دور الأميركيين اليهود الصهيونيين في صفقة القرن وضم الضفة الغربية
التاريخ: 
17/07/2020

انقسم الأميركيون اليهود الصهيونيون الداعمون للاحتلال الإسرائيلي خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري الأميركي إلى قسمين: الأول، قادته كارولين غليك، الموظفة السابقة في الإدارة المدنية التابعة للاحتلال الإسرائيلي، وعضو الوفد الإسرائيلي المفاوض مع الفلسطينيين، التي انضمت إلى حملة المرشح الجمهوري ميت رومني، وأقنعته بضرورة تبني برنامج ضم الضفة الغربية، وكانت قد روجت للضم من خلال كتاب ألفته بعنوان "الضم". القسم الثاني، قاده رئيس مجلس المستوطنات السابق رجل الأعمال داني دايان، الذي ولد في الأرجنتين وقدم إلى إسرائيل سنة 1971، وأقام بإحدى المستعمرات في الضفة الغربية، وانضم مبكراً مع غيره من اليهود الصهيونيين المتزمتين دينياً وسياسياً إلى حملة المرشح الجمهوري والرئيس الحالي دونالد ترامب، مضافاً إلى هؤلاء  مجموعة من الشخصيات الأميركية اليهودية الصهيونية المتطرفة مثل آبي برقوفيتش وغيسون غرينبلات وستيفن ميلر ودافيد فريدمان المحامي الشخصي لدونالد ترامب، وجاريد كوشنير صهر الرئيس التابع لمدرسة دينية متطرفة تقودها حركة "حباد" الدينية، ومقرها الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي قاد المجموعة، لتكون لها الكلمة العليا في السياسات الأميركية الشرق أوسطية، وخصوصاً القضية الفلسطينية.

 طاقم الرئيس

 مع صعود ترامب رئيساً للولايات المتحدة وعد بإيجاد حل للصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، متهماً كل الإدارات السابقة بالفشل، معولاً على الدور الذي سيقوم به الصهر كوشنير وزوجته (إيفانكا) التي تهودت كشرط لزواجها منه، بما في ذلك اختيار الشخصيات المهمة في البيت الأبيض، التي ستتحدد من خلالها سياسات الرئيس المتعددة.[1]

 وكان كوشنير، البالغ من العمر 39 عاماً، قد كوّن علاقته بإسرائيل، ومع بنيامين نتنياهو تحديداً، بالاستناد إلى إرث والده تشارلز كوشنير المتزمت دينياً، الذي نظم خلال حملة نتنياهو الانتخابية سنة 2007 محاضرة دُفع خلالها لنتنياهو 100 ألف دولار، وتبين لاحقاً أن تلك المحاضرة وغيرها من التبرعات كانت جزءاً من عملية التهرُب الضريبي لوالد كوشنير، وهو ما أدى إلى سجنه مدة عامين.[2]  ويذكر أن عائلة كوشنير دفعت خلال سنوات نحو 20 مليون دولار للمؤسسات الإسرائيلية المتعددة من بينها المستعمرات والمجموعات اليهودية الصهيونية المتطرفة في مستعمرات مثل يتسهار ومجموعة "ما زال يوسف حيا" المهتمة بمقام النبي يوسف في مدينة نابلس، ومن المعروف أن هذه المستعمرات وغيرها تضم غلاة المستعمرين اليهود المتطرفين، الذين يمارسون النهب والعربدة والاعتداءات باسم الرب.[3] 

وقد عمل كوشنير الذي أصبح مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي في الشرق الأوسط، على تحقيق وعد ترامب قُبيل الانتخابات بتعيين المحامي دافيد فريدمان الذي عمل مع الرئيس الأميركي مدة 15 عاماً في مجال العقارات، والمتخصص بمسائل الإفلاس، ومسؤول ملف إسرائيل والشرق الأوسط، في حملة ترامب الرئاسية، سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل.

قبل فريدمان، خدم أربعة سفراء أميركيين يهود صهيونيين مدة 20 عاماً في إسرائيل، من أصل 26 عاماً الماضية، أي خلال فترة مسيرة التفاوض مع الفلسطينيين، في حين خدم أربعة سفراء من غير الأميركيين اليهود الصهيونيين ستة أعوام فقط. ولم يكن غريباً على السفراء الأربعة خدمة إسرائيل أكثر من خدمتهم لمصالح الولايات المتحدة في إسرائيل التي جاؤوا من أجلها. فعلى سبيل المثال خدم السفير دان شابيرو نحو 6 أعوام مصالح بلاده في إسرائيل!؟ وعندما أنهى عمله لم يكلف نفسه حتى عناء العودة إلى الولايات المتحدة التي عمل من أجلها، بل توجه إلى قبرص لقضاء عدة أيام، ليعود بعدها للاستقرار في إسرائيل، عاملاً في مركز أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب.[4]  وسبق لشابيرو أن درس في إسرائيل حتى أنهى المرحلة الثانوية، وعاد إليها سنة 1986، وبعد رحيله إلى الولايات المتحدة عاد إليها سفيراً حتى سنة 2016.

ولا يقل دافيد فريدمان، البالغ من العمر 61 عاماً، إخلاصاً لإسرائيل عن سلفه الذي سبق أن شكك أعضاء كونغرس من الحزب الديمقراطي في مدى إخلاصه للولايات المتحدة، وقد صرح بُعَيد تعيينه سفيراً لها في إسرائيل بأنه يريد إدارة السفارة الأميركية من القدس. وبعد هبوط طائرته في مطار اللد، توجه مباشرة إلى حائط البراق، ومن هناك عدد مناقب المكان وأهميته لليهود وهو وما سماه "هار هبيت" (الحرم القدسي) مخالفاً بذلك الأعراف الدبلوماسية.[5]

وقبل تعيينه سفيراً في إسرائيل، ترأس فريدمان جمعية أصدقاء مستعمرة بيت إيل وغيرها من المستعمرات الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية، وضخ لها ملايين الدولارات التي جمعها من متبرعين، وتفاخر بأنه متطوع لم يحصل على أي مرتب من الجمعية. كما ترأس مجلس إدارة القناة السابعة وأشرف على مختلف المنشورات الصادرة عنها، ومن ضمنها جريدة يومية تابعة لغلاة المستوطنين في المناطق الفلسطينية المحتلة. وعند زيارته لمستعمرة "هار براخا" تبرع فريدمان بسيارة إسعاف للمستعمرة التي يمارس ساكنوها شتى أنواع الاعتداءات والعربدة والنهب بحق المواطنين الفلسطينيين.[6]  

وعن علاقته بالعرب والفلسطينيين، صرح فريدمان أنه سيُخير الفلسطينيين بين سياستين: الأولى، السياسة الرسمية المسماة "حافة الهاوية" التي تدعو إلى الضغط على الفلسطينيين إلى أقصى الحدود، من أجل موافقتهم على حسم قضايا الحل النهائي مثل حق العودة والقدس واللاجئين، ودفع السلطة نحو الهاوية من دون تدميرها لإجبارها على موافقة تتضمن تلبية كل رغبات الطرف الإسرائيلي في الضفة الغربية. والثانية، في حال رفض الفلسطينيون هذه السياسة، يتم اعتماد سياسة "الإفلاس" التي اخترعها فريدمان، والتي تقول بأن المفلس يوافق على أي حل يُعرض عليه من المحكمة، لأن رفضه الحلول المقترحة سيدفعه إلى المبيت في الشارع. ووفق السياسة المذكورة، أوضح فريدمان أن العرب ومن ضمنهم الفلسطينيين هُزموا في حرب 1967، والهزيمة هنا تشبه حالة الإفلاس، وبالتالي على الفلسطينيين الموافقة على أي حل يُعرض عليهم، لأنه سيكون أفضل من الطرد. وعليه، لم يكن غريباً على المفاوضين الفلسطينيين الطلب من الولايات المتحدة عدم إشراك فريدمان في المفاوضات معهم.  

وعند صوغ صفقة القرن التي امتدت على مدار أكثر من عامين، لم ينس فريدمان وكوشنير وغرينبلات الاجتماع بكل قادة الأحزاب الإسرائيلية وقادة المستعمرات، ومع مراكز الأبحاث، وخصوصاً مركز الجمهور والدولة الذي ترأسه السفير السابق لإسرائيل في الأمم المتحدة دوري غولد،[7]  مستمزجين آرائهم بشأن صيغة الحل النهائي المفضل إسرائيلياً. وبالنسبة إلى الفلسطينيين في المناطق التي احتُلت سنة 1948، اجتمع فريدمان بأفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا وخرج بمقترح ضم المناطق العربية في المثلث إلى ما يسمى الدولة الفلسطينية وفق صفقة القرن.[8]

وكان تعيين غيسون غرينبلات، البالغ من العمر 54 عاماً، مبعوثاً للسلام في الشرق الأوسط، هو التعيين الثالث في إطار الطاقم الشرق أوسطي في الإدارة الأميركية. وغرينبلات هو المحامي الأميركي اليهودي الصهيوني المتزمت دينياً، الذي درس في المدرسة الدينية "هار عتسيون" المقامة في مستعمرة "ألون شفوت" على أراضي المواطنين الفلسطينيين في محافظة بيت لحم، واشتهر أنه من ذوي التوجهات اليمينية المتطرفة سياسياً في كل ما يتعلق بالعرب والفلسطينيين، كما كان محامي الرئيس الأميركي دونالد ترامب على امتداد عقدين.

بدأ ظهور غيسون في الحياة السياسية، عندما طلب منه المرشح الجمهوري حينها دونالد ترامب الرد على سؤال بشأن موقفه من المستعمرات الإسرائيلية، فأجاب بأن المستعمرات ليست المشكلة. وهو الموقف الذي وسم السياسة الرسمية لإدارة ترامب.

غرينبلات الوسيط، لم يخف حبه وإعجابه وتأييده لإسرائيل، وبالتعاون مع زوجته وأولاده ألف كتاباً بعنوان "إسرائيل للعائلات: مغامرة بـ 12 يوماً"، يقترحون فيه على القارئ الأماكن التي يمكن زيارتها في إسرائيل مثل مستعمرات "غوش عتسيون" ومتحف "غوش قطيف" في القدس المحتلة. لكنه وقبل أن يجتمع بأي فلسطيني حدد موقفه منهم بقوله إنهم لا يريدون السلام، متبنياً موقف نتنياهو القائل إن الوقت قد حان للضغط على الفلسطينيين لا على إسرائيل، للتقدم نحو السلام، واعتبر أن قواعد اللعبة مع الفلسطينيين تغيرت، ويجب الضغط عليهم وتجاهلهم كي يفقدوا الثقة الذاتية بأنفسهم، ويوافقوا على ما هو مقدم لهم.[9]  

 وقد حل غرينبلات مكان مارتن إنديك، القادم من منظمة الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة "الأيباك"، وشغل منصب مندوب عملية السلام في النصف الأول من فترة حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، بدلاً من جورج ميتشل الذي مكث في إسرائيل مدة عامين من دون تحقيق أية نتائج، بسبب تجاهل الحكومة الإسرائيلية له، واعتماد أوباما على المبعوث السابق للسلام مع الفلسطينيين الأميركي اليهودي الصهيوني دينيس روس، الذي وضع العقبات الكبيرة لإفشال ميتشل الذي اعتمد تقريراً مع فريقه يدعو إلى وقف الاستيطان بكل أشكاله كشرط لا غنى عنه لتقدم العملية السياسية.  

كما اعتماد السفراء، اعتمدت الإدارات الأميركية المتعددة على المبعوثين الأميركيين اليهود الصهيونيين ليقوموا بدور الوساطة في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ويمكن القول إن هذه المهمة كانت حكراً عليهم، ولا سيما أن المبعوثين الأميركيين مثل الجنرال أنطوني زيني لم يكمل ثلاثة أشهر في مهمته، في حين مكث جورج ميتشل مدة عامين وهو يبحث عن ثغرة يُمكنه الدخول منها لإحداث انطلاقة في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية بسبب التعنت الإسرائيلي الواضح، بينما استمر دينيس روس في هذه المهمة أكثر من عشرة أعوام بمفرده وعلى فترتين.

وخلال عمله، لم ينسَ غيسون غرينبلات تعيين نائباً له من أبناء جلدته، فاختار لهذا المنصب المحامي الأميركي اليهودي الشاب آبي بيرقوفيتش البالغ من العمر 29 عاماً والمساعد لكوشنير. وعندما استقال غرينبلات من منصبه سنة 2019، أصبح بيرقوفيتش المبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط، لكن سُحب منه الملف الإيراني الذي كان غرينبلات أحد حامليه.  

وبيرقوفيتش يهودي صهيوني متزمت دينياً، يحمل شهادة في ممارسة المحاماة، درس في المدارس الدينية اليهودية في الولايات المتحدة، وفي مدرسة "كول هتوراه" في القدس المحتلة مدة عامين، وكان أحد أربعة أشخاص سمح لهم بالاطلاع على تفصيلات صفقة القرن من خارج الطاقم الذي تولى صوغها. وقبل تعيينه في هذا المنصب، شغل بيرقوفيتش منصب مساعد كوشنير في مختلف أعماله، وكانت مهمته الأساسية الرد على الرسائل الإلكترونية لكوشنير وترتيب لقاءاته وجدول أعماله اليومي، مع عدم نسيان تقديم القهوة الصباحية له.[10]  وذُكر عند تعيينه أن مهماته ستقتصر على تنسيق اللقاءات لا أكثر، فهل سيضاف إليها تقديم القهوة؟[11]   وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى الملياردير اليهودي الصهيوني شلدون أدلسون، البالغ من العمر 87 عاماً، وزوجته الدكتورة مريم أدلسون، اللذين يديران نوادي القمار ومجموعة من الفنادق في الولايات المتحدة وغيرها من الدول، ويمتلكان ثروة قُدرت بمبلغ 39 مليار دولار. وأدلسون هو ممول وصاحب صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية التي توزع مجاناً في إسرائيل، وكان هدفها منافسة صحيفة "يديعوت أحرونوت" واسعة الانتشار، وتربطه علاقة صداقة حميمة بنتنياهو بدأت سنة 1996، وبقيادات الحزب الجمهوري ولا سيما دونالد ترامب، وقد وعده بدفع 200 مليون دولار لحملته في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.[12]

كما يُعتبر أدلسون وزوجته من كبار وأهم المتبرعين الأميركيين اليهود الصهيونيين لدولة إسرائيل ومؤسساتها، إذ حصلت جامعة أريئيل المقامة على أراضي فلسطينية في محافظة سلفيت على 25 مليون دولار (لإقامة كلية طب فيها) من مجموع تبرعات تقدر بمئات الملايين سنوياً، والتي تقدم للمؤسسات اليهودية الصهيونية في إسرائيل والولايات المتحدة، منها 100 مليون دولار بشكل دوري لمنظمة "تغليت" المهتمة بزيارة الشبان الأميركيين اليهود في الولايات المتحدة إلى إسرائيل.
وبحكم صداقته بنتنياهو، ضغط أدلسون على ترامب وعلى قيادات الحزب الجمهوري من أجل التعجيل بنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وقبل إعلان صفقة القرن، التي دعمها أدلسون بشدة، عندما عقد اجتماعاً مع ترامب في البيت الأبيض، أكد له دعمه تطبيق الصفقة.
تنتمي المجموعة الصهيونية المذكورة أعلاه إلى التيار الديني المتزمت يهودياً والمستجيب بشكل مطلق لمطالب دولة إسرائيل بقيادة المعسكر اليميني المتطرف في كل ما يتعلق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

صوغ الصفقة

بعد إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، قال نتنياهو: "علينا تنفيذ صفقة القرن التي عملنا عليها طويلاً مع إدارة ترامب." وأكد السفير الأميركي دافيد فريدمان ذلك التصريح بقوله: "أنه وكوشنير وغرينبلات عملوا على صوغ الصفقة بالتعاون مع المدير العام لديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية رونين بيرتس، والسفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة رون دريمر، ورئيس المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة دوري غولد، الذي قال إنه حضر عشرات اللقاءات بهذا الشأن في إسرائيل والولايات المتحدة."[13]

نتيجة ذلك، وبحسب مواقف الوسطاء الأميركيين، لم يكن غريباً أن تتشابه صفقة القرن بشكل كبير مع خطتي شارون وماتتياهو دروبلس عضو الكنيست عن الليكود ورئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية حتى في الكثير من الصيغ، (طُرحت الخطتان قبل 40 عاماً). وقد نُشرت خطة دروبلس سنة 1979 باسم "الخطة الكبرى لتطوير يهودا والسامرة 1979-1983" وكان هدفها منع أي إمكان لقيام دولة فلسطينية.[14]  بينما جاء في صفقة القرن أن الدولة الفلسطينية، سوف تقام بعد تنفيذ الفلسطينيين 9 شروط، وأن السيادة الفلسطينية ستكون ناقصة، لأن إسرائيل هي من سيتولى الأمن في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر، في حين يتولى الفلسطينيون إدارة شؤونهم المدنية. وفي السياق المذكور، أكدت خطة دروبلس أن الحكم الذاتي الفلسطيني سيكون على السكان لا على الأرض، أمّا مدينة القدس فقد حسمت الخطط الثلاث (شارون وصفقة القرن ودروبلس) مصيرها لمصلحة إسرائيل، بينما كان مصير الغور مشابهاً، إذ أقرّت صفقة القرن الضم، في حين تحدثت خطة دروبلس عن وجود عسكري ومدني في تلك المنطقة.[15]

ولم يتوقف الأمر على التشابه في الصيغ، بل امتد ليشمل اللغة نفسها، فعلى الرغم من كتابتها باللغة الإنكليزية، فإنها من الناحية اللغوية عبّرت عن النظرة الإسرائيلية العميقة حتى في مجال اللغة، إذ استخدم ترامب المصطلح العبري للمسجد الأقصى في الإعلان عن صفقة القرن بقوله "مسجد الأقفاة" ولم يستخدم المصطلح الإنكليزي "Al-Aqsa Mosque". وكُتبت مدينة جنين Janin)) في إشارة إلى المستعمرة التي تم إخلاؤها "غانيم" عند الانفصال عن قطاع غزة سنة 2005.[16]

إجمالاً، يمكن القول إن الصفقة من حيث الأهداف والمصطلحات أو حتى اللغة، تشير إلى أنها كتبت وفق الهوى الإسرائيلي، لا وفق رؤية تتطلع إلى السلام بين دولة الاحتلال الإسرائيلي  وبين الشعب الفلسطيني.

 لجنة خرائط الضم

بعد إعلان صفقة القرن، في نهاية كانون الثاني/ يناير 2020 شكلت لجنة لترسيم خرائط الضم، التي لم تخرج عن السياق المذكور أعلاه، وهو سيطرة الشخصيات الأميركية اليهودية الصهيونية المتعصبة على كل ما يتعلق بملف إسرائيل في الإدارة الأميركية الحالية. والغريب في هذه اللجنة أنها لم تضم شخصيات فنية، بل كانت شخصيات سياسية بامتياز، إذ بات من المؤكد، أن مهمتها الأساسية كانت الاطلاع على الخرائط الإسرائيلية، التي ساهم المستعمرون الإسرائيليون في الضفة الغربية في رسمها، وتقديمها للإدارة الأميركية للموافقة عليها. وفي السياق المذكور، لم تعقد لجنة الترسيم سوى اجتماع واحد في مستعمرة أريئيل منذ تشكيلها قبل ستة أشهر. وكان مقررا لهذه اللجنة أن تنهي عملها خلال ثلاثة أشهر، على أن تدرس الملاحظات الإسرائيلية على الخريطة الأميركية خلال ثلاثة أسابيع.

تضم اللجنة من الجانب الإسرائيلي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والوزير ياريف لفين المقيم بمستعمرة موديعين المشيدة على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، ورئيس مركز الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، الضابط السابق في المخابرات الإسرائيلية، ومدير عام مكتب رئيس الحكومة رونين بيرتس، أحد الناشطين السياسيين غير المعروفين في الليكود. ومن الجانب الأميركي ضمت السفير دافيد فريدمان ومستشاره والرجل الثاني في السفارة الحاخام آرييه ليتستون البالغ من العمر 43 عاماً، وهو شخصية متزمتة دينياً، قاد في السابق حركة الشبيبة اليهودية في الولايات المتحدة، ولا يملك أية خبرات سياسية. وخلال وجوده في الولايات المتحدة حاول إقامة كازينوهات في عدة ولايات أميركية، كما شارك مع إيفانكا ابنة الرئيس ترامب، في برنامج مسابقات حول أفضل السبل لتحسين العمل الإعلامي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، ومن هنا صادق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.[17]  والشخصية الأخيرة في الطاقم الأميركي هي سكوت لاييت مسؤول الملف الإسرائيلي - الفلسطيني في مجلس الأمن القومي الأميركي، وهو الوحيد من بين الطاقم المشترك الذي لم يُعرف موقفه بعد من الترسيم أو حتى من المستعمرات الإسرائيلية.

إجمالاً يمكن القول إن الخريطة المعدة من جانب الطاقم الإسرائيلي -الأميركي، طويلة ومتشعبة (يبلغ طولها أكثر من 2000 كيلو متر) لا يستطيع أي فلسطيني مهما كان مطلاً على الجغرافيا والتاريخ أن يرسمها بشكل سهل وبسيط، كما هي الحال مع خريطة فلسطين الأصلية.  

 خلاصة

عمل بنيامين نتنياهو والمستوطنين المنتشرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خلال العقد المنصرم على تعزيز تحالفات الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل في الولايات المتحدة، من خلال التعامل مباشرة مع التيارات الصهيونية-المسيحية المنتشرة، وخصوصاً في صفوف الأنغلو-ساكسون، بدلًا من الاعتماد المطلق فقط على الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة "الأيباك".  

ونتيجة تلك الجهود، سيطر الدبلوماسيون الأميركيون اليهود الصهيونيون، المتزمتون دينياً ومن ذوي التوجهات السياسة المتطرفة، على الملف الفلسطيني -الإسرائيلي، وعلى كل ما يتعلق بالعملية السياسية مع الفلسطينيين خلال العقود الثلاثة الماضية، وخصوصاً في أثناء إدارة ترامب الحالية، مانعين بذلك أي تقدم يؤدي إلى حصول الفلسطينيين على حقهم الأدنى في فلسطين التاريخية. وربما جاءت تلك التعيينات تعبيراً عن عدم ثقة إسرائيل، حتى بغير اليهود ولو كانوا من أصدقائهم، بمن فيهم ترامب نفسه الذي شكك نتنياهو في تصرفاته في أكثر من مناسبة.

الصفقة التي طرح فكرتها وصاغها غلاة المتطرفين اليهود الصهيونيين في إسرائيل والولايات المتحدة، وتبناها البيت الأبيض، هي ليست مجرد مقترح كغيره من المقترحات، بل هي مشروع استعماري عنصري جرى تنفيذه على الأرض، كما حدث مع وعد بلفور الذي اندمج فيه النظري والتطبيقي في إطار علاقات استعمارية قديمة جديدة.

إن طرح صفقة القرن بتلك الصيغة والشكل والمضمون، والتي أكثر ما يميزها هو استبدال القانون والشرعية الدوليين بادعاءات أيديولوجية تعصبية معلنة في وثائق رسمية صادرة عن الدولة العظمى الأقوى، وفي مواجهة السواد الأعظم من دول العالم التي تتبنى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي للأراضي الفلسطينية. هذه الصفقة تشكل تحدياً لا للشعب الفلسطيني وحده، بل لكل دول وشعوب العالم.

 

[1]. بيتلمن فائل وآبي غرينتسييغ، "اليهودي الأقوى في العالم: تعرفوا على جاريد كوشنير"، المحلق الاقتصادي لصحيفة "هآرتس". www.TheMarker  ، 13/11/2016.

[2]. هيئة التحرير، "من أنت جاريد كوشنير؟" الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، www.ynet.co.il، 12/11/2016.

[3]. مليتس جودي، "عائلة جاريد كوشنير، تبرعت بعشرات آلاف الدولارات للمستوطنات"، الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس".  www.haaretz.co.il، 5/12/2016.

[4]. بقية السفراء هم: دان كيرتسر الذي شارك مع وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز في صوغ مبادرة السلام الأميركية سنة 1988، ويشغل اليوم منصب رئيس دوري كرة السلة في إسرائيل، ومارتن إينديك الذي شغل المنصب على فترتين، كما كان مبعوثاً للسلام في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي سنة 2014 وهو من قادة الأيباك في الولايات المتحدة، وقد عمل في العديد من الجامعات الإسرائيلية والأميركية قبل وبعد تعيينه سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل.

[5]. ايتمار باز، "الصديق، السفير الأميركي الوحيد الذي سيكون له جريدة في إسرائيل"، الموقع الإلكتروني لمجلة "هعين هشبعيت" الصادرة عن مركز الديمقراطية التابع للكنيست  www.the7eye.org.il، 18/12/2016.

[6]. ليفي غدعون، "سيارة الاسعاف التي تبرع بها فريدمان"، الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس". www.haaretz.co.il، 8/2/2028.

[7]. دوري غولد رئيس المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة، وهو رئيس بعثة إسرائيل في الأمم المتحدة في الفترة 1997-1999، وهو من حملة الجنسية الأميركية. 

[8]. المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز أبحاث الأمن القومي بعنوان: "طلة على العقد المقبل، لقاء مع أفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا. ليبرمان: مسرور لأن خطة ترامب تتضمن تبادل أراضٍ وسكان"، 28-31/1/2020.

[9]. تسفيكا كلايين، "المفاوض: المبعوث المخلص يحاول إيجاد حل للنزاع"، "مكور ريشون"، 17/3/2017.

[10]. تسفيكا كلايين، "التعيين المفاجيء والمؤثر لشاب متزمت دينياً في البيت الأبيض"، "مكور ريشون"،  15/9/2019.

[11]. عيدو بن بورات، "خريج المدرسة الدينية والمتحدث باللغة العبرية آبي بيرقوفيتش، يحل مكان غيسون غرينبلات"، الموقع الإلكتروني للقناة السابعة التابعة للمستعمرين اليهود في الضفة الغربية، www.inn.co.il ، 7/9/2019. في المجال العائلي شغل عم بيرقوفيتش هارفر بيرقوفيتش منصب رئيس الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة المعروفة بـ "الأيباك".  

[12]. غرديان وبيتر ستون، "شلدون أدلسون يتوقع أن يتبرع بـ 100 مليون دولار لترامب وللجمهوريين"، الملحق الاقتصادي لصحيفة "هآرتس"www.TheMarker ، 10/2/2020.

[13]. المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة، "من وراء الكواليس: هكذا ساهم المركز المقدسي في تطوير صفقة القرن"، نشرات المركز، 20/1/2020.

[14]. شاؤول يهودا، "انسوا ترامب – صفقة القرن كتبها ماتتياهو دروبلس"، الموقع الإلكتروني لمجلة "سيح مكوميت" (حوار محلي)، www.mekomit.co، 12/2/2020. شاؤول يهودا من منظمة "يكسرون الصمت" الإسرائيلية المناهضة للاحتلال، المقالة كتبت في الأساس في مجلة Foreign Policy وترجمها من الإنكليزية ميرون روبوبرت.

[15]. المصدر نفسه.

[16]. مندل عميت، "من كتب صفقة القرن؟ اللغة لا تكذب"، الموقع الإلكتروني لطاقم التفكير الإقليمي. www.regthink.or، 18/2/2020.

 [17] . وكالات الأنباء، "أخبار الإسرائيليين في الولايات المتحدة"، الموقع الإلكتروني، www.hebrewnews.com، 20/8/2018.

عن المؤلف: 

عليان الهندي: باحث في الشأن الإسرائيلي، رام الله.

اقرأ المزيد