ماذا قال لنا كوفيد-19 عن تجربة التعليم عن بُعد في جامعة بيرزيت؟
التاريخ: 
30/03/2020
سلسلة خاصة: 
كورونا في الحياة الفلسطينية

لقد جاء كوفيد-19 في لحظة تقنية مناسبة، أو مناسبة بالتقريب! قبل زمن قليل فقط، وبعد مماطلة دامت سنوات من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي الجاثمة، سُمح لشركات الاتصال الفلسطينية بأن توفر خدمة إنترنت لاسلكي من الجيل الثالث 3G لمشتركيها (دون الجيل الرابع بعد). هذا مما لا شك فيه ساعد العديد من الطلبة والأساتذة في الجامعة، ممن يسكنون في مناطق ريفية وليس لديهم خطوط هاتف و/أو مزودات إنترنت أرضي، من الشبك مع البيئة التقنية لفلسطين، التي باتت تحتضن التعليم العالي في الأسبوعين أو الثلاثة المنصرمين. بالطبع هذه البيئة لا تقتصر على مزودي خدمة الإنترنت، الأرضي واللاسلكي، إنما تشمل البرمجيات وخدمات التعليم عن بعد، التي تطورت في السنوات الأخيرة: ITC، BBB، Zoom، و Google Hangouts Meet، وغيرها. ومنذ عدة سنوات عرفت نخبة من الأساتذة في الجامعة هذه التقنيات، وعلى الرغم من محاولات حث الكادر على استخدامها، بقيت على الهامش. فقد سجّلتُ مرة في دورة تدريبية للتعرف على البرمجية المجانية أو المفتوحة open source، المتوفرة في موقع الجامعة الخاص "رتاج". ولم ألمس حينها قيمة مضافة في ذلك، وبدت لي البرمجية المجانية جامدة. وبعد أن جربتها مرة أو اثنتين، قررت ترك الموضوع. وفي المقابل، ومنذ عدة سنوات، وجدت التواصل عبر مجموعات فيسبوك مغلقة ومفيدة جداً لتعزيز التواصل والحوار بين أسرة برنامج الماجستير الذي أديره، طلبة وخريجين وأساتذة، وكذلك لتسهيل إدارة مساقات أدرّسها في كلية الدراسات العليا. عند هذا الحد اكتفيت على صعيد تطوير مهاراتي التقنية في التعليم، وأعتقد أن تجربتي هذه عكست تجارب الأغلبية من الزملاء في الجامعة.

لكن الفيروس المستجد وضعنا فجأة أمام التحدي، ولم يترك لنا الخيار إلاّ في الانتقال التام إلى التقنية وفجأة. كان علينا إجراء تغيير في الذهنية وإعادة ترتيب أمور صغيرة خرجت عن مسار العادة، فاختلفت موازين الأمور المعتادة، ولم يعد ترتيب الوقت ممكنا كما كان. لقد قامت الحداثة على فصل العمل عن المنزل وها هي تعيد العمل إلى المنزل، من دون سابق إنذار. وأنتجت الحداثة الحضانات، التي انتشرت في رام الله وسائر المدن والبلدات الفلسطينية بسرعة كبيرة، لتلبي حاجات الطبقة الوسطى الآخذة في الاتساع. فتعثرت بفعل هذا الفيروس المستجد. وعاد المنزل ليكون الحضانة والمدرسة ومكان العزل الاجتماعي، ومكان الحياة الأسرية، والعائلة الأوسع، ومكتب العمل في آن معا. أمّا الفضاء الشبكي الموازي الذي أتاحته التقنية فهو في حد ذاته مليء بالعثرات والثغرات. اشتكى الزملاء من سرعة الإنترنت البطيئة، وخصوصاً سرعة الرفع upload، التي تقلّ كثيراً عما تعدك به الشركات المزودة، على الرغم من أنك تدفع أسعاراً بمستوى الدول المتقدمة. إحدى طالباتي، من قرية بدّو شمالي القدس المحتلة، اشتكت من أنّ شحن الـ 3G على هاتفها سينتهي قريباً، وأنها لن تتمكن من إعادة الشحن لأن قريتها عملياً تحت منع التجول. الضحية الأولى لكوفيد-19 في الأرض المحتلة سنة 1967، كانت سيدة من بدّو، وبالتالي شُددت إجراءات الوقاية والعزل الاجتماعي ومنع التجول في القرية. قالت الطالبة إن العديد من الطلبة من بِدّو وقطنّة وبيت عنان وبيت سوريك وبيت إكسا في الجوار يشحنون هواتفهم من المحل نفسه في بدّو وسيصبحون من دون إنترنت بعد أيام. وتساءلت عما إذا كان من حق هؤلاء أن يطلبوا من الجامعة شحن هواتفهم عن بعد؟ لا شك في أن يوميات حصار كوفيد-19 هذه ستسجل الكثير والكثير...

 لقد اعتاد الفلسطينيون على حالات الحصار، أو بالأحرى طوروا مهارات خاصة في التكافل والمقاومة والصبر الجماعي. في الذاكرة الجمعية لبيرزيت قصص كثيرة عن روح المقاومة، عن تجاوز إغلاقات الاحتلال للحرم الجامعي، وابتكار أساليب للتعليم البديل في ظل الإغلاقات وفي زمن الانتفاضات. وقد بدا حقاً أن الروح ذاتها مستمرة في زمن كورونا، فانعكست في الشحذ السريع للهمم وبذل الزملاء في قسم الحاسوب لجهود جبارة في المساعدة وإيجاد الحلول التقنية، وقد نوشدت شركات الاتصال والإنترنت القيام بواجباتها المجتمعية بتوفير الخدمات اللازمة بغير منطق الربح. لكن ثمة شعوراً بأن الأمر الآن مختلف. ليس فقط لأن منطق الربح بات سيد الموقف في فلسطين، بل لأن أزمة "كورونا" هذه تبدو حدثاً فارقاً على صعيد العالم بأسره، من الاقتصاد، إلى السياسة، إلى الصحة، وثمة شعور بأن ما كان قبل كوفيد-19 لن يكون بعده، بما في ذلك التعليم الجامعي. وحين لفتت نقابة العاملين والموظفين النظر إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية للوضع الراهن، كتب أحد الزملاء من أصحاب الاختصاصات الحاسوبية على صفحة فيسبوك خاصة بالأزمة: "أخشى أن يكون بيان النقابة ضد التعليم عن بعد... للعلم إننا نحضر لانقلاب رقمي بعد هذه الأزمة، ما بمزح." بالفعل ثمة شعور بتحول جذري، لكن ما هو؟

 بعد أيام من التذمر – ليس من الاضطرار على التعليم عن بعد فحسب، بل أيضاً من لخبطة الأمور وإعادة الترتيبات الموقتة إلى العادي، والسفر إلى الجولان المحتل للبقاء مع أسرتي في بيت العائلة – خضت غمار التعليم عن بعد بحماس. وبعد استشارة زميل، قرّرت أنه من الأفضل الاشتراك بزووم بـ 15 دولار شهرياً. وفعلاً قمت بالدفع والاشتراك. بل في غمرة الحماس قمت بإعداد محاضراتي على باوربوينت وهو أمر لم أفعله من قبل، ليس لجهلي بالتقنية، إنما لعدم إيماني بضرورتها في مواد فكرية تعتمد على النقاش (كما هي حال المساقات الثقافية التي ندرّسها في دائرتي)، وبت أسجّل محاضراتي على زووم وأوفرها للطلاب، صوتاً وصورة. ثم دعّمت ذلك كله بإنشاء مجموعة فيسبوك خاصة لكل شعبة. وبعد أسبوع ابتكرت طريقة خاصة لتسجيل الحضور، سهلة وسريعة، أعجبت الطلاب. مازحت الطلبة بأن أداة الضبط والمراقبة باتت الآن فعالة وممتازة، وهو ما يجعلني ألتفت إلى جوهر التعليم. وهنا مربط الفرس. أول ما لاحظته مع التقنية هو أنه كان عليّ أن أُرتب الأفكار وأقدمها بشكل منظم، بالملعقة كما يقال. مع غياب الوجود الفيزيائي للطالب (وحيث لا يفعّل الطلبة الكاميرات، ولا أطلب منهم ذلك حرصاً على الطاقة الإنترنتية المتوفرة)، ومع وجود "سلايدات" الباوربوينت، بات في إمكاني تخيل الطلبة كآذان صاغية محض. زاد صفاء التلقين. استفتيت آراء الطلاب عبر فيسبوك: عدد منهم أشاد بالأسلوب الجديد وبأن المحاضرات ناجحة لأنهم يأخذون "النوتس" بشكل أفضل، وربطوا ذلك بنوع المادة وبأسلوب الأستاذ في تمرير المادة ومعرفته بمزالق التقنية. آخرون انتقدوا غياب النقاش والتفاعل الحسي الكامل في الحصة العادية. وافقتهم الرأي. لكني كررت ما قلته لهم منذ البداية، إن هذا ليس بديلاً دائماً، وإنما هو موقت، فلا بديل من اكتظاظهم في ممرات الجامعة وغرف التدريس، ولا بديل من الوقت الاجتماعي الذي "يحرقونه" بين المحاضرات، وفي الكافيتيريا، وعلى أدراج المباني (فضلاً عن النشاط السياسي)، فهذا النفي للوقت أمر إيجابي جداً في نظري، لا ينفك عن هدف التعليم الأعلى: صقل شخصية الطالب الجامعي كعضو واعٍ وصانع فعل في المجتمع.

 ما الذي قاله كوفيد-19 لنا إذن؟ لقد قال لنا إن عوالم الاجتماع والتقنية والبيولوجيا ليست منفصلة، بل هي شبكات متداخلة. ثم ذكرنا بإرادة الحداثة: أن نقيم الفواصل ونتحكم بالمطلق بالحدود بين هذه العوالم. فالإنسان هو من يسيطر على التقنية والبيولوجيا. وفي الوقت نفسه سخر من إرادة الحداثة هذه. ولهذا استحق الحرب ضده. فهل جميعنا معاً في هذه الحرب؟ وهل لنا الأسهم نفسها من الربح والخسارة فيها؟ من العبث التسرع في إجابات قطعية. فكما أن كوفيد-19 اخترق الحدود بشكل شلّ البشرية أو أقعدها لبرهة، وهو بالتالي دليل على وجود هذه الحدود، فهو أيضاً دليل على تداخل هذه العوالم في شبكات هجينة للاجتماع والتكنولوجيا والبيولوجيا، وليس من السهل ترتيب أي حدود دائمة بينها. يسمي بعض اللغويين التعليم الصفي تعليماً وجاهياً. لكنها تسمية ضعيفة لا تكتنه جانباً مهماً في نشأة نمط التعليم الصفي الحديث. فهذا، كما يذكرنا تيموثي ميتشل في كتابه الجميل "استعمار مصر"، دخل في منتصف القرن التاسع عشر كجزء من إرادة تحديث مصر، كأداة ضبطية على الأجساد والأذهان، ليستبدل تعليماً وجاهياً من نوع آخر، بدا من دون نظام ظاهر، وهو حلقات التعليم الأزهري وفوضاها الحسية. الصف المنضبط، حيث المسافات بين الأفراد وعلاقات النظر والكلام والإصغاء منتظمة، مدروسة ومحسوبة بدقة، يخدم اقتصاد السلطة ويمكنها من الوصول موحدة وبسرعة فائقة إلى الجميع. فهل تخلّت الحداثة عن هذا الضبط؟ هل باتت الأجساد مضافاً لا حاجة إليه، طالما أنه في الإمكان الوصول إلى الآذان والأذهان بالوسيطة الإلكترونية؟ بالطبع لا. ففي حرب محاصرة حصار كوفيد-19، عودة إلى إرادة الحداثة. ثمة بعد منتظم بين الأجساد مطلوب الآن في كل حيز عام؛ ابتعدوا متراً، ولا تقفوا وجاهياً لأكثر من ربع ساعة قيل لنا في البدء! ثم امتدت المسافة إلى متر ونصف، والآن مترين، وتقلصت المدة الزمنية، حين اكتشفت آخر الأبحاث أن الفيروس يبقى في الأثير لثلاث ساعات طوال، ثم لتسع ساعات أطول! لقد أعاد الفيروس حساب حدود الجسد الجغرافية، وغيّر أولويات الحكومات والاقتصادات وخلط الأوراق الأيديولوجية، ولا شك في أن تمرده هذا سينتج نثراً جديداً-قديماً، لمكافحة التمرد، سيصبح كلدغة في الوعي تُستخدم لتمرير سياسات أكثر اختراقية للوجود الاجتماعي وللحيز الفردي والجمعي، وتشكيل الحدود الاجتماعية والسياسية. للحظة علّق كوفيد-19 اضطرارياً الحديث عن الحدود البينية بين المستعمِر والمستعمَر (أو أرجأه)، ليتحدث عن تداخل الحدود الكونية بين الاجتماع والتقنية والبيولوجيا، لكن هذا وذاك مرتبطان (فمن لا يرى تحالف كوفيد-19 ونتنياهو وغانتس القادم ضد الفلسطينيين؟!). لا شك في أن لحظات الكوارث تغلق إمكانات، وتفتح إمكانات جديدة، ستُقتنص فرص لم تكن ممكنة؛ إذ كما قال لينين، يحدث في أسبوع ما لا يحدث في عقود. والسؤال: من الذي يحضّر للانقلاب؟ بيد من هي الخيوط؟ وما هو دورنا في صنع الوجود الاجتماعي-التقني-البيولوجي؟ كيف سيكون خطاب العدالة الاجتماعية والتحرر الإنساني، وخطاب التعليم التقدمي بعد حين؟

عن المؤلف: 

منير فخر الدين: مدير برنامج ماجستير الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت.

اقرأ المزيد