تأملات على عتبة الصحراء وتقاسم رغيف الطموح والأمل
التاريخ: 
12/08/2020
سلسلة خاصة: 
الأسرى

في سجن رامون يعلو خيالي فوق الجدران وأسلاكها الشائكة فأجدني تحت النجوم وعلى عتبة صحراء الوطن في النقب، وتتدافع الأفكار في ذهني لأكتب حكاية أسبوع، ففي كل يوم فكرة ورسالة:

 كي لا ينسى الوطن تقاسيم الوجه وألوان الحلم

وأنت في الأسر وفي غربة ما بين الجدران يعلو في قلبك منسوب الحنين، ويكبر قلقك على وطنك بقدر المسافة التي تفصلك عنه. للوطن رائحة عجيبة .... تولد معك .... تكبر.... تتجذر في دمك وعروقك.

بعضهم يكره أن تحب وطنك وأن تبذل روحك من أجل أن تظل عيناه سليمتين وقلبه نابضاً بالعافية.

 

نحو شرعية جديدة ١، للفنان محمد الجولاني

 

لم ولن يتحوّل وطني إلى وطن خارج الوجدان. لن تموت أحلامنا، ولن تنطفئ قلوبنا، ولن نكره الوطن الذي أحببناه بالفطرة، فالوطن البسيط الهانئ كما الأهل في الحب وكما طيبة الناس.
لماذا حين نكون في حالة حزن لا نحس بذراعي الوطن يضمّاننا، ولا نشتم عطر الأم الفائح من صدره، نشعره غريباً ونشعر بأننا غرباء فيه.
هل الوطن مجرد أرض، أم هو ناسك وأهلك وأبناء وبنات جلدتك وكل محبيك؟ يا إلهي!! نخاف أن نكبر هنا حيث لا يعود وطننا يتعرف على تقاسيم وجوهنا وألوان أحلامنا، إن قرار الوطن منوط بنا. سوف نخلق أحلاماً كبيرة نعايشها، وستبقى حياتنا الحليمة أعظم من أي حياة، ولن نسمح بإطفاء نورنا المكنون فينا، في أذهاننا وقلوبنا وأرواحنا. لا يستطيع أي قاهر أن يقتل شيئاً مما في داخلنا. إننا أحياء سنقاوم، ونقاوم دائماً لنبقى أحياء وكي يبقى طموحنا الواثب حياً.
ما أروعك يا درويش عندما سألت:

"ما هو الوطن؟ هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض، ليس الوطن أرضاً، لكنه الأرض والحق معاً، الحق معك والأرض معهم."
الوطن هو أمنا الحنون .... وبيتنا المطرز .... وشجيرات الحياة.... هو أتفاقنا الحتمي في رحلتين هما الحياة والموت.
1/8/2020
حين شاهدت صور بلدتي دير شرف بالأمس، وجدت أن الفجوة بين الذاكرة والمكان قد اتسعت، فالأشياء الطبيعية ما زالت على حالها، أمّا ما استحدث، وما تغير فهو كثير جداً أذا ما قيس بالراسخ والمتجذر أصلاً.
رأيت البلدة .... شوارعها.... حاراتها.... صحيح أننا حرمنا الوصول إلى هذه الأمكنة، لكن لم نُحرم البصيرة، ومن هنا تبدأ الذكريات .... بيوت عتيقة .... زقاق قديم .... المدرسة، زهرة قرنفل في حوض .... هو نحن.
هل بإمكاني العودة الآن فقط لأقطف زهرة القرنفل من الحلم المجاور كي يتسع قلبي لورود كثيرة؟ هل باستطاعتي أن أعبر بساتين الكفاح وأسترد فوضاي المنسية بعد تعب مضنٍ من عبء الأسر، وأن ألملم أطيافي وأعتزل المكان فقط وأتفرّغ لعناق نبضات قلبي التي ألهبها الحنين والاشتياق واستحضر غيمة تبكي مطراً على سقف ذاكرتي؟
يا الله كم أرغب في رذاذ يوقظني، كم أتمنى فرجك وعطفك ومغفرتك
إلى ذلك الحين، أنتظر بلهفة وصبر ضباب القدر .... سوف أسافر عبر السطور، إلى وطن معبأٍ بأرواح حرة تتطاير خفية في وحشة اللحظات المنسية، لتستقر نبضاتي.
30/7/2020
عن وفاة الأخت

طوال الأيام الماضية، تلقيت تعازيكم ومواساتكم، منكم من راسلني، وآخرون عن طريق الاتصال المرئي والمسموع.
شكراً لكم جميعاً .... الأهل .... الأحبة .... الأصدقاء .... الرفاق
إخواني ورفاقي والمجاهدون الأسرى منكم من حضر واتصل وبعث برسائل، شكر الله سعيكم.
يا رب أسكنها فسيح جناتك، إنك الرؤوف الرحيم الذي يحن عليها ويرحمها أكثر من حنانها على طفلها الرضيع
مواساتكم جميعاً تجعلني أشعر بالفخر والاعتزاز وأنا أدرك أن روحها ستبقى معي إلى الأبد هائمة، لكنها حتماً ستكون في مكان دافئ وهانئ وجميل، مكان يليق بالروح بعظمتها، بأحاسيسها.
لقد بكيت وحزنت وارتديت السواد على رحيلها، وقلت ماذا أفعل، فعلاً لا أفهم كيف أحزن لانتقال حبيبتي من ديار الفناء إلى ديار البقاء
الفراق صعب!
لكن الحب يجعل من الفراق لقاء، لقاءً روحياً لا يموت مهما نأت المسافات .... وبعدت الأمكنة
شكراً لكم
30/7/2020

 من الممكن أن يستيقظ الأسير في ساعات الظهر ويكون مرتاحاً، لكن بالنسبة إليّ أستيقظ يومياً الساعة السادسة والنصف صباحاً، أتابع أهم وآخر الأخبار وأستمع إلى فيروز مع قهوة الصباح بعد ذلك. ثم أمشي مدة ساعة ونصف في الجولة الأولى، ثم أقدم محاضرة بعنوان (دفاعاً عن دولة الوحدة)، وبعدها أقرأ صحيفة (هآرتس) التي تأتيني يومياً، وفي ما تبقى من الوقت أقوم بتلخيص ماده دراسية لطلبة الماجستير لأقدمها في وقت لاحق.
لهذا السبب أحرص على الاستيقاظ مبكراً، إذ لا متسع من الوقت في الأسر، والأهم من ذلك أبحث عن المعرفة كل يوم لأن وجودها أو انعدامها يمكن أن يشكل مصيري، وهكذا أكرّس عقلي وقلبي لتحقيق ما أرغب بشدة في تحقيقه. لا يوجد ما يعوقني.
29/7/2020

 إن لم تكن تحب ما وصلت إليه، فهناك دائماً لحظة جديدة ويوم جديد لتبدأ من جديد.
سرعان ما تذكرت مقولة قرأتها ذات يوم تعود إلى الفيلسوف غوته "لتبدأ الحياة كل يوم من جديد كما لو أنها بدأت للتو."

أنا لم أحب كل ما قاله غوته، لكن يكفي أن أحب هذه العبارة إذ أشعر بأنها فيض لا نهائي من الفرح والارتياح، يدفعني باستمرار لأحب الحياة رغم الحكم بسجني أسيراً مدى الحياة.
بالأمس كنت أقرأ بعض روائع أشعار يوسف برودسكي، توقفت عند فقرة أثارت أعجابي وشعرت بأنها تلامس حالي:

"هذه الليلة أنظر من خلال النافذة

وأفكر إلى أين وصلنا!

وعن أي الأشياء ابتعدنا

وإلى أي الأشياء اقتربنا

وماذا تخبئ لنا الأيام

ألا ينتظرنا مصير جديد

غداً يوم جديد

غداً أجمل
28/7/2020
لا شيء في السجن يبعث على الرضا مثل توفر الوقت للتأمل والتفكير، هكذا تحدث مانديلا وهو في السجن، وهكذا تحدثنا تجربتنا الشخصية وتجربة شعبنا.
لذلك، لم يرهقني الحلم وفي يدي رزمة من الصمود، وفي اليد الأُخرى قلم يضمد الجراح. إنه طبيب قلوبنا ومهندس حروفنا ومعلم النبضات ورفيق دربنا. القلم يطبع على أصابعي نقاطاً تبدو حناء نقشت في يوم عيد.

عندما أكتب أتحايل على الحروف واللغة والأبجديات كي أستخرج الأفكار من أنسجة الدماغ، أو ربما هي تتحايل علينا لتخرج من دمنا ومن قلوبنا ما تبقى لنا من نبض أحساس بالوجود والحياة لنراها.
عندما أكتب تأتي مشاعر الحب ودفء الأمان والاطمئنان والثقة.

هذه ليست شعارات تقال وليست بحاجة إلى حملات توعية، إنها حالة وعي فطري وإدراك طبيعي غريزي لأحاسيس وتواصل حي قائم ولو نأت المسافات، لأنه لا يقف عند حدود المكان والزمان، كما ومن الممكن ألاّ يعبّر عنه بكلمة أو بحرف.
27/7/2020
 "لن نفشل أبداً، لأننا نولد من جديد كل يوم، كما أن الحياة ملأى بالفرص الجديدة، ونحن في الأسر نمتلك الحرية بأن نستيقظ يوماً ونقرر أن نجوب العالم، لذا، فإن كل يوم يحفل بالأفكار والاحتمالات الواعدة.

والأمر الأهم في حياتك هو أن تمتلك قضية تسعى للفوز بها، شيئاً تؤمن به، من شأنه أن ينير طريقك، ويربطك بالهدف من حياتك، وهكذا نسجل في مسوداتنا معنى أن نعيش، أن نكتب، أن نتقاسم رغيف الطموح، أن نبقى أوفياء حتى النهاية.
26/7/2020

 أعظم لحظات السعادة في الأسر، أن أشاهد طفلاً يضحك. هناك أمر يتعلق ببراءة ضحكة الأطفال، وهو يمدّني بالسعادة طوال أسبوعي.
يعيش الأطفال في عالم صغير مملوء بالعجائب، إذ إنهم لم يروا في أغلب الأحيان الأمور المحزنة التي تملأ العالم من حولهم كما يراها البالغون. إن مجرد رؤية طفل يضحك على أبسط الأمور تجعلنا نتوق إلى هذه الأوقات البسيطة من الحياة.
في بعض الأحيان، قد يخبو نورنا الداخلي ويشعله أطفالنا مرة أُخرى، لذا على كل منا أن يشعر بالامتنان العميق لكل من أضاء الشعلة في داخله. ضحكة الأطفال أمر بسيط وهي أكثر الأمور روعة، لكن الحكيم فقط هو من يمكنه رؤية ذلك.

كم عبّر عنا شاعرنا توفيق زياد حين قال: "وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلاً باكياً يضحك ...."

محبتي لأطفالكم
22/7/2020

 نحن لسنا أشخاصاً آليين، بل إننا نملك القدرة على الشعور بكم كبير من المشاعر في الوقت ذاته.
وعندما نمر بأوقات مرهقة أو عصيبة، من الصعب أن نتخيل أي شيء من المعاناة الملازمة. لكن دائماً توجد بارقة أمل في النهاية. لقد تعلمت أن الألم عادةً ما يمر، وأنه حيثما يوجد الظلام يوجد النور، وأحياناً يخرج من أعتى العواصف، أزهى "قوس قزح". أتذكر دائماً الليل حينما يكون في أعتم أوقاته قبل بزوغ شمس فجر جديد. ودائماً ما ينبع كثير من الجمال والسعادة في حياتي من مروري بالمواقف العصيبة.

عندما أخرج من الظلمة أشعر بالامتنان لأنها قد انتهت، فقد ساعدني الألم على النمو والتطور لأكون شخصاً أفضل وأقوى وكي أمتلئ بمزيد من الامتنان على كل ما أملكه في حياتي. قد يبدو الأمل في نهاية النفق على بعد أميال كثيرة، لكن كلما زاد الإيمان في داخلي تمكنت من المرور بسرعة أكبر.

في الأسر تعلمت أن أكون قوياً وجريئاً، لأن العالم سيكون بأكمله بعوني، وأن الله يكون في عون أولئك الذين يكونون في عون أنفسهم.
21/7/2020

عن المؤلف: 

هيثم العنتري: أسير مؤبد مدى الحياة حالياً في سجن رامون، من بلدة دير شرف/ نابلس. أمضى من حكمه ثمانية عشر عاماً (اعتقل بتاريخ 25/11/2002) بتهمة مشاركته في كتائب المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. حائز درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس، أبو ديس. عضو الطاقم الأكاديمي التدريسي في سجون الاحتلال.

اقرأ المزيد