التعليم الإلكتروني: مشكلات تقنية أم بنيوية؟
التاريخ: 
30/03/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

ما إن أغلقت الجامعات والمدارس ضمن خطة الطوارئ، حتى سارعت هذه المؤسسات التعليمية إلى تطوير منصات التعليم الإلكتروني الخاصة بها، أو البحث عن منصات وتطبيقات يمكن استخدامها لاستكمال المحاضرات والدروس، ويمكننا اعتبار التعليم الإلكتروني بديلاً حالياً يساعد في استمرار العملية التعليمية ويحول دون انقطاعها.

يوجد نقاش دائر اليوم في أوساط الطلبة، والأساتذة والأهالي بشأن جدوى التعليم الإلكتروني ومعوقات اشتغاله. ونلاحظ من هذا النقاش أنه يركز في مجمله على المشكلات التقنية متناسياً المشكلات الاجتماعية وتداعياتها على العملية التعليمية. ففي البداية يمكننا القول إن الانتقال من التعليم الوجاهي إلى التعليم الإلكتروني لم يكن انتقالاً طبيعياً، وهو ليس نتاجاً لتطور تقني وتكنولوجي، وبهذا لا يمكننا مناقشة مشكلاته دون أن ننظر إليه كشيء مفروض ومفاجئ ضمن حالة طارئة، وضمن أقل الموارد والإمكانات، كما لا يمكننا مناقشة المشكلات بغض النظر عن طبيعتها دون أن نرى التحول الكبير الذي مس حياة ونظام جميع الناس.

ويكمن التحول الكبير في انتقال الحياة اليومية  ككل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فنرى خروج العديد من المبادرات الرياضية والثقافية والمعرفية وتكثيفها على شبكات الإنترنت، وهذا يعني أن الفواصل والحدود بين كل نشاط ونشاط بدأت تختفي، فلا يعود هنالك فرق جوهري بين الوقت الذي نمضيه في أثناء المحاضرة وبين الوقت الذي نمضيه في أي نشاط آخر على الإنترنت، لكن بأي معنى؟

لقد بدأت تختلط مهماتنا كطلبة يتعلمون من داخل المنزل بنظام زمني محدد، مع مهماتنا كأبناء، ما أقصده هنا أن الفواصل الواضحة المحددة مسبقاً ضمن التقسيمة الزمانية والمكانية لأي نشاط إنساني، وما يترتب عنه بدأت تختفي وتصبح أقل وضوحاً، فالمهمات الاجتماعية المحددة سلفاً في المنزل تجاه العائلة بدأت تتضارب مع المهام التعليمية الملقاة على عاتق الطلبة خلال اليوم، وبهذا المعنى اختلفت التقسيمة الزمانية والمكانية، وبدأت تقسيمات زمنية جديدة تظهر داخل المكان الثابت أي المنزل.

وبهذا يمكننا القول إن المشكلات المرتبطة بالتعليم الإلكتروني ليست وليدة اللحظة، بل هي مشكلات لها ارتباطاتها البنيوية؛ فحديثنا مثلاً عن مشكلة التقانة سابق للأزمة ومرتبط بالبنية التحتية لشبكة الإنترنت في البلد، أمّا الحديث عن مشكلة التضارب في مهماتنا كطلبة ومهماتنا كأبناء، فإنني أقصد هنا وبالذات الطالبات والمهمات الاجتماعية الملقاة على عاتقهن داخل المنزل. لقد وُضعت الطالبات الآن أمام تحدٍ جديد في الموازنة ما بين مهماتهن كطالبات وبين مهماتهن  كفتيات عليهن تدبير أمور المنزل، فالأعمال الأساسية المرتبطة بالمنزل ملقاة على عاتق الفتيات وهذا ما عبّرت عنه الطالبات في كثير من الأوقات بقولهن  إنهن غير قادرات على الالتزام بالوقت وإنجاز جميع ما يطلب منهن ضمن المساقات.

 قد تفتح هذه التجربة أعيننا على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء مجمل هذه الاشكاليات، هذه الأسباب التي كان في استطاعة النظام في السابق أن يستوعبها ويتعامل معها دون إيجاد حلول جذرية لها، تعود اليوم إلى السطح بأشكالها المتعددة والجديدة كمشكلات حقيقية تعطل العملية التعليمية، أو تُثقل الطالبات والطلبة بأعباء جديدة في أوضاع غير اعتيادية.

أمّا المشكلة الأكبر اليوم فهي ذلك الحمل الملقى على عاتق الجامعات، ففي حين أننا نفتقر إلى استراتيجيا  تعليمة موحدة، وفي الوقت الذي نفتقر فيه إلى مؤسسة تعليمية تجمع هذه الجامعات على خط واحد وضمن رؤية موحدة، يقع على عاتق كل جامعة على حدا أن تجد خلاصها الفردي وحلولها الفردية لمشكلة التعليم الإلكتروني ومصير الفصل الدراسي الحالي، وما يترتب علينا اليوم هو نقل هذا النقاش من إطاره المؤسساتي الفردي ليصبح حواراً مجتمعياً قادراً على إدراك الأزمة وتجاوزها.

عن المؤلف: 

ريتا عمار: طالبة في جامعة بيرزيت.

اقرأ المزيد