من الضم الزاحف إلى ترسيم الضم
التاريخ: 
19/05/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
مخطط الضم الاسرائيلي: أبعاده ومخاطره وإمكانيات مواجهته

 يدور الجدل في إسرائيل بين التيار المؤيد للضم الفعلي من دون إثارة زوابع إعلامية تؤلب العالم ضد إسرائيل، وبين التيار المؤيد لترسيم الضم من دون إعارة اهتمام للعالم طالما أن دعم الدولة الأم وهي الولايات المتحدة الأميركية متوفر. وهذا الجدل ليس جديداً، ففي سنة ١٩٦٧ اتحد تياراه على إعلان ما سمي  سريان القانون الإسرائيلي وأنظمته الإدارية والقضائية على القدس يوم ٢٨ حزيران/يونيو ١٩٦٧، وفي السنة نفسها طرح مشروع يغال ألون لضم الغور وجبال الخليل والسفوح الشرقية للضفة الغربية، وعلى الرغم من عدم إقرار المشروع رسمياً من الحكومة الإسرائيلية فإنها بدأت تعمل فوراً بموجبه، إذ تم إعلان مناطق واسعة من الغور مناطق عسكرية مغلقة أُقيم فوقها معسكرات للجيش ومناطق تدريب وحقول رماية، كما شرع على الفور لاحقاً بإنشاء المستعمرات العسكرية التي أُطلق عليها اسم "مستوطنات الناحل" في منطقة الغور، ولحق ذلك في فترة السبعينيات إنشاء ما أُطلق عليه اسم "الكتل الاستيطانية الكبرى" على السفوح الشرقية للضفة الغربية المحاذية لإسرائيل، أي أنه قد تم الجمع بين ترسيم الضم في حالة القدس وحالة تكريس الضم الفعلي الزاحف على الغور ومناطق أُخرى من الضفة.

 وأُسند التوسع الزاحف بسلسلة من القرارات الحكومية والأوامر العسكرية لتحقيق الضم الفعلي، وكان من القرارات المفصلية الأمر العسكري ٧٨٣ لسنة ١٩٧٩، الذي منح مجالس المستوطنات الاستعمارية سلطات فوق مسطحات هيكلية وصلت إلى ٤٢% من مساحة الضفة الفلسطينية، وفي التسعينيات من القرن الماضي وصلت نسبة السيطرة إلى ٦١ %، شملت كل ما أطلق عليه اسم المنطقة "ج" في اتفاق أوسلو ٢ لسنة ١٩٩٥، محسوماً منها ١% وهي النسبة المسموح للفلسطينيين البناء والاستثمار فيها ضمن المنطقة "ج"  مضافاً إليها ٢% تقرر أن تكون محميات طبيعية تسيطر عليها إسرائيل. 

  وافقت القيادة الفلسطينية على تقسيمات "أ، ب، ج" ظناً منها أنها ستكون تقسيمات انتقالية موقتة إلى أن يحين موعد ما أُطلق عليه اسم "مفاوضات الحل الدائم". لكن القيادة الإسرائيلية أرادتها تقسيمات نهائية، ولذلك امتنعت دوماً عن وقف الاستيطان ولم تتراجع عن ضم القدس، ولم تقبل بعودة اللاجئين الفلسطينيين..

لكن، عوضاً عن الضم الفعلي هنالك ما هو أعمق وأخطر وهو عمليات الاقتلاع والإحلال التي تنفذها سلطات الاحتلال في بلادنا. فأولاً، تتحدث الدعاية الإسرائيلية عن ضم أرض فارغة لم تكن عليها أية سيادة سابقاً وظلت تنتظر عودة "الشعب اليهودي" اليها بصفتها "أرض إسرائيل الموعودة" التي لليهود حق حصري فيها ولا تنازعهم عليه أية مجموعة أُخرى. وثانياً، كأن الأمر يدور حول الجغرافيا فقط، وكأن هذه الجغرافيا مرة أُخرى فارغة لا تحوي بشراً، أو لا تحوي بشراً لهم حقوق وطنية تاريخية، مع أن معاهدة فرساي لسنة ١٩١٩ قد اعترفت بالشعوب التي كانت تخضع للسيطرة العثمانية واعترفت بحقها في الاستقلال بعد فترة من الوصاية والانتداب التي من المفترض أن تُحَضِّرها لذلك. كما أن قرارات الأمم المتحدة بعد حرب ١٩٦٧ ومنها قرارات مجلس الأمن ١٥١٥، ١٨٥٠، ١٨٦٠، و ٢٣٣٤ تتحدث عن أراضي ١٩٦٧ كأراضٍ محتلة. لكن عند دولة الاحتلال يسقط الضم على أرضٍ فارغة منذ أن "غادرها اليهود"، وبالتالي فإن من أقام عليها بعد مغادرة اليهود هم "غرباء" لا يستأهلون أكثر من الحقوق الفردية في أحسن الأحوال وهو ما يسهل طردهم ونقلهم من مكان إلى آخر، فيما تقتصر الحقوق الجماعية على اليهود كما جاء في وعد بلفور سنة ١٩١٧، ووريثه قانون القومية سنة ٢٠١٨. 

 إن وصف ما يجري على أنه ضم ارتبط  بفكرة أن ما هو قائم على الأرض هو احتلال عسكري يدير مشروعاً استيطانياً استعمارياً لتحسين أوراق ضغطه التفاوضية وحسب. وهنا جرى تجاهل أن ما يجري هو العكس تماماً، أي أن هنالك مشروعاً استيطانياً استعمارياً اقتلاعياً يقوم الاحتلال العسكري بخدمته، لذا فإن الأساس هو إنهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري لكي ينتهي بعدها الاحتلال العسكري الذي يخدمه، وليس افتراض العكس، وهو أن الاتفاق السياسي من خلال المفاوضات سيترتب عليه تلقائياً قيام حكومة الاحتلال بتفكيك المستوطنات الاستعمارية. وهو ما حدث مع مصر جزئياً حين فككت إسرائيل مستعمرة ياميت في سيناء بعد اتفاق كامب ديفيد. وذلك نظراً إلى  الفرق بين الاحتلالين، فالاستيطان الاستعماري في الضفة والقدس هو أوسع بما لا يقاس عما كان في سيناء. وتكرر الانسحاب من خلال تفكيك شارون من طرف واحد  المستعمرات في غزة وجنين سنة ٢٠٠٥، من دون اتفاق مع السلطة، والأهم أن  الانسحاب جاء في سياق إعادة تمركز المشروع الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية بما فيها القدس، إضافة إلى الجليل والنقب وبقية الضفة كما قال شارون في مؤتمر عقد في مدينة كرميئيل (حسن مواسي، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 99 (2014)، ص 150-156). أمّا في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية  فقد رفضت إسرائيل تفكيك أي مستعمرة، وحتى رابين، رفض بدوره  إجلاء عشرات المستعمرين المتطرفين من قلب مدينة الخليل بعد مجزرة باروخ غولدشتاين داخل الحرم الإبراهيمي سنة ١٩٩٤، مع أن الأوضاع كانت سانحة لإخراجهم من المدينة.

 أثَّر المفهوم  السابق في آليات العمل السياسي والدبلوماسي من خلال المفاوضات والضغط الدولي من أجل استبدال الضم "بتبادل أراضي" تقوم فوقها كتل استيطانية كبيرة، المترافق مع إعلان "أيام غضب" فلسطينية موسمية لمساعدة العمل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني. ألَم تفاوض إسرائيل سورية على إعادة هضبة الجولان في التسعينيات وما بعدها على الرغم من أنها ضمتها سنة ١٩٨١؟ وأولَم تفاوض منظمة التحرير الفلسطينية على القدس على الرغم من أنها ضُمت سنة ١٩٦٧؟ هكذا يتساءل دعاة الفكر المعارض للضم، وبناءً على ذلك ما زالوا يسعون للاعتماد على الوسائل السياسية والدبلوماسية من ضغط فلسطيني وعربي ودولي على إسرائيل لجعلها تقبل بالعودة إلى المفاوضات في ظل مرجعية دولية ووفق الاتفاقات السابقة ومبادرة السلام العربية متجاهلة حقيقة أن المفاوضات السابقة لم تكن من جانب إسرائيل إلاّ كلعبة علاقات عامة لتحقيق هدفين: الأول: استكمال المشروع الاستيطاني الاستعماري وتوسيعه تحت مظلة المفاوضات. والثاني: الظهور أمام العالم بأنها  تفاوض من أجل السلام  فيما تمتنع عن تقديم أي تنازل بشأن الأراضي التي ضمتها وفرضت فيها وجوداً استيطانياً استعمارياً مكثفاً. 

وإذ حققت المفاوضات السابقة هدفيها المذكورين بالنسبة إلى إسرائيل، فإن إسرائيل لم تعد معنية بأي تفاوض من الآن فصاعداً مع الطرف الفلسطيني بعد أن حصلت على الاعتراف الأميركي بسيادتها على القدس، وبعد أن بدأت بالتفاوض مع أميركا من خلال اللجنة الإسرائيلية - الأميركية المشتركة للاتفاق على خرائط الضم لغور الأردن والمستوطنات الاستعمارية.

عن المؤلف: 

وليد سالم: كاتب مقدسي.

اقرأ المزيد