تكن قد بدأت حتى أيار/ مايو من هذه السنة. وقد قَّدر الخبراء أنَّ الوقت المطلوب لإنشاء عمارة ذات شقق هو ٢٠ شهرًا، وأنَّه لا بَّد من ٣٥ شهرًا لبناء مجمع سكني. وسيصل مهاجرو هذه السنة إلى نهاية فترة إيجارهم قبل أنْ يكون أي من هذه المنازل قابلًا للسكن.

أمَّا الشقق القليلة المبنية بجهود خاصة والمتاحة في المدن الإسرائيلية الكبرى، حيث يريد معظم المهاجرين العيش فيها، فإنَّ ثمن الواحدة منها يبلغ نحو 80,000 دولار. وهذا مبلغ يتجاوز قدرة المهاجرين إجمالًا باستثناء حفنة منهم، وإنْ ساعدتهم الحكومة بدفع نصف المبلغ في مقابل رهن العقار.

وربما كان من عواقب ذلك، ولا سيما في ولاية وزير الإسكان الجديد أريئيل شارون، تزايد الضغط على المهاجرين ليغيِّروا رأيهم ويقبلوا، في نهاية الأمر، بالسكن المدعوم جدًّا في الضفة الغربية المحتلَّة. وثمَّة في الوقت الحاضر مساكن تكفي إيواء ألفَي أسرة هناك، إلَّا أنَّ شارون قد لمَّح إلى خطة إعمار جديدة.

وحتَّى لو رفض معظم المهاجرين الجدد الإقامة في الضفة الغربية (لا أحد منهم يفكِّر في قطاع غزَّة نظرًا إلى بعده)، فإنَّ من شأن ندرة المساكن أنْ تعزز موقف حكومة إسرائيل التوسعية. وإذ يمتص المهاجرون الآن كل المساكن المأجورة، يبقى الشبان الإسرائيليون المتزوجون حديثًا من دون مسكن يسكنون فيه. وقد اشتكى في حزيران/ يونيو جماعة منهم علانية من أنَّ ما تتَّبعه الحكومة من سياسة سخية حيال المهاجرين الجدد إنَّما يدفع بهم، وهم المولودون في إسرائيل والباحثون عن منزل، إلى الضفة الغربية.(6) 

والبديل الوحيد من مثل هذا التطور في المدى القصير سيتمثل في متابعة وزارة الاستيعاب الإسرائيلية دفع إيجارات مساكن لعام آخر أو عامين. بيد أنَّ هذه التقديرات كلَّها لا تأخذ في الحسبان من سيأتي بعد من اليهود الروس، إذا ما استمرَّت سياستا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في شأن الهجرة على ما هما من كانون الثاني/ يناير ١٩٩١ فصاعدًا.

تعلُّم العبريَّة

إنَّ المهاجرين الروس الجدد إلى إسرائيل هم، في معظمهم، غير صهيونيين وغير متدينين، وهم لذلك لا يعرفون العبرية على الإطلاق. وقد دلَّت التجربة الماضية على أنَّ لا أمل للصغار بتعلُّم اللغة وإتقانها، لأنَّ ذلك ينطوي على الانتقال إلى ألفباء مختلفة كل الاختلاف عما يألفون. غير أنَّ وزارة الاستيعاب، في لفتة تربوية منها، تقدِّم لكل مهاجر فرصة تعلم العبرية في "أُلبان" نهارية لمدة خمسة أشهر. أمَّا أصحاب المهن المحتاجون إلى إلمام أفضل بأصول اللغة، فيحقُّ لهم أنْ يُتَابِعُوا الدراسة أربعة أشهر أخرى، كما يُسمح بمهلة انتظار مكان في الألبان لمدَّة شهر واحد.

ويُدْفَع لليهود الروس خلال هذه المدة معاش شهري يغطي نفقات المعيشة. وهم لا يُنْتَظَر منهم أنْ يعملوا قبل إتمامهم دراسة اللغة، ولذلك فإنَّ معظمهم من وصلوا هذه السنة لم يدخل سوق العمل بعد.

والمبالغ الشهرية التي خُصِّصَت للدراسة وحُدِّدَت بأرقام مستغربة نوعًا ما هي ٤٤٤ شيكلًا للعازب، ٦٦٦ للمتزوج، ٧٧٧ للأسرة المؤلَّفة من ثلاثة أفراد، و٨٨٨ للأسرة المؤلَّفة من أربعة أفراد أو أكثر، وهي مبالغ كافية لكنْ مقتصِدة. لذلك اختار كثيرون من الدارسين الإسميين أنْ يكملوها بالانخراط في أي عمل مهما يكن قليل الأجر.

وقد أبدى المثقَّفون من اليهود الروس في تلك المرحلة استعدادًا للقيام بأعمال لم تزل حتَّى الأمس وقفًا على الفلسطينيين من الضفة والقطاع، كالتنظيف والبناء وخدمة محطات الوقود. وحالما يتم المهاجرون مدة الأشهر العشرة القصوى التي يسمح لهم بالدراسة فيها ويترتب عليهم بعدها إعالة أنفسهم، يميلون إلى العزوف عن هذه الأعمال لأنَّها لا تعود عليهم بما يكفي دفع نفقات السكن. أمَّا الفلسطينيون فليس أمامهم، طبعًا، أي خيار آخر وهم قلَّما يشترون مسكنًا أو يستأجرون.

 العمالة

يميل المسؤولون عن الهجرة إلى طمأنة المهتمين بفرص عمل المهاجرين، بالإشارة إلى أنَّ السواد الأعظم من الـ155,000 يهودي روسي ممَّن هاجروا خلال السبعينات قد وجد عملًا، إلَّا أنَّ هذا يغفل مؤهلات الوافدين الجدد. ففي حين أنَّ الكثيرين من المهاجرين السوفيات السابقين كانوا من يهود جيورجيا القليلي الثقافة وأنصاف المهرة، فإنَّ ٣٧٪ من الوافدين الآن هم من خريجي الأكاديميات في الحواضر الكبرى. يضاف إلى ذلك أنَّهم من ذوي الكفاءات التي تكتظ إسرائيل بها في حقول مختلفة، كالفنون، أو هم ليسوا في المستوى الغربي كما في حال الأطباء. وحتى الشهادات التقنية لا يقوم لها وزن في نظر أرباب العمل الإسرائيليين الذين يعرفون مدى تخلف الصناعة الروسية.

والقائمة الرسمية(7)   للمهاجرين الذين وصلوا منذ كانون الثاني/ يناير ١٩٩٠، أو للذين سيصلون مع حلول نهاية السنة تكشف، مثلًا، عن ٩٨٥ موسيقيًّا محترفًا، و ٤٣٦ رسامًا، و ٦٤ ممثلًا و ٤٣ مدير مسرح، و ٢٩ كاتبًا، ٢٣ مؤلَّفًا موسيقيًّا، ٢١ مغنيًّا. ولمَّا كان لدى إسرائيل ست أوركسترات ولا تملك أوبرا واحدة فمن المستبعد أنْ تحتاج إليهم.

وفي نهاية سنة ١٩٩٠، سيصل أكثر من ٢٠٠٠ عالم أكاديمي، فضلًا عن ١١٠ من كبار الأساتذة وأعضاء أكاديمية العلوم والفنون السوفياتية. ولا قِبَل لجامعات إسرائيل الأربع مع معهد التخنيون في حيفا ومعهد وايزمن باستيعابهم جميعًا. كما أنَّ لا قبل لأي معلِّق إسرائيلي أنْ يتنبَّأ بمن سيستخدم ٢٧٨ مكتبيًّا، و٩٧ مترجمًا، و٨٥ عالمًا بالألسنية، و٦٤ صحافيًّا، و٤٥ مؤرِّخًا.

وحتَّى الأحد عشر ألف مهندس ميكانيكي روسي، الذين ستستقبلهم إسرائيل قبل سنة ١٩٩١، يطرحون مشكلة. ذلك بـأنَّ إسرائيل لنْ تحتاج إلى ٢٨٣٧ مهندسًا ميكانيكيًّا، و٢٧٣٥ مهندسًا معماريًّا، ولا إلى ١٥٢٠ مهندس كهرباء، وإنْ كانوا على علم بالتكنولوجيا الغربية.

وليست فرص الأطباء أفضل حالًا. فسيأتي منهم ١١٧٥ خلال سنة ١٩٩٠، فضلًا عن ١٠٩٥ طبيب أسنان. وثمَّة محاولات لرفع مستوياتهم، حتَّى أنَّ الوكالة اليهودية قد وضعت مؤخَّرًا برنامجًا خاصًّا للمتقدمين بطلبات هجرة وهم بعد في موسكو، لكنْ لدى إسرائيل قطاعًا خاصًّا صغيرًا، والقطاع العام في غمرة تقليصات قاسية.

ومؤخَّرًا، قامت إسرائيل بتوسيع بعض الدوائر الجامعية، بفضل هبات أجنبية، من أجل استيعاب بضع مئات من الباحثين. لكنْ من غير المرجَّح أنْ يؤدي ذلك إلى حل المشكلة. والحل العملي الوحيد للعلماء بين المهاجرين هو تحويلهم إلى مدرِّسين في المدارس الثانوية، لكنَّ ذلك عسير من الناحية اللغوية. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الرواتب المتدنية التي يتقاضاها المدرِّسون الإسرائيليون تجعل هذه المهنة منفرة، وخصوصًا بالنسبة إلى ذلك القطاع القادر على كسب أجور حسنة في بلاد أخرى.

وليست الفرص المتاحة للمهاجرين من غير أصحاب المهن أو خرِّيجي الجامعات بأفضل من فرص غيرهم. فنسبة البطالة في إسرائيل تبلغ عادة ٩٪ وهي ترتفع بسرعة. وقد تضرَّرت صادراتها الزراعية بسبب المنافسة التي بدأ يمارسها الأعضاء الجدد في السوق الأوروبية من منتجي الحمضيات، كما تضرَّرت صناعاتها التكنولوجية البسيطة بسبب منافسة دول جنوب شرق آسيا، وصادراتها من الأسلحة بسبب الوضع العالمي. وقد حذَّر معلِّق محافظ جدًّا هو دوف لاوتمان، رئيس جمعية الصناعيين الإسرائيليين، في ٣١ أيار/ مايو، من أنَّ نسبة البطالة قد تصل قريبًا إلى ٢٥٪، زد على ذلك أنَّ القطاع العام قد بدأ يتقلَّص بسرعة أيضًا.

إنَّ العمالة الكثيفة الوحيدة التي تبدو في الأفق، بعد عام من التفات المسؤولين الحكوميين إلى القضية أول مرة، تشتمل على أشغال التنظيف والبناء التي يقوم بها عادة فلسطينيون من الأراضي المحتلَّة، والتي يتقاضون عنها أجورًا متدنِّية. ويذهب بعض الشخصيات الرسميَّة علانيَّة إلى أنَّ هذه الأشغال يجب أنْ تُنْتَزَع الآن من أيدي الفلسطينيين وتُعْطَى للمهاجرين الجدد، مهيِّئين بذلك الرأي العام لتغيير المواقف من العمال العرب. فمن ذلك أنَّه عندما بلَّغ رئيس بلدية ريشون لتسيون، في كانون الثاني/ يناير من هذه السنة، أهل مدينته أنَّ آلاف الفلسطينيين العاملين في مدينتهم يجب أنْ يستبدل بهم يهود روس، فقد كان، مهما بَعُد عن تعمد ذلك، يمهِّد الطريق لمجزرة العمال العرب التي حدثت بعد خمسة أشهر.

لكنْ مع ذلك، فإنَّ عددًا قليلًا جدًّا من اليهود الروس يقوم فعلًا بالأعمال التي يأنف الإسرائيليون منها. فقد صرَّحت بلدية تل ابيب باعتزاز، في نيسان/ إبريل، أنَّ عشرة منهم قد وافقوا على العمل منظِّفي شوارع لمصلحة دائرة الصحة العامة بدلًا من فلسطينيين من غزَّة. لكنْظظ هذا الإنجاز لم يكن بلا ثمن. ففي حين كان الفلسطينيون يتقاضى الواحد منهم ٥٠٠ شيكل في الشهر، يتقاضى العامل من المهاجرين الجدد ١٦٠٠ شيكل شهريًّا.(8)

وقد سوَّغ مدير دائرة الصحة العامة، يوسف غفعول، الفوارق في الأجور، على أساس أنَّ هذا التغيير في العاملين سيحل مشكلة التغيُّب عن العمل التي سبَّبتها الانتفاضة، غير أنَّه حل باهظ التَّكْلِفَة، والبلدية كغيرها من إدارات القطاع العام في إسرائيل غارقة في ضائقات مالية.

تتوقَّع دائرة العمالة في إسرائيل أنْ يُتم نحو 40,000 مهاجر، من مجموع 100,000، دراسة العبرية في نهاية هذه السنة ويبدأوا البحث عن عمل. لكنْ فرصهم ضعيفة قياسًا بالمعطيات المتاحة: فقد كشف وزير الاستيعاب، في نهاية آذار/ مارس ١٩٩٠، أنَّ ٢٦٪ فقط من اليهود الروس الباحثين عن عمل قد وجدوا عملًا.

التمويل

 إنَّ معظم السخاء الذي تبديه إسرائيل حيال اليهود الروس إنَّما هو على نفقة المكلَّف الأميركي. فمن ذلك إنَّ قرض الإسكان الذي يبلغ ٤٠٠ مليون دولار، والذي منحتها الإدارة الأميركية إيَّاه لسنة ١٩٩٠ من أجل هذا الغرض، ليس إلَّا قمَّة جبل الجليد وإنْ كان كبيرًا. وهو يعني أنَّه إذا ما وصل 100,000 يهودي سوفياتي فعلًا حتَّى نهاية السنة، فإنَّ أميركا ستكون قد أعطت كلًّا منهم ٤٠٠٠ دولار كي يستوطن.

وقد ذهب معظم هذا المبلغ إلى وزارة الاستيعاب وغيرها من الوزارات، ولا سيَّما وزارة الإسكان التي تعالج حاجات المهاجرين. والوكالة اليهودية تجمع ميزانيَّتها الخاصَّة من اليهود الأميركيين، وقد أعلنت في أيار/ مايو ١٩٩٠ أنَّها بحاجة إلى ١٥٠ مليون دولار لتأتي بأكثر من 150,000 مهاجر خلال هذه السنة وحدها بدلًا من السبعين ألفًا الذين كانت تتوقعهم أصلًا.

ولا شك في أنَّ المزيد من المال آتٍ. وقد صرَّح مدير دائرة الدعاوة الإسرائيلية الجنرال السابق عوزي نركيس مفتخرًا، بعد زيارة للولايات المتحدة في أيار/ مايو، أنَّ الروابط الإسرائيلية قد وافقت على جمع مليار دولار (وهو مبلغ تتقاسمه الوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية) هذه السنة، في مقابل ٧٠٠ مليون دولار جمعتها السنة الماضية. وقد وعد يهود كندا أنْ يجمعوا ١٠٠ مليون دولار كجزء من نداء طوارىء باسم اليهود الروس، أي بنسبة ٣٣٪ زيادة على المبلغ الذي كانوا قد وعدوا بجمعه. غير أنَّ ذلك كله أبعد من أنْ يكفي الحفاظ على مستويات الاستيعاب الراهنة. فقد أطلع المدير العام لوزارة المال الإسرائيلية، يعقوب ليبشيتز، في ٢٨ نيسان/ إبريل ١٩٩٠ مستمعية على أنَّ إسرائيل ستحتاج إلى أربعة مليارات شيكل (نحو ملياري دولار) لاستيعاب ما يتراوح بين 100,000 و 150,000 مهاجر، وهو مبلغ لا يسع إسرائيل أنْ تجمعه عن طريق زيادة الضرائب أو غيرها من الإجراءات المالية. لذلك لم يكن بد، فيما قال، من جمع القسم الأكبر في الخارج على شكل هبات وقروض.

ربما كان من شأن هذا المستوى من الحاجة إلى المال أنْ يجعل إسرائيل أكثر استجابة للضغوط الخارجية. فمن ذلك إنَّ عمولة الأربعة ملايين دولار التي فرضها الكونغرس في أيار/ مايو على قرض الأربعة مائة مليون دولار الذي مُنِحَ لإسرائيل لإسكان المهاجرين، عقوبة على محاولتها الاستيطانية الباهظة التكلفة في حي النصارى في القدس، ربما ثبتت فاعليتها في المدى البعيد.

 عامل القدس

لم يُجْتَذَبْ إلا بضع مئات من الأسر اليهودية الروسية إلى العيش في الضفة الغربية المحتلَّة؛ بيد أنَّ الوضع مختلف في القدس الشرقية. وعلى الرغم من عدم توفر أرقام، فوجودهم ملموس هناك. وما من شك في أنَّ عددهم يبلغ آلافًا عدّة. فقد منحوا، فيما يبدو، مجمَّعات سكنية بكاملها في الضواحي التي أُنشِئَت منذ سنة ١٩٦٧ لتطويق الشطر العربي من المدينة من الشرق والشمال والجنوب. كما تقوم بخدمتهم عدَّة مراكز استيعاب في هذه الضواحي، ومثلها مستعمرات الأمر الواقع التي أقيمت على أراض صودرت من القرى العربية المجاورة لحدود المدينة القديمة.

ويعزز المهاجرون الجدد باستيطانهم هناك، تعزيزًا غير مباشر، زعم إسرائيل أنَّ لها حقًّا حصريًّا في المدينة التي لم تكتف بضمِّها بل وسعت رقعتها من 38,000 دونم إلى 110,000 دونم على حساب الضفة الغربية. والآن يعيش ثلث سكان القدس اليهود في الضواحي الجديدة، كرامات إشكول، والتلَّة الفرنسية، ونفي يعقوب، وراموت، وجيلو، وتالبيوت الشرقية، وبسغات زئيف، ويأتي مدُّ اليهود الروس ليزيد في هذه النسبة.

 المواقف السياسية من أحزاب إسرائيل والاحتلال

لئن كان ثمَّة من شيء يشترك فيه المهاجرون الروس جميعهم، فهو أنَّهم قد وُلِدُوا ونشأوا في بلد تحظر فيه حرية التعبير. ولمَّا كانوا قد استبطنوا هذا الموقف، فإنَّ آراءهم السياسية مما يصعب سبره.

أمَّا شيوخ إسرائيل القلقون على مستقبل نفوذهم الانتخابي في بلد لم يزل يتنازع المقاعد البرلمانية فيه حزبان متكافئان في الانتخابات الثلاثة الماضية، فيميلون إلى تبنِّي إحدى نظريَّتين.

النظرية الأولى أنَّه لمَّا كان اختيار الحزب في إسرائيل يتحدَّد، إلى مدى بعيد، بمستوى ثقافة الناخب ودرجة تديُّنه، فإنَّ المثقفين العلمانيين الروس سينحازون، في معظمهم، إلى تأييد حزب العمل أو ربما اقترعوا للأحزاب الحمائمية غير الاشتراكية الواقعة على يساره.

أمَّا النظرية الثانية فتقول أنَّه لمّا كان اليهود الروس لا يعلمون شيئًا عن تاريخ البلد ويكرهون كل ما هو يساري من جرَّاء تجربتهم في ظلِّ الشيوعية، فسينحازون بسهولة نحو اليمين. كما أنَّ وجود هذه القوى في الحكم سيضفي عليها مزيدًا٤ من الشرعية في نظرهم.

ويمكن إيجاد دليل على كلا النظريَّتين. فهناك حفنة من المهاجرين اليهود الروس في المجموعات اليمينية المتطرِّفة والمجموعات المعتدلة. وكل حزب سياسي يجند أعضاء من اليهود الروس، وقد حجز معظمها لواحد منهم مكانًا واقعيًّا، إلى حدٍّ ما، على قائمة مرشحيه للكنيست.

غير أنَّ اليهود الروس قد بدأوا سريعًا يظهرون أدهى مما كان يتوقعه الجميع وأقدر على التفكير السياسي المستقل من المهاجرين السابقين. فمن ذلك إنَّه على الرغم من عدم ظهور "الخط الأخضر" على الخرائط الإسرائيلية التي يستعملونها لاختيار مكان إقامتهم، فهم يبدون قادرين تمامًا على التمييز بين إسرائيل والضفة الغربية. وقد رفض معظمهم الذهاب إلى المستعمرات، وأمَّا الذين ذهبوا فيصرُّون على أنَّهم يعرفون ماذا يفعلون. (تشكِّل القدس استثناء لهذه القاعدة: فاليهود الروس يسلمون بأنَّ عملية الضم التي تمَّت سنة ١٩٦٧ كانت صحيحة ولا يعمل اليسار الإسرائيلي الحمائمي، الذي يشاطر هذا الرأي، أي شيء لإقناعهم ببطلان ذلك).

إنَّ عددًا قليلًا جدًّا من اليهود الروس قد اتَّخذ موقفًا خارجًا عن موقف التيار السائد بالنسبة إلى النزاع في الشرق الأوسط. والجواب الذي يردُّ به الكثيرون منهم على السائلين هو: "إنَّه أمر  فظيع. يجب أنْ تُجْرَى مفاوضات." وأسَّس أحد مهاجري سنة ١٩٨٨ في أيار/ مايو فرعًا لحركة السلام الآن في موسكو، وقد رفض زعماء رابطة اليهود الروس فيها إدانة اثنين من أعضائها بعد أنْ اجتمعا إلى ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في نيسان/ إبريل من هذه السنة.

وعلى أقصى اليمين، تجد اليهود الروس في صفوف أنشط المستوطنين. لكنْ من الجدير بالملاحظة أنَّ هؤلاء، في سوادهم الأعظم، قد جاؤوا في موجة الهجرة السابقة الأقرب إلى التدين والصهيونية. فلا يوجد الآن نظير لعضو حزب تسومت يوسف مندلفيتش الذي أمضى ثمانية أعوام في السجن في الاتحاد السوفياتي لمحاولته اختطاف طائرة ركاب سوفياتية إلى إسرائيل، والذي ما أنْ وصل إلى ما سمَّاه "وطنه الحلو" حتى اتَّخذ لنفسه مسكنًا في الضفة الغربية.

وخلال السنتين الماضيتين أُرسل يهود روس تابعون لغوش إيمونيم إلى الاتحاد السوفياتي لاجتذاب يهود، ويبدو أنَّهم قد عادوا بعدد قليل من الأُسر. وقد أدَّت دروس الأُلبان التي يقدمونها، والتي لم يكن معترفًا بها لدى السلطات الإسرائيلية في البداية لكنَّها أُدرجت لاحقًا في قائمة الحاسوب في المطار، إلى استقدام بعض اليهود. لكنْ هل سيفتن نمط حياة "رعاة البقر الأرثوذكسيين" الذي يقدمونه، الكثيرين من الراشدين للإقامة الدائمة؟ هذا ما لا يُعْرَف حتَّى الآن، لكنْ يبدو أنَّ المراهقين من المهاجرين يشاركون مشاركة نشيطة جدًّا في غزوات المستوطنين المعادية للفلسطينيين.

 ماذا يشكِّل تفكيرَ المهاجرين

إنَّ ما يجعل قرارات المهاجرين اليهود الروس غير مألوفة، هو ما يتمتَّعون به من درجة اطلاع على الوضع عند اتِّخاذ تلك القرارات. وهذا يصدر عن عوامل عدَّة:

- أوَّلها، أنَّهم جاؤوا من بلد يُعرف فيه سبب النزاع في الشرق الأوسط، أي تجريد الفلسطينيين من أرضهم، معرفة جيِّدة. وهذا ما يميِّزهم من غيرهم من جماعات المهاجرين ولا سيَّما، وهنا المفارقة، من أولئك الآتين من الولايات المتحدة مع ما يعرف فيها من "قانون حرية الإعلام".

- ثانيها، أنَّ ثمَّة عددًا كبيرًا من اليهود الروس المستوطنين منذ أمد بعيد في إسرائيل، وللعديد منهم علاقات بمنظمات اليهود الروس المهاجرين.

- ثالثها، أنَّ في إسرائيل سبع صحف ناطقة بالروسية، أُسِّس خمس منها السنة الماضية، تتنافس على استقطابهم زبونات لها. ست من هذه الصحف لا موقف سياسيًّا معروفًا لها، وربما كان ذلك لتفادي تنفير أي قارىء، وإنْ كانت السابعة – واسمها "كروغ" – تؤيِّد حزب تسومت اليميني بزعامة رفائيل إيتان. ويتألَّف معظم هذه الصحف من مقالات مطولة مترجمة من الصحافتين الغربية والإسرائيلية، وينسخ بعضها صفحات كاملة عن الصحف الروسية، مقدمًا بذلك وجهات نظر متنوِّعة. وينشر أنجح هذه الصحف أيضًا شبكة برامج الإذاعة السوفياتية التي يمكن استقبالها في إسرائيل. إنَّ ما يتيح لهذا العدد الكبير من الصحف الاستمرار هو، إضافة إلى شهية الروس النهمة إلى الصحف، عوائد الإعلانات. ولمَّا كان الروس أوَّل جماعة مهاجرين على الإطلاق، تمنحها الحكومة مبالغ نقدية كبيرة، فقد راح جميع المصارف الإسرائيلية يغازلهم، ومثله صانعو الأدوات الكهربائية. وثمة مساحة كبيرة يحتلها معلنون يعرضون تزويد القرَّاء بأشد ما يرغب المستهلكون فيه من سلع: تأشيرات دخول إلى كندا.

 هل سيمكثون في إسرائيل؟

إنَّ موجة المهاجرين الأخيرة تدخل، في معظمها، إسرائيل من غير قصد. فقد غادروا، في أحوال عدَّة، من دون أية ممتلكات، لأنَّهم كانوا يخشون أنْ يؤدِّي جو اللاسامية السائد في الاتحاد السوفياتي حاليًّا إلى مذبحة رهيبة. ولا شك في أنَّ إسرائيل، التي تزعم أنَّها وطنهم، قد ظهرت لهم بمظهر الملاذ الأمين ولا سيَّما خلال الأيام التي سبقت الخامس من أيار/ مايو، أي قبل الموعد المحدَّد – فيما يُزعم – لمذبحة كهذه.

وهناك أيضًا العامل الاقتصادي. فقد بدت حلحلة قوانين الهجرة للكثيرين من اليهود الروس أنَّها فرصة العمر للنجاة من نقص السلع المزمن. وقد علَّمهم التاريخ أنَّ سياسات الهجرة تميل إلى التغيُّر المفاجىء، وأنَّ من الحكمة الاستفادة من التغيرات الليبرالية فورًا. ولمَّا لم يكن ثمَّة من حل في المدى المنظور لأزمة الاتحاد السوفياتي الإنتاجية الخطرة، فلا شك في أنَّ منظر البضائع المكدَّسة في المخازن الإسرائيلية قد بدا لهم خلَّابًا.

لكن ما أنْ يستقر المهاجرون في المجتمع الإسرائيلي حتى يبدأ الوضع يبدو مختلفًا تمامًا. فأوَّل شيء هو أنَّ إسرائيل ليست مكانًا آمنًا. إذ على المهاجرين الذين تصل أعمارهم حتى الخمسين أنْ يؤدُّوا الخدمة العسكرية، وهم أقرب إلى أنْ يشهدوا القتال مما كانوا في الاتحاد السوفياتي.

وعلاوة على ذلك، فإنَّ السلع المكدَّسة في الأسواق الإسرائيلية (ومثلها الإيجارات وما إليها) تحتاج إلى مال للحصول عليها، وليس في إسرائيل من الوظائف المجزية ما يكفي معظمهم في المستقبل المنظور.

إنَّ صبوة اليهود الروس إلى الولايات المتحدة التي حملت ٩٠٪ من هؤلاء المهاجرين على البحث عن رزقهم هناك، يوم كان الخيار متاحًا لهم، ربما صارت غالبة ما أنْ تكف إسرائيل عن تدليلهم.

ولعلَّ أكثر ما قد يحثُّ على ذلك، أكثر من المطامح الاقتصادية، إنَّما يكمن – وهنا المفارقة – في العامل الثقافي. فاليهود الروس ليسوا إسرائيليين. بل هم من  يهود الشتات وعندهم من الجوامع المشتركة التي تجمعهم، من حيث العادات ونمط الحياة، إلى الملايين الستَّة من إخوانهم الأشكناز في الولايات المتحدة أكثر كثيرًا ممَّا يجمعهم إلى الإسرائيليين العدوانيين الوقحين. فحتَّى صهيونية متقدة حماسة (لكنَّها علمانية)، مثل إيدا نوديل التي ناضلت سنوات لمغادرة الاتحاد السوفياتي، قد كتبت عن خيبتها المرَّة من غرابة الإسرائيليين وصعوبة لغتهم.

أخيرًا هناك العامل "العنصري". فقانون العودة إلى إسرائيل لا يطبَّق على غير اليهود، كما يعلم الفلسطينيون جيدًا، وألوف من الوافدين الجدد ليسوا يهودًا. (وقد كشف تقرير سرِّي لوزارة الداخلية أنَّ ٦٠٪ من المهاجرين الرومانيين الذين وصلوا سنة ١٩٨٩ هم من غير اليهود، وهذه ليست نسبة غير مألوفة بأي حال من الأحوال)(9)  فمن هؤلاء الزوجات غير اليهوديات أو أهالي المهاجرين، وغيرهم من الأشخاص الذين لا يعدُّون يهودًا لأنَّهم لم تلدهم أمهات يهوديات.

وعلى الرغم من أنَّ التحول إلى اليهودية أمر ممكن، فإنَّه ينحصر في أيدي الحاخامين الأرثوذكس، وينطوي على عملية متطاولة ومذلَّة، منها الختان للرجال الراشدين. وليس لدى هؤلاء المهاجرين ما ينتظرونه من إسرائيل ولا حتَّى المواطنية الكاملة لأولادهم. وتدل المقابلات التي أُجريت معهم على أنَّ معظمهم يريد الرحيل.

لكنَّ ذلك أسهل قولًا منه فعلًا. فهم إذ فوَّتوا فرصة طلب تأشيرة لدخول الولايات المتحدة كلاجئين، لم يعد أمامهم إلَّا التقدم بطلب تاشيرة دخول عادية كما يفعل الكثيرون من الإسرائيليين – لكنْ ثمَّة فارقًا واحدًا؛ فقد التزم المهاجرون، بمجيئهم إلى إسرائيل، دَينًا من أجل سفرهم بالطائرة وإقامتهم، إلخ، ولا يصير هذا الدَّيْن هبة إلَّا إذا مكثوا في إسرائيل خمسة أعوام. وفي حال تقدَّموا بطلب للحصول على جواز سفر من أجل المغادرة، فعليهم أنْ يردُّوا المال المستحق عليهم فورًا. ويتم إرسال جميع المعلومات عن طلبات جوازات السفر للمهاجرين إلى دائنهم الرسمي "عيدود بنك" الذي تمتلكه الوكالة اليهودية ووزارة الاستيعاب.

ومع ذلك، فالمئات من اليهود الروس  يغادرون فعلًا، وغالبًا ما يكون ذلك بأنْ يقترضوا المال من بعض المصارف متَّكلين على قوة الرواتب المرتفعة التي يتوقعون الحصول عليها في مكان آخر. فهم يدخلون الولايات المتحدة أو كندا أو أوروبا الغربية بصفة سُيَّاح. ثم يحصلون عادة على إجازة إقامة بفضل اهتمام بعض أرباب العمل بهم. إلَّا أنَّ هذا الضرب من الهجرة المزدوجة لا يستميل إلَّا أفضل المهاجرين كفاءة وأشدهم إقدامًا.

ولا يسعَ الباقين إلَّا أنْ يرتجوا مغادرة إسرائيل إذا ما قبلوا كلاجئين يحق لهم الإقامة في الولايات المتحدة.

 اليهود الروس والفلسطينيون

إنَّ الفلسطينيين الوحيدين الذين رحَّبوا باليهود الروس إنَّما كانوا جماعة من العملاء المتعاونين مع الاحتلال، من قرية حوارة في الضفة الغربية، أصدروا في آذار/ مارس ١٩٩٠ منشورًا دعوا فيه هؤلاء إلى الإقامة في الأراضي المحتلَّة.

فالفلسطينيون، على اختلاف مشاربهم السياسية داخل إسرائيل، أدانوا موجة الهجرة بشدَّة. وقد ذكرت صحيفة "الاتحاد" أنَّ توفيق طوبي، ممثل حزب حداش في الكنيست، قد طلب إلى الحزب السوفياتي حل مشكلة اليهود داخل الحدود السوفياتية. وطلب محمد علي بهاء، أمين "رابطة الكتَّاب العرب" إلى الرئيس السوفياتي في كتاب مفتوح، وقف هجرة اليهود إلى إسرائيل. وطالبت "العربي"، صحيفة حزب راكح المعارض، بإتاحة حق العودة للاجئين الذين غادروا منازلهم منذ ٤٢ عامًا أو ٢٣ عامًا، لا لأولئك الذين غادروا منذ ٢٠٠٠ عام.

وفي آذار/ مارس ١٩٩٠، عندما أضحى حجم الهجرة واضحًا، قام زعيم "أبناء البلد" رجا أغبارية بجمع آلاف التواقيع على عريضة معارضة للهجرة أرسلها إلى الحكومة السوفياتية. وقد ردَّد مضمونها أصداء ما قاله معارض غير متوقع هو زعيم اليهود الشرقيين يمين سويسا، في رسالة مفتوحة إلى غورباتشوف قبل نحو ثلاثة أشهر – وهو أنَّ عملية دمج المهاجرين ستتم على حساب الجماعات المحرومة أصلًا في إسرائيل.

وقد وردت هذه الاحتجاجات في الصحف الصادرة بالروسية التي كان قرَّاؤها يعون أنَّ أحد المهاجرين الروس كان في جملة ضحايا العملية الانتحارية التي استهدفت، في السنة الماضية، باصًا في الطريق إلى القدس. لكنْ أي تصريح معاد للعرب لم يبدر عن المهاجرين الروس إلَّا بعد أنْ بدأت القيادة الفلسطينية في الخارج تصدر تهديدات بالموت للمهاجرين ولشركات الطيران التي تنقلهم.

وما لبث الساسة الإسرائيليون أنْ سارعوا إلى استغلال الوضع وتعليم الوافدين الجدد المذهب الإسرائيلي القائل بأنَّ كل مقاومة للإجراءات الإسرائيلية إنَّما هي صورة من صور اللاسامية. وقد صرَّح الرئيس حاييم هيرتسوغ علانية أمام حشد من مستمعيه: "إنَّ العناصر المعادية نفسها التي حاربت إنقاذ اليهود من براثن النازيين تحاول اليوم سد طريق المهاجرين إلى وطنهم التاريخي. لكنَّ الأشرار سيخفقون في مهمتهم هذه المرة...".

وإذا ما وقع هجوم فلسطيني على حياة اليهود الروس الآن، فثمَّة أسباب للاعتقاد أنَّ الكثيرين من المهاجرين سيفسرونه على هذا النحو اللاتاريخي الذي لا يترك مجالًا لحل النزاع، بل للقتال حتى النهاية.

 الاحتمالات الديموغرافية

إنَّ أيَّة محاولة للتنبُّؤ بالوقع الديموغرافي البعيد الأجل الذي قد تخلفه موجة الهجرة هذه على الميزان السكاني في إسرائيل الكبرى، معرَّضة لأن تعوِّقها مجاهل عدة، أوَّلها العدد الفعلي لليهود الذين يعيشون في الاتحاد السوفياتي حاليًّا والذين هم المهاجرون المحتملون. ويبلغ عددهم بحسب إحصاء سكاني سوفياتي أجري سنة ١٩٨٧ مليونًا ونصف المليون، غير أنَّ الساسة الإسرائيليين يصرُّون على أنَّ عددهم مليونان على الأقل.

ومن العوامل الأخرى متوسط أعمار الذين يختارون الهجرة فعلًا والذي كان عادة، حتى السنة الماضية، خمسين عامًا تقريبًا، لكنَّه بدأ ينخفض سريعًا. وهناك ثالثًا نسبة النمو السكاني الطبيعي لدى اليهود الروس، والتي يحدِّدها حجم الأسرة إلى حدٍّ بعيد. ففي الاتحاد السوفياتي يميل اليهود المتزوجون، كغيرهم، إلى إنجاب ولد واحد. لكنْ هذه العادات ربما تغيرت في إسرائيل.

على أنَّ غياب التقديرات الموثوق بها لم يمنع ساسة إسرائيل اليمينيين من التهور في ادِّعاء أمرين منفصلين تمامًا: الأمر الأول هو أنَّ إسرائيل ستحتفظ بحقِّها في الأراضي المحتلَّة لأنَّها ستستمر في التمتع بأكثرية يهودية داخل إسرائيل الكبرى؛ والثاني هو أنَّ إسرائيل ستحتاج الآن، على حد قول شمير، "إلى بلد كبير لأمة كبيرة."

إنَّ الزعم الأول، الذي يفترض أنَّ أي احتلال يظل مقبولًا ما دام سكان البلد المحتل أكثر عددًا من سكان البلد الذي يحتلُّونه، مردود في القانون الدولي. لكنْ تبيَّن أنَّ له شعبية لدى الإسرائيليين. غير أنَّه ثبت زيفه مؤخَّرًا من الناحية العددية على يد أكاديمي يهودي بارز.

ففي أثناء مؤتمر عقد في ٢٧ أيار/ مايو في مؤسسة فان لير في القدس، بيَّن الأستاذ سرجيو دي لا بيرغولا من الجامعة العبرية أنَّ اليهود سيشكلون في سنة ٢٠١٥ نحو ٥٤٪ من سكان إسرائيل الكبرى في مقابل ٦٠٪ اليوم. وبعد ذلك سيتساوى المجتمعان، وفي سنة ٢٠٢٠ سيشكل اليهود ٤٨٪ فقط ويكونون أقلية في البلد.

وأوضح الأستاذ أنَّ الهجرة اليهودية لنْ تقدر على تغيير هذا الواقع، لأنَّ كل 100,000 يهودي لا يفعلون شيئًا غير تأخير موعد التكافؤ في ميزان السكان العربي – الإسرائيلي عامًا واحدًا. ولَمّا كان عدد المهاجرين المتوقَّع يبلغ 500,000، فهذا يعني أنَّ العرب سيصبحون ببساطة أكثرية سنة ٢٠٢٠ بدلًا من سنة ٢٠١٥.(10) 

وقد كان الزعم القائل أنَّ إسرائيل بحاجة إلى مكان لإسكان المهاجرين إليها عرضة للنقد من الناحية الديموغرافية أيضًا. فقد أنحى إليشع إفرات الخبير بالديموغرافيا وتخطيط المدن، في "هآرتس" ١٣ شباط/ فبراير، باللائمة على شمير لتجاهله الخطة الرسمية الأصلية لإِسكان سبعة ملايين شخص إلى الغرب من الخط الأخضر، مع أنَّها قدمت إلى الحكومة للموافقة عليها.

وقال إفرات إنَّ الخطة الأصلية للبلدات التي يزيد سكانها على ٥٠٠٠، بيَّنت أنَّ المدن الثلاث الكبرى وحدها تستطيع استيعاب 1,780,000 نسمة. ففي وسع حيفا أنْ تستوعب 450,000، وتل أبيب 600,000، والقدس (الكبرى) 730,000 نسمة. وفي وسع منطقة دان، بدءًا بهيرتسليا في الشمال ومرورًا بحولون وبات يام في الجنوب وانتهاء بكريات أونو في الشرق، باستثناء تل أبيب، أنْ تتسع لـِ1,059,000 والبلدات الـ٢٢ على طول الساحل بين حديرة وغديرة 1,209,000 نسمة. أمَّا مدن التطوير السبع الأكثر جاذبية، ومنها بئر السبع، فقادرة فيما قيل على استيعاب 860,000 نسمة.

وهناك، وفقًا للخطة الأصلية، متسع لـِ 4,908,000 نسمة في المراكز المدينية الكبرى وحدها. ولمَّا كانت هذه المراكز لا يسكنها عادة إلَّا 2,756,500 نسمة، فمن الممكن أنْ يسكن فيها 2,251,000 نسمة أخرى. ولَمّا كانت نسبة تكاثر السكان الطبيعية في إسرائيل تزيد قليلًا على ١٪، فثمة مساحة كافية لاستيعاب المهاجرين.(11) 

 خاتمة

إنَّ من شأن المعطيات المذكورة أعلاه أنْ تبطل بعض التصورات المغلوط فيها الشائعة لدى المراقبين العرب تحديدًا. فموجة الهجرة اليهودية الروسية لم تكن غير متوقعة كما يُزعم عادة، ولا هي بالضرورة كارثة تحل بالفلسطينيين أو لا يمكن وقفها.

فقد جاءت نتيجة نشاط دبلوماسي إسرائيلي مثلَّث على مدى فترة متطاولة، إلَّا أنَّها لم تنتج إلَّا تعهدات مشروطة من قبل السوفيات والأميركيين. وإنَّ واقع أنَّ الطرفين قرَّرا التلويح بالجزرة – الرحلات الجوية المباشرة بالنسبة إلى السوفيات، والمزيد من المساعدات الأميركية بالنسبة إلى الأميركيين – إلى أنْ تعطي إسرائيل بعض الضمانات بأنَّها لا تدفع المهاجرين عمدًا إلى الضفة الغربية وقطاع غزَّة، ليدل على أنَّهما لا يريدان سد الطريق كليًّا أمام تسوية سياسية مستقبلية. وهما يودَّان بوضوح الاحتفاظ ببعض السيطرة على الوضع.

والنتيجة الملموسة لهذا، ولحسّ اليهود السوفيات السليم، هي أنَّ المهاجرين لم يستوطنوا فعلًا في الضفة الغربية. فقد سكنوا في المراكز السكانية الرئيسية وهم ما زالوا في غمرة عملية استيعاب ستصبح أقل راحة عندما يحين الأوان لدخولهم سوق العمل المتقلصة بسرعة. والقليلون منهم كانوا سيختارون، لو خُيِّروا، الذهاب إلى إسرائيل، وربما حملتهم البطالة على التفكير في الرحيل مجدَّدًا.

وحتَّى لو بقي اليهود الروس، في معظمهم، فإنَّهم لن يرجِّحوا – كما تبين -  كفَّة الميزان السكاني في مصلحة إسرائيل. وإنَّ نسبة تكاثر السكان الفلسطينيين الطبيعية ستظل تعمل في مصلحتهم.

أمَّا المشكلة الحقيقية فهي القدس. وبدلًا من الاحتجاج على توطين المهاجرين في الضفة الغربية، وهو أمر لم يحدث، فالأَوْلَى بالفلسطينيين المستعدين للقبول بدولة في الضفة الغربية أنْ يشدِّدوا على أنَّه لا يمكن لدولة كهذه أنْ تقوم من دون المدينة التي تقع من هذه الدولة ومن ثقافتها القومية موقع القلب. والإسرائيليون إذ يحاولون جعلها ملكًا لهم وحدهم، إنَّما يرفضون فعلًا كل خطط السلام. أمَّا الفلسطينيون الذين لا يؤيِّدون فكرة دولة في الضفة الغربية، فإنَّ مجيء اليهود الروس أو اختيارهم موقع إقامتهم، يجب ألَّا يكون أمرًا ذا بال. فالعوامل السكانية لا دور لها في حساباتهم.

وعلاوة على ذلك، من المهم أنْ يوضح من يستحق اللوم حقًّا. فاليهود الروس سواء كانوا مهاجرين وراء الكسب أو لاجئين سياسيين، لا يُلَامون. والاعتداء عليهم، أو حتى مجرد التهديد بذلك، إنَّما يقود الفلسطينيين في نهاية الأمر إلى الظهور في نظر العالم بمظهر المجموعة الأقبح بين مجموعتي اللاجئين المنكوبتين. وهم، فضلًا عن ذلك، يخاطرون بحمل هذا القطاع العاقل والحسن الاطِّلاع من المجتمع الإسرائيلي على التحوُّل إلى جماعة ضارية من كارهي العرب.

وعوضًا من ذلك، يجب أنْ يُلْقَى اللوم صراحة وبلا مواربة على حكومة إسرائيل المتعنِّتة، واللوم الأكبر على القوتين العظميين. وإذا ما قيست الأمور برويَّة تبيَّن أنَّ الموقف الذي اتَّخذه الاتحاد السوفياتي هو، بلا شك، الأقل تشريفًا له. فلو أنَّه اكتفى في الخريف الماضي برفع القيود عن الهجرة ومكَّن بذلك اليهود من الذهاب إلى حيث يشاؤون، لَمَا كان ليغادر منهم إلَّا عدد ضئيل نسبيًّا. فالإسرائيليون أنفسهم كانوا يتوقَّعون 20,000 فقط كل سنة. فاليهود الروس المتحدِّرون من أُسر لم تزل تعيش في البلد منذ ما يقارب الألف عام، ما كانوا في معظمهم ينوون المغادرة. وهذا بُيِّن من كونهم، في جملة أسباب أخرى، لم يبدأوا بتعلم العبرية.

لكنْ بدلًا من ذلك، أرخت القيادة السوفياتية العنان للعناصر المناهضة للسامية، ولا سيما باميات. فعلى الرغم من أنَّ هذه المنظمة نفسها لم تكن أكبر من أية جماعة من الجماعات الفاشية الأوروبية الأخرى، ولا تحظى إلا بقرابة ٥٪ - ١٠٪ من التأييد الشعبي، فقد اكتسبت آراؤها شيئًا من الشرعية عندما أحجم الساسة على نحو مطرد عن إدانتها، وعندما غضت الشرطة النظر عن التعديات اللاسامية. وحتَّى بعد أنْ انتشرت الشائعات عن مذبحة مخطط لوقوعها في الخامس من أيار/ مايو، لم تفعل السلطات السوفياتية شيئًا لمقاومتها.

ومن أجل تبيين الأبعاد الحقيقية لهذه السياسة، فمن المفيد أنْ نذكِّر بما جرى في فرنسا، أوائل هذه السنة، من مسيرة مناهضة للاسامية ترأسها الرئيس ميتران وسار فيها نصف مليون شخص احتجاجًا على انتهاك حرمة إحدى المقابر اليهودية في فرنسا.

ومن العسير حقًّا التخلُّص من الشعور بأنَّ فكرة الهجرة الجماعية، التي ستترك للسلطات السوفياتية قرابة 200,000 مسكن ووظيفة شاغرة كي توزِّعها، كانت عاملًا من عوامل سلبيتها.

وليست السياسة الأميركية بمنأى عن اللوم أيضًا. فإنهاء سياسة الدخول الحر لليهود الروس كان بمثابة هدية حقيقية لإسرائيل، وما كان السبيل الأمثل إلى إقناع السيد شمير بأنَّ وزارة الخارجية غير راضية عن تصرُّفاته. وليس لما يُعتل به من عجز في الميزانية الأميركية، لتسويغ ذلك، أي معنى بعد أنْ دفعت الولايات المتحدة ٤٠٠ مليون دولار لإسرائيل من أجل استيعاب المهاجرين. ولو أنَّها دفعت لكل مهاجر ثمن تذكرة السفر من موسكو ثم تركته يتدبَّر شؤونه في بروكلين على حسب ما يعرف – الأمر الذي كان المهاجرون يتمنَّونه فعلًا – لكانت النفقة على الولايات المتحدة أقل كثيرًا. وفي اللحظة الراهنة، تبدو السياسة الأميركية ذات وجهين في أحسن الأحوال كنتيجة لذلك.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، من الطبيعي أنْ يكون مشهد المهاجرين الروس الذين يحصلون على افضل ما يكون من الأرض التي أُكْرِه الفلسطينيون على مغادرتها، مدعاة إلى الحنق. لكنْ يمكن الكثير من المرارة أنْ يسبب عمى أو شللًا. وقد بيّنت الانتفاضة أنَّ إسرائيل لا تستطيع السيطرة على الضفة والقطاع بما يتعارض مع رغائب سكَّانها الفلسطينيين، ولم يغيِّر سيل المهاجرين الروس المتوافدين هذا الواقع حتَّى الآن. ويجب إفهام القوَّتين العظميين أنَّهما إذا ما أرادتا إبقاء المجال مفتوحًا أمام أي نوع من "خيار الضفة الغربية"، فلا بد من أنْ تتأكَّدا، باستعمال العقوبات الحقيقية إذا لزم الأمر، من أنَّ أحدًا لا ينتقل للإقامة هناك.

وعلى الفلسطينيين في هذه الأثناء أنْ يطوِّروا مجموعة واضحة من المطاليب فيما يتعلَّق بالقدس، وأنْ يشرحوا للعالم لِمَ المدينة أهم ما يهمُّ الآن.

 

(1)   "هآرتس"، ١٩٩٠/٢/١٢.

(2)   "يديعوت أحرونوت"، ١٩٩٠/٢/١٦.

(3)   "هآرتس"، ١٥/٢/١٩٩٠.

(4)   المصدر نفسه، ١٩٩٠/٦/٦.

(5)   المصدر نفسه، ١٩٩٠/٥/٤.

(6)   "يروشلايم"، ١٩٩٠/٦/٨.

(7)   "هآرتس"، ١٩٩٠/٤/٢٩.

(8)   "يديعوت أحرونوت"، ملحق تل أبيب، ١٩٩٠/٤/١٣.

(9)   "معاريف"، ١٩٩٠/٥/٢٦.

(10)   "هآرتس"، ١٩٩٠/٥/٢٨.

(11)   المصدر نفسه، ١٩٩٠/٢/١٣.

Author biography: 

إلفي باليس: باحثة في الشؤون الإسرائيلية، ورئيسة تحرير نشرة  Israeli Mirror الصادرة في لندن.

Read more