A Wedding in Times of War
Date: 
July 11 2024
Author: 
blog Series: 

قولوا لأمه تفرح وتتهنى، ترش الوسايد بالورد والحنة

يا داري هنّا وابنيها يا بنّا، والفرح إلنا والعرسان تتهنا.

هكذا اعتدنا على الأغاني التراثية الجميلة في مجتمعنا، تصدح في بلدنا لبدء احتفالات تعلن زواجاً جديداً وتكوين أُسرة جديدة، لكن الحرب صنعت مراسم أُخرى للزواج. ولدينا في حالة كهذه صابر، وهو شاب في مقتبل العمر، كعشرات الشباب الذين تلاشت أحلامهم تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، يعمل في مصنع للحلويات، وكونه الأخ الأكبر، فهو المعيل الوحيد لأُسرته منذ سنوات بعد إصابة أبيه بوعكة صحية جعلته طريح الفراش. وقد أراد الزواج من ابنة عمه المتوفى مرام، والتي تسكن في المبنى نفسه، فَخَطَبَهَا قبل الحرب بخمسة أشهر، وتم تحديد موعد الزفاف في منتصف تشرين الأول/أكتوبر.

 

نبيل عناني، "نحو الحرية"، أرشيف ملصق فلسطين، كوفية 2002.

 

بعد ذلك، بدأ صابر تجهيز عش الزوجية، ومرام، كأي عروس، بدأت تشتري جهازها. وبعد أن شارف صابر على الانتهاء من التجهيزات، تفاجأ بزلزال يضرب البيت، بل أيضاً الحي، وحتى القطاع بأكمله؛ إنها الحرب. وهنا ركض بهلع إلى بيت عائلته ليطمئن عليهم، ليجد أن أحد أخوَيه، خالد، والذي كان يعمل نجاراً في إحدى المناجر، غير موجود، فاعتقد أنه يكمل دوامه في المنجرة، ثم ذهب إلى بيت خطيبته مرام في الطبقة العلوية، واطمأن عليها وعلى عائلتها، وكان الجميع بخير. لكن بعد ساعات، صُدم صابر بعودة أخيه محمولاً على أكتاف أصدقائه جثة هامدة ملطخة بالدماء، إذ استشهد في أثناء استهداف المنجرة التي كان يعمل فيها.

وبعد أسبوع من استشهاد أخيه، اشتدت وتيرة الحرب، وهو ما اضطر صابر ومرام وعائلتَيهما إلى النزوح عند أقاربهم في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، وكانت طائرات الاحتلال قد رمت منشورات في أحياء شمال القطاع تدعو الأهالي إلى التوجه إلى جنوب القطاع، زاعمين أنها منطقة آمنة، فنزحوا تاركين خلفهم البيت الذي جهّزاه ولم يسكنا فيه بعد، والذي تم قصْفه لاحقاً. وحين استقروا في خان يونس، لحق بهم القصف والدمار من آليات الاحتلال، فاضطروا إلى إخلاء المنطقة والتوجه إلى رفح.

وبعد معاناة شديدة، حصل صابر على خيمة لعائلته وخيمة لعائلة مرام من إحدى الجهات الداعمة في رفح، وكانت الأوضاع في مدينة رفح أفضل كثيراً مقارنةً بما مروا به في مدينتَي غزة وخان يونس. لكن بعد شهر، فوجئت العائلتان بغارات إسرائيلية عنيفة تستهدف خيم النازحين، أدت إلى حرْقها ووقوع مئات الضحايا، فحاولت العائلتان الهروب وسط النيران المشتعلة والأجساد التي تحترق، لكن النيران كانت تحيطهم من كل مكان، ولم يكن هناك مخرج. كان الخروج صعباً عليهم، وخصوصاً مع وجود رجل مريض (والد صابر). وبالإضافة إلى النار التي تقترب منهم وتكاد تحرقهم، فقد كاد الدخان أن يقتلهم خنقاً، هذا فضلاً عن المشاهد القاسية التي تحدث أمام أعينهم، من صراخ الناس الذي ترتجف له الأرض، وبكاء الأطفال الذي تذرف له قلوب آبائهم.

هناك رجل جمع زوجته وبناته، وحاول أن يطفئ النار بالبطانية، لكن النار كانت أسرع منه، وأحرقت زوجته وكل بناته، وهناك أمّ تحتضن رضيعها ذا الأيام محاولة حمايته، لكن النار أحرقَتْها هي ورضيعها معاً، وهناك مشاهد أُخرى تقشعر لها الأبدان. وبعد ساعات، تمكّن رجال الإطفاء من تهدئة النار وإنقاذ من بقي حياً.

وكان صابر ومرام وعائلتاهما ممن تم إنقاذهم من دون أن يصاب أحد منهم بجروح جسدية، سوى بعض الحروق الطفيفة التي أصابت كل واحد منهم، إلاّ أبو صابر، فقد كان وضْعه أصعب بسبب الدخان الناجم الذي تغلغل إلى صدره. لكن الجروح النفسية التي سبّبها هذا الحريق كانت أعمق كثيراً، إلى درجة أن أحلام، أخت صابر الصغرى ذات الخمسة عشر عاماً، أصابتها صدمة أدت إلى عدم قدرتها على الكلام، وكانت أم صابر تبكي وتقول: "يا إلهي! ما الذي يصيبنا؟! إنها أهوال يوم القيامة."

وتم علاجهم داخل مستشفى ناصر في خان يونس، وجميعهم خرجوا في صباح اليوم التالي، لأنه لم يكن هناك متسع لوجودهم، وذلك لامتلاء المستشفى بالحالات الحرجة، ثم انتقلوا إلى دير البلح، وتوجهوا إلى خيمة كبيرة في أرض تابعة لأحد مُلاّك دير البلح، والذي سمح بإقامة النازحين بها. وبعد أسابيع، تعافت جروحهم، وبدأ صابر يبحث عن عمل لإعالة أُسرته، في ظل صعوبة إيجاد عمل في الأوضاع التي يمر بها البلد، لكنه لم يفقد الأمل، وواصل البحث، وفجأة، خطرت في باله فكرة صنْع الحلوى وبَيْعِها.

في هذا الوقت، كانت المواد الخام الخاصة بصنْع الحلوى باهظة الثمن، وخصوصاً السكّر، فاضطر صابر إلى أن يقترض مبلغاً من المال من صديق له، واشترى المواد التي يحتاج إليها لصنع حلوى "كرابيج حلب"، وصَنَعَهَا بمساعدة أمه وخطيبته مرام، ونجح مشروعه، وفُتحت له أبواب الرزق، وأصبحت صناعة الحلوى مصدر دخل له.

ومرّت أيام وأشهر من الحرب إلى أن فُجعت أم مرام بخبر استشهاد أمها وجميع إخوتها وإخوانها وأولادهم، بعد استهداف منزل نزحوا إليه في دير البلح، فأصبحت أم مرام وحيدة بلا زوج أو عائلة، لكن وجود بناتها إلى جانبها كان يهوّن عليها الأمر، وأصبح صابر يشعر بأنه مسؤول عن إعالة عائلة مرام إلى جانب عائلته، فقرر توسيع مشروعه، وصناعة كرابيج حلب، وبَيْعَهَا بالجملة إلى الباعة المتجولين، ونجح في هذا، وخصوصاً أن كرابيج حلب كان عليها إقبال لقلّة وجود الحلوى والبسكويت في الأسواق.

وطالت أيام الحرب، وبدأ الناس يتعايشون مع هذه الأيام القاسية التي يسودها القلق والفقد وانعدام الأمان، ولأن شعبنا الصامد محب للحياة والبهجة، فقد حاول استخلاص السعادة وسط أجواء الحزن، فصار الناس يزوّجون أبناءهم في الخيام وبيوت الإيواء، وسط أجواء بسيطة من الفرح... وعلى الرغم من حزن أم صابر على استشهاد ابنها خالد قبل أن يكمل عقده الثاني في أول يوم من الحرب، والحال الذي وصلت إليه ابنتها أحلام، فقد أرادت أن تفرح بابنها صابر وتزوجه من مرام التي ما زالت حزينة على استشهاد ابنة خالها التي كانت أفضل صديقة لها.

وتزوج صابر ومرام من دون وجود الأقارب والأصدقاء أو زفة، وتبدّل يوم فرحهم المنتظر إلى يوم خالٍ من مظاهر الفرح، وتبدّل مكان إقامة العرسان من بيتهم الذي قُصف إلى خيمة هشة من نايلون، وحُرمت مرام حلمها في ارتداء الفستان الأبيض. وفي اليوم التالي، انتشر خبر زواجهما بين الخيام المجاورة، فجمع الجيران بعضهم، وذهبوا إلى خيمة العروسين، وأصروا على أن يقيموا لهما حفلاً بسيطاً، وتغنَّوا ببعض الأهازيج التراثية، مع تقديم التهاني والتبريكات لهما، ووزعت أم صابر حلوى كرابيج حلب على الجيران، الذين استطاعوا إضفاء جو من الفرح على العروسَين وعائلتَيهما بعد كل ما مروا به، وأضفوا شيئاً من السعادة على الرغم من كل هذا الألم.

Read more