نحو مجتمعات بديلة: أموال المغتربين والقرية الفلسطينية
التاريخ: 
18/05/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

شهد العالم مع بداية سنة 2020 أزمة وضعته أمام العديد من الأسئلة المصيرية، إذ أجبرت جائحة " كورونا" العالم بمختلف مكوناته على الامتثال لسؤال الحالي والمستقبل، وما يتضمنه من تدابير وأطر واستراتيجيات تعيده إلى التوازن بصفته مكاناً للعيش المشترك، يتأثر بشكل قابل للإدراك والرؤية بما يحدث في أرجائه، كما أن هذه الجائحة تلزم البشرية بالتفكير بشكل جدي بعلاقتها بالطبيعة؛ هذه العلاقة الأزلية التي تنظم حياة الإنسان على الأرض، وتدفعه إلى التفكير بطرق تتجاوزها أو تتفوق عليها، ونتيجة ذلك تتكون علاقات القوى والسلطة التي تفرضها دولة على أُخرى، وفقاً لمعايير التقدم التي تنجزها في التفاعل مع الطبيعة، وتجاوز حدودها الجغرافية وسماتها الديناميكية في التجديد والتقلب. ويأتي هذا الفيروس ليتحدى مجدداً قدرة البشرية على إيجاد سبل للمواجهة، وعلى إعادة تنظيم القوى الفاعلة داخل المجتمع، أو ربما كنظرة متفائلة، لترسيخ عدم الثقة بالديكتاتوريات التي تحكم هذا العالم.

الفردانية في مقابل البقاء

برز مع ظهور الفيروس العديد من التوجهات والأفكار التي تتناقض مع توجهات المجتمعات المعاصرة في الميل إلى تصديق حقيقة "التحالفات" بين الدول، فعند أول حالات انتشار المرض عمدت الدول إلى إغلاق حدودها، وظهرت منافسة غير أخلاقية على التزود بالأدوية والمضادات للحماية من الفيروس، والبعض لجأ بشكل علني إلى طريقة العصابات من أجل البقاء، حتى لو كان ذلك على حساب غيره من الدول. ولم تنحصر آليات المجابهة والاحتراز تلك على مستوى الدولة فقط، أو الأطر السياسية والاقتصادية، ففي هذا الاتجاه هناك كثير من التحليلات والمقولات السوسيولوجية، لكن ما نحاول البحث فيه هنا هو دور المجتمعات القروية الصغيرة في حماية ذاتها، وسبل إعادة تنظيمها لشؤونها الداخلية.

في البداية لم يصدق العالم حقيقة هذا الفيروس، وطرق انتشاره، والخطابات السياسية والاجتماعية حوله، وفي فلسطين كما في العالم، حيث شاهد الفلسطينيون هذا الانتشار دون التفكير في إمكان وصوله " إلينا"، إلى أن تم إعلان حالة الطوارئ، وإغلاق المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وشلل الحركة بشكل كامل، والدعوة إلى إقامة حواجز "محبة" على مداخل القرى والمدن والبلدات كافة. وعلى الرغم من  أن "الحاجز" مألوف بصرياً لدى الفلسطينيين، فإنه شكل إشارة بصرية مهمة بشأن خطورة "الاحتكاك الاجتماعي" وأهمية الانغلاق على الذات، وإيجاد سبل بديلة للتعامل مع الوضع الصعب الذي يمر فيه العالم. وبدأت القرى بعقد اجتماعات مكثفة من أجل إرساء قواعد جديدة أهمها عدم الخروج أو الدخول من القرى وإليها، وبعضها أقام حواجز مشتركة نتيجة التداخل بينها؛ هذا التداخل الذي يفرض نمطاً من التبادلات الاقتصادية والاجتماعية فيما بينها، فمثلاً، في القرى الشرقية لمحافظة رام الله يعتمد أهالي رمون ودير جرير والطيبة ودير دبوان وعين يبرود وسلواد على بعضهم البعض في تلبية الحاجات اليومية للسكان، وفي إنجاز المعاملات المالية نظراً إلى وجود فروع للبنوك وصرافات وأماكن لتحويل الأموال، لأن أهالي هذه القرى يعتمدون في الغالب على أبنائهم المغتربين في أميركا والعالم، كما تربط بينهم علاقات من النسب والصداقة، وهذا ما جعل سبل الانكفاء على الذات أمراً في غاية الصعوبة، فمن جهة تحاول كل قرية حماية محيطها وإبقاء نشاطاتها اليومية داخلية، ومن جهة أُخرى لا تستطيع أن تواجه بالإغلاق أمام "الأصدقاء والمعارف والأقارب" من القرى المجاورة، وهذا ينطبق على سكان القرية نفسها، فكيف للعالم الذي يعج بالاختلاط والمشاركة أن يتوقف فجأة؟

مجتمعات بديلة

"ليس الهدف من حاجتنا إلى الكارثة هو الاستمتاع بالمعاناة، بل الهدف، على العكس تماماً، هو التفكير في الحقيقة المرة التي تقول إننا بالفعل في حاجة إلى كارثة قادرة على جعلنا نعيد التفكير في السمات الأساسية للمجتمع الذي نعيش فيه"[1]،  وقدرته على التضامن وإعادة صوغ المعادلة للصالح الإنساني، إذ تحولت أشكال التضامن في المجتمعات المعاصرة نتيجة شروط الرأسمالية، ومصالح الدول التي تفرضها، وأيضاً متأثرة بحركة الشعوب وثوراتها ضد هذا النظام الذي يخنق العالم في تطوير سبل بقائه والتهامه لفكرة المجتمع، فلم يعد الفصل بين التضامن الآلي/ الميكانيكي والتضامن العضوي اللذين نظًر لهما دوركايم ممكناً، ولم تعد على الأقل القرى التي أتناولها في هذه الورقة "شرقي رام الله" تعمل ضمن نمط إنتاج واحد، فهناك أشخاص يعملون ضمن وظائف في المؤسسات الحكومية والخاصة، وأيضاً هناك عمال بناء، ومقاولون، وتجار، وعدد قليل جداً من المزارعين، وفي الغالب لا تشكل هذه الزراعة مصدراً أساسياً يعتمد عليه لكسب الرزق، بل هي في أحيان كثيرة للاكتفاء ذاتي. ويعتمد الأهالي بشكل كبير على حركة الأموال من أبنائهم المغتربين في أميركا، فكل عائلة (في رمون مثلاً) لديها ابن واحد على الأقل يعيش في أميركا، ويرفدها بما تحتاج إليه من مال في الأوضاع الطبيعية. ومع بدء انتشار الفيروس والخوف من توقف حركة هذه الأموال تم اطلاق مبادرات لجمع الأموال من المجالس القروية لحماية السكان في حال استمر الإغلاق وتفاقمت الأوضاع سوءاً، فقد ذكر أحد أعضاء لجان الطوارئ في قرية رمون أن إمكان توقف البنوك عن العمل كان شاغلاً أساسياً للتفكير، ولكي لا يحدث كما في الانتفاضة الأولى التي اعتمد فيها الأهالي على الشيكات البنكية، ومع إغلاق البنوك لم يعد لهذه الأموال معنى، وبرزت فئات محتاجة جديدة لا تملك سيولة نقدية على الرغم من امتلاكها المال بصورة عامة، كان لا بد من مبادرات كهذه من أجل استباق تأزم الوضع الاقتصادي نتيجة انتشار الفيروس.

وبرزت المواجهة الاقتصادية كمعيار أساسي ووحيد للهوية في التصدي للمرض، ففي رمون تم جمع مبلغ  11,000 شيكلاً في أول اجتماع للجان الطوارئ، وتم إطلاق مبادرة جمع الأموال لمدة مئة يوم، حتى وصلت المبالغ بعد ثلاثة أيام إلى أكثر من مليون شيكل، جمعتها لجان الطوارئ من المغتربين وعائلاتهم. أمّا في المزرعة الشرقية فقد تم جمع مليون وثلاثمئة وخمسين ألف شيكل، وفي دير جرير وهي قرية لا تعتمد على المغتربين بشكل أساسي، وصل حجم التبرعات النقدية إلى 700,000 شيكل، ولم تقتصر هذه التبرعات على الشكل النقدي، بل تم إعلان مزاد للخير، فتمت تغطية ديون بعض العائلات المستحقة للمحلات التجارية، وتوزيع اللحوم والمواد التموينية بشكل يومي، بالإضافة إلى التبرعات الفردية المنفصلة للعائلات المحتاجة. ومع دخول شهر رمضان تضاعفت هذه المساعدات في جميع القرى، نظراً إلى ارتفاع مستلزمات هذا الشهر عادة، وعدم قدرة فئة كبيرة من السكان على العمل، وخصوصاً أصحاب المهن اليومية.

لم يمثل التبرع بهذه الأموال بالنسبة إلى المغتربين جزءاً من المساهمة العينية فحسب، بل كان أيضاً عبارة عن تأكيد الانتماء والامتداد الهوياتي على الرغم من عالمية الحدث، وتأكيداً على حضورهم داخل القرية على الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصلهم عنها؛ إنه نوع من العودة إلى قيم القرية الأساسية المبنية على العمل في الأرض والعونة وتفقد الجار والالتفاف الجماعي عند حدوث الخطر، بينما يعج العالم بنداءات من أجل التباعد الاجتماعي، وحماية النفس، وتعزيز الذاتية، هذه القيم الجديدة التي حولت المجتمعات وعاداتها في الاستهلاك، والتفاعل مع الآخرين، وفي قراءة النظم التي تحكمها، وربما نشهد بعد هذه الجائحة ظهور مجتمعات بديلة، قادرة على إرساء قيم جماعية في وجه الفردانية وسيطرتها على العالم.

المال للجميع/ المال للمحتاج: شكل جديد من الشيوعية

مع تفشي الفيروس في العالم ظهرت سجالات متنوعة بشأن إعادة التفكير في المجتمع، وصوغ علاقات تستطيع حماية المجتمعات الأقل حظاً في امتلاك سبل النجاة، فقد برزت الحاجة "إلى تضامن كامل غير مشروط واستجابة منسقة على المستوى العالمي، شكل جديد لما كان يسمى فيما مضى الشيوعية."[2]  وفي هذا الإطار تطفو مجموعة من الأسئلة عن شكل هذه الشيوعية وشروط تحقيقها في ظل هذا العالم المحكوم بشروط اقتصادية ومصالح رأسمالية لا يمكن زعزعتها بسهولة، وكيف/هل حققت القرى الصغيرة في هذه الحائجة خطوة قصيرة المدى نحو مجتمع "شيوعي"؟

تتميز القرى الشرقية كما ذكرت سابقاً بحركة الأموال من المغتربين إلى أهاليهم داخل هذه القرى، وهذا يساهم في تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي لسكان تلك القرى، ويعيد السؤال حول المعايير التي يتم فيها تصنيف الناس المحتاجة من غيرها. ومع بداية الجائحة والإغلاق شبه الكامل وتوقف العمل، وبدء المبادرات لجمع المال، كان هناك تفاعل كبير من المغتربين في إرسال المال، فلم تكن هذه التبرعات أو التحويلات موجهة إلى أهاليهم بشكل مباشر، وإنما كانت تعود إلى المجالس القروية أو لجان الطوارئ التي تقوم بتوزيعها فيما بعد، وشراء مجموعة من الحاجات اللازمة مثل المواد الصحية، وأجهزة تنفس، والمواد التموينية الأساسية، ووضع مبالغ لمقتضيات "الحجر المنزلي" إذا سجلت هذه القرى حالات عدوى، أو مبالغ عينية للناس، فانتقلت هذه المساهمات المالية من شكلها العائلي لتخدم الجماعة بصورة عامة.

في رمون، ومع بداية الشهر الأول من الإغلاق كان الحوار عن كيفية توزيع هذه الأموال. فهل سيكون توزيعها للناس المحتاجة، أم أن المال للجميع؟ ولم يمض الشهر حتى تم توزيع مبالغ مالية تتراوح من 200 إلى 500 دولار لكل عائلة في القرية بحسب عدد أفراد العائلات، وبعض العائلات التي لا تحتاج إلى هذا المال قامت بإرجاعه، وهذا ما جعل المجلس يفكر بآلية أُخرى من أجل يتم توزيع المال للمحتاجين فقط، وهنا تم وضع تصنيفات تساعد المجالس على إيجاد توزيع متوازن، وكانت الأولوية لعمال المياومة، مثل عمال البناء أو المقاهي أو سائقي السيارات العمومية الذين يعتمدون على مبالغ يومية تم قطعها بسبب حالة الطوارئ، وفي المركز الثاني المقاولون البسيطون الذين انقطعت أعمالهم، ثم للعائلات الكبيرة، وللموظفين الذين لم تنقطع رواتبهم، على أن يكون في العائلة موظف واحد، إما الرجل وإمّا المرأة.

أمّا في المزرعة الشرقية فلا يوجد تصنيف لعائلات محتاجة، لأنه وبحسب مسؤول لجنة الطوارئ لا يوجد عائلات محتاجة في القرية وإنما عائلات متضررة، ولا تتجاوز نسبتهم 20% من إجمالي القرية، وتم دعمهم بمبالغ تراوحت من 800 إلى 1200 شيكل تشمل توفير شحن للكهرباء وتوفير مواد تموينية. أمّا في دير جرير وعلى الرغم من عدم اعتمادها بشكل أساسي على المغتربين، فقد تم جمع تبرعات لتوزيعها على المحتاجين الذي تبلغ نسبهم 15% من سكان القرية، بالإضافة إلى ظهور محتاجين جدد ممن يعملون داخل أراضي       الـ 48، وعمال المياومة، كما تم اعتبار العائلات التي يقل دخلها عن 3000 شيكل، عائلات متضررة.

اعتمدت هذه القرى بصورة عامة على مصادرها الذاتية في معالجتها للأزمة الناتجة عن جائحة كورونا، ولم تدعم الحكومة أي نوع من النشاطات داخلها على الرغم من أن دير جرير سجلت حالات إصابة وشهدت أياماً من منع التجول، بل كان هناك مساهمات من هذه القرى في دعم عمل الحكومة، حيث تبرع أهل رمون بتوفير وجبات الطعام للأشخاص الذين تم حجرهم في فندق الجراند بارك، وأيضاً بعض القرى الشرقية، فتكفل أهالي ترمسعيا بجميع احتياجات المحجورين في مستشفى "هوغو تشافيز".

في النهاية لا يمكن الجزم باستمرار هذه الحالة من التضامن لتعيد إرساء قواعد جديدة للتوجه نحو شكل من أشكال الشيوعية، فالأموال التي تصل من المغتربين تعتمد ضخامتها وسيل حركتها نحو الأهالي في هذه القرى على قدرة السوق والاقتصاد العالمي على فرض شروطه، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً عن طبيعة الإنتاج في هذه القرى، وقدرة الناس على إيجاد سبل مواجهة أصيلة نابعة من مواردها وإمكاناتها، كما أن هذه الجائحة تنذر بأهمية إعادة التفكير بنمط إنتاج القرية، وإيجاد مجتمعات بديلة قادرة على فرض شروط جديدة وفقاً للشروط والإمكانات الهائلة التي تتمتع بها القرية على وجه التحديد.

 

[1] سلافوي جيجيك، فيروس كورونا بمثابة ضربة “أقتل بيل” القاضية للرأسمالية، ضربة قد تعيد إحياء الشيوعية.

[2] سلافوي جيجيك، كورونا فيروس الإيديولوجيا + نحن جميعاً على متن سفينة "أميرة الألماس" حيث تفشى الفيروس.

 

عن المؤلف: 

سارة زهران: باحثة في علم الاجتماع.

اقرأ المزيد