التعليم الجامعي والوسائط الرقمية: نحو تكامل الأداة مع الغاية
التاريخ: 
06/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

تكثر التحليلات والمقاربات الاجتماعية والثقافية لما يُسمى بجيل "Z" وهو جيل المواليد بين سنة 1996 وسنة 2010، أي الجيل الذي فتح عينيه على الإنترنت ووسائط التواصل الإلكتروني. وعلى الرغم من أن هذا التوصيف، والتوصيفات المشابهة لأجيال أُخرى، مبني على رؤى غربية للمجتمع وللأحداث التاريخية، فإن هذا الجيل بالتحديد تجمعه صفة عابرة  للمجتمعات وللثقافات، ألا وهي "الانغماس الرقمي". يُنظر إلى هذا الجيل على أنه يمتلك مفاتيح المستقبل، نتيجة كون التكنولوجيا آخذة في تشكيل مختلف مكونات الحياة حول الأدوات الرقمية التي يبرع فيها أبناء الجيل المذكور، والذي تتضاءل لديه الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والحياة المهنية، نظراً إلى التداخل الكبير الذي تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي. نتيجة ذلك، فإن الاضطلاع بأي عمل ينطوي على التعامل مع هذا الجيل والجيل الذي يليه "المسمى جيل ألفا"/ لا يمكن أن يستقيم معه ترف العزوف عن، أو الخوف من التكنولوجيا الرقمية.

من نافلة القول أن التعليم يأتي بين أهم النشاطات التي تستدعي المتابعة والسعي الدائم للتطوير، كونه الأداة الأهم في تشكيل الواقع بأوجهه المتعددة. وبالترافق مع القفزات التقنية المتلاحقة، فقد عايش التعليم خلال العقدين الأخيرين تغييرات جذرية على أصعدة آلياته وأهدافه وجمهوره، تمثلت بازدياد دور تكنولوجيا المعلومات والواقع الافتراضي في تناقل المواد التعليمية وعرضها، وفي مزيد من التركيز على تعزيز مهارات التعامل مع مصادر المعلومات من أجل استخدامها في إنتاج معارف جديدة، وفي جعل التعليم عابراً بشكل متزايد للفئات العمرية المعتادة، عن طريق موضعة إمكانات التعلّم بشكل مرن داخل الحياة اليومية. كمثال على ذلك، وبحسب مقالة حديثة نشرتها نيويورك تايمز، فإن المرونة المبتغاة دفعت بعض الجامعات إلى البدء بإتاحة نموذج الاشتراك الشهري لدفع الأقساط، مع إعطاء الفرص للراغبين بتعلّم مساقات منتقاة بدل الالتحاق ببرامج ثابتة، كما أن هناك توجهات لاستبدال كشف العلامات التقليدي بسجل تفاعلي يوثق المهارات والتجارب النظرية والعملية، ويرافق الشخص مدى الحياة.

وقد استوجبت الثورة المعلوماتية والرقمية القيام بتغييرات أفقية وعمودية في الجامعات، على مستوى طبيعة البنى التعليمية التخصصية، وعلى مستوى الإدارة والتنظيم، إذ ازدادت أهمية التخصصات البينية، وأصبح الاستثمار في المعرفة يمثل مدخلاً مادياً أساسياً إلى مؤسسات التعليم العالي، والتي كان هانس ويساما، الخبير في الإدارة والريادة الأكاديمية، قد قام بتوصيفها بأنها "جامعات الجيل الثالث"، وذلك في كتابه ذائع الصيت “Towards the Third Generation University”، الذي نُشر قبل ما يقارب عقد من الزمان. يأتي هذا التوصيف من طرف الكاتب للتدليل على التطور التاريخي لهوية ودور الجامعات، التي انبثق جيلها الأول من مدارس كنسية في العصور الوسطى من أجل "الدفاع عن الحقيقة"، وما لبث أن ارتقى دورها خلال عصر التنوير الذي شهدته أوروبا من نقل المعرفة إلى اكتشاف معارف جديدة، وصولاً إلى جامعات الجيل الثاني التي أدخلت البحث العلمي كعنصر إضافي للتدريس، وتشكلت من كليات تخصصية يقوم عليها أكاديميون متمرسون. ويعتبر الكاتب أن معظم الجامعات في العالم ما زالت قريبة من هذا النموذج، فيما تمكنت الجامعات المتقدمة من القيام بتغييرات بنيوية وهيكلية وتمويلية، جعلت منها حاضنات للإنتاج المعرفي والاستثمار التقني بالتعاون مع القطاعات الصناعية والإنتاجية، لتفتح الباب لجيل جديد من الجامعات، لا تزال الجامعات العربية بشكل عام بعيدة عنه.

وخلال العقد الأخير برز نموذج الوصول المفتوح "Open-Access Model" كأحد تجليات الثورة الرقمية التي تركت أثرها في منظومة التعليم والبحث العلمي. وقد كان من نتائج ذلك إتاحة الوصول إلى المصادر العلمية من أماكن متعددة حول العالم، وهو ما يكتسب أهمية خاصة للباحثين والمؤسسات التعليمية التي تعاني محدودية المصادر، ويدعم بالتالي العملية التعليمية والبحثية. كما أن هذا يساهم في إتاحة المعرفة والمستجدات العلمية للجمهور العادي ومؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي يوفر إمكان تفاعل الجمهور مع تلك المستجدات والتأثير في مردودها المجتمعي والصحي والبيئي، وغير ذلك. وهو أيضاً يساهم في تنشيط وتسريع دورة الإنتاج المعرفي والابتكار التقني، من خلال إتاحة النتائج البحثية أولاً بأول للباحثين حول العالم. ولهذا الغرض فقد شاع استخدام المستودعات المؤسسية متاحة الوصول "open-access institutional repositories"، وهي  منصات رقمية، قد تكون حكومية، أو قد تتبع لجامعات أو مؤسسات أو تجمعات بحثية، وتهدف إلى أرشفة وإتاحة الإنتاج والموارد العلمية والبحثية والفنية وما شابه بشكل مفتوح جزئياً أو كلياً. وبحسب ما يورده موقع يُعنى برصد هذه المستودعات  "Open DOAR" ، فإن عدد المستودعات الرقمية  في العالم يتجاوز حالياً خمسة آلاف مستودع، تنتشر في مختلف دول العالم، ويوجد عدد منها قيد التطوير في الجامعات الفلسطينية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وفي خضم جائحة "كوفيد-19" التي يعاني جرّاءها العالم حالياً، والتي تم اللجوء فيها على نطاق واسع إلى التعليم عن بعد، برزت الحاجة إلى مثل هذه المستودعات في إتاحة المواد والرزم التعليمية للمستخدمين، من معلمين وطلبة. وعلى سبيل المثال، فقد سارعت الصين، الدولة التي تأثرت أولاً بالفيروس، إلى تنظيم دورات تدريبية على استخدام الوسائط الإلكترونية في التعليم، بالتزامن مع العمل على إطلاق مستودع سحابي وطني عبر الإنترنت من أجل توفير المواد التعليمية والدورات اللازمة للطلبة ضمن نطاق التعلّم الإلكتروني. وفي السياق الفلسطيني، فإن هناك حاجة ملحة إلى مستودعات مؤسسية حكومية تدعم التعلّم الإلكتروني على مستويي التعليم المدرسي والتعليم العالي والبحث.

يُستعمل تعبير التعلّم الإلكتروني "e-learning" للتدليل على استخدام الوسائط الرقمية المتعددة من أجل إيصال المعلومات والمواد التعليمية وعرضها. ومن اللافت أن مفردة "التعلّم" تأتي للتدليل على الدور التفاعلي النشط الذي يؤديه المتعلّم. ويشتمل التعلّم الإلكتروني على العديد من الأنماط والاستراتيجيات التي يمكن جمعها تحت مظلات ثلاث: استخدام التكنولوجيا الرقمية كداعم للعملية التعليمية التقليدية؛ إجراء العملية التعليمية جزئياً بشكل وجاهي، وجزئياً بشكل إلكتروني "التعليم المدمج"؛ أو إجراء العملية التعليمية عن بعد بالكامل من خلال الوسائط الإلكترونية. والأخير هو النمط السائد حالياً، نظراً إلى الأوضاع السائدة، التي يكتسب فيها التعريف بالتعلّم الإلكتروني وبدوره وبقيمته المضافة إلى العملية التعليمية أهمية قصوى. تجدر الإشارة في هذا المعرض إلى دراسات ميدانية عالمية استنتجت أن مدى استخدام المعلمين لبيئات التعلّم الإلكتروني يرتبط بشكل مباشر بتصوراتهم للقيمة المضافة لهذه البيئات، والتي بدورها تتأثر إلى حد كبير بآرائهم بشأن الجهد والوقت اللازمين لذلك.

وللتدليل على مدى الانتشار والتأثير الذي أصبح يحدثه التعلّم الإلكتروني والمصادر المفتوحة، يمكن الإشارة إلى المساقات المفتوحة عبر الإنترنت التي تُعرف بـ MOOCs،  والتي تسمح لملايين الأشخاص بتعلّم المساق نفسه من أي مكان في العالم مجاناً. وفي ضوء التطور المطرد للبيئات الرقمية، فقد برزت خلال الأعوام الأخيرة سمات وتوجهات جديدة للتعلّم الإلكتروني ينتشر التعريف بها والدعاية لها عبر الإنترنت، ومن ضمنها "التعلّم التكيفي" الذي تؤدي فيه الحاجات الفردية لكل طالب دوراً أساسياً في تخصيص الموارد والنشاطات والواجبات، و"التعلّم الاجتماعي" الذي ينطوي على المكونات الأساسية للتفاعل البشري وديناميكيات العمل كمجموعات. ومن التوجهات المهمة كذلك ما يمكن ترجمته ربما بالتعلّم المجزأ "micro-learning"، القائم على تجزئة نشاطات التعلّم باستخدام الوسائط الرقمية، بحيث يمكن دمجها ضمن الروتين اليومي للمتعلّم. أضف إلى ذلك المساعي الهادفة إلى إضفاء صفة الإمتاع على التعلّم من خلال ما يُعرف بالتعلّم القائم على اللعب "gamification"، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الواقع المعزز في سياق التعلّم الإلكتروني. ومن الضروري الإشارة كذلك إلى القدرة على تطوير الدورات والمناهج، التي يتم إنتاجها وتوثيقها وإدارتها من طرف المعلمين، بفضل الإمكاات التي توفرها أنظمة إدارة التعلّم "LMS"، والتي تساعد كذلك صنّاع السياسات على جمع بيانات وعوامل تحليلية أُخرى، من أجل التخطيط والتطوير.

تعج المواقع الإلكترونية ذات الصلة بتعداد ميزات التعلّم الإلكتروني مقارنة بالتعليم "التقليدي"، ويأتي في مقدمتها اتساقه مع التوجهات العصرية والثقافية للأجيال الناشئة، وملائمته للبيداغوجيا التربوية التي تعظم من شأن ممارسات التعلّم الذاتي، وترى في المعلم ميسراً ومحفزاً. كذلك فهو يخفض التكلفة المادية، ويحسن من إدارة الوقت، من ناحية التخطيط، ومن ناحية استثمار الأوقات التي توفرها محدودية التنقل في عملية التعلّم. وهو يحفز أيضاً من خلال التصوير والتوثيق على تقديم العملية التعليمية بصورة معيارية ترتقي بجودتها، ويحد من تأثير العوائق الجغرافية أو العمرية أو الجندرية في ممارسة الحق في التعلّم.

وكما أن للموضوع ميزاته فهناك أيضاً تحدياته. وأول هذه التحديات يكمن في الحاجة إلى بنية تحتية فنية ملائمة، وإلى كوادر بشرية مؤهلة. أضف إلى ذلك الحواجز الاجتماعية والثقافية التي قد تحد من حرية الوصول إلى مصادر الإنترنت. أمّا التحدي الآخر فيتمثل في الثمن التربوي والاجتماعي الناجم عن انحسار التواصل الإنساني المباشر، والذي قد يفضي إلى تضارب الأداة مع الغاية. وليس خافياً كذلك محدودية ملائمة التعلّم الإلكتروني للمساقات والتدريبات العملية، والحاجة إلى بلورة طرق ملائمة لتقييم الأداء.

في هذا السياق ينبغي الالتفات إلى ضبابية مفاهيمية تتعلق بما يوصف بالتعليم "التقليدي". ففي حين قد يُفهم منه أنه يتصل بطرائق التعليم السابقة للرقمنة، فإن البعض يستخدم هذا المصطلح للتدليل على تلك الأنماط من التعليم الرقمي التي يعتبر أنها تقادمت مقارنة بالتوجهات الأكثر حداثة، والتي أتى المقال على ذكرها. من هنا فإن المطلوب، في الواقع الفلسطيني، المحافظة على تعدد الخيارات، مع التركيز كخيار أول على تدعيم التعليم الوجاهي بما هو ملائم من الأدوات والتوجهات الرقمية السالف ذكرها. وهذا يتطلب تعزيز البنى التحتية والفنية عبر تقوية شبكات الإنترنت واستحداث المستودعات السحابية المفتوحة، ومن ثم بلورة سياسات وخطط عمل تجعل من التكنولوجيا الرقمية قيمة مضافة ترتقي بجودة التعليم وتساهم في التخفيف من المعوقات الموضوعية التي يواجهها. بالإضافة إلى ذلك، يبدو من الضروري كخيار ثانٍ، العمل أينما كان ملائماً من الناحية التخصصية، على بلورة تجارب للتعليم المدمج، والذي أثبتت دراسات عالمية متعددة نجاعته بالمقارنة مع التعليم الوجاهي الكامل أو التعليم الإلكتروني الكامل. وينبغي أخيراً، القيام بما يلزم للمحافظة على خيار التعلّم عن بعد قائماً كلما اقتضت الأوضاع الاستثنائية ذلك. من هنا، فإن التجربة الحالية التي فرضتها جائحة "كوفيد-19" تمثل فرصة لتوسيع رقعة المعرفة الرقمية وجسر الهوة مع الأجيال الناشئة، لكنها يجب أن تخضع لاحقاً لتقييم معمق من أجل استخلاص العبر.

في سنة 1997 توقع بيتر دراكر، خبير الإدارة ذائع الصيت، أن "الجامعات لن تنجو، المستقبل خارج الحرم الجامعي التقليدي، التعلّم عن بعد يأتي بسرعة." لكن على الرغم من كثير مما قيل وكُتب من هذا القبيل، فإن الواقع يخالف التوقعات، إذ لا يزال عدد خريجي التعليم عن بعد قليلاً للغاية مقارنة بخريجي التعليم الوجاهي المدعم رقمياً، ولا يزال الحرم الجامعي يحتفظ ببريقه، وتتوق إليه أفئدة الطلبة. وهذا يدلل على عمق تأثير عامل التواصل الإنساني المباشر، ودوره في صقل الشخصية الاجتماعية، وإكساب المتعلّم مهارات حسية وحياتية لا يمكن اكتسابها بالرقمنة حصرياً.  

عن المؤلف: 

طلال شهوان: عضو هيئة أكاديمة في جامعة بيرزيت.

اقرأ المزيد