تباعد
التاريخ: 
18/05/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

ينتابني شعور غريب وهزلي بأن أكون محجوراً كغيري لعدة أشهر في بيتي المتاخم لباريس الجميلة والمتجددة، منفتحة الأفق والآفاق، والمفعمة بالتفصيلات الصاخبة والسهرات واللقاءات والمواعدات، غير آبهة لا لزمان ولا لمكان.

 يا لسخرية القدر!!! لأول مرة نسمعها هنا "ممنوع الخروج من دون إذنٍ مسبق ولدواعٍ حياتية ضرورية". أصبحت شوارع مدينة النور وأمست على غير عادتها مظلمة وشاحبة الملامح، وأصبح هاجس التباعد بين الناس أمراً مرغوباً فيه بشدة وفي كل الأماكن كالأسواق وأماكن التجمعات العامة والزيارات، بل أصبح الحديث ومصافحة الآخرين يشكل مصدر خطر حقيقي، والتقارب المعهود أصبح مقلقاً ومرفوضاً، لم أعش قط ولَم أتصور معالم هذا الواقع القهري والمستجد خارج أسوار مدينتي البعيدة – القريية. تساوت الآن الرؤوس ولم تعد تحجب حدّ الرؤية والبصيرة، وغدت الصورة واضحة المعالم، إنها جائحة كورونا التي أتت في زمن الاضطرابات والانتكاسات العربية والإقليمية، وعلى الرغم من ذلك كله فلقد توحدت البشرية  قاطبة ولأول مرة في تاريخنا المعاصر على شيء اسمه الخوف من المجهول ومن مواجهة قاتل شرس عابر للبلاد والمدن، لعين وغامض متربص ليس له حل ولا من بارقة أمل تلوح في الأفق.

أعيش متنقلاً في المنافي لأكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة لم تطاردني يوماً عذابات ولعنات الجغرافيا والحدود كالتي عشتها مراراً والتي أضحت واقعاً يومياً مريراً ومفروضاً بالإكراه على شعب بأكمله يقبع على حدود الشاطيء الآخر وليس الكوكب الآخر، إنها غزة المنسية والمهمشة والمحاصرة من الصديق والعدو، والوحيدة في معترك الأزمات والتقلبات والحقبات والنكبات. لم أتخيل وأنا خارج سجني الكبير بأني لن أملك يوماً نسيماً من حرية كانت وما زالت منقوصة، إن الفارق المدهش بين غزة والعالم ليس له مثيل، كالذي بين الرصاصة والحرير وبين الوردة والبندقية، بين الأمل والألم.

كثر لم يكترثوا، أو تناسوا إن صح القول، غزة وما يحدث فيها ولها، بل كان من المستحيل عليهم الشعور بها في أوضاع الحياة العادية المطمئنة.

Locked down - كلمة سمعتها مؤخراً، أعرف بدلاً منها معنى عشناه لكننا لم نتعايش معه - Sieged، لا يهم اختلاف المعنى فالواقع أصبح مشابهاً إلى حد ما، وبات واضحاً الآن ماذا يعني أن تكون مقيداً وممنوعاً من ممارسة طقوسك الآدمية.

يومياتي في الحجر كغيري من البشر: أصحو من نومي باكراً، أرتشف قهوتي العربية التي يطغى عليها طعم الهيل البيروتي، ثم أشعل سيجارةً تلو الأُخرى وأسرح بذهني وعينيّ تتجه صوب الضوء الآتي من نافذتي البيضاء الكبيرة التي تطل علي شجرة الكستناء المخضّرة والمزهرة . لا وحدة - لديّ أمل يجلس أمامي ويشاركني تفصيلات عزلتي ويومي، أُهاتف أصدقائي الذين تعودت على لقاءاتهم المستمرة ووجباتنا المتكررة، لا أحد في الحي ولا أصوات، الشارع خائف، لا ضوضاء ولا حتى ضحكات الأطفال التي تعلو كلما دنوت من المدرسة التي تقع على بعد أمتار من بيتي. وجوم !!! لا شيء سوى زقزقة عصافير معلنة منتصف فصل الربيع  وحدائق ملونة مطمئنة، لست بمتفاجيء، فأنا إبن جيل نشأ على صوت مكبرات الصوت المنبعثة من جيب عسكري كان يطوف شوارع حيّ الشجاعية ويعلن "ممنوع التجول حتى إشعارٍ آخر".

إنها الحادية عشرة صباحاً، يبدو صباحاً عادياً ككل الصباحات. خمسون يوماً أو ما يزيد، ألتقط أنفاسي المتسارعة فأنا لست صبوراً بطبعي، أعدُ طعامي وساعاتي وأهرب من الوقت إلى الرصيف الآخر كلما لمحت أحدهم مقبلاً عليّ، أتبع إجراءات السلامة والوقاية العامة، وأحرص على استخدام الكمامة والوقوف على الشريط اللاصق الملون الذي وضعه صاحب المتجر "مسافة مترين بين كل شخص"، ومن المتجر الذي تعودت الذهاب إليه كل سبت لأخذ ما يلزمني وأعود أدراجي.

بعد قيلولة قصيرة، إنه وقت الظهيرة، دقت ساعة العمل، أنظر إلى زاوية صالون البيت على يمين شباكي الأبيض حيث لوحتي ومقصي، أنصهر مع أقمشتي وألواني ثم ألصق حكاياتي قطعة … قطعة، ثم أعمل وأعمل حتى منتصف الليل، أسعى جاهداً لأن أسرد تفصيلات، ولأن أجد إجابات وافية لتساؤلات كثيرة أعيشها، وأن أتعرف على أشياء ربما لم أمنح نفسي الفرصة مسبقاً لاكتشافها فالعزلة تجعلك تبحث عن ذاتك.

عن المؤلف: 

محمد جحا: فنان فلسطيني يعيش في باريس.

اقرأ المزيد