مذكراتي في المنفى
التاريخ: 
28/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

هنا ،
عند مُنْحَدَرات التلال ،
أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت ،
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ ،
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ ،
وما يفعل العاطلون عن العمل:  نُرَبِّي الأملْ .

سجينة في المنفى أعدّ أيام غربتي عن أحبتي في صيدا، وأحسب سنين بعدنا عن مخيم اليرموك، اليوم تعجز الكلمات، وتتلاشى الحروف حزناً من كثرة الأشواق وحرقة من نار البعد والفراق. في هذا الزمن الذي جعل من الدم ما يحدد النسب، وما يُسجّل في دفتر العائلة هم مَن يمتلكون نفس الكنية فقط، أودّ أن أقدم اعتراضي على كل هذه التقاليد والمعتقدات، وأعلن نفسي ابنة لعائلتين في آن واحد. (عائلة الروح وعائلة الدم). في هذا الزمن الذي جعل قلبي ممزقاً بمكان وروحي هائمة في مكان آخر، لا يستطيعان أن يجتمعا إلا في التئام شملنا جميعاً.

اليوم صرت لاجئة للمرة الثالثة، بنكهات مختلفة ووداعات أقسى وأصعب. فقد شاء الله عزّ وجلّ أن أجتمع بعائلتي في هولندا بعد أن عشت سبع سنوات مكتملة يلحقها شهر واثنين وعشرون يوماً في لبنان، بعد انقضاء ليال عشتها أعارك وحدتي في صيدا، يرافقني متحف ممتلئ بقصاصات وعبارات وشهاداتي في ورشات العمل، وصور كل من أحبت، إلى أن يتسلل النوم إلى جفوني بعد آلاف من الأفكار الجنونية، كأن يأتيني شبح الظلام وهواجس سارق يتسلل بيتي الشاحب ليقتلني، أو أتذكر السنين التي وقفت بها في مطار بيروت مودعة عائلتي واحداً تلو الآخر.

كم من المرات وقفت أفكر، مَن ياترى يشتاق أكثر المسافر أم المودّع؟ إلى أنْ جاء اليوم الذي أكونُ فيه المسافرة، وأتركُ خلفي بلال الذي مزّق قلبي بدموعه، وعامر الذي آثر مساعدتي في توضيب أمتعتي على أن يكون مع خطيبته.

في هذا اللجوء حرصتُ على أخذ كلّ أوراقي ومتحفي الذي يروي حكاية في كل قصاصة صغيرة، نقلتُ كل ما يذكرني بأحبتي الذين قدمهم لي القدر في غربتي، عائلة بلال وأصدقاء أعادوا لي رونق الحياة، و"فرقتي لاجئ" الحلم الذي تحقق بعد طول عناء.

كنت أعتقد أنها مجرد أيام ستمضي، وستتلاشى شدة الشوق إليهم، إلا أنها على العكس تماماً في كل يوم يمضي تزداد اللوعة في قلبي ويحترق الفؤاد حنيناً لهم، لبيتهم الكئيب المحشو في زواريب المخيم العظيم "عين الحلوة"، لغرفه، للسرير والفراش، لشتاء صيدا الدافئ وبحره الهائج، لـ "بلال" الصديق الذي آنس وحدتي، وزيّن حياتي اللبنانية بعد هجرة أخر ما تبقى من عائلتي شقيقي "صلوحة". رافقني بحزني وفرحي، نجاحي وفشلي، بلال الذي يناديني "أمي" والذي يمازحني قائلاً "هم أخطؤوا حين بنوا تمثال الحرية، ولم يبنوا تمثالاً لك"، لطالما أحنّ إلى أن أضمك إلى قلبي، وأفتخر بك كلما رأيتك تكبر، وتنجح في دراستك، أو حين تهز خشبة المسرح تحت قدميك، كنت وستبقى ابني وولدي وصديقي ما حييت.

رحلتي إلى الجنة الموهومة:

لم أكن أتوقع من أوروبا أن تستقبلني بهذا الشكل، ابتلاء كورونا جعلني لا أرى الجنة التي يتغنى بها جميع اللاجئين، كل الدوائر التي تُعنى بشؤون اللاجئين أغلقت أبوابها في وجهي منذ وصولي فجر 24 شباط 2020، فلم أستلم إقامتي حتى الآن، ولا أعتقد أنهم عرفوا بوجودي في أراضيهم أصلاً.

صُدمت جداً بما آل إليه والداي في هذه البلاد، فما زادتهما إلا هرمًا وهمًا، فوالدي بلغ ال71 من عمره الذي قضاه في الثقافة والقراءة والعلم، ووالدتي المربية الفاضلة التي قضت عمرها في التعليم، صارا اليوم يتنظران أي أحد ليترجما لهما ما يصل من بريد، فعائق اللغة جعلهما يلتزمان المنزل الذي يضج به صوت التلفاز بأخباره المقيتة، فإلى أين سيذهبان غير بيوت أشقائي في مدينة مجاورة لهما. وزادها روتيناً الحجر الصحي الذي فرضه مرض الكورونا وتزايده بشكل كبير دون أخذ الاجراءات الحقيقية للحد من تفاقم الوضع، وزاد الأمر تعقيدًا  حين بلغنا أنّ جارنا نُقل إلى المشفى وهذا يعني أن المرض اقترب كثيرًا إلينا لنصاب بالهلع والريبة.
كثيراً ما كنت أحاول تسليتهما، برؤية مسلسل شامي يعيد ذكرياتهما في أيام الصّبا، ويسرد والدي في حكاياته عن الماضي ويختم قوله دائماً "إن شالله بس نرجع عاليرموك"، ووالدتي المسكينة التي أتاها خبر وفاة جدي وخالي في غربتها، ووجدتْ ما يشغلها فهي تتابع عملية التعليم عبر الانترنت منذ لجوئها، وأيضاً مازالت تدعو الله أنْ يعيدها إلى بلدها الأصلي سوريا الحبيبة، وأما عني فلم أخشَ ذاك المرض أكثر من مرض الاحتلال اللعين الذي رافقني عمرًا بأكمله، والذي أوصلني إلى ما أنا عليه الآن ممزقة الحنين بين سوريا ولبنان وفلسطين.

أكثر ما لفت انتباهي هنا في هولندا "البط والإوز" في الأزقة المائية التي تتخلل الشوارع وأنواع كثيرة من الطيور، وكذلك الأبنية اللطيفة الديكور كما تظهر في الأفلام تماماً، وأناس يمرون بجانبي بعضهم يلقي التحية محاولين الحفاظ على مسافة متر ونصف من أجل الكورونا اللعينة، ومنهم من يكتفي بالنظر والعبوس، لا أدري إن كان السبب حجابي، أم ملامح وجهي العربية، أم الكوفية وعقدي المكتوب عليه "فلسطينية" أوشعار فرقتنا الحبيبة لاجئ، وأيضاً قانون السير الذي يحتّم على السيارات الوقوف من أجل المشاة، وكذلك الانترنت المفتوح مجاناً في الباص، وما أثار تفكيري تلك المساحات الخضراء الواسعة والكبيرة التي تكفي لاستقبال كل اللاجئين الفلسطيين الذين هربوا من بطش الحرب في سوريا إن أرادوا استقبالهم. فاليوم يزداد وضعهم سوءًا في لبنان، فبعض أصحاب البيوت يطالبون بأجرتها، يرافقها فواتير الكهرباء والانترنت دون أن يكترثوا للأزمة التي يمر بها العالم بأكمله، وارتفاع الدولار وغلاء المعيشة الذي أثر على كل سكانه.
والغريب بالأمر أنه منذ وصولي أرى في منامي بيتنا في مخيم اليرموك سالمًا معافى من أي قصفٍ أو تدمير، والأغرب أنني أصطحب كل من أحببته في حياتي إلى ذاك البيت الذي لم يعد سوى مجرد ذكرى في مهبّ الرياح، وحين أصحو أجد نفسي في عالم آخر، بين جدران غرفتي الصغيرة، أتأمل صور أحبتي الذين سكنوها، وأكتب أحلامي على أوراقي التافهة، أضحك أحياناً حين أتذكر مواقفًا مرّتْ معي، وأسارع في النزول إلى الشارع لكي أخفي دمعتي إذا ما ضعفتْ. فدرويش صدق حينما وصفنا بأننا عاطفيّون عن غير قصد، وأنّ لنا أحلامًا صغيرةً بأن نصحو من النوم معافين من الخيبة، معافين من الشوق واللجوء والاغتراب.

شهران مكتملان على الرحيل، فأنا الآن بلا وطن وبلا مخيم، بين نارين (شوقي للعيش مع عائلتي وغربتي عن عائلة لم تنجبني)، اليوم لا فرق عندي بين ليل أو نهار، أعيش في بلد لا أفقه لغته، بلد موالٍ ومحبّ لعدوي الذي احتل أرض أجدادي.

حين أكتب كلماتي هذه أخجل أن تقرأها أمي أو أبي، خشية أن يعتقدا أنني لا أحب أن أبقى بجانبهما، ولكن لولا ذلك ما وقفت أعتصم وحدي أمام السفارة الهولندية في بيروت أياماً متكررة لكي يجمعوا شملنا، ولكن يا أمي هذه الأيام قاسية عليّ، فهي تمنحني من جهة وتأخذ مني من جهة أخرى. وسبع سنوات كفيلة بأن تجعلني أحبّ لبنان وساكنيه على الرغم من قسوته عليّ وعنصريته تجاهي. وكأن الفلسطيني ملصق به مسيرة النضال والمقاومة بكل أشكالها، ولتكتمل الحكاية يأتينا وباء لا نراه ولكنه يرانا، ليضع فوق جراحنا، سجناً لا نعرف متى ينتهي؟!

عن المؤلف: 

ربا علي رحمة: فلسطينية. من "مخيم اليرموك" إلى "صيدا" ثم "هولندا"، إلى حين العودة إلى طبريا "الوطن". من المشاركين في ورشة الكتابة الابداعية التي نظمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية مؤخرا في بيروت.

اقرأ المزيد