احتمالات كورونا في المعتقل
التاريخ: 
30/03/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

قبل عشرة أعوام، كنا نتراشق الرسائل، وهو في سجن عوفر، الذي نَعَتَه في ذات رسالة "بالقبر الحجري"، وأكمل قائلاً: "الذي سنحيله ذات يوم إلى متحف أو مدرسة أو مستشفى للأطفال، عسى أن نعيد بعض التوازن للمكان، ونمحو تاريخه السيء."

وعندما اشتدت وتيرة الرسائل عشقاً ولوعة، اعترف لي بحبه، هكذا مباشرة بلا تعقيدات أو كبرياء، راسلته حينها: "أنت صخرتي، وعلى هذه الصخرة، سأبني كنيستي."

وبعد عشرة أعوام طائية الكَرَم، حَمَلت في طيّاتها زواجاً، وأسفرت حبّاً عن ولادة شجعاننا الثلاثة: خالد وغسان وباسل؛ يقبع أُبَيّ في سجن عوفر مَرة أُخرى، الذي سنحيله ذات يوم إلى متحف أو مدرسة أو مستشفى للأطفال. ما زال يكتب لي، لكن اسمي تبدّل في الرسائل بعض الشي، تعددت الألقاب لكنها لم تضلّ طريقها إلى قلبي. الطريف أن ذلك لم يكن لدواعٍ أمنية على الإطلاق، وإنما لأُخرى عاطفية فيها الكثير من الخجل وفحص لمشاعر الآخر. كنتُ أُعَنْوَنُ سابقاً "بالآنسة هند شريدة"، وأمّا الآن، فتُعَنْوَنُ الرسائل بـ "حُبي وزوجتي الجميلة هند"، وأحياناً أُخرى -ولرواسب اجتماعية تجعلني أقلب عينيّ إلى الأعلى مبتسمة- يكتب على ظهرِ الرسالة "تُسلّم لأم خالد".

أُبيّ.. الرافض

خطف الاحتلال أُبَيّ من عائلته وبيته وأصدقائه ومركز بيسان للبحوث والإنماء، تاركاً لنا فراغاً كبيراً، لا يلتئم بفُتاتِ الوَصْل الذي نقتات عليه لنحيا من زيارات أو رسائل، ولا توجد لديك أدلة تجعلك تألف الغياب، وتحفظ ما عليك فعله لتعتاد واقع الحال. وعلاوة على الفراق القسري، و"لقدر أحمَق الخُطى"، يجتاح وباء لعين المنطقة، محققاً نبوءة عبد الرحمن مُنيف في شرق المتوسط مرة أُخرى، فعلاً "الشرق كله موطن احتمال." لم يوفّر كورونا فلسطين من غزوه الفيروسي. كربان في آن واحد: احتلال مرئي، يخترق كليّتك المادية والوجدانية، جاثماً فوق أرضك، منصّباً نفسه سيداً عليك، متحكّماً في مأكلك ومشربك ومسكنك وفاتورتك الضريبية، وحتى في هوية أطفالك. وفي واقع ليس بآخر، وإنما قريب، يختبئ مواربة خلف سطح ما، كورونا استعماري يترصّد لك، لا تراه بل ستحسّه مُقيماً في شـُعبك الهوائية، وستنازله على كميّة الأوكسجين التي تتجرعها لتلتقط أنفاسك.

"كيف نستطيع أن نتحدث عن الأمور الأُخرى ما دام السجن الآن هو عارنا، وهو الذي يأكل زهرة أيامنا وأحسن رجالنا، ومادام يطاردنا حتى في المنافي" (عبد الرحمن منيف، شرق المتوسط مرة أُخرى).

 في منفى لا يليق بقاماتهم، تماماً "كشرق المتوسط مرة أُخرى"، يعيش 5500 حُرّ وحرّة، ومن بينهم أُبَيّ، في عزل في المعتقلات وسط اكتظاظ مقيت في الغرف، وقيود قاتمة، كاللون البُنيّ الذي لا يشبه الشوكولاتة أبداً، والسّكني البعيد كل البعد عن الفضيّ الساطع، وأدنى مقومات الحياة للحفاظ على بُنيَتِهم صحية، إضافة إلى العقوبات التي تطالهم، وغاز القمعات القميء، والضرب بالعصي، والزنازين الانفرادية. يزدادون عزلاً في ظل كورونا لعين يتربّص بقربهم مرمى سجّان. منذ تفشي الوباء، كثرت الممنوعات على أسرانا وأهاليهم، بدأت بإلغاء الزيارات التي تحدث فعلياً خلف الزجاج العازل من دون ملامسات، وبوساطة هواتف مشوّشة لا يعبرها رذاذ إطلاقاً، كما أُجّلت المحاكم، ليس حرصاً على سلامة الأسرى بالطبع، وإنما تلافياً للأزمات التي قد تنشأ في حال إصابة أحد/إحدى أقمارنا بالعدوى، وهو ما سيضطر الاحتلال إلى التكشير عن أنيابه وكشف عنصريته وبغضه تجاهنا على الملأ في "عالم ليس لنا". لن يضطر الصهيونيون حينها إلى حِكر أجهزة التنفس للاسرائيلي مُفاضلة، لأنهم سيفعلون ذلك بلا هوادة أصلاً.

وأمّا أنا، معطوبة القلب، مثلي مثل كثيرين من أهالي الأسرى، أظل معلّقة بين الاحتمالات، تباغتني سيناريوهات عدة حول أُبَيّ وجهازه المناعي الذي لا يَمتّ بِصِلة لِشاب في السادسة والثلاثين من عمره، بل لكهلٍ بضعف ذلك الرقم؛ سرق منه الاحتلال خمسة أعوام في اعتقالَين، الأخير ثالثهما. وعدت أستذكر سُعَاله إذا ما أشعل أحدهم سيجارة حوله، وأمعاءَه التي لا تستحمل نسمة، ونزلات البرد التي تطاله في الشهر أكثر من مرة وتُلزمه الفراش. ما هي احتمالات إصابة الرافض بكورونا؟

أشعل الشيخ إمام لأهرب من جنون الأفكار واحتمالات كورونا في المعتقل، وأغني: "وكل يوم في حبك بتزيد الممنوعات.. وكل يوم بحبك أكتر من اللي فات."

تحتاج أطناناً من الحلْم والرويّة لتبطل مخيلتك، ولن يخفف عنك شيء، على االرغم من استجدائك للرب بأن لا يُمَسّ بسوء أحبابك في محيط لا تألفه ولا تعرف أوضاعه، تسمع وتقرأ عن ظلاميته فقط، وعن أحبّاء لك عالقين في متاهته مع سجّان يتفنن في ضروب القهر والتعذيب، ولا يَكُفّ -حتى في وقت يئنّ فيه العالم من غَلَبَة كورونا - من سنّ إجراءات تعسفية لكسر شوكة توجعه على الدوام، شوكة الأسرى. 140 صِنفاً من الحاجات من بينها أدوات التنظيف، مقطوعة من مقصف السجن أو ما يعرف بـ"الكانتينا"، لا كحول معقمة، ولا صوابين، ولا إجراءات احترازية، لا فيتامينات أشبه بحصان طروادة تمدّهم بالمدعّمات والعتاد لمحاربة الفيروس على الأقل. لا شيء.. لا شيء يطهّر "متحفنا المستقبلي" الذي يحرسه أسرانا سوى إرادتهم الواعية والصلبة المبنية على صخرة الحرية. 

عن المؤلف: 

هند شريدة: كاتبة مقدسية.

اقرأ المزيد