الاستعمار، الوباء: فيروس كورونا والصحّة العامة بوصفها ضحيّة الاستعمار
التاريخ: 
30/03/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

لا تمثّل الحالة الصحيّة للشعوب ولا بيئتها المعاشة معطيات طبيعيّة، بل إنّها عوامل يجري تشكيلها وصياغتها من خلال رؤية الدولة وتكتيكاتها وسياساتها المختلفة. وسأحاول في هذا المقال الوقوف على الحالة الخاصّة بفلسطينيي الدّاخل، وإيضاح كيف أن ظروفنا المعيشيّة تجعلنا أكثر عرضة لارتفاع عدد الوفيات، وخصوصاً عندما يضرب وباء كالذي نحن بصدده، وكيف تشكّلت هذه الظروف.

للدلالة على ذلك، مثلا، كانت الدروس المستقاة سابقا من انتشار وباء H1N1 والمعروف بـ "انفلونزا الخنازير" صادمة، إذ تعرّض السكان الأصليون في الأميركتين وفي المحيط الهادي لخطر الإصابة بأعراض شديدة، والوفاة بالوباء بنسبة أكبر بلغت ثلاثة إلى ستة أضعاف باقي السكان. ويعزى ذلك لعوامل أخرى مثل تعرض السكان الأصليين للخطر جراء ارتفاع معدل السكري والسمنة والربو وأمراض الجهاز التنفسي لديهم، بالإضافة الى ظروفهم المعيشيّة التي تزداد صعوبة، مثل ازدياد تعداد أفراد الأسر، والاكتظاظ، والفقر، وعدم توفّر الرعاية الصحّيّة.

وفي الوقت الذي يتضاعف فيه عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن فيروس COVID-19 ، والمعروف بالكورونا، يوميًّا، ما يضع على المحكّ حصانة الدول القوميّة والجماعات وأنظمة الرعاية الصحيّة، وقدرتها على المواجهة، وعلى الرغم من أن الأوبئة تضرب، حين تضرب، العالم برمته، فإن التأهب والتعامل معها (كما هو الحال مع جميع إجراءات الصحة العامة) يحدث في سياق اجتماعي وتاريخي أساسه التفاوتات الصحيّة القائمة أصلًا، وانعدام الثقة في السلطة الحاكمة لدى بعض الشعوب.

صاغ الجغرافي الألماني وعالم الحيوان فريدريش راتزل في سنة ١٩٠١مصطلح "المجال الحيوي" [Lebensraum ] لوصف الغريزة الطّبيعيّة للجنس البشري المهيمن، التي تدفعه إلى التوسّع في الاراضي ليس من أجل الهيمنة على الحيّز فحسب، وإنما بحثا عن القوت كذلك. وبالطبع، يأتي دافع التوسع هذا على حساب أجناس أضعف وأقل قدرة على الهيمنة. وقال راتزل، بعد مراقبة الصراع ما بين الهنود الأصلانيين ومستعمريهم من الأوروبيين في أمريكا الشماليّة عن كثب، أن الصراع على "المجال الحيوي" هو صراع إبادة. إن الإبادة لا تتم، بالضرورة، من خلال الاعتداء على الناس، أو تعريضهم للضرب أو الحرق أو القصف أو إطلاق النار، فقد تمثّلت أشدّ أشكال الإبادة فاعليّة، تاريخيًّا، في تشريد الناس من منازلهم، وتجميعهم معا على هيئة قطعان، ومنعهم من الوصول إلى الطعام والماء. وهذه الظروف ستؤدي، حتمًا، إلى موتهم من دون استخدام عنف ظاهر، وغالبًا ستموت منهم أعداد أكبر بكثير نتاجًا لذلك.

 

 

بعد عمليّات التهجير الجماعي للفلسطينيين من وطنهم سنة 1948، لكي يحظى المشروع الصهيوني بـ "مجاله الحيوي"، جرت مصادرة مساحات كبيرة من الأراضي ممن تبقى من الفلسطينيين الأصلانيين في الخمسينيات والستينيات تحت حكم عسكري ترك المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل – الذين يشكلون الآن نسبة ٢٠٪ من السكان- يعيشون على ٣٪ من الأرض فقط، بينما جرت السيطرة على ٩٣٪ منها بوصفها "أراضي دولة" ، وهذا رقم يتكرر، بالمناسبة، في كل من كوريا الشماليّة  وكوبا والصين.

إن ممارسات التهجير ذاتها التي مورست في الضفة الغربيّة وقطاع غزة وأدت إلى تقطيع الأرض وتشويهها، تمّت ممارستها في الأراضي المحتلة سنة 1948، ويشمل ذلك مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي وهدم البيوت، ولكن بوقع مختلف. ويمكن النظر إلى الحياة في إسرائيل بوصفها كناية عن نظامين منفصلين ومتوازيين، أو، لنقُل، فضائين يقعان فوق بعضهما البعض؛ إذ يعيش المجتمع اليهودي (٨٠٪ من السكان)، أو الأمة، أي "شعب إسرائيل"[1] (وليس الشعب في "إسرائيل")، على ٩٣٪ من الأرض، ويتمتّع بالعيش في تنوع بيئي، مع حريّة كاملة للحركة والتنقل ما بين مدينة كبيرة وقرية صغيرة وادعة، أو بلدة زراعيّة تشاركيّة على جبال الجليل أو في النقب، أو بأي بشكل آخر يناسب حياة أفراده أكثر. وتتمتع جميع هذه الأماكن بمساحات عامة واسعة، ومدارس حكوميّة جيدة، ورعاية صحيّة ممتازة ونظام مواصلات فعّال يصل فيما بينها (بل وتبلغ المفارقة أوجها حين نعلم، مثلا، بأن اسرائيل تحتوي على أكبر نسبة من عدد المتاحف في العالم بالمقارنة مع عدد السكان). بينما نجد  في الفضاء الموازي المجتمع الفلسطيني يعيش في جيوب جغرافيّة صغيرة، أو مناطق إقصاء عرقي، مهمشة اقتصاديا في بلدات ليست هي قرى ولا مدن.

 كُتب الكثير عن تدمير الزراعة، والتهجير، وفرض التحضّر القسري وإنشاء أحزمة الفقر والعشوائيات ومدن الصفيح في العالم الجنوبي، من خلال التهجير الداخلي لسكان الريف نحو محيط المدن الكبرى. لكن ما يميّز التجربة الفلسطينيّة في هذا المضمار هو "انطباق" الحيّز على أهله، إذ يشكل موطننا في الداخل الفلسطيني الآن المساحة المتقلصة التي نمارس فيها حياتنا مع أخذ النمو السكاني بالحسبان، ناهيك عن استيعاب المهجّرين في البلدات التي بقيت بعد النكبة. وبالطبع، يأتي هذا الواقع بعد أن أبيدت الحياة الحضريّة في مدن مثل يافا وعكا وصفد وحيفا، وبعد أن تم القضاء على إمكانيّة توفّر حياة ريفيّة من خلال مصادرة مساحات واسعة من الأراضي. يتألف هذا الواقع الهجين من فلاحين منزوعي الأراضي، ويعيشون في غيتوهات او أحياء فقيرة، في بيئة يهيمن عليها مشهد البيوت الخرسانيّة الكثيفة المتراصّة بشكل عشوائي فوق بعضها البعض بشكل مشوّه، بينما تسكن على الأرض المتقلصة، ثلاثة أجيال تضاعف عددها ١١ مرة منذ سنة ١٩٤٨. إن غابة الكونكريت هذه، بما تحويه من ١٠٠ ألف مبنى، هي غابة تتحدى القوانين وقواعد السلامة بل وحتى المعايير الجماليّة، ومن ثم تعيد تعريف التماسك والنسيج الاجتماعي بالكامل، في بيئة يسيطر عليها شعور بالاختناق. وهو حال عبّر عنه محمود درويش ببلاغة حين قال:" تَضِيقُ بِنَا الأرْضُ. تَحْشُرُنَا فِي المَمَرِّ الأَخِيرِ، فَنَخْلعُ أَعْضَاءَنَا كَيْ نَمُرَّ وتَعْصُرُنَا الأَرْضُ…. إلَى أَيْنَ نَذْهَبُ بَعْدَ الحُدُودِ الأخِيرَة ِ؟ أَيْنَ تَطِيرُ العَصَافِيرُ بَعْدَ السَّمَاءِ الأَخِيرَةِ أَيْنَ تَنَامُ النَّباتَاتُ بَعْدَ الهَوَاءِ الأخِيرِ؟".

الفضاءات التي تحيا وتنمو وتكبر وتمرض وتموت فيها اجسادنا تشكلها الدولة، ولكنّ هذه الفضاءات كذلك تكوّن اجسادنا وعقولنا وسلوكنا وتحركاتنا وغذاءنا وامراضنا. وتحثنا النظريّة الاجتماعيّة البيئيّة على فهم التوزيعات السكانيّة بالعلاقة مع الصحة والمرض والعجز والرفاهيّة، باعتبارها تجسيدًا للصّدمة الاجتماعيّة وتدهور النظام البيئيّ، والاغتراب عن الأرض، وتردّي الصحّة، والتمييز والحرمان الاقتصاديّ والاجتماعيّ والقصور في الرّعاية الطبيّة.

تكشف أحدث تقارير وزارة الصحة الاسرائيليّة المتعلقة بالفروق الصحيّة، عن مشهد قبيح وغير مفاجئ. إذ تبلغ معدلات فقر الفلسطينيين في اسرائيل 44.8٪، بينما يظهر أن تسع بلدات فلسطينيّة من أصل عشر، فيها أعلى معدلات الوفيات، كما أن البلدات العشر المتربعة على عرش أعلى نسب الوفيات نتيجة أمراض القلب هي بلدات عربيّة. وعلاوة على ذلك، يزيد معدل وفيات الفلسطينيين 2.96 ضعفًا عن وفيات السكان اليهود بسبب حوادث السير، و2.69 ضعفًا بسبب أمراض الجهاز التنفسي، و2.25 ضعفًا نتيجة الإصابة بأمراض السكري، و1.85 ضعفًا لارتفاع ضغط الدم. وهذه، جميعا، تفاقم من خطر الوفاة، في حال الإصابة بمرض كورونا.

وتشكّل الأمراض المعدية تهديدا رئيسيا لسكان البيئة الحضريّة بصورة عامة، ولسكان الأحياء الفقيرة بصورة خاصة. فاكتظاظ السكان الفقراء والمهمشين يعرضهم للأمراض في ظروف ماديّة واجتماعيّة صعبة، وهي الظروف التي جعلت الأحياء الفقيرة في الماضي عرضة للأمراض، مثل السل، والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، والتهاب السحايا وتفشي أنواع اخرى من الانفلونزا.

من المهم ان نتذكر كل ذلك في خضمّ المعركة ضد COVID-19 أو ما يسمى بالكورونا، أو أيّة أوبئة أخرى، سواء انتشرت في الماضي أو ستنتشر في المستقبل؛ وبتسليط الضوء عليها، سينضم عدد كبير من الأطباء الفلسطينيين والممرضات والطواقم الطبيّة لمحاربتها. لكنّ هنالك صراعًا أكثر خطورة، وصمتًا يستمرّ في الوقت ذاته في الخلفيّة، ويصبح "طبيعيا مثل الهواء حولنا"؛ ولهذا السبب، فإن انتشار الكورونا في اسرائيل يؤثر بصورة غير متكافئة على الفلسطينيين، وقد يسهم في إنتاج معاناة أكبر، وإعاقات ووفيات، ما لم يتم تغيير مباني السيطرة والتحكّم.

 

 [1] المقصود هو "شعب إسرائيل"، من حيث كونه مصطلحا توراتيا بمعنى "شعب الله". والذي يمثّل، بحسب "وثيقة الاستقلال" الإسرائيليّة: الأمّة.

عن المؤلف: 

أسامة طنوس: طبيب أطفال وطالب ماجستير في مجال الصحة العامّة.

اقرأ المزيد