The Importance of Data in Times of Crises
Date: 
March 30, 2020
Author: 
blog Series: 
Coronavirus in Palestinian Life

يبدو أن مقولة "البيانات هي النفط الجديد" لم تتحقق فقط، بل فاقت أيضاً البيانات في أهميتها النفط ومصادر الطاقة الأُخرى، فقد انخفض سعر النفط إلى أدنى المستويات وأصبحت الأرقام المتداولة عن تفشي وباء كورونا (كوفيد19) في أرجاء المعمورة كافة أهم من عدد براميل النفط المنتجة والعقود العاجلة والآجلة. فالبيانات اليوم هي أساس ما تبقى من النشاط التجاري والإدارات الحكومية والتعليم وسبل الوقاية من الوباء ومحاولة حصره إذ يُدار الجزء الأكبر من النشاط الإنساني عبر الإنترنت في محاولات حثيثة لمنع التجمهر والتباعد الاجتماعي وتنفيذ الحجر الصحي الوقائي ومتابعته.

 ولسنا هنا بصدد الحديث عن اقتصاد البيانات والشركات الكبرى التي ليس لديها رأس مال سوى البيانات كشركة أمازون وأوبر وكريم وعلي بابا وفيسبوك وغيرها، فنحن نريد أن نسلط الضوء على أهمية البيانات للصالح العام وفي أوقات الشدة والأزمات بصورة خاصة. فالبيانات المجردة من السياق هي أساس المعلومة، والمعلومة هي أساس المعرفة، والمعرفة والتجربة هما أساس الحكمة، ولا غنى عن المعرفة والحكمة في إدارة الأمور وقيادة المجتمعات إلى بر الأمان. وتختلف مصادر البيانات (كالبيانات الحكومية وبيانات القطاع الخاص والبيانات العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي) وأنواعها (كالأرقام والجداول والنصوص والصور والصوت والفيديو)، كما تختلف أحجامها وسرعة إنتاجها واختلاف أشكالها وصولاً إلى ما يُعرف بالبيانات الضخمة حيث تتطلب بنية تحتية فائقة للنقل والتخزين والتحليل للتصرف في المكان والزمان الملائمين. وتُعتبر بيانات مواقع التواصل الاجتماعي وبيانات الأجهزة المتصلة بالإنترنت (إنترنت الأشياء) من مصادر البيانات الضخمة التي تُستخدم تجارياً، كما يمكن استخدامها لخدمة المواطنين والتسهيل عليهم وحماية أمنهم الشخصي والصحي والغذائي دون خرق خصوصياتهم، أو تهديد سلامتهم الاجتماعية.

تم إلقاء المزيد من الضوء على أهمية البيانات وضرورة مشاركتها قبل عقد من الزمن، وذلك بسبب وفرة هذه البيانات وانخفاض تكلفة تخزينها واسترجاعها وتحليلها وتعدد طرق استخدامها في النشاط التجاري والخدمة المجتمعية، فظهرت مبادرة الحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة بغرض إتاحة البيانات ضمن قيود تضمن الأمن والخصوصية، لأغراض البحث والتجارة وتحسين الأداء الحكومي وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره في المشاركة والمساءلة. وهناك مقاييس ومؤشرات عالمية لمدى تقدم الدول والحكومات في هذا المجال، وتُعتبر بريطانيا وكندا وأستراليا من الدول الرائدة في هذا المجال، كما أصدرت عدة دول تشريعات خاصة بحق الحصول على المعلومات وحماية البيانات الشخصية.

أمّا في فلسطين، فلم تتم المصادقة على مشروع قانون الحصول على المعلومات، أو قانون حماية البيانات الشخصية حتى الآن، وقد أشار تقرير الأداء الحكومي الأخير إلى عدم توفر البيانات كأحد المعوقات التي تواجه مختلف المؤسسات. وكانت هناك محاولات لمأسسة البيانات الحكومية من خلال إطار التبادل البيني (زنّار)، كما تم تشكيل لجنة وطنية للبيانات المفتوحة، وهناك الآن منصة للبيانات المفتوحة قيد التطوير، وسياسة للبيانات المفتوحة بانتظار الاعتماد من مجلس الوزراء. وتُعتبر فلسطين من الدول العربية الرائدة في مجال البيانات الإحصائية ونشرها، إلاّ إن توفير البيانات غير المعالجة أو المجمعة والقدرة على إيجادها واستخدامها وتبادلها بين المؤسسات المتعددة والباحثين والرياديين يعاني قصوراً كبيراً. وتنص مبادئ البيانات المفتوحة على الانفتاح التلقائي أو الاستباقي (للبيانات غير الشخصية أو المحمية بموجب القانون)، والاكتمال والشمول، وأن تكون البيانات في حينها وكذلك سهولة الوصول والاستخدام، مع ترخيص مفتوح مثل رخص المشاع الإبداعي، وقابلية المقارنة بين البيانات من خلال توحيد التسميات، والتشغيل البيني من أجل تحسين الحوكمة والتفاعل المجتمعي، وأن تكون هذه البيانات لخدمة التنمية الاقتصادية والريادة والإبداع بلا حدود.

بالإضافة إلى عدم توفر البيانات بصيغتها المفتوحة (واحتكارها أحياناً) والاقتصار على التقارير الموسمية المجمعة وتعدد المرجعيات والتسميات وضعف تبادل البيانات بين المؤسسات وعدم شمولها وتحديثها، هناك نقص في القدرات الفنية في مجالات جمع البيانات الضرورية الشاملة ومعالجتها وتحليلها وتصويرها (تمثيلها بيانياً)، وتعميم النتائج على شكل منتجات وخدمات تعود بالنفع على الجميع، فأين نحن من صحافة البيانات وعلم البيانات والتطورات المتسارعة في هذا المجال في عصر الثورة الصناعية الرابعة والبيانات وقودها؟ وما يزيد الأمر سوءاً أن النظم التعليمية والمحتوى التعليمي لم تتكيف مع هذا التحول الرقمي في المراحل كافة سوى بعض الدروس في أواخر كتب الرياضيات التي نادراً ما يتم تدريسها أو الاهتمام بها وتقييمها.

والآن، ونحن في زمن جائحة كورونا، فإن ضعف الإمكانات وقلة الموارد والتفتت السياسي والجغرافي ووهن العقد الاجتماعي وتعدد ثغرات الخطر وانعدام التحكم بها تضاف إلى ضبابية البيانات المحلية وعدم القدرة على توظيف البيانات الإقليمية والعالمية في التخطيط والإدارة وتقييم الخيارات واختيار الأقل ضررا وتكلفة، وتوفير المعلومة الآنية الدقيقة المتوازنة والشاملة في مواجهة الشائعات والتهويل والتهاون. وقد سخّرت الدول المتقدمة هذه البيانات في تحديد مكامن الخطر وحشد الموارد الصحية، والمواد والخدمات الضرورية وتتبع حركة المصرح لهم بالتنقل والمصابين ومخالطيهم وأولوية عمل الفحوصات وتحديد أماكن العزل الصحي في المناطق الموبوءة، والحد من الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية مع محاولة استئناف بعض النشاطات كالعمل من المنزل والتعليم عن بعد وإيصال السلع، كما تتم مشاركة المعلومات الصحية وبيانات الحالات المصابة بما في ذلك المواقع الجغرافية والخرائط على المستوى العالمي. فالقرارات المستندة إلى بيانات دقيقة خير من التقديرات الشخصية، أو تلك المبنية على التجربة والخطأ حيث لا مجال لذلك في زمن الكوارث. وقد استُخدمت بيانات الأجهزة المحمولة وبيانات الشراء وبيانات التواصل الاجتماعي في هذا المجال، مع توفر البيانات الحيوية الأُخرى التي تضمن استمرار النظام الحياتي والخدمي بصورة كافية وآمنة. أمّا في فلسطين، فما زال الانتظار سيد الموقف والاعتراف بضعف الحيلة زادنا اليومي على الرغم من مرور بضعة أسابيع على تعطل الحياة التعليمية والشلل الاقتصادي وتقييد الحركة دون القدرة على فرض العزل الصحي. وقد اتخذت المؤسسات التعليمية بعض القرارات فيما يتعلق بالفصل الدراسي بناء على الآراء التي قد لا تستند إلى الحقائق، إذ يقدر الجهاز المركزي للإحصاء أن ثمانين بالمئة من الأسر لديها اتصال بالإنترنت، ولا تتوفر بيانات بشأن إمكان وحقيقة متابعة الدروس لمن يُتاح لهم ذلك، أو التوزيع الديموغرافي لمن سيتم استثناؤهم.

إن الاستثمار في بنية تحتية بيانية مفتوحة، وإن كانت قد فرضته هذه الأزمة الآن – كما فرضت أوضاع الحصار على الجامعات أن تستثمر في التعليم الإلكتروني خلال الانتفاضة الأخيرة، له الآن ما يبرره وهو أقل تكلفة من هامش الخسائر المترتبة على العمل التقديري والإدارة بالاستنساخ والتجربة حتى في أوقات الرخاء والازدهار، وبعد أزمة كورونا وتداعياتها المستقبلية قد تكون أميّة البيانات أشد خطراً من أميّة القراءة والكتابة في هذه الأيام.

Read more