عن كتاب عادل منّاع ''نكبة وبقاء''
النص الكامل: 

في كتابه "نكبة وبقاء: حكاية الفلسطينيين الذين ظلوا في حيفا والجليل (1948 - 1956)" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يصرّح عادل منّاع بأن كتابه هذا هو محاولة لسرد رواية الفلسطينيين الذين بقوا في قراهم ومدنهم في الجليل ومناطق أُخرى داخل إسرائيل بعد النكبة، وهم الفلسطينيون الذين بقوا خارج السرد التاريخي في الروايتين الإسرائيلية والعربية. وإذ يضع الكاتب هذه السردية في سياقاتها المتنوعة، أي في سياق تأقلم هؤلاء الفلسطينيين مع واقعهم كأقلية في إسرائيل، وفي سياق تاريخهم في العالم العربي والساحة الدولية، فإنه يؤكد أن البحث "هو أولاً وقبل كل شيء دراسة عن تاريخ الباقين، وخصوصاً في شمال فلسطين"،[1] وبهذا، فإن الكاتب يرى أن مساهماته الأساسية في عدة مجالات بحثية تشمل الأبحاث عن النكبة، والأبحاث عن الفلسطينيين مواطني إسرائيل. إلّا إن للكتاب مداخلة أُخرى لا يضعها الكاتب صراحة كأحد أهدافه، وهي الجدل في الداخل الفلسطيني بشأن الدور الذي أداه الحزب الشيوعي الإسرائيلي، أو "ماكي" كما سُمي بحسب اختصار اسمه العبري، فهذا الموضوع يشغل حيزاً كبيراً في الكتاب، وتحديداً النقاش بشأن الشيوعيين الفلسطينيين ودورهم - مثلما يدّعي الكاتب - في تمكين وحتى دعم المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي في الخمسينيات والستينيات. وإلى حد ما، فإن معالجة منّاع لهذه القضية تجعل من الكتاب كتابَين غير متناسقين في بعض المقاطع، كما أن المناهضة الأيديولوجية الواضحة للحزب الشيوعي تقوّض، في نهاية المطاف، بعض مساهماته المهمة، وتُبعده عن هدفه السامي وهو كتابة تاريخ الفلسطينيين الباقين.

في العقود التي تلت النكبة، تقبّل الغرب السردية الإسرائيلية لأحداث حرب سنة 1948 التي سمّاها الإسرائيليون "حرب الاستقلال"، والتي شكلت نكبة للفلسطينيين. ففي تلك السردية، اعتُبر الصهيونيون وإسرائيل ضحايا العدوان العربي، وأُشيدَ بنجاحهم في الحرب كأنه نجاح "داود اليهودي" الذي قاتل بمفرده ضد "جالوت العربي". وبحسب هذه السردية أيضا، أصبح الفلسطينيون لاجئين في الحرب التي بدأوا بها، ثم غادروا بلدهم بناء على أوامر قادتهم، وذلك على الرغم من مناشدات اليهود لهم بألّا يغادروا. ويستمر الطرح بأن إسرائيل سعت مراراً، بعد انتهاء الحرب، للتوصل إلى حل سلمي، بينما تعنّتت القيادة العربية برفضها.[2] وعلى الرغم من محاولات الفلسطينيين دحض هذا الطرح، فإنه بقي الطرح السائد في الغرب حتى ثمانينيات القرن الماضي، ولم يتغير إلى أن نشر "المؤرخون الجدد" الإسرائيليون أبحاثهم باللغة الإنجليزية. فقد بدأ أولئك المؤرخون بإعادة النظر في هذا التاريخ ضمن سياق تطورين مهمّين: تغير في السياق السياسي بعد الحرب على لبنان في سنة 1982، والتي خلقت الظروف الملائمة للمراجعة النقدية لحروب إسرائيل السابقة؛ توفر أدلة جديدة بعد رفع السرية عن آلاف الوثائق في الأرشيفات الإسرائيلية (استناداً إلى قانون الأرشيف الإسرائيلي الذي ينصّ على رفع السرية بعد ثلاثين عاماً، مع قيود للحد من المساس بأمن الدولة، أو بالسياسة الخارجية، أو بالحق في الخصوصية). وتُعتبر إعادة النظر في قضية نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من أهم القضايا وأكثرها إثارة للجدل،[3] وكانت أبحاث بني موريس هي الأبرز في هذا المجال، إذ قدم في كتبه وصفاً مفصلاً للأحداث التي أدت إلى التهجير الجماعي للعرب الفلسطينيين خلال الحرب، معتمداً على الوثائق الإسرائيلية بشكل حصري، ورافضاً قبول التاريخ الشفوي كمصدر. إلّا إنه، وعلى الرغم من الحقائق التي توصل إليها، استنتج في البداية أن "الحرب، وليس التخطيط المسبق، يهودياً كان أم عربياً، هي التي خلقت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين."[4] ومنذ نشر الطبعة الأولى، شكك باحثون فلسطينيون وإسرائيليون في صدقية هذا الاستنتاج، بل إنه حتى موريس نفسه بات الآن يعترف بالمسؤولية الإسرائيلية عن عمليات طرد واسعة النطاق خلال الحرب. ويستمر الجدل الأكاديمي بشأن سؤال ما إذا كان هناك "تطهير عرقي"، أي طرد منهجي للفلسطينيين من منازلهم، أم لا.

لم يكن كثير ممّا عرضه موريس جديداً قط، إذ إن الفلسطينيين أصروا منذ عقود على أن الجيش الإسرائيلي نفّذ عمليات طرد وجرائم مروعة أدت إلى نزوح الفلسطينيين ونكبتهم.[5] غير أن الكتابات والأبحاث الفلسطينية لم تحظَ بالقدر نفسه من الانتباه، وذلك، إلى حد ما، لأن كثيراً منها لم يُنشر باللغة الإنجليزية، بل أكثر من ذلك، فإن الديناميات السياسية أظهرت أن هناك استعداداً مسبقاً لقبول السردية الإسرائيلية. وازداد الأمر صعوبة بسبب عدم التوازن القائم في صلب نهج الكتابة التاريخية: ففي حين أن إسرائيل هي دولة ذات سيادة أنشأت الأرشيفات وسيطرت عليها - الأمر الذي مكّنها من تحديد الأبحاث وصوغ السردية التاريخية - ما زال الفلسطينيون يفتقرون إلى الدولة وإلى الأرشيف، وبالتالي، فإن إسرائيل تسيطر على معظم الوثائق الفلسطينية التي نجت بعد النكبة. وللتغلب على هذا الوضع، جمع الفلسطينيون قصصهم ونشروها في الشهادات الشفوية والتعبيرات الأدبية، وبُدىء العمل في الثمانينيات، وبشكل ممنهج، على جمع السردية الفلسطينية ضمن مشاريع التاريخ الشفوي التي قادها باحثون فلسطينيون جمعوا هذه الشهادات في الجامعات والمؤسسات الفلسطينية.[6] إلّا إن الهوس المستمر بالأرشيف المكتوب ما زال يمكّن باحثين مثل موريس من الاستمرار في رفض السردية الفلسطينية باعتبارها سردية غير موثوق بها.

وتأتي مساهمة منّاع الكبرى في هذا السياق، فالكتاب من خلال اعتماده على 120 مقابلة شفوية، علاوة على المذكرات وكتب التاريخ المحلية التي كتبها مؤرخون هواة، يشكك في السردية الإسرائيلية التي تقلل من فداحة النكبة، ومن الدور الذي أدته دولة إسرائيل فيها، كما يدحض، في الوقت نفسه، السردية القومية الفلسطينية المطلقة، من خلال "أنسنة القضية الفلسطينية" وعرض شهادات الفئات الشعبية ليضيف "نكهة إنسانية وشخصية" إلى السردية التي نعرفها عن النكبة.[7]

وبتركيز الكاتب على الفلسطينيين الذين بقوا، فإنه يساهم في الإجابة عن أكثر سؤال شائك عن النكبة: هل دخلت الحركة الصهيونية الحرب بِنِيّة مبيّتة لطرد الفلسطينيين بشكل جماعي خلال الحرب؟ فالمؤرخون الذين يصرون على عدم حدوث تطهير عرقي، يستندون إلى حقيقة بقاء قرابة 150,000 فلسطيني في حدود وقف إطلاق النار لدعم طرحهم هذا، إذ كيف بقي هؤلاء لو كان هناك مخطط من هذا النوع؟ وفي المقابل، يقول منّاع إن قصص أولئك الذين بقوا داخل الدولة الجديدة إنما تؤكد على وجود سياسة طرد رسمية من طرف كبار المسؤولين الإسرائيليين، عوضاً عن كونها تشير إلى قرارات فردية اتخذها ضباط منفردون في مختلف المناطق. وفي هذا السياق، تأتي أفضل مساهمة للكتاب، وهي التي يعرض فيها منّاع شهادات يروي من خلالها تفصيلات وحشية "الهاغاناه" والجنود الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في قرى الجليل خلال الحرب، بما في ذلك المجازر والطرد في مجد الكروم (قرية الكاتب)، وعيلبون، وصلحة، والصفصاف وقرى أُخرى، ومنها ما لم يتطرق إليه موريس في كتابه قط. ومن هذه الروايات، يستنتج منّاع أن هناك نمطاً متكرراً يثبت وجود أوامر عليا، حتى لو لم نجد حتى الآن وثائق في الأرشيف تثبت ذلك (الفصلان الأول والثاني).[8] وللوصول إلى هذه النتيجة، يعرض الكاتب الأسباب التي سمحت ببقاء أماكن ومجموعات معينة، ومن هذه العناصر الهوية الدينية، إذ وقّع الدروز اتفاقاً مع الصهيونيين مكّنهم من البقاء في قراهم، كما أن القيادات الإسرائيلية تعاملت مع القرى المسيحية بتساهل أكبر، بصورة عامة. فضلاً عن ذلك، أثّر الموقع الجغرافي والتخوف من ردات الفعل الدولية، في مصير القرى وأهلها. ومن خلال الشهادات الشفوية، يسلط منّاع الضوء على عامل آخر ساهم في تمكين الفلسطينيين من البقاء: قرارتهم وتصرفاتهم، فعند احتلال الجليل في الأشهر الأخيرة من الحرب، كان قد تم تهجير معظم فلسطين، وشهد سكان الجليل بأنفسهم مأساة أولئك الذين أصبحوا لاجئين، وبناء على هذا، أصروا على البقاء ومقاومة محاولات الطرد، أو التسلل والعودة إلى قراهم، على الرغم من ويلات الحرب واعتداءات الجيش.

ويطرح هذا الكتاب مداخلة إضافية عن "الفلسطينيين المنسيين"، أي مَن أصبحوا مواطني إسرائيل، فبعد إهمال دام عشرات الأعوام، بات هؤلاء يحظون باهتمام متزايد في الأدبيات يساهم في رواية تاريخهم كجزء من التاريخ الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك من خلال مراجعة تاريخ علاقتهم مع الدولة، وأنشطتهم السياسية والثقافية في العقود الأولى لإسرائيل، والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي مروا بها.[9] ويركز منّاع في تحليله على بُعدين من التجربة الفلسطينية، وهما تحديداً: النشاط السياسي، وخصوصاً نشاط الحزب الشيوعي، وقضية العودة (أو ما سمّته إسرائيل التسلل) والصراع من أجل البقاء في الوطن. وبخلاف الطرح السائد، يقترح منّاع أن بداية تاريخ هذه الفئة من الفلسطينيين كانت خلال الحرب، وتحديداً يوم احتلال مدينة الناصرة في 16 تموز / يوليو 1948، وليس في نهاية الحرب.[10] وبينما ينجح منّاع في عرض قصص الفلسطينيين وتجربتهم من خلال التاريخ الشفوي، فإن إحدى نقاط ضعف الكتاب تكمن في عدم تعامله الكافي مع الأدبيات الحديثة عن الفلسطينيين في إسرائيل، وخصوصاً كُتب شيرا روبينسون وهيلِل كوهِن وآخرين، وبهذا، لم يوضح الكاتب تميز كتابه عمّا سبقه من كتب، ولم يبنِ عليها بصورة كافية.

غير أن ضعف الكتاب الأساسي يكمن في معاملته للشيوعيين الفلسطينيين الذين أدوا دوراً مهماً في تاريخ تلك المرحلة، والذين يركز عليهم منّاع بشكل كبير، بل إنه يشارك في جدل انتشر في العقود الأخيرة بين الفلسطينيين، وخصوصاً في الداخل، بشأن دور الشيوعيين خلال النكبة، وما إذا كان في موقفهم بطولة أو خيانة. وكان هذا النقاش بدأ على خلفية ظهور أحزاب قومية عربية في إسرائيل منذ الثمانينيات، بداية مع قائمة محمد ميعاري، القائمة التقدمية للسلام، وبشكل أشد في التسعينيات، عندما أنشأ عزمي بشارة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في وقت واجه المواطنون الفلسطينيون تحدياً كبيراً هو تحديد مكانتهم في الدولة وكجزء من الشعب الفلسطيني: ففي الوقت الذي اتضح من اتفاق أوسلو أن القيادة الوطنية الفلسطينية ترى في قضية المواطنين الفلسطينيين مجرد قضية إسرائيلية داخلية وليس قضية ضمن مفاوضات حل الصراع العربي - الإسرائيلي، ها هي قوة اليمين العنصري المتطرف في الوسط اليهودي في إسرائيل تتصاعد، حتى وصلت إلى الحكم في منتصف التسعينيات وسيطرت على الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2001. وفي تلك الظروف، وبينما سعت الأحزاب العربية لضمان المكانة القانونية للفلسطينيين في إسرائيل، فإنها اتجهت أيضاً إلى مراجعة تاريخهم عسى أن تفهم كيف وصلوا إلى هذا الوضع، بل كيف يمكنهم الاستمرار في المواجهة. ونظراً إلى المنافسة على الأصوات في الانتخابات، فإنه كان من الطبيعي في تلك الظروف أن يعلو طرح يلوم الشيوعيين على انخراطهم في المنظومة الإسرائيلية في أعوامها الأولى بدلاً من مقاطعتها، حتى إن البعض اتهمهم بخيانة الشعب الفلسطيني والتعاون مع الحكومة الإسرائيلية. وفي المقابل، أشاد الشيوعيون بالتزام وحتى "بطولة" أسلافهم بالدفاع عن بقاء الفلسطينيين وحقوقهم في أرضهم.

يشدد منّاع مراراً وتكراراً في كتابه، على أنه يسعى للابتعاد عن "ثنائية البطولة والخيانة" كي يراجع تاريخ الحزب الشيوعي الإسرائيلي وأعضائه الفلسطينيين بشكل نقدي وتحليلي.[11] إلّا إن عداءه الأيديولوجي للحزب واضح للغاية ويبرز في خيارات اللغة التي يستعملها (مثل التعبير عن علاقة الشيوعيين بالحكومة الإسرائيلية على أنها "شراكة خفية أو مستورة"، أو في جمل مثل "ويبدو أن نجاحات العصبة نتيجة هذا التعاون (أسكرت) قادة ذلك التنظيم"؛ و"محطة مهمة على طريق أسرلتهم")،[12] وفي انتقائية استخدام الأدلة، وفي الإطار التحليلي (analytical framing) الذي يستخدمه. والأمر المحير حقاً هو أن الكاتب ذاته الذي يحاول جاهداً إيضاح عمق الفاجعة الفلسطينية في أعقاب النكبة، يستثني الشيوعيين الفلسطينيين من تبعاتها، ومن تعاطفه مع ضحاياها الآخرين، إلى درجة أنه يصرح أن الشيوعيين العرب كانوا "مجموعة أُخرى لم ترَ في قيام إسرائيل كارثة للشعب الفلسطيني."[13] بل أكثر من ذلك، يؤطر منّاع الفصل الرئيسي الذي يخصصه لهم (الفصل الثالث، وعنوانه: "الشيوعيون العرب ما بين النكبة والاستقلال") ضمن إطار الاستثناءات لتجربة النكبة التي عاناها الفلسطينيون، فيعتبرهم جزءاً من "أقلية صغيرة، غير متجانسة، لم يطلها مثل هذا الشعور الطاغي بالهزيمة والضياع."[14]

وفعلاً، فإن هذا الفصل الذي لا يتماشى مع الترتيب الزمني للكتاب، إلى درجة أنه يبدو كمقالة منفصلة، هو حقاً جزء من حملة الكاتب السياسية ضد الشيوعيين أكثر من كونه جزءاً من موضوع الكتاب. إذ يبدأ الفصل بسرد قصير جداً لدور الدروز خلال الحرب، والذين دفعهم تهميشهم في الحركة الوطنية الفلسطينية وحسّ البقاء، إلى الانضمام إلى الجانب الإسرائيلي، الأمر الذي نجّاهم من المصير الذي لاقاه معظم الفلسطينيين في النكبة. بعدها، ينتقل منّاع إلى مناقشة دور الحزب الشيوعي خلال الحرب وبعد النكبة، بدءاً بقبول عصبة التحرر الوطني (وهي المنظمة العربية التي انفصلت عن الحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1943، والتي شكلت الجسم الرئيسي لنشاط الشيوعيين العرب، وإن لم تعرّف عن نفسها على أنها حزب شيوعي) لقرار التقسيم في تشرين الثاني / نوفمبر 1948، وذلك بعد أن طالبت طوال الأعوام السابقة بدولة ديمقراطية كحل للاستعمار في فلسطين، رافضة أي طرح يشمل التقسيم. ويفسر منّاع هذا التغيير على أنه نتاج تبعية الشيوعيين العرب للاتحاد السوفياتي الذي كان تغيير موقفه "العامل الأهم في اتخاذ قرار الأغلبية داخل العصبة."[15] وبعد أن يعرض منّاع دور الاتحاد السوفياتي في دعم إنشاء دولة إسرائيل عسكرياً ودبلوماسياً، يلمّح إلى تواطؤ الشيوعيين في هذا الدعم (فمثلاً يذكر منّاع زيارة إميل حبيبي لبراغ مع ميكونيس، بعد مؤتمر الأحزاب الشيوعية في بلغراد في تموز / يوليو 1948، ويتساءل: "هل يعقل أن حبيبي قبل دعوة ميكونيس بالسفر إلى براغ من دون علم بأهدافها؟")، بل يذهب أبعد من ذلك، فيعلن أنه بعد مؤتمر الناصرة في شباط / فبراير 1948، والذي قررت فيه العصبة الموافقة على قرار التقسيم، "تدحرج موقف رجال العصبة من تأييد التقسيم إلى التحالف مع الأصدقاء والشركاء في الطرف اليهودي ومعاداة الإجماع العربي الفلسطيني."[16] بهذا، يصل منّاع إلى استنتاجات لا تدعمها الدلائل التي يقدمها. فمع أنه لا شك في أن الاتحاد السوفياتي دعم قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل، وأنه كان لصفقة الأسلحة التشيكية تأثير مدمر في قدرة الفلسطينيين على مقاومة تشريدهم، كما نعرف أنه كان للشيوعيين اليهود دور في التوسط في صفقة الأسلحة وفي القتال إلى جانب القوات الصهيونية في الحرب، إلّا إن هذه الأمور لا تعني تلقائياً أن الشيوعيين العرب كانوا جزءاً منها، ومن المبالغة تأكيد ذلك من دون أدلة (وإذ يفتقد منّاع أدلة كهذه، فإنه يستشهد بجريدة "كول هعام"، الجريدة العبرية للحزب الشيوعي الفلسطيني في فترة الانتداب، والذي أصبح حزباً يهودياً بعد انفصال العصبة عنه في سنة 1943، من أجل إدانة العصبة، مع أنها كانت منفصلة تماماً عن الحزب في تلك الفترة، ولم تعد إلى الائتلاف معه في الحزب الشيوعي الإسرائيلي حتى تشرين الأول / أكتوبر 1948).[17] وبالتالي، يسقط ادعاء منّاع أن الشيوعيين العرب تعاونوا مع القوات الإسرائيلية ضد مصلحة الفلسطينيين.

وفي محاولة أُخرى لدعم طرحه، يركز الكاتب على المنشورات الشيوعية في الأشهر من أيار / مايو حتى تموز / يوليو 1948، ومهاجمة العصبة للجيوش العربية.[18] ولا خلاف في أن العصبة دعت في هذه المنشورات إلى إجلاء الجيوش العربية من فلسطين، مثلما يشير منّاع، إلّا إن المشكلة هنا أنه يغفل عن ذكر الأسباب التي ذكرتها العصبة لمطالبتها بهذه المطالب. فبدلاً من كونها تهدف إلى توسيع سيطرة الجيش الإسرائيلي، مثلما يلمّح منّاع، فإن العصبة طالبت بهذا الإجلاء لضمان إقامة دولة عربية إلى جانب الدولة اليهودية بحسب قرار التقسيم، أي كي لا تضيع فلسطين كاملة، بعد أن أصبح واضحاً في تلك المرحلة أن الدولة اليهودية قائمة، فقد أكدت العصبة "أن النضال في سبيل تأليف الدولة العربية هو الطريق إلى إنقاذ المشردين وردّهم، وإلى إنقاذ الفلاحين من سطوة جيوش الاحتلال، عربية ويهودية، وإعادة عكا والناصرة وقرى الجليل ويافا واللد والرملة... إلى أهلها العرب" (وللتذكير، أصدر قسطنطين زريق كتابه "معنى النكبة" خلال هذا الصيف، أي أن نكبة فلسطين كانت واضحة قبل أن تنتهي الحرب، ولهذا ليس من الصعب تصديق أن الشيوعيين فهموا ذلك أيضاً في هذه المرحلة وحاولوا إنقاذ ما بقي). أكثر من ذلك، فإن تهجّم الكاتب على الشيوعيين، في هذا السياق، يبدو محيراً الآن، بعد أن أثبت الباحثون أن القيادة الأردنية تآمرت مع الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني لمنع قيام دولة عربية في فلسطين، وهو بالضبط ما حذّر منه الشيوعيون في منشوراتهم: "إن مبعوثي الملك عبد الله يتفاوضون مع مبعوثي الحكومة اليهودية من أجل ضم القسم العربي من فلسطين إلى شرق الأردن."[19] علاوة على ذلك، يستعمل منّاع هذه المنشورات ليسوق حجته بأن الشيوعيين وضعوا اللوم على وقوع النكبة على القيادة الوطنية الفلسطينية والأنظمة العربية والاستعمار، بينما تغاضوا عن دور القيادة الصهيونية، لكن، الصحيح أن العصبة كتبت: "إن هذه المأساة ليست من صنع الغلاة الصهيونيين الذين نفذوا رغائب فحسب، بل ويساهم فيها أيضاً أولئك الزعماء بقسط وافر."[20] وبما أن توجههم هنا هو للفلسطينيين، وفيه يبدو واضحاً أن كاتب المنشور والقارىء فهما أن يد الصهيونيين هي التي سببت الكارثة، فإن الكاتب هنا يضيف أن هناك طرفاً إضافياً يحمل المسؤولية.

وأكثر ما يدينه منّاع هو تصرّف الشيوعيين العرب بعد اندماج العصبة مع الشيوعيين اليهود في الحزب الشيوعي الإسرائيلي - ماكي في تشرين الأول / أكتوبر 1948، فهو هنا يدّعي أن الشيوعيين الفلسطينيين في إسرائيل احتفلوا بقيام الدولة، وامتنعوا من انتقاد تصرفاتها وجرائمها، وتجاهلوا مأساة شعبهم، وبهذا ساهموا في شرعنة ضم الجليل وغيره من المناطق التي خُصصت للدولة الفلسطينية في قرار التقسيم. وبينما يقرّ منّاع بأن الشيوعيين العرب انضموا إلى ماكي من موقع ضعف، كجزء من الشعب الفلسطيني المهزوم، وقبلوا شروط المنتصرين اليهود، فإنه يتغاضى عن تبعات توازن القوى الناتج من ذلك على إمكانات التصرف الممكنة للشيوعيين العرب.[21]

صحيح أننا ما زلنا بعيدين عن فهم تلك الفترة، وما زلنا في حاجة إلى أبحاث جدية لدراسة أقوال الشيوعيين الفلسطينيين ونشاطاتهم، وأن أي بحث كهذا سيواجه صعوبات كبيرة نظراً إلى محدودية المصادر المتاحة، إلّا إنه يجب أن نتفهم أن هذا البحث، كأي بحث تاريخي آخر، يتطلب فهم التاريخ والإقرار بالإمكانات والقيود والتخيلات السياسية للجهات التاريخية الفاعلة. ومن هذا المنطلق، ينجح منّاع بتفهم مفهوم البقاء كمفهوم أساسي في تاريخ الفلسطينيين الذين أصبحوا مواطنين في إسرائيل في تلك اللحظة: فقد كانوا أقلية صغيرة، مشتتة، وجزءاً من شعب محطم كلياً، وقد شهدوا كيف انتصرت إسرائيل على جيوش الدول العربية؛ وسمعوا عن البشاعات والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل وعايشوها، ووجدوا أنفسهم بعيدين عن شعبهم، من دون أي إمكانات للتواصل والاتصال معهم، وبلا قيادات توجههم، بعدما فقدوا خلال النكبة معظم الطبقة السياسية. ولم ينجُ الشيوعيون الفلسطينيون من هذا المصير، وإنما حملوا عبئاً إضافياً، كون المسؤولية تقع على عاتقهم لقيادة جماهيرهم المحطمة وضمان بقائهم في وطنهم. وما نعرفه اليوم، هو أنهم بلا شك أخطأوا في وضع ثقتهم الكاملة في أن الاتحاد السوفياتي سيعمل على إنشاء دولة فلسطينية، ذلك بأن الاعتبارات الإقليمية وحسابات الحرب الباردة قادت القيادة السوفياتية إلى منح دعمها لقيام الدولة اليهودية، آملة بخلق حليف لها في المنطقة. إلّا إن وظيفة المؤرخ هي أن يحلل خطوات شخصياته التاريخية في سياقها المكاني والزماني، لا وفقاً لمعطيات اليوم، وليس أن يصدر أحكاماً أخلاقية بشأنها، وأعني هنا تحديداً الحكم بشأن ما إذا تعاون الشيوعيون مع مضطهديهم. فإذا نظرنا إلى مقالة المحامي حسن جبارين عن تلك الفترة، والتي يشير إليها منّاع لدعم طرحه بأن الشيوعيين الفلسطينيين شرعنوا ضم الجليل، فإننا سنجد مثالاً جيداً لذلك، من خلال اقتراح جبارين أن مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات البرلمانية الأولى في إسرائيل في كانون الثاني / يناير 1949 (والتي شارك فيها معظم مَن كان لهم الحق، وليس داعمو ماكي فقط) ساهمت، ومن دون قصد منهم، في شرعنة السيادة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة. وعوضاً عن اتهام مَن صوّت بخيانة قضيتهم، يتفهم جبارين أن قرار الترشح والمشاركة في الانتخابات كان قراراً اتخذه "شعب مهزوم، مسيطر عليه ومُهان ويملأه الخوف من الطرد. كان همّه الوحيد هو البقاء، وإنقاذ حياة العائلات، وتجنّب الترحيل."[22]

فضلاً عمّا سبق، تقدم المقارنة بين الطبعة العربية والعبرية أوضح دليل على تأثير مناهضة الكاتب الأيديولوجية للحزب الشيوعي في خياراته، وفي تفسير مصادره وتحليله التاريخي. فمثلاً، عندما يناقش في الطبعة العربية قضية منشور الحزب الشيوعي في حزيران / يونيو 1948، يجمل الكاتب أن "هذا التصعيد في خطاب الشيوعيين ضد القيادات العربية خلال صيف السنة المذكورة يعكس مدى التقارب بينهم وبين حلفائهم الجدد من الماركسيين الصهيونيين في حزب مبام."[23] وفي المقابل تخلو النسخة العبرية من أي استنتاج مشابه على الرغم من استخدام المصادر نفسها. وكان المؤرخ موسى البديري، الباحث الخبير بشؤون الشيوعيين الفلسطينيين في فترة الانتداب، قد بيّن بصورة مقنعة أنهم انتقدوا الأنظمة العربية بشدة لأعوام، واتهموها بأنها تعمل وفق "مؤامرة إمبريالية" (وهو الخطاب نفسه في المنشورات)، كما أن العصبة غيرت موقفها من القيادة الفلسطينية منذ بداية سنة 1946، فتوقفت عن المطالبة بالمشاركة في إطار وطني موحد في الهيئة العربية العليا، وبدأت علناً بانتقاد هذه القيادات بسبب سياساتها.[24] ولهذا، فإن الادعاء أن العداء تجاه الأنظمة العربية له علاقة باليسار الصهيوني يتطلب البحث والتحليل الجدي عوضاً عن التصريح العرضي.

وفي مثال آخر، يتطرق الكاتب إلى مكانة الشيوعيين في إسرائيل، ويشير إلى وثيقة مجهولة المصدر تعود إلى آب / أغسطس 1948 ورد فيها: "إنهم يُظهرون في كل نشاطاتهم وتحركاتهم إخلاصاً لدولتنا. لذا علينا أن نرى فيهم (رجال العصبة) عاملاً سياسياً مهماً وحليفاً فعليا لدولة إسرائيل." في الطبعة العربية، يعقب منّاع: "مثل هذا الكلام يفسر إلى حد كبير أسباب (كرم) الحكومة الإسرائيلية تجاه رفاق العصبة."[25] أمّا في الطبعة العبرية، فيعلق باتزان أكبر، ويقول: "وبالتالي فقد قدّر المسؤولون الإسرائيليون أن نشاط العصبة لم يشكل تهديداً أمنياً، وقد يكون مفيداً."[26] ويكرر منّاع مثل هذه التصريحات في الفصول الأُخرى من الكتاب، والتي يقترح فيها أن المسؤولين الإسرائيليين دعموا الشيوعيين، أو على الأقل قبلوا ومكّنوا من نشاط الشيوعيين بين الفلسطينيين.[27] وفي الواقع، وبخلاف ادعاء منّاع، إذا كان حزب "مبام" قد ساعد الشيوعيين العرب في الأشهر الأولى لقيام دولة إسرائيل، لأسباب أيديولوجية أو لرغبتهم في استيعابهم، فإن الحزب الحاكم "مباي" أظهر عدائيته للشيوعيين منذ البداية، وعمل أعضاؤه جاهدين على تقويض نفوذهم،[28] كما أن أبحاث روبينسون وكوهين توضح التقييدات التي وضعها الحكم العسكري على نشاط الشيوعيين، والمضايقات التي عانوا جرّاءها طوال العقود الأولى. وفي هذا السياق، فإن بعض هذه المشكلات ينبع من مشاكل في المصادر المستعملة، والطرق التي يستعملها الكاتب، بل انعدامها في بعض الأحيان، إذ إن الكاتب، وفي عدة مواقع في الكتاب يقترح فيها خلاصات صارخة، لا يستشهد بأي مصدر، فمثلاً يقول: "فكان لانضمام رجال العصبة إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي أهمية كبرى من وجهة نظر بن - غوريون ورفاقه في القيادة الصهيونية"، من دون الاستناد إلى أي مصدر يؤكد هذا الادعاء، وعلماً بأن رئيس الحكومة الإسرائيلي ناصب الشيوعيين العداء منذ البداية.[29]

في المحصلة، يوفر كتاب "نكبة وبقاء" نصاً إضافياً يعمّق فهمنا للنكبة من خلال تقصّي تجربة أولئك الفلسطينيين الذين بقوا في بيوتهم بعد النكبة، ويعرض هذه التجربة اعتماداً على رواية مَن عايشوها، وليس على الأرشيفات الرسمية للدولة التي سببت كارثتهم. وبهذا، ينضم إلى حركة نشر فلسطينية نشطة تتحدى الطرح الإسرائيلي الرسمي للنكبة، وتتحدى نهج كتابة التاريخ الإقصائي الذي يمجد الأرشيف على حساب خطاب المستضعفين والمهمشين. لكن للأسف، فإن مناهضة منّاع الأيديولوجية للحزب الشيوعي، والتي تظهر جلية في الكتاب كله، تُشتّت من تركيزه على هذه الموضوعات المهمة، وتُضعف من صدقيته بصورة عامة.

 

المصادر:

[1] عادل منّاع، "نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلّوا في حيفا والجليل (1948 – 1956)"، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016)، ص 44.

[2] Avi Shlaim, “The Debate about 1948”, International Journal of Middle East Studies, vol. 27, issue 3 (August 1995), pp. 287–304, 287.

[3] هذه القضية بصورة خاصة ذات أهمية كبيرة تتعدى الأوجه النظرية، إذ إن لها تبعات عملية بشأن حق الفلسطينيين في العودة.

[4] Benny Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949 (New York: Cambridge University Press, 1988), p. 588.

[5] انظر مثلاً: عارف العارف، "نكبة فلسطين والفردوس المفقود 1947 - 1955" (بيروت: دار الهدى، 1980). وانظر أيضاً:

Walid al Khalidi, “Why Did the Palestinians Leave?”, Middle East Forum, vol. 35, no. 7 (July 1959), pp. 21–25; Walid al Khalidi, “Plan Dalet: The Zionist Blueprint for the Conquest of Palestine”, Middle East Forum, vol. 37, no. 12 (November 1961), pp. 22–28.

[6] كانت روزماري صايغ ريادية في هذا المجال، وقد ازداد زخم المشروع مع إنشاء برنامج التاريخ الشفوي في جامعة بير زيت في سنة 1983.

[7] منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 247.

[8] أكد بحث إسرائيلي نُشر مؤخراً ضرورة البحث خارج الأرشيف، بعدما كشف أن المسؤولين الإسرائيليين يقومون بإعادة إغلاق وثائق وإزالة أُخرى من الأرشيف من أجل "إخفاء الأدلة على النكبة"، وللمزيد انظر:

Hagar Shezaf, “Burying the Nakba: How Israel Systematically Hides Evidence of 1948 Expulsion of Arabs”, Haaretz, 5/7/ 2019.

[9] انظر: هيلل كوهين، "العرب الصالحون: الاستخبارات الإسرائيلية والعرب في إسرائيل 1948 – 1967" (بالعبرية)، (القدس: معهد دراسات السلام – الجامعة العبرية، 2006). وانظر أيضاً:

Shira Robinson, Citizen Strangers: Palestinians and the Birth of Israel’s Liberal Settler State (California: Stanford University Press, 2013); Khaled Furani, Silencing the Sea: Secular Rhythms in Palestinian Poetry (California: Stanford University Press, 2012); Maha Nassar, Brothers Apart: Palestinian Citizens of Israel and the Arab World (California: Stanford University Press, 2017); Ilan Pappé, The Forgotten Palestinians: A History of the Palestinians in Israel (Connecticut: New Haven, 2011).

[10] منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 82.

[11] المصدر نفسه، ص 149.

[12] المصدر نفسه، ص 147، 176، 185.

[13] المصدر نفسه، ص 146.

[14] المصدر نفسه، ص 145. وهنا يجدر ذكر قصة "بوابة مندلباوم" للكاتب والناشط الشيوعي إميل حبيبي، والتي تعطي لمحة عن عمق مأساة النكبة الفلسطينية مثلما عاشها الفلسطينيون، ومثلما عاشها هو نفسه، إذ تركت والدته فلسطين بعد النكبة لتنضم إلى عائلتها في دمشق، مدركة أنها لن تحظى برؤية الابن الذي ولدته في حيفا. انظر: إميل حبيبي، "بوابة مندلباوم،" في "سداسية الأيام الستة: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل وقصص أُخرى" (حيفا: مطبعة التعاونية، 1969). وعن السيرة الذاتية في أدب إميل حبيبي، انظر:

Seraje Assi, "Memory, Myth and the Military Government: Emile Habibi's Collective Autobiography", Jerusalem Quarterly, issue 52 (winter, 2013), pp. 87-97.

[15] منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 158. ليس لدينا كثير من المصادر التاريخية، وحتى الشفوية، بشأن قرارات ونشاطات الشيوعيين في تلك الأشهر، وهو ما يقرّ به منّاع أيضاً. ومع أنه لا يمكن أن ننكر أنه كان لتغيير الموقف السوفياتي بشأن التقسيم تأثير في موقف العصبة، إلّا إن من الصعب إثبات ادعاء منّاع، وخصوصاً أن الشيوعيين الفلسطينيين كانوا واعين لتغير السياسة السوفياتية منذ خطاب أندريه غروميكو في الأمم المتحدة في أيار / مايو 1947، والذي أبدى فيه استعداد دولته لقبول قرار التقسيم. وعلى الرغم من ذلك، فإن العصبة استمرت في موقفها الرافض للتقسيم بعدها بأشهر طويلة، وحتى بعد ثلاثة أشهر من تصويت الاتحاد السوفياتي مع قرار التقسيم في الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، يعرض موسى البديري بحثاً متزناً، في دورية "بدايات"، بعنوان: "إقرار بالذنب: إميل توما والتقسيم الذي لم يحدث"، "بدايات"، العددان 18 - 19 (خريف 2017 - شتاء 2018)، ص 201 - 216.

[16] منّاع، مصدر سبق ذكره ، ص 160 - 161.

[17] المصدر نفسه، ص 162.

[18] المصدر نفسه، ص 164 - 167.

[19] "أيها الشعب العربي الفلسطيني"، منشور لعصبة التحرر الوطني الفلسطيني، تموز / يوليو 1948. وفي شأن تآمر الأردن، انظر: Shlaim, op. cit.

[20] بيان "عصبة التحرر الوطني حيفا"، في 2 أيار / مايو 1948. وهنا لا بد من توجيه الشكر إلى موسى البديري لتزويدي بنسخ من المنشورات.

[21] منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 180 - 186. يشار إلى أنه في نسخة الكتاب العبرية، يذكر منّاع أنه في جريدة الشيوعيين العرب، "الاتحاد"، "حرص الشيوعيون على ألّا ينشروا أي شيء قد يؤثر على وحدتهم وشراكتهم" (ص 168، ترجمتي الخاصة)، وهذا قد يفسر القيود على ما استطاع واختار الشيوعيون نشره في سياق التفسير المبني على توازن القوى بين الشيوعيين العرب واليهود في تلك الفترة، وهو أمر لم تتم الإشارة إليه في النسخة العربية من الكتاب.

[22] Hassan Jabareen, “Hobbesian Citizenship: How the Palestinians Became a Minority in Israel”, in: Multiculturalism and Minority Rights in the Arab World , edited by Will Kymlicka and Eva Pföstl (Oxford: Oxford University Press, 2014), pp. 189–218, 204.

[23]منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 166.

[24] Musa Budeiri, The Palestine Communist Party, 1919 –1948: Arab and Jews in the Struggle for Internationalism (London: Ithaca Press, 1979), pp.143–144.

[25] منّاع، مصدر سبق ذكره، ص 174.

[26] منّاع، "نكبة وبقاء" (الطبعة العبرية)، ص 155.

[27] مثلاً في منّاع، "نكبة وبقاء" (الطبعة العربية)، مصدر سبق ذكره، ص 172، يكتب: "هذه المواقف لقيادات إسرائيلية بارزة تبيّن بما لا يترك مجالاً للشك أنها قدّرت الدور المهم الذي يقوم به الشيوعيون في تلك المرحلة المفصلية."

[28] يقتبس كوهين من تعليمات أصدرها دافيد بن - غوريون إلى الحكم العسكري في الأشهر الأولى لاحتلال الجليل، في 20 كانون الأول / ديسمبر 1948، والتي اقتضت "منع الشيوعيين من السيطرة على العرب." انظر: كوهين، مصدر سبق ذكره، ص 60.

[29] منّاع، "نكبة وبقاء" (الطبعة العربية)، مصدر سبق ذكره، ص 181. وفي موقع آخر يتناول فيه الكاتب قصة إلياس كوسا، وهو محامٍ وناشط سياسي فلسطيني من حيفا، فإنه يؤكد أن كوسا آمن بأن احتكار الشيوعيين لتمثيل قضايا المواطنين العرب يضرّ بمصلحتهم، وأن الشيوعيين هاجموه لمواقفه، إلّا إن منّاع هنا أيضاً لا يستند إلى أي مصدر (منّاع، "نكبة وبقاء"، الطبعة العربية، مصدر سبق ذكره، ص 317).

السيرة الشخصية: 

لينا دلّاشة: باحثة وأستاذة التاريخ في جامعة هامبولدت في كاليفورنيا.

اقرأ المزيد