عن يوسف أبو الخير: إمّا مُحرّر إلى المنافي وإمّا منفيّ في وطنه .. وفي الحالتين قهر وسجن
التاريخ: 
16/12/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

عاد إلى البلاد حالماً بأن يعيش شيخوخته فيها ويكتمل حلمه بحسب قوله في أن يُدفن بعد عمر طويل في الوطن، في عكا، قريباً من بلدته الأصل السميرية التي دفنوا بيوتها في الأرض كي يقيموا مستعمراتهم، ويكفينا مَنْ دُفنوا في المنافي وفي قبر اللجوء.

يوسف أبو الخير المهجّر في جيل الخامسة، والمنفي في جيل الأربعين والأسير في جيل الرابعة والسبعين والمنفي مجدداً في السابعة والسبعين، عاش شبابه في البلدة القديمة في عكا وعمل في منجرته، إلى أن اعتقل في سنة 1969 بتهمة الانتماء إلى خلية فدائية قامت بسلسلة عمليات في حيفا ومنطقتها، وهي الخلية المشهورة باسم "مجموعة عكا 778"،[1]  وأصدرت المحكمة الإسرائيلية عليه حكماً بالسجن مدى الحياة والمؤبّد خمس عشرة مرة.

في سنة 1983 أُطلق ضمن صفقة تبادل الأسرى الكبرى، وقد منعه "العفو" الذي منحه إياه رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك موشيه ليفي، من العودة إلى البلاد وفي حال عاد إليها سيواصل الحكم في السجن. مثل هذا العفو يُكتب بحروف بالبنط الأصغر الممكن، ولا يزاحمها في الحجم سوى حروف رسائل الأسرى فيما بينهم على وريقة تتحول إلى "كبسولة" كي تصل إلى عنوانها بأمان، لكنا هنا بصدد أحرفٍ الهدف منها ألاّ تصل إلى عنوانها، بل تبقى ذخيره يستخدمها قضاء إسرائيل لتبرير أي خطوة بحق الفلسطيني متى تطلّب الأمر. ومنذ أن حط المشروع الصهيوني في بلادنا فلسطين، لا توجد ملفات مغلقة، بل كل ملفات الصراع مع شعبنا تحت الاحتلال هي ملفات مفتوحة ما دام المستهدف حياً، فلا مثيل لهذه الحروف الصغيرة لإخفاء النيات، ولا مثيل للقضاء الإسرائيلي في القضاء على كل حق فلسطيني.

في أوائل أيلول/سبتمبر 2017 وفي يوم قائظ جاءني إلى الزنزانة أحد الأسرى العاملين تطوعاً في الساحة والمرافق (المردوان) ليخبرني عن "شخص كبير السن من فلسطينيي الـ 48 يرتدي بدلة" جاءت به إدارة السجن، فأدخله الأسرى إلى الكانتين ليستريح قليلاً، حيث جهاز التكييف المخصص للحفاظ ما أمكن على محتويات الكانتين. خرجت للتو، لألتقيه أول مرة. وبعد التعارف جلسنا وكان الإرهاق وصخب الصدمة طاغيين عليه، إلى درجة أفقدته ذاكرته بشكل مقلق، ناهيك عن كونه مسنّاً، وقد خضع، كما علمنا لاحقاً، لعملية قلب مفتوح وتعرض لجلطة دماغية قبل فترة وجيزة، وما كان ينقصه سوى الصدمة الرهيبة. حدّثنا بأنه وبعد إجراءات مطوّلة في السفارة الإسرائيلية في أثينا وتوكيل محام من البلاد وآخر من اليونان ليقوما بالإجراءات، سلمته السفارة الإسرائيلية تصريحاً بزيارة البلاد، مع العلم بأن جواز سفره الإسرائيلي قد أُلغي في سنة 1983، ولم يحصل على جواز سفر يوناني ولا مواطنة بل تصريح إقامة، وقد حصل على جواز سفر فلسطيني لا يستطيع القدوم به إلى البلاد.

أضاف أبو الخير بأنه استعد على عجلة للسفر إلى البلاد بعد ان هنّأه مسؤول التأشيرات في السفارة الإسرائيلية بحصوله على التصاريح المطلوبة، وبعدها بيومين وصل مطار "بن غوريون".  عندما وطأت الطائرة أرض المطار ارتفع منسوب الفرح الحزين، إذ وصل بعد خمسة وثلاثين عاماً إلى فلسطين. لكنه ما إن هبط سلم الطائرة وهو بهذا الصخب من مشاعر العودة، حتى تحوّل الحلم الجميل في لحظة إلى كابوس لم يحلّ حبكته حتى يومنا هذا وربما لن يحلها مستقبلاً. فقد اقترب منه رجلا أمن وفصلاه عن زوجته ومحاميه واقتاداه إلى الاعتقال في مركز شرطة قريب ثم إلى "لجنة الإفراجات المبكرة الخاصة" التي اجتمعت وأقرت على الفور إعادة الحكم الأصلي القاضي بخمسة عشر مؤبداً. وللتوضيح، فإن لجنة الإفراجات تحمل نقيض تسميتها عند الحديث عن أسرى فلسطين وذلك لأن المستعمِر يحمل نقيضنا. وعلى شاكلتها مثلاً توجد "سلطة تطوير البدو في النقب" والتي جلّ عملها هو التطهير العرقي ضد عرب النقب واقتلاعهم وتهويد المكان، ولجنة الإفراجات لا تعرف سوى منع الإفراجات إلاّ إذا اضطرت الدولة إلى الإفراج عن أسير. كل "محاججات" يوسف أبو الخير والتأكيد أنه حضر إلى البلاد بتأشيرة من سفارتهم في أثينا والتي عملت في مقابل وزارة الداخلية لم تشفع له، بل إن "جريمة العودة إلى الوطن" فيها من الخطورة بحسب اعتبارات إسرائيل التي لا تريد فتح الباب الموصد أمام العودة، وهي المعنية أيضاً ودائماً بعدم رؤية ضحاياها، لأن الضحايا في اللجوء والمنافي هم البيّنات الأكثر دلالة على الجريمة الكبرى - النكبة.

وعلى الرغم من تراجع دور الحركة الأسيرة كما تنعكس عليها الحالة الفلسطينية الراهنة البائسة، فلا تزال قيم وأخلاقيات التكافل والمساندة والدعم المتبادل قوية وطاغية، فقد استقبل الأسرى أبو نضال بحفاوة كبيرة، لكنه كان لا يزال في مساحات الصدمة.

بعد حديث أولي في تلك اللحظة وجلسات وأحاديث في الأيام الأولى له في السجن، لفت أبو نضال انتباهي حين قال لي إنه نسي كل شيء حتى اسم الشارع الذي يسكن فيه منذ ثلاثة عقود وأكثر، وحتى اسم الشارع اليوناني حيث مكان إقامته.

إلاّ إنه وبصفته أسيراً سابقاً أدرى بشعاب أجهزة القهر، وهو يدرك أنه لن يساعده أحد في السجن سوى الأسرى، وفي الأساس الاعتماد على ذاته. ولو ترك الأمر لإدارة السجن والعيادة لكتبوا له وصفة بتناول "الحبة الصفراء" المشهورة وهي حبة منوّم صفراء اللون لتناولها كل مساء وهكذا تهدأ الحال، وللحقيقة تهدأ حالهم لا حال الأسير. إنهم لا يعالجون الصدمات وتداعياتها بل يبيتونها إلى اليوم التالي وهكذا كل يوم، وليس مثل المنوّم علاجاً.

في أحد الأيام راودتني فكرة أن أقوم معه بجولة في عكا وأزقتها، ربما يعود إلى هناك حتى ولو على متن جولة افتراضية. سألته عن المنجرة، فوصف لي المكان دون ذكر اسمه، وبدأنا نمشي من هناك إلى الميناء ومنه إلى الفنار، وعودة إلى جامع الجزار مروراً بالسوق والخانات والمسامك والملاحم والمطاعم القديمة وفرن فخري البشتاوي المناضل العكي التاريخي. ورويداً رويداً بدأت الذاكرة تستعيد حيويتها وتنفتح خريطتها، وبعد جولات قدته أنا فيها، بدأ يقودني في جولات أُخرى في تاريخ عكا ليأخذني إلى المنزل المتواضع الذي سكن فيه وهو طفل وإلى حي الشيخ عبد الله ووصلنا شمالاً إلى السميرية التي نزحت عائلته عنها قسراً ومهانة. وفي سرده لمساحات الذاكرة خطّت كلماته مساحات مكان وارتسمت خريطة بلد.

تفتحت الذاكرة ومعها تفاعله الجميل مع الأسرى في قصص الحياة الاعتقالية من سنوات السبعين، والملفت أن أغلبية الأسرى الذين يجتمعون حوله في ساحة القسم هم الأسرى الشبان حديثي العهد النضالي والاعتقالي. يحكي لهم قصص فلسطين وحكايات السجون في سنوات الستين والسبعين وكلهم آذان صاغية. كما شكّل حضوره الاعتقالي ظاهرة اجتماعية، إذ إن الأسرى الشباب يعتبرون أحياناً الأسرى القدامى وكبار السن بمثابة الأب، لكن أبو نضال كان لهم بمثابة الجد، هكذا تعاملوا معه بالدلال والإكرام وكان تعامله ودياً وحنوناً وبمشاعر معزّة الأحفاد. وكان في طيات ذاكرته المستعادة كنزٌ من الأحداث والتاريخ يشركهم بما فيه من قصة.

فاخر بزوجته وشريكة دربه الإنساني والكفاحي، المناضلة فاطمة النمر أبو الخير، وكم كان يكثر الحديث عنها ويمتدحها ويؤكد فضلها عليه فتنزل دمعة ويتوقف عن الحديث، حتى تمر عاصفة الصخب. حضرت فاطمة في كل أحاديثه وشحن نفسه بالمعنويات من حضورها الثابت.

وعلى الرغم من سنّه المتقدم أصر على أن يعالج جسده بالرياضة، وأن يكون يومياً أول الأسرى في الساحة فيجري بسرعة وبالتدريج انتقل من المشي دقائق معدودة إلى الجري السريع ساعة كاملة وأغلبية الأسرى ما زالوا نياماً.

لم يعرف أبو نضال أسيراً من الشبان في ضائقة نفسية إلاّ وسانده، ولم يحتمل أن يرى أسيراً من الشبان في ضائقة مالية مالية إلاّ وسعى لمعالجة الأمر ومتابعة قضيته حتى تجد حلها. ولم يقبل أن يبقى شبان فلسطينيون أسرى لم يتعلموا إلاّ صفوف قليلة في المدرسة الابتدائية وخرجوا إلى الحياة أقرب إلى الأميّة وإلى الشحّ السياسي والثقافي. صار يجلس معهم ويقدم لهم ما عنده على شكل قصص من الحياة والتثقيف السياسي وتعليم الكتابة الأولية، وكان يطلب مني تنظيم دورات لمجموعات أُخرى في اللغة العربية والتعبير وكذلك في التثقيف السياسي.

هذا الحنان يفتقده الأسرى فلا حنان في السجون وفي الحياة الاعتقالية، إلاّ إن أبو نضال كان لديه الكثير من ذلك. في المقابل لا بد من تقديم التحية إلى الأخوة الأسرى القدامى في قسم نابلس وأذكر منهم المحكومين مدى الحياة: وضاح البزرة وراسم حسين ورامي نور ورائد عبد الجليل وفواز بعارة ورائد أبو سريسي وخيري سلامة وعارف سمحان وموسى سروجي، وأسرى سجن الجلبوع قسم نابلس على ما قدموه من رعاية واحتضان لأبو نضال وعلى مدار الساعة. وهيئة شؤون الأسرى والسفارة التركية في فلسطين والسفارة الفلسطينية في اليونان والنائب أيمن عودة، بالإضافة إلى دور العائلة الحاسم لشريكة دربه فاطمة النمر أبو الخير وأخيه وهيب وحفيده مراد والعائلة في توفير كل متطلبات الإجراءات في البلاد والخارج.

غادر يوسف أبو الخير السجن مباشرة إلى المطار، وفي مراحل الصعود إلى الطائرة قد يكون التقى برجلي الأمن اللذين اقتاداه قبل ثلاث سنوات وثلاثة أشهر من مساحات حلمه إلى ضيق السجن، وهذه المرة سيكون حضورهما أو حضور غيرهما من الجهاز نفسه، لضمان اقتياده إلى خارج الوطن.

حرروه من السجن مرتين كي يطردوه من وطنه ومن بلده مرتين، مرة في سنة 1983 والتي كانت بالنسبة إليه انتصاراً، والثانية قبل أيام في سنة 2020 والتي تلفها الخيبة، وفي السجن منفى وفي المنفى كثير من السجن. لن يتيحوا له أن يطأ أرض عكا وأن يتنفس عبق بحرها ولا ملامسة أسوارها والسير في أزقتها ولا أن يشبع من صخب أهلها وطيبتهم، ولا حتى زيارة لوداع مدينة. كل هذا يضاف إلى الاقتلاع الأول من السميرية.

يحمل فرح الخروج من السجن وحرقته على من وقفوا يودعونه وطالما وصفهم في محادثة هاتفية بعد الفرج بأنهم "يكبرون سنة بعد سنة وفسحات الفرج لا تبدو قريبة"، إنه يحمل عبء الحسرة ويحمل حلم العودة والانتصار ويغادر إلى المنفى في خريف العمر، لكن في حمله للحلم حماية له، فهو يحميه بقناعاته ويحميه بحنان الجدّ، حلم إن لم يتحقق الآن سيتحقق بعد حين.. وإن لم يكن له فللأحفاد والأجيال الكثيرة التي لا تريد أوطان المنافي واللجوء عوضاً عن بيتها، مهما طال أمد الحلم. وكما كتبت حفيدته "حتى لو نفي يوسف خارج أرض الوطن الغالي..أولاده وأحفاده لن يغادروا بلدنا الحبيب. سنبقى هنا."

هذه حال يوسف أبو الخير الأسير المحرر إلى المنفى المؤبد.. فصل من حكاية فلسطين.  

 

[1] تألفت "مجموعة عكا 778" من: فوزي النمر قائداً والأعضاء: محمد حسين غريفات، ويوسف أبو الخير، وعبد خزبوز، ورامز خليفة، وفتح الله السقا، ومحمود أبو الصغيّر، وأحمد بشر، وراجح بشر، وعمر منصور، وقاسم أبو خضرة، وعمر السيلاوي. ووثّق تاريخ المجموعة الكاتب والروائي المناضل والأسير السابق توفيق فياض الذي تعرف على أعضاء المجموعة في السجن، وقد نشر روايته التوثيقية: "مجموعة عكا 778" في رواية صدرت بثلاث طبعات: 1974 و1978 و2001.

عن المؤلف: 

أمير مخول: كاتب من حيفا.

المدونات التابعة لملف "الأسرى"
ميس أبو غوش
ميس أبو غوش
ناصر الحلبي
علاء العلي
سائد سلامة
عيسى ديبي، هكذا رأيت غزة مدينة لم أرها، زيت على قماش، أبيض وأسود، ،٢٠١٨، مجموعة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
رأفت العسعوس

Read more