رمزية الفضاء العام في فلسطين: ميدان المنارة في رام الله نموذجاً
التاريخ: 
18/06/2020

كثيراً ما يُنظر إلى الفضاء أو المجال المديني العام بوصفه فضاءً اجتماعياً مكوناً من مجموعة من الأمكنة التصورية التي تتيح للأفراد مساحة للحراك الاجتماعي والحوار العقلاني الحر والتأثير في الآراء والقرارات السياسية المتعلقة بالمصلحة العامة. وتعالج هذه المداخلة الكيفية التي أصبحت بها الافتراضات الخاصة عن المعنى والواقع مجسدة في رأس المال الرمزي، وتبحث في تفكيك أشكال الخطاب وهندسة القوة المستندة إلى منطلقات تصور الفضاء العام بصفته نتاجاً وانعكاساً مجرداً لممارسات بشرية وتفاعلات علائقية وعقلانية للفاعلين الاجتماعيين ووعيهم لما يقومون بإنتاجه. وتسعى المداخلة لتجاوز الثنائيات الجامدة وإطلاق العنان لإمكانات جديدة من سبل بحث الممارسات غير المنظورة، التي تظهر تجلياتها في الميادين العامة على شكل سلوك أو حراك اجتماعي-اقتصادي جمعي يستغل كل ما هو متوفر من إمكانات تتيح استخدام المكان للترقي في سلم المكانة والتراتبية، وإيجاد مساحة لنمط حياة حضرية ملائمة، بعيداً عن ديناميكية الحضور الفيزيقي الذي يولّد صراعاً بين الأفراد والدولة، ويتحدى الأطر الثقافية والمجتمعية السائدة. وبالتالي، فإن تحديد الإشكالية البحثية المتعلقة بتوضيح مظاهر التمايز بين مدينتي رام الله والبيرة يتيح لنا الوقوف على مدى حضور المجال العام ودوره في تشكيل عائد احتكاري وميزة تنافسية لكل من المدينتين الجارتين والمتداخلتين، واللتين يقع ميدان المنارة على الحد التنظيمي الوهمي الفاصل بينهما ويشكل، منذ الخمسينيات، معلماً مهماً لقاصديهما.

لحقت رام الله والبيرة بمنعطف القرن العشرين وهما تتسمان بطبيعة ريفية لا تختلف كثيراً عن سائر القرى والمناطق الجبلية المحيطة بهما، وتدرجتا في التوسع والتحول إلى مركز حضري مروراً بالعديد من المراحل والتحولات العمرانية والاجتماعية والديموغرافية التي بلغت أوجها في ظل التحولات السياسية والاجتماعية-الاقتصادية المرافقة لصناعة وإعادة إنتاج وترتيب الحيز – في إثر قيام السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي-. وفي حين ترجع بدايات ظهور ميدان المنارة في رام الله إلى فترة الانتداب البريطاني، إلاّ إنه برز كمركز جديد للمدينة في إبان الحكم الأردني في الخمسينيات، وذلك قبل أن يُهدم في العهد الإسرائيلي ويُعاد بناؤه بتصميم جديد بعد قيام السلطة الفلسطينية سنة 1994، وقد استمر ليشكل أهمية رمزية في وسط المدينة التي تمددت، وأصبح العديد من المناطق المحيطة جزءاً من مجالها الحضري ولو اسمياً، وأخذت تجليات ذلك تتيح الوقوف على ما يمكن تسميته مشهداً ورواية فلسطينية جديدة تخطها فواعل النيوليبرالية ورأس المال المحلي المعولم ضمن مختلف السياقات العالمية والمحلية.

لقد أسست التغيرات التي شهدتها المورفولوجيا الحضرية لحيز رام الله ونسيجها الاجتماعي، خلال العقدين الماضيين، لبروز تركيبة من التمايزات التي ظهرت بينها وبين غيرها من المدن، وخصوصاً البيرة، وساهمت في بلورة سمات مادية وذهنية مرتبطة بنوعية وأنماط الحياة الحضرية الخاصة بكل مدينة وما يتصل بها من النشاطات والممارسات الاجتماعية-الاقتصادية والأهمية السياسية، الأمر الذي صبغ فضاءات المدينتين بنوع من الهويات الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية التي ألقت بظلالها على ما يستبطنه الناس من تصورات وتطلعات ناتجة من تفاعلهم مع ما تفرزه المستويات المكانية المتعددة من ديناميكيات اجتماعية-اقتصادية ونماذج لحيوات وممارسات حضرية يومية متمايزة مرتبطة بالمكان. ويفيد البحث الميداني بتركز هذه التحولات في رام الله، حتى باتت تعطي مؤشراً أو دليلاً على موقع الفاعلين وحراكهم في السلم الطبقي، وأصبح في مقدورنا ملاحظة العديد من التباينات على صعيد الممارسة والسلوك الاجتماعي-الاقتصادي بين مدينتي رام الله والبيرة، وترقي وتكريس اسم رام الله، رغم تداخلهما الشديد وغياب الحدود المادية والظاهرية بينهما.

امتدت آثار التحول لتطال ميدان المنارة، وانعكست بالضرورة على دوره وحضوره كمجال أو فضاء عام أخذ يشهد مؤخراً حضور ممارسات احتجاجية يرى البعض أنها تحمل في ثناياها بعداً استثنائياً من حيث نوعيتها وطبيعة المشاركين وهمومهم، والتي تحول دون اتساع دائرة المشاغل وتعيق اختراقها للحدود الاجتماعية والطبقية. لقد بدأت الصورة الذهنية المسبقة لمشهد الميدان النضالي خلال فترة الانتفاضة الأولى بالتراجع والتفكك، وحلت مكانها خيم الاعتصام واللوحات الاحتجاجية التي تندد بالاحتلال وتطالب بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، حيناً، أو تلك الأصوات المحتجة التي تطالب بتغيير أحد قرارات الحكومة حيناً آخر. واللافت في الحالتين أن طبيعة المشاركين في هذه الاحتجاجات الجديدة يغلب عليها، بصورة عامة، وجود الشريحة المتوسطة من الطبقة الفلسطينية الوسطى، كبعض الأكاديميين وموظفي القطاعين العام والخاص، بعد أن ظل حضور أبناء القرى والمخيمات القريبة واضحاً في المواجهة مع القوة الاستعمارية حتى أوائل التسعينيات.

ويبدو أن تمثلات المشاركة في هذه الفعاليات وتجسيداتها تساهم في رسم صورة أو إطار معين للفاعلين، وتشتمل بين طياتها على رؤية طبقية تشير إلى قيام جمهور المشاركين بتلقف الحراكات التي يشهدها الميدان كمجال حيوي للتميز والظهور وزيادة رأس مالهم الرمزي، والذي بات ممكناً ملاحظة تداخله من جهة تأثيره وتأثره بسمعة المكان ورأس المال الرمزي الجمعي للميدان –وربما لمدينة رام الله عموماً- في عدة مستويات. لقد أضحى ميدان المنارة قبلة الطامحين لأن يكونوا جزءاً من خليط المشاركين في هذه الفعاليات من مدن متعددة، وصار وجهة مهمة تكرس العائد الاحتكاري والمزايا التنافسية لرام الله مقارنة بالبيرة، وتدعم الاعتقاد القائل إن صناعة الأماكن تتم في صورة خليط من العمليات المادية والاجتماعية والذهنية التي تقود إلى جعلها محوراً لتشكيل الذات والهوية والوعي المرافقين، وإن الفضاء ليس كياناً فطرياً ثابتاً بقدر ما هو انعكاس لهويات السكان الذين يعيدون إنتاج سماته الذهنية والمادية من خلال تصوراتهم المتعددة.

وفي الوقت الذي يشكل ميدان المنارة قلب مدينة رام الله ومركزها التجاري اليوم، فإنه يشكل بالنسبة إلى البيرة منطقة طرفية وبعيدة. وتولي بلدية رام الله منطقة الميدان اهتماماً واضحاً وتعمل على تطويرها، إذ قامت بإعادة تأهيلها وبنائها أكثر من مرة خلال سنوات قليلة، ولطالما عملت على تكريس رمزية الميدان، وقد وضعت عليه تماثيل لخمسة أسود ترمز إلى عائلات المدينة الأصلية. ويمكن النظر إلى ميدان المنارة لا باعتباره مركز ثقل واستقطاب تجاري واقتصادي فحسب، بل بصفته فضاءً للحراك ومضماراً للاحتجاج والتظاهر أو التضامن، فهو يشكل نقطة جذب للشرائح المتعددة، ويستقبل العديد من الفعاليات التي تكرس رمزية الميدان وتعزز مركزية المدينة، كالاحتجاجات الأخيرة التي طالبت بإسقاط قانون الضمان الاجتماعي. أمّا البيرة فليس فيها وجهات أو توجهات لاستقبال فعاليات كهذه، ولم تشهد سوى محاولة واحدة لاستقطاب الجماهير وإيجاد مركز فرعي يتيح نقل الفعاليات والناس من رام الله إلى البيرة ضمن اتفاق مع وزارة شؤون الأسرى والمحررين سنة 2012، وقد انتقلت وقفات التضامن مع الأسرى فعلاً إلى ساحة عامة في البيرة، المشهد الذي لم يدم طويلاً، قبل أن تعود الساحة فارغة تشهد عقد سوق لبيع الطيور في أيام الجمعة.

ويبدو جلياً اليوم كيف أن رمزية ميدان المنارة، كمجال عام، قد تضافرت مع مجموعة من العوامل والتفاعلات أو التدخلات التي اتحدت وتكاتفت بالتدريج، منذ مطلع القرن الماضي، لتقرر أين تمضي برام الله، لا تخطيطياً فقط، بل أيضاً اجتماعياً واقتصادياً، وأتاحت لرام الله أن تتفوق على البيرة على صعيد الطابع العام والصيت والسمعة وجذب المبادرات الاستثمارية بالحد الأدنى. وعلى الرغم من أن البيرة لها سمعة وتاريخ ضاربين في القدم، فإن الميزة التنافسية لاسم رام الله استطاعت أن تنحو منحى تصاعدياً واضحاً وأن تتصدر المشهد منذ البدايات، فبدا تهميش البيرة جلياً في أواخر الفترة العثمانية وتعززت ملامحه في ظل الانتداب البريطاني وتتابع في العهدين الأردني والإسرائيلي، بينما أسس قيام السلطة الفلسطينية لحقبة جديدة من التغيرات التي لحقت بالبنية الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والثقافية لرام الله والبيرة.

ويظهر أن البنية المختلفة والبيئة التحررية قد مكنتا رام الله من استقطاب المبادرات والفعاليات وأتاحتا للمجال العام المساهمة في تعزيز رأس مال المدينة الرمزي الجمعي المرتبط بفرادة خصائصها وقدرتها على الظهور بمظهر التعددية والتفوق في تقبل الآخر، وذلك مقارنة بالبيرة التي تحظى بسمعة مغايرة تحول دون رفد رأس مالها الرمزي الجمعي من خلال المجال العام وما يتصل به من النشاطات والممارسات الاجتماعية-الاقتصادية والأهمية السياسية والصور النمطية والمتخيل الشعبي الذي يرسم الإطار الذهني والمادي للمدينتين، وتبلور هويات وأنماط الحياة الخاصة بكل مدينة، والتي أجد أنه بات ممكناً نعتها بالحضرية المحافظة أو التقليدية، في البيرة، والحضرية العالمية والجريئة في رام الله.

عن المؤلف: 

سليم أبو ظاهر: باحث ومحرر أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي.

اقرأ المزيد