في مواجهة وباء "كورونا": غزة تكافح من أجل البقاء والاستمرار في أوضاع معقدة!
التاريخ: 
03/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

يشهد العالم واحدة من اللحظات الفاصلة في تاريخه؛ في بضعة أسابيع قلب فيروس لا يُرى بالعين المجردة هذا العالم رأساً على عقب. ثمة من يعتقد أن العالم بعد انحسار وباء "كورونا" لن يكون ذاته؛ فهل يا ترى ينطبق هذا الأمر على قطاع غزة أيضاً؟

 كيف يواجه قطاع غزة، الذي تتقاطع في إدارته وتحمل مسؤولياته أكثر من جهة، انتشار الوباء؟ هل تنجح الجهود المبذولة والخطط الموضوعة في تجنب كارثة مروعة؟! كيف وهو لا يزال محاصراً، ويئن تحت وطأة الانقسام، ويعاني نقصاً في الموارد والمعدات والقدرات! ملادينوف، المبعوث الأممي يصرح أن الحل المستدام للمشكلة هو "الحل السياسي". رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي في القطاع يقول "الإمكانات بغزة محدودة ولا نستطيع مواجهة الوباء بها." وزير دفاع جيش الاحتلال يساوم غزة على الإفراج عن جثث جنوده في مقابل السماح بدخول المعدات اللازمة. 

 مع اتساع رقعة الوباء، تتكشف مدى هشاشة "أنظمتنا" السياسية والاقتصادية والأخلاقية وانعدام صلاحيتها وتراجع جدواها؛ بعد أن أفقرت الليبرالية الجديدة وأنظمة الاستبداد العالم روحانياً ومادياً، واستنزفت الطبيعة وعمقت التفاوت بين الأفراد والطبقات والشعوب، وفلسطين ليست استثناء.   

 تبدد الوهم

لوهلة بدا أن قطاع غزة بمثابة جزيرة معزولة عما يجري من حوله، حتى اعتبره البعض "أكثر الأماكن أماناً في العالم." لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم!

 في الثاني من آذار/ مارس أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية (وفد من رام الله)، في مؤتمر صحافي عُقد في مدينة غزة خلو فلسطين من الفيروس، ومع ذلك أعلنت حالة الطوارئ، داعية المواطنين إلى الالتزام بإجراءات السلامة. وبعد بضعة أيام، قال رئيس مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، إن قرار الرئيس الخاص بإعلان حالة الطوارئ لا يسري في غزة، كونها خالية من المرض، وقد قوبل هذا التصريح بامتعاض شديد من المواطنين.

 وتحت ضغط الرأي العام وتنامي الإحساس بالخطر، بدأت حكومة الأمر الواقع يوم 15 مارس، باحتجاز القادمين من مصر وإسرائيل في مراكز للحجر الصحي مدة 14 يوماً (مُددت لتصبح 21 يوماً)، بعد أن كانت تكتفي بتوقيعهم تعهداً بالتزام الحجر الطوعي في المنازل.

 وباستثناء إغلاق المؤسسات التعليمية (6 مارس)، مضت الحياة "طبيعية" حتى أُعلن عن اكتشاف إصابتين في صفوف المحجورين. وصدر أمر بإغلاق قاعات الزفاف والأسواق الأسبوعية والمطاعم والمقاهي، وفُرضت قيود على إقامة المناسبات العامة وصلاة الجمعة، تزامنت مع قرار رئيس الحكومة الفلسطينية بمنع الحركة بين المحافظات، وإلزام المواطنين بالبقاء في بيوتهم وحظر الخروج إلاّ للضرورة.

 إدارة الأزمة

بعد مرور نحو شهر فقط، تبلورت خلية حكومية لإدارة الأزمة تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والتنمية الاجتماعية والصحة والاقتصاد والرقابة العامة وآخرين، تمثل قيادة "حماس" مرجعيتها. ينبثق من اللجنة لجان فرعية في مجالات متعددة. ومن المؤكد أن هيكلية إدارة الطوارئ لا تزال غير واضحة، ولا تتمتع بالشفافية والقابلية للمساءلة، علاوة على خطاب مشوش، ومدّعٍ، ومتناقض يصدر عن أكثر من مصدر "رسمي"، يساهم في تعميق الإحساس بالخوف وانعدام الثقة لدى الجمهور.   

 في لقاء مع لجنة القوى والفصائل الوطنية والإسلامية (31 مارس)، اعترف ممثلو "حماس" أنه "لم تكن ثمة خطط لمواجهة كورونا." وذلك على عكس التصريحات التي صدرت تباعاً منذ بداية الأزمة تدّعي "الجهوزية" و"خلو غزة من الفيروس"، وترفض تطبيق قرار إعلان الطوارئ حتى تأخرت في إغلاق المعابر وتقييد حركة الناس وحجز العائدين من الخارج.

 في هذه الأثناء تحولت غزة إلى خلية نحل، ورشة عمل هائلة تتداخل فيها أدوار لاعبين كثر من دون تنسيق أو تخطيط مشترك. وفي بداية الأزمة طالبت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني بتشكيل لجنة طوارئ وطنية عليا في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي رُفض عملياً من الحركتين. وتشكلت لجان طوارئ في الأحياء والمخيمات وبعض المؤسسات والبلديات وهكذا.

 من ناحيتها، حافظت السلطة الفلسطينية على تعاون وثيق وغير مسبوق في الجهود الرامية إلى احتواء الوباء مع الجانب الإسرائيلي، وأيضاً، بصورة أقل حماساً، مع حكومة غزة. هذا، ويتوسط منسق الشؤون الإنسانية وأحياناً المبعوث الأممي، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ويشمل ذلك حكومة "حماس".

 تأخرت "حماس" ولجنتها الحكومية في القيام بإجراءات وتدابير احترازية حاسمة، وحاولت أن "توظف" الحدث في إطار مناكفات الانقسام، أو في إطار استدرار التعاطف الخارجي والدعم المالي، ولا سيما أن الحركة تواجه أزمة مالية خانقة، إلاّ إنها سرعان ما تراجعت تحت وطأة الخوف من انتشار الوباء، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية والداخلية. وأعلن عضو المكتب السياسي خليل الحية، أن حركته تبذل جهدها لتوفير كل ما يلزم لمكافحة الفيروس مشدداً على مبادئ الجدية، والتحوط، والشفافية، ومشاركة الجميع في الضغط على الاحتلال.

 وفي الواقع، وعلى الرغم من الثغرات، يُسجل للحركة وحكومتها بعض النجاحات: إشراك قطاعات واسعة من النخبة والجمهور وإعلامها بصورة شبه منتظمة؛ ضبط حركة المعابر (للأفراد والبضائع) وإخضاعها لإجراءات صارمة؛ مكافحة التلاعب بالأسعار؛ تجهيز ومتابعة نحو 34 مركزاً للحجر الصحي (عيادات وفنادق ومدارس)؛ تقييد نشر الشائعات والمعلومات المضللة.

 ظواهر وتحديات 

يشير واقع الأمر إلى أنه حتى اللحظة لا توجد خطط معدة بصورة منهجية، ولا يزال العمل يجري طبقاً "للتجربة والخطأ"، ولذلك تختلف التقديرات من شخص إلى آخر، الأمر الذي ساهم في إشاعة القلق والخوف وانعدام اليقين. وفي غضون شهر تراكمت الخبرة، وتجاوز الناس حالة الإرباك كثيراً، لكن النتائج الكارثية للمرحلة المنصرمة قد تظهر متأخرة.

 في غضون ذلك، لا تزال وزارة الصحة تشكو نقص المعدات والأدوية اللازمة للوقاية والعلاج. إذ يوجد 63 جهاز تنفس صناعي، و78 سرير عناية مركزة. وطبقاً للناطق باسم الوزارة، تتابع الطواقم الطبية 1816 مستضافاً داخل 27 مركزاً للحجر الصحي، بينما أجرت 830 فحصاً حتى الآن، سُجل منها 12 إصابة. وتحتاج الوزارة إلى تأمين 100 جهاز تنفس، و140 سرير عناية مركزة.

 والجدير بالذكر أن قدرة النظام الصحي في قطاع غزة على مواجهة الزيادة المتوقعة في حالات الإصابة تضعف بشدة بسبب التحديات الناجمة عن الحصار، والانقسام، وأزمة الطاقة، والنقص الحاد في الإمكانات (نسبة العجز في الأدوية والمستهلكات الطبية 45%). وعلاوة على التحدي الصحي، ثمة أنواع أُخرى من التحديات:  

 التكيف والتأقلم مع نمط جديد للحياة. صحيح أن الناس في القطاع ما زالوا يمارسون حياتهم بصورة "شبه طبيعية"، إلاّ إنه من المتوقع أن يضطروا قريباً إلى المكوث في بيوتهم. وقد راكم سكان القطاع منذ الانتفاضة الأولى خبرات في كيفية تزجية الوقت والاستفادة منه داخل البيوت، وإنتاج الغذاء وبناء شبكات التكافل على أساس الفزعة أو "العونة". إلى ذلك، برزت بعض المبادرات الشبابية والمجتمعية والفصائلية تضمنت: تعقيم الأماكن العامة ورفع الوعي، وتطوير قدرات الأسر الفقيرة، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للرصد والتعليق والنقد وتقديم الأفكار وتصميم المبادرات وإدارة الأعمال.

 إجبار إسرائيل وإلزام حكومتها تحمّل مسؤولياتها تجاه قطاع غزة بموجب القانون الدولي، والتوقف عن أي سلوك أو خطاب يعفيها من هذه المسؤوليات، بما في ذلك الكف عن "التهديد" بالتصعيد الأمني، ففي ذلك مخاطرة كبيرة ارتباطاً بالسياق العام حيث حكومة يمينية وعالم منشغل بذاته، والتوجه إلى طلب تدخل المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

 الحد من المخاطر الاقتصادية الناجمة عن انتشار الوباء وما تبعه من إجراءات التباعد الاجتماعي، والتزام البيوت وإعادة تخصيص الموارد، وتقويض سلاسل القيمة: ارتفاع نسب البطالة، وتراجع النمو الاقتصادي، وزيادة الإنفاق على الصحة، وتوقف الأنشطة الإنتاجية (الزراعة خصوصاً، وأثر ذلك في الأمن الغذائي من حيث القدرة على الوصول سواء لإنتاج الغذاء، أو توصيله والوصول إليه)، وفقدان سبل عيش آلاف العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، أو امتناع أرباب العمل عن دفع أجور عمالهم إذا ما أضطروا إلى المكوث في البيت أو تعرضوا للإصابة.

 صعوبة اتباع استراتيجيتي التباعد الاجتماعي والحجر المنزلي، لعدة أسباب أهمها: لامبالاة أو جهل البعض، واتكاء البعض الآخر على "القدر أو العناية الإلهية"؛ عدم جدية الجهات الرسمية في فرض منع التجول؛ الاكتظاظ؛ الحاجة إلى الخروج للعمل أو لشراء اللوازم يومياً. هذا ويُعتبر كثير من البيوت غير ملائم من حيث الصرف الصحي أو إمدادات المياه أو السعة.

 التقليل من التأثيرات الاجتماعية والنفسية للتدابير واستراتيجيات التكيف المتبعة في مواجهة الفيروس وأهمهال: إغلاق المدارس، وتقييد الحركة، والحجر الصحي. ومن هذه التأثيرات: انعدام الثقة؛ الاحساس باللاجدوى؛ القلق والصدمة والانتكاس النفسي وزيادة العنف عند الأطفال؛ مختلف أشكال التوترات الأُسرية الأُخرى (العنف، المشاحنات، الاستغلال الجنسي، ..)

 ضمان انصياع المواطنين لتوجيهات وتعليمات لجنة إدارة الأزمة والتزامهم بها، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة "منظومة الحوكمة" برمتها. وضمان الشفافية والمشاركة، وتعزيز الشرعية عبر التوافق الوطني والالتزام بالقوانين والأداء الجيد، والقدرة على إقناع الناس بأن في التزامهم منفعة لهم ودرءاً للمخاطر بما في ذلك تأمين البدائل، وتسهيل الإجراءات، والكف عن بعض الممارسات البيروقراطية، أو القامعة للحريات، أو تلك التي تثقل كاهن الناس.

عن المؤلف: 

تيسير محيسن: كاتب ومحلل سياسي.

اقرأ المزيد