الفيروسية الرقمية
التاريخ: 
27/05/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الفلسطينيون والإعلام والكورونا

سلوك مواقع التواصل الاجتماعي فيروسي بطبيعته. سمات الاجتماعية، التغلغل، سرعة الانتشار، التدفق الإشعاعي، الاجتياحية والطغيان التصاعدي، التعدي والعدوى للمحيط والمحيطين وللأمكنة، الاقتصاد في الموارد، البساطة المعقدة، التكيف، شدة التأثير، صعوبة الاحتواء والسيطرة، الحاجة إلى "ميديوم" مضيف وبيئة حاضنة، تذبذب النشاط وتعدد الذُرى، الهيمنة، ذكاء البقاء وبقاء الذكاء، وأيضاً -وليس مصادفة- الفيروس ومنصات التواصل الاجتماعي طبيعتهما رقمية وليست تماثلية. نمذجة ”نظرية المقاربة“ على الجانبين تعكس تماثلية مدهشة في معظم صفاتهما. لن نستطرد في سحب باقي الصفات الفيروسية وإسقاطها على طبيعة وماهية السوشيال ميديا. غير أن الصفة ”الوبائية“ للفيروس تنطبق على سلوك مواقع التواصل في ظل الأزمات عموماً. فمنصات التواصل، أحد أهم مكونات ”الإنفوسفير“، تُعتبر الحاضنة الأم للتفشي الفيروسي للوبائية المعلوماتية، وقد تصاعد هذا الدور منذ نشأتها وصولاً إلى المعلومات المفبركة والأخبار الكاذبة (deep fake, fake news).

الذكائية التقنية بمفهومها ما بعد الكولونيالي، تدفقت بحمولة ثقافية من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، ولا سيما في بدايات عصر الرقمنة. الآن نحن عند تمفصل عولمي تقني جديد؛ ”حكمة“ الشرق في مقابل ”ذكاء“ الغرب، wisdom في  مقابل smartness. اتضح هذا بجلاء في معركة تدشين الجيل الخامس للاتصالات 5G، وكذلك في التحقيقات العالمية بشأن مسؤولية انتشار كوفيد-١٩. ومن أقصى الشرق تفشت جائحتان، فيروس وبائي، وتقنية وبائية مصحوبة بوبائية معلوماتية. نشأ ونُحتَ وُعرّف مصطلح ”infodemic الوباء المعلوماتي“ في بيئة الإعلام الرقمي والحوسبة التفاعلية، وقد عرّفت منظمة الصحة العالمية المفهوم كما يلي: ”تدفق كمية مفرطة من المعلومات بشأن مشكلة ما، يجعل تشخيص حلها أكثر صعوبة، بسبب نشر التضليل المعلوماتي والشائعات في أثناء الطوارئ الصحية، وهو ما يعيق الاستجابة الفعالة ويؤدي إلى حالة من الارتباك وعدم الثقة بين الناس“. حسناً، لا يختلف هذا التعريف كثيراً عن تعريف أدبيات الإعلام الرقمي والحوسبة التفاعلية للمفهوم.

وتُظهر الأبحاث أن كم المعلومات وشدة تدفقها غير القائم على الأدلة عبر منصات التواصل الاجتماعي سريع ومحموم وبوتيرة أعلى من انتشار الموثوق منها عبر المنصات نفسها. صحيح أن أرجل الكذب قصيرة، لكن يبدو أنها مع أجنحة، تتفشى بسرعة، تطير في الهواء. الصدق طويل القامة رفيع الهامة، لكنه ينتقل ببطء، يمشي الهوينا. “الحقيقة“ تزحف زحفاً. الصوابية والحقيقة تحتاج إلى وسيط ناقل مجاهِر، وإلى عملية إشهار ما، فيما يُعرف إعلامياً بالتحقق من صوابية المحتوى وموثوقية مصدر الخبر. كما أن روايتها تأتي بنسخة واحدة بعكس الكاذبة والمفبركة. يمكننا القول -إجمالاً- بانتفاء الصفة الفيروسية عن الحقيقة والمعلومات الصحيحة، وتحققها في الأخبار المضللة.

الملفت في هذا الجانب وكما تظهر الأبحاث أن المعلومات الكاذبة يتم تغريدها ونشرها بشكل أكبر، لكن وتيرة إعادة التغريد والنشر تضمحل بسرعة. تنفجر ثم تتلاشى. فيما معلومات الأدلة المستندة إلى العلم والحقائق بطيئة، لكنها متصاعدة وتنجح في النهاية في كنس فوضى الافتراء والتضليل. لكن، ودائماً، مع جراحات وخسائر قد تكون فادحة. في ظل الجائحة، كان على العالم والمؤسسات الصحية والسياسية والاقتصادية التعامل مع وبائين في آن معاً، فيروسي ومعلوماتي.

الطبيعة الساخنة لميديوم السوشيال ميديا، مستحوذة بصرياً بالمشاهدة أو الرؤية، وفي وضعية تكون الحواس أقل اتزاناً وهو ما يجعلها أكثر سخونة. وهذا مناسب تماماً للأدرمَة و“الترددات الهرمونية“، التي تتفشى على شكل ”أكواد اجتماعية“ مُعدية فيما يعرف بالـ ميميات memes الاجتماعية، كالمقتطفات النارية والمتنمرة والساخرة والسحب من السياق. الطبيعة المجتمعية للسوشيال ميديا تستعير وتذوت أهم خصائص المفهوم ”الاجتماعي“. الكتابة بطبيعتها فعل وشاية وتعايش مع الذات، والقراءة فعل تلصص وتعايش مع الآخر/ الآخرين. مُحرك مواقع التواصل -وما يجعلها اجتماعية- هو الطبيعة البشرية للرغبة المتقدة في التواصل، وكذلك غواية السرد والإخبار والنميمة وعقد المحاكمات وإصدار الأحكام بفاشية مفرطة أحياناً، قد تصل إلى حالة تأله مجتمعي. ميديوم كهذا موائم تماماً لفعل التفشي المؤدرَم الذي تبذره الأخبار الكاذبة والمفبركة والمغلوطة، والتي تغذي بدورها ميديوم الخوف وتُفاقِم مشاعر الهلع والذعر. فلسطينياً، نحن ننتمي إلى هذا الميديوم بكل مفاعيله.

وتحت رُهاب الفناء الفردي، وبرعاية ميديوم الخوف، يتنفس ويغني ويرقص ويشتم ويبكي ويُحلل ويعمل ويتعلم ويتعاطف وينتقد ويشتبك سكان الكوكب في الميديوم الأزرق، وفيه يعزي ويدفن موتاه، و فيه يتعلم سبل النجاة. المجتمع الفلسطيني فيسبوكي بامتياز. مجتمع السوشيال ميديا لم يعد افتراضياً منذ وقت، بل تفوق على الواقعي في كثير من الحالات. ولأن العالم قرية صغيرة ومختبرٌ صغير وقبائل متعددة، كما بدا مؤخراً، دعمنا وتعاطفنا مع المجتمعات المصابة في الصين وإيطاليا وإسبانيا وإيران، وكان تعاطفنا أقل مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لرواسب سياسية وثقافية وما بعد-كولونيالية ما زالت تخدش الذاكرة بشواهد ما زالت مستيقظة في وعينا الجمعي. تارة نتنمر عليهم وتارة أُخرى نتعاطف معهم، وقد نغني لهم.

ثم فجأة، وصلتنا الجائحة وصرنا في عينها. أقصد، وصلت موجة التفشي الرقمية عبر مواقع التواصل إلى المجتمع الفلسطيني قبل وصول الفيروس إلى الحدود والأجواء الفلسطينية. ما أسميه هنا ”الفيروسية الرقمية“ و“التفشي الرقمي“. تحول المشهد الرقمي برمته إلى دراما يومية مقيتة تقتات علينا ونقتات عليها صباحاً ومساء منذ تسجيل الإصابة الفلسطينية الأولى. ليشهد مجتمع الأونلاين الفلسطيني حالة وبائية غير مسبوقة على المستويين السلوكي والمعلوماتي. بموجة واحدة، وتحت تأثير الفاشية الرقمية، صرنا منقوعين في المعقمات والكحول والبيوت والخوف، الخوف من كل شيء. ويبدو طرفا قوس الأزمة مشدودين بين كفرين وإيمانين، كفرٌ بفكرة الوباء المؤامرة وبإجراءات المواجهة، وإيمانٌ بحتمية الكارثة والتشدد في تبني أقصى درجات التحوط.

ومقارنة بكثير من دول العالم، الفيروس لم يضربنا فعلياً، معظم المدن والقرى والبلدات والمخيمات الفلسطينية سجلت إصابات طفيفة أو صفر إصابات. نسخة الفيروس "الفلسطينية" جاءتنا ”لايت“، لطيفة من لطف الله وحسن قدرنا الفيروسي. لأسباب لا يعلمها إلاّ الله والراسخون في الفيرولوجي والإفتاء الرقمي. وجاد المجتمع الفلسطيني الرقمي بتفسيرات متعددة في هذا الجانب؛ منها تفسيرات قدرية وأُخرى علمية وبعضها إيمانية ميتافيزيقية. ولا داعي للاستشهاد بمقولة أمبرتو إيكو الشهيرة في هذا المقام حول ”غزو البلهاء“.

ومع أننا لم نخض المعركة فعلياً -وخوض غمارها شرفٌ لا يريده أحد- إلاّ إن حالة بطولية عامة وغير متوقعة طغت على الحالة الفلسطينية الرسمية والعامة رقمياً وواقعياً. توجنا أبطالاً عالميين بتلقينا إشادة من منظمة الصحة العالمية بأننا الأول عالمياً كما صاغ الخطاب الرسمي! وهذه شهادة عزَّت على دول عظمى كالصين وروسيا وألمانيا واليابان. إشادة بمثابة درع تقديري ”معنوي“. مولعون نحن بالدروع التقديرية و“الإنجازات“. مع إن دور البطولة في هذه المعركة اقتصر على العزلة والتباعد والإغلاق ومنع التجوال والحجر الجماعي، هذا علاج الكيّ لمن لا تقوى منظومتاه الصحية والاقتصادية على أحمال استراتيجيا المناعة الجماعية. علماً بأن العالم، كل العالم متجهٌ إلى مناعة القطيع شاء من شاء وأبى من أبى. ببساطة، فكرة موت الفيروس فكرة ”هبلة“. جاء كوفيد-١٩ ليبقى، ولا سبيل أمام العالم سوى التعايش معه في القادم من السنوات، هم السابقون ونحن سنلحق.

ما يخيف الآن ليس وبائية وتفشي الفيروس الصحية والمعلوماتية، هذه معركة خرجنا فيها ”أبطالاً“ لغاية الآن. المعركة القادمة وفيصل الحرب تتمثل في جبهة مقاومة تفشي وباء الفقر في قطاعات مجتمعية واسعة كما ترصدها المشاهَدة، وتؤكدها المؤشرات الاقتصادية المنذرة بحالة ركود وانكماش، لا نملك لمواجهتها سوى المزيد من التقشف، وشد أحزمة المتضورين. هذه تماماً موجة التفشي الحالية فلسطينياً. وستمر بدورة حياتها الرقمية "الطبيعية"؛ ضخ معلوماتي متعدد الدوافع والجهات، وحالة استقطاب، وكثير من التحليل والنقد والتسريب والتهكم والمحاكمات والتوظيف يتغذى على تفشي معلوماتي وبائي عالي الوتيرة، ثم يتدرج انتشار الحقائق لتصحح بعض الانزياحات، فالذروة، ثم ينحدر ”الكيرف“ للتلاشي. تليها حالة تفشي جديدة.

عن المؤلف: 

نادر صالحة: أستاذ الإعلام الرقمي والاتصال - جامعة القدس.

اقرأ المزيد