واقع الإيرادات والضرائب الفلسطينية في زمن الكورونا
التاريخ: 
16/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

نظراً إلى ضيق المساحة المتاحة في هذه المقالة سأتجنب الحديث عن الآثار السلبية العامة على القطاعين الاقتصادي والاجتماعي، وسيتم تخصيص السطور الآتية لموضوعة الإيرادات والضرائب ومدى تأثرها بأزمة الكورونا. لكن لا يمكن فهم الأثر السلبي في الإيرادات والضرائب دون توضيح الخريطة المالية للموازنة وإيراداتها والضرائب التي ترفدها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقالة لا تهدف إلى إثارة الجدل ما بين السياسات المالية والضريبة، أو إلقاء الضوء على الجوانب المختلفة والمتعددة لهذه الآثار، وإنما تهدف إلى تشخيص الوضع المالي والضريبي للموازنات الفلسطينية، وسبل الحد من التحديات الحالية الناجمة عن جائحة الكورونا.

بداية لا بد من التوضيح أن الموازنة الفلسطينية تعتمد في إيراداتها على ثلاثة مصادر أساسية هي: إيرادات ضرائب المقاصة، وإيرادات الضرائب المحلية، والمنح والمساعدات الخارجية، وفي حال عدم كفاية هذه المصادر لتغطية نفقات الموازنة يتم الاقتراض من جهات خارجية ومحلية. وفيما يخص إيرادات الضرائب فإنها تسير وفقاً للخريطة التالية: إيرادات المقاصة التي تحصّل عبر سلطات الاحتلال عن نشاطات الاستيراد من السوق الإسرائيلية ومن أسواق العالم الأُخرى، والمتمثلة في الجمارك وضريبة الشراء والقيمة المضافة، بينما الضرائب المحلية يتم تحصيلها من نشاطات ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة على نشاطات القطاع الخاص، أمّا المنح والمساعدات فهي تعتمد على المواقف السياسية بصورة عامة، وقد تراجعت في السنوات الأخيرة بشكل كبير بناء على هذه المواقف.

لعرض تأثير الكورونا في الخريطة الضريبة لا بد من توضيح نسبة مساهمة هذه الضرائب في إيرادات الخزينة ومن ثم مقارنتها بإيرادات موازنة الطوارئ 2020. كمعدل عام، تتجاوز نسبة مساهمة ضرائب المقاصة 65% من إجمالي الضرائب، وتشكل الضرائب المحلية نحو 22%، والباقي 13% إيرادات الرسوم المتنوعة وإيرادات أُخرى. وبالنظر إلى موازنة الطوارئ 2020، يتبين أن إجمالي الإيرادات سوف يتراجع بنسبة 28% عن إيرادات سنة 2019 والبالغة نحو 11.7 مليار شيكل، وهذا يشكل نحو 3.3 مليارات شيكل، بمعنى أن إيرادات السلطة المتوقعة سوف تقل بنحو مليار دولار، وهذا التراجع ناجم عن تأثير تراجع الاستيراد وبالتالي تراجع المقاصة، وكذلك تراجع الدخل القومي الفلسطيني نتيجة تعطيل أكثر من ثلثي طاقته الإنتاجية، وكذلك تراجع مستوى الدخول مداخيل للشركات والأفراد. هذا الوضع يؤدي إلى كارثة مالية في حال عدم قدرة السلطة على تغطية العجز البالغ أكثر من 5 مليار دولار، وهذا العجز لا يمكن تغطيته إلاّ بتقديمات سخية من الدول المانحة، والاقتراض من مختلف الجهات. وبحسب الموازنة، هناك توقعات بأن تقدم الدول المانحة نحو 45% من هذا العجز والباقي يُغطى عبر الاقتراض.

يعطي الوضع أعلاه العديد من المؤشرات التي يجب أخذها في عين الاعتبار، وأهمها أنه تاريخياً، تعاني الموازنة والإيرادات تحديات كبيرة أبرزها، تحكّم إسرائيل بنحو 65% من الموارد المالية، وعدم الاستقرار المالي، وضياع جزء كبير من الإيرادات بسبب التهرب الضريبي والذي يقدر بنحو 30%، وعدم التزام المانحين بالوعود. وتنعكس هذه التحديات على زيادة عدم اليقين في الحصول على إيرادات، وهذا يؤثر في التخطيط للنفقات ويحد من تنفيذ بعض السياسات المالية. فعلى سبيل المثال، تركز الموازنة على دعم الفئات المهمشة والفقيرة والنوع الاجتماعي، لكن هذا ليس من ضمن الأولويات، وفي حال تراجع الإيرادات سيختفي هذا التركيز لأـن الأولوية تكون دائماً للرواتب والأمن والصحة والتعليم. وقد زاد الاهتمام بنفقات الصحة مؤخراً نتيجة هذه الجائحة في الوقت الذي تراجعت فيه الإيرادات. وللمزيد من التفصيل عن حصة القطاعات ذات الأولوية، نجد مثلاً أـن: حصة الأمن 26%، والتعليم 20%، والصحة 11%، والتنمية الاجتماعية 8%. هذه الأولويات تكون على حساب قطاعات أُخرى مثل قطاع الزراعة الذي بلغت حصته 1% فقط، وذلك على اعتبار أن الأمن والصحة والتعليم أولوية. 

 أمّا المعضلة حالياً في ظل هذه الجائحة فتتمثل في: تراجع كبير في إيرادات الضرائب، وعدم قدرة الاقتصاد على توليد الدخل، في الوقت الذي ترتفع فيه النفقات ولا سيما في القطاعين الصحي والأمني، مع ملاحظة أن هناك مشكلة مزمنة في الموازنة، وهي أن وتيرة نمو النفقات أكبر من النمو في الإيرادات، الأمر الذي يؤدي إلى فجوة تمويلية تتسع مع الزمن وبحاجة إلى تمويل من الدول المانحة أو عبر الاقتراض الخارجي والمحلي، وهذا الاقتراض يرفع من وتيرة تراكم الدين العام. وستؤدي الأزمة الحالية إلى تسارع نسبة التراجع في هذه المؤشرات بشكل دراماتيكي، وبالتالي ستصعّب على صانعي القرار اتخاذ تدابير وسياسات للحد من هذا التراجع. وقد يتساءل البعض هنا ما هو الحل؟ الحل الوحيد هو التكيف مع هذه الأزمة بما هو متاح، وخصوصاً أن بروز دور النشاط الاجتماعي التضامني يساعد في عدم سير الأمور إلى التدهور، بالإضافة إلى السعي نحو الاقتراض وتخصيص الجزء الأكبر منه للنفقات الصحية ومساعدة الأسر المتضررة والعمالة المعطلة. ومن يعتقد أن زيادة الضرائب والسعي نحو تطويرها يساعد في هذه الفترة يقع في مغالطة كبيرة، وفي الوقت نفسه يجب أن تكون الدعوة واضحة إلى القطاع الخاص المنتج بالالتزام الكامل بدفع الضرائب لأن ذلك يخفف من حدة أزمة كورونا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا بد من تغيير العقيدة الاقتصادية المتبعة سابقاً، ولو أن ذلك لا يتم بشكل سريع، إلاّ إنه يجب البدء في التخطيط لهذا الموضوع ابتداء من التوجه إلى تغيير منظومة السياسات الضريبية والتجارية التي تخدم الاستقلال الاقتصادي والانفكاك عن دولة الاحتلال، لأن الوضعين الاقتصادي والتجاري ما بعد كورونا سيختلفان كثيراً عما قبله، وفضلاً عن ذلك فهذا الموضوع هو مشروع وطني وسيادي، وقد تتيح هذه الأزمة فرصة جيدة لتغيير الوضع القائم والاستقلال عن دولة الاحتلال.

عن المؤلف: 

مسيف مسيف: خبير اقتصادي.

اقرأ المزيد