الفلسطينيون لا يكتملون بأحد ولا يضيعون من دون أحد
التاريخ: 
24/09/2020
المؤلف: 

في الوقت الذي كانت دولتَا الإمارات والبحرين، توقعان معاهدة (سلام) مع إسرائيل برعاية البيت الأبيض، كان الفلسطينيون يوقعون عريضة لتحويل مقر جامعة الدول العربية إلى (قاعة أفراح) على الفيسبوك. هذا الفعل التهكمي وإن بدا عفوياً لكنه يعكس في مضمونه محاولة انفكاك واضح عن حالة التخاذل العربي، وخصوصاً بعد فشل الجامعة في إقرار مسودة قرار يدين تطبيع العلاقات بين دول خليجية وإسرائيل.

المتبصر في واقع الحالة العربية يدرك أن هناك لهاثاً لدخول مضمار السباق نحو التطبيع مع إسرائيل، بعد جولات من اللقاءات والاجتماعات المكثفة التي تمت في الخفاء باعتراف إسرائيل، وتتويج هذا الجهد بتوقيع (معاهدة سلام)، بزعم أنها جاءت من أجل دعم الفلسطينيين وباشتراط وقف سياسة الضم التي تمارسها دولة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية.

هذه المزاعم، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الأنظمة العربية التي تلهث خلف التطبيع مع إسرائيل، تحاول التستر بورقة توت فلسطينية، وإلاّ فلماذا تضمنت ديباجة المعاهدة التي وقعها الإماراتيون والبحرينيون: "يتعهد البلدان بمواصلة جهودهما للتوصل إلى حل عادل وشامل وواقعي ودائم للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؟"

كان يمكن للدولتين أن توقعا اتفاقاً بالصيغة التي شاءتا بعيداً عن إقحام الفلسطينيين في صيغته، الذي في حقيقته لن يخدم إلاّ مصالح البلدين الخليجين، وإٍسرائيل قبل كل ذلك.

ثمة سؤال يطرحه الفلسطينيون في قطاع غزة بصورة خاصة بصفتهم قابعين تحت مظلة العتمة والفقر والحصار: ما الجدوى من اتفاق كهذا؟ ما قيمة أن يقول الصحافي الإسرائيلي رفائيل أهرين: "بعد رحلتنا التاريخية من دون توقف من تل أبيب إلى أبو ظبي، تبذل السلطات الإماراتية قصارى جهدها لجعل ضيوفها الإسرائيليين يشعرون بأنهم موضع ترحيب،" في الوقت الذي لا يستطيع فلسطيني واحد مغادرة غزة في ظل الحصار الطويل القائم والقاتم؟

الآن يمكننا أن نقول وبصريح العبارة، إن إسرائيل انتصرت في قلب مفهوم الصراع، إذ لم تكتفِ بحرفه عن مساره من صراع عربي- إسرائيلي، إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، وذلك لانتزاع القضية الفلسطينية من عمقها العربي بانتهاج سياسة شق الصفوف، ومن ثم الاستفراد بالشعب الفلسطيني الذي يصر على مقاومة الاحتلال بشتى الوسائل والأدوات.

يتجلى هذا الانتصار في صيغة الوثائق التي وقّعتها أبو ظبي والمنامة، والتي تدعو بشكل مبهم إلى "حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني"، لكنها لم تذكر صراحة حل الدولتين أو المستعمرات. علماً بأن مفهوم "حل الدولتين" كان قد نال تأييد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في السابق، ولا تزال الإدارة الأميركية تدعمه، لكنه غاب تماماً عن الاتفاقين، وكذلك لم يتم التطرق إلى مشروع إسرائيل الاستيطاني في الضفة الغربية.

هذا الواقع وعلى مرارته لم يفاجئ الفلسطينيين، فالمسألة بالنسبة إليهم تجاوزت فكرة خيبة الأمل. الغزيون مثلاً تعرضوا لثلاثة من أقسى الحروب في الشرق الأوسط على مدار ستة أعوام، ناهيك عن الحصار المطبق براً وبحراً، فهل جاءت مقاتلات أبو ظبي والمنامة للدفاع عنهم؟

من غير المعقول أن تقول العاصمتان الخليجيتان أن التطبيع جاء من أجل مصلحة الفلسطينيين، فلا حاجة إلى التستر بغطاء فلسطيني. ما جرى هو بيع أوهام للتغطية على عمل يدرك الذين قاموا به أنه يتناقض مع مبادرة السلام العربية ويوجه طعنة نجلاء في خاصرة الشعب الفلسطيني.

المطبعون لن يمنعوا الإسرائيليين من التوسع الاستيطاني والضم الهائل لأراضي الضفة الغربية، لذا إن أرادوا التطبيع فليفعلوا ذلك وهذا شأنهم، لكن عليهم أن يدركوا أمراً مهماً هو أن الوقائع التي تحاول إسرائيل فرضها على الأرض بقوة السلاح، لن تجلب لها إلاّ مزيداً من الاضطرابات الأمنية حتى بعد تشكيل هذا الحلف الجديد.

الشرق الأوسط الجديد الذي تتباهي به الإدارة الأميركية وإسرائيل على حد سواء، لا يعني مطلقاً ترسيم حدود جديدة لفلسطين غير تلك التي حفظتها الأجيال عن ظهر قلبٍ في كتب الجغرافيا.  

ربما تكون الفائدة الوحيدة من هذا الاتفاق، هي تأكيد المؤكد بالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين، بأن النظام العربي وجامعة الدول العربية التي نشأت على جذع القضية الفلسطينية، قد تخلت عن مسؤولياتها ودورها في احتضان الموقف القومي الداعم لهذه القضية.

الدول العربية الآن تتفلت من النظام العربي، وركلت مبادرة السلام العربية بقدمها وذهبت نحو اتفاقات تطبيعية منفردة وحلف استراتيجي مع إسرائيل ضمن بحثها عن شبكات أمان عبر اتفاقيات وصفقات تجارية وعسكرية تخدم مصالحها تجاه الأعداء الجدد (إيران- تركيا) ليس أكثر، وهذا ليس اتهاماً وهو في الحقيقة أمر معلن.

أمام هذا الواقع، ثمة سؤال مشروع: ماذا يتوجب على الفلسطينيين فعله الآن؟

آن الأوان لإنهاء الانقسام الداخلي بحزم وقوة، وهذا يتطلب أن يلتئم الفلسطينيون جميعاً من الضفة الغربية وغزة والداخل المحتل والشتات، على طاولة واحدة لبناء استراتيجيا سياسية جديدة يمكن من خلالها مواجهة إسرائيل.

الواقع يحتم علينا تحويل هذه الأزمة إلى فرصة وإيجاد حالة من الوعي للتعامل مع معطيات المرحلة الجديدة بما يلزم من أدوات جديدة وعدم الركون إلى الأدوات القديمة.

التطبيع العربي لا يمكن أن يخدم إسرائيل لطالما بقي الفلسطينيون متمسكون بأرضهم وحقهم. والشاهد على ذلك، هو فعل ذاك الطفل القاطن في قرية خزاعة شرقي محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، والذي يخرج من بيته صباحاً إلى حقل القمح المتاخم للسور الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة سنة 1948 ليثبت للجندي المتحصن في آلته العسكرية أن هذه هي أرضه.  

هل هناك أكثر من هذه الرسالة التي تفيد بأننا كفلسطينيين لا نكتمل بأحد ولا نضيع من دون أحد؟

عن المؤلف: 

فادي جمال: كاتب من غزة.

اقرأ المزيد