Jerusalem Airport: The Closed Entry Gate of Palestine
Date: 
April 22, 2021
Author: 

عندما عاد إلى فلسطين في سنة 1979، بعد سنوات من العمل في السعودية، حاول المقدسي يوسف الحجار زيارة المطار الذي عمل فيه 10 سنوات "ضابط حركة"، لكن القوات الإسرائيلية منعته. عبثاً حاول إقناع الجنود على بوابته بأنه عمل هناك عشر سنوات، وكل ما يريده أن يرى مكان عمله القديم.

كل شيء تغير. فهو لم يشهد احتلال ما تبقى من فلسطين التي غادرها وكان المطار في أوج نشاطاته وحركته. وعندما عاد إلى أسواره وجده مهجوراً من حركة المسافرين والقادمين والعاملين، والطائرات التي كانت تُشغِّل مدرجه.

 

مبنى مطار قلنديا، جاك برسكيان، ٢٠٢١ 

 

يقول يوسف الحجار، الذي عمل ضابط حركة في مطار القدس الدولي "مطار قلنديا"، إنه على الرغم من الألم الذي شعر به بعد منعه من دخول أرض المطار، إلاّ إن رؤيته من بعيد خلال تنقّله بين رام الله ومدينته القدس كانت تريحه. فكان يرى المدرج والبرج كلما مر من الشارع الرئيسي، قائلاً: "الريحة ولا العدم". لكن بعد إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي في كانون الأول/ديسمبر الفائت بناء مستوطنة على أرض المطار، فلن يتبقى منه سوى "العدم".

الحجار ( 85 عاماً) عمل في مطار قلنديا منذ منتصف سنة 1956 وحتى شباط/فبراير 1967، أي قبل احتلال الضفة الغربية. ترك عمله في المطار وسافر للعمل في مطار في السعودية، وخلال سفره احتلت إسرائيل الضفة الغربية، ولم يتمكن من العودة إلى فلسطين إلا في أواخر السبعينيات.

وعلى الرغم من كل هذه السنوات، فإن الحجار لا يزال يحتفظ بذكريات واضحة وكاملة لعشر سنوات عمل خلالها في المطار، متذكراً عن ظهر قلب النداء الذي كان يوجهه إلى المسافرين: "يرجى من جميع المسافرين إلى بيروت على طائرة الخطوط الجوية اللبنانية "ميدل إيست" التوجه إلى قاعة المسافرين".

ويحتفظ في أدراج منزله بصوَره في أثناء عمله في المطار، وببعض ملابسه الرسمية ككنز ثمين. ويقول: "لو كنت أعلم بأن المطار سيتحول إلى ذكرى لكنت احتفظت بجميع صوري فيه".

 

مدرج اقلاع وهبوط الطائرات، جاك برسكيان، ٢٠٢١

 

بوابة فلسطين إلى العالم

ويعود تاريخ بناء مطار قلنديا إلى فترة الانتداب البريطاني، إذ كان مطاراً عسكرياً. وبعد الاحتلال الاسرائيلي سنة 1948، ومع فرض الولاية الأردنية على الضفة الغربية، تحول إلى مطار مدني، ليصبح مطار فلسطين الوحيد وبوابتها إلى العالم.

بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المطار في سنة 1967، كان من المخطط تحويله إلى مطار إسرائيلي دولي، إلّا إن هذا المشروع لم يُكتب له النجاح، فحولته إسرائيل في السبعينيات إلى مطار داخلي، لكنه توقف عن العمل في سنة 2000.

وفي نهاية العام الماضي، أعلنت إسرائيل رسمياً نيتها تحويل كل أرض المطار المصنفة "أراضي دولة" إلى مستوطنة، حيث يتم بناء 9 آلاف وحدة استيطانية في المرحلة الأولى، والتي تشمل أيضاً بناء نفق لربط المستوطنات من خارج حدود بلدية القدس المحتلة مع تلك المبنية داخلها.

ويجري الحديث عن مخطط لبناء 11 ألف وحدة استيطانية في المرحلة الثانية، وهو ما يعني القضاء كلياً على حلم "مطار" الدولة الفلسطينية. مدير الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي يقول إن بناء هذه المستوطنة لا يحمل فقط دلالة سياسية على تنصل إسرائيل من الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، وإنما كذلك نسف حل الدولتين. هذا إلى جانب تغيّر الواقع الديموغرافي للمنطقة، تحقيقاً لفكرة "القدس الكبرى"، وبناء سد من المستوطنات يفصل القدس عن محيطها الفلسطيني.

وبحسب اتفاقية أوسلو الموقعة بين الجانبين، فإن هذا المطار هو " مطار الدولة الفلسطينية"، على أن يبدأ العمل على تنفيذ هذه الاتفاقية ضمن مراحل الحل النهائي.

يعود الحجار إلى ذاكرته قائلاً إن الخطوط الجوية التي كانت تنشط في المطار هي: خطوط الطيران الأردنية، التي كانت تقوم بأكثر من رحلة يومياً، وخطوط الطيران اللبنانية، التي كانت تسيّر رحلتين، ورحلة من القاهرة، ورحلة أسبوعية من سورية، ورحلة لخطوط الطيران الكويتي.

لم يكن المطار مجهزاً بمدرجات ومبانٍ ضخمة، فكانت الطائرات التي تحط فيه من النوع الصغير، أو المروحيات، لكن على الرغم من بساطته إلّا إنه كان مطاراً نشطاً  وفي حركة دائمة. لقد كان بوابة الأراضي المقدسة التي تقصدها الوفود السياحية من كل العالم. وكثيرون ممن كانوا يزورون فلسطين من السياح من باقي دول العالم كانوا يأتون عبر مطار قلنديا. وأكثر القادمين هم من الحجاج المسلمين الذين كانوا يكملون فريضة الحج بزيارة القدس، ومن الحجاج المسيحيين في الأعياد الدينية، تحديداً في فترة عيد الفصح المجيد.

ويتذكر الحجار زيارة بابا الفاتيكان "بولس السادس" إلى المناطق المقدسة في كانون الثاني/ يناير 1964، قائلاً: "وصل البابا عبر الطائرة إلى مطار الأردن، ومن هناك بسيارة إلى القدس، وترافقت هذه الزيارة مع زيارة مئات الوفود الدينية من كل العالم إلى فلسطين، وهو ما شغل المطار عدة أيام من دون توقف".

ويصف الحجار أقسام المطار قائلاً: في الطابق الأرضي كانت توجد مكاتب لشركات الطيران، ومكتب لمدير المطار "كمال حنون"، وقسم المرشدين، وقسم الشرطة السياحية والجمارك، وقاعة للمسافرين زُينت جدرانها من الجهة الشمالية بلوحات الفنانة الفلسطينية فاطمة المحب.

وكان في المطار أيضاً مقصورة ملكية أُثِّثت بمقاعد فاخرة باللون "النيلي" من صناعة دار الأيتام الإسلامية في القدس. وكانت مخصصة لاستقبال كبار ضيوف الدولة من سياسيين وممثلين ومغنين، يتذكر منهم الممثل عمر الشريف في أثناء تصويره فيلم لورانس العرب، والمطرب فريد الأطرش، والسيدة فيروز وغيرهم.

وعلى سطح المبنى كان يوجد مقصف تديره عائلة الدجاني المقدسية، وأمامه "بلكونة" لاستقبال المسافرين أو توديعهم.

 

كفر عقب من مدرج المطار، جاك برسكيان، ٢٠٢١

 

متنفس لأهالي المنطقة

لمطار القدس ذاكرته التي لا ينساها أهالي قرية قلنديا التي بُني المطار على أرضها، فالمطار شكّل علامة فارقة في حياة أهل القرية، وبصورة خاصة في فترة الولاية الأردنية.

الحاج عبد الحليم حمزة (75 عاماً) يتذكرالكشك الصغير في المطار جيداً، وكيف كان وأبناء قريته يقصدونه لشراء ما لا يوجد في دكاكين القرية الصغيرة، "من لم يملك ثمن ما يشتريه من الكشك كان يقايضه بالبيض أو القمح".

الحاج حمزة يملك أربع دونمات حول المطار، صادرتها السلطات الإسرائيلية، وبعد بناء جدار الفصل الذي قسم البلدة إلى قسمين، لم يعد من الممكن أن يصل إلى أرضه، فعائلته كانت من عائلات القرية التي تم إحصاؤها في مدينة رام الله، ولم تُمنح الهوية المقدسية، وبالتالي مُنع من دخول أرضه التي أصبحت داخل الجدار كباقي أراضي المطار.

وبالنسبة إلى الحاج حمزة وأهالي القرية، كان المطار متنفسهم الوحيد، كما المتنزه الذي يقصده الأهالي للترفيه عن أنفسهم، بحسب  قول رئيس المجلس القروي في قلنديا رأفت عوض الله، الذي لم يكن تجاوز الـ 12 عاماً في أثناء احتلال سنة 1967، ويتذكر ذلك اليوم جيداً، وكيف طوقت الدبابات الإسرائيلية البلدة وتمركزت حول المطار، وبعد يوم واحد بدأت بإغلاقه ومنع أهالي البلدة من الوصول إليه. ويقول: "عند احتلال المطار، كانت الشركة الأميركية للإنشاءات تقوم بتوسعة المطار والمدرج لتتمكن الطائرات الكبيرة من الهبوط عليه، لكن هذه التوسعة لم تكتمل".

منزل عوض الله كان قريباً جداً من أرض المطار، وما زال يتذكر صوت الطائرات الدائم هبوطاً وإقلاعاً، والمواكب التي كانت ترافق كبار الزوار، والآليات التي كانت تعمل على تطوير المطار. ويذكر أنه سمع في أحد الأيام عبر المذياع في مضافة والده خبراً عن وصول الفنان فريد الأطرش إلى فلسطين عبر المطار، وكيف خطط مع أصدقائه للذهاب إلى قاعة الاستقبال في المطار، وانتظروا ساعات طويلة حتى وصلت الطائرة التي تقله، فرأوه من بعيد: "كانت فرحتنا كبيرة على الرغم من أننا لم نره عن قرب".

Read more