mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 210
قراءة خاصة
آدم دنّون يبحث عن ذاكرة وهوية تبددان غربته
النص الكامل

محمد برّادة*

آدم دنّون يبحث عن ذاكرة وهوية تبددان غربته

الياس خوري. "أولاد الغيتو: اسمي آدم" (بيروت: دار الآداب، ط 1، 2016)، 423 صفحة؛ "أولاد الغيتو 2: نجمة البحر" (بيروت: دار الآداب، ط 1، 2019)، 478 صفحة.

أكــثـر مـن علامة تــوحي بأن رواية إلياس خـوري "أولاد الـغيـتو"، بـجـزأَيها، تـســتـوحي مأساة فلسطين، وخصوصاً في مـرحلتها الأولى، بـعد استيلاء العصابات الصهـيونية المسلحة على معظم الأراضي الفلسطينية وتـهجيـر سـكانها، والإمـعان في التقتيل والتـعذيب، وفـرض الحصار داخل "الـغـيـتو" على نحو ما فـعلوا في مدينة الـلـــد (تمـوز / يوليو 1948). إلاّ إن المـضي في الــــــقـراءة سـرعان ما يـُـشعـرنا بأن الكاتب لا يـتـقـصد رواية ضمن الشـكل الـمألوف في نـصوصه السابقة غـير الخاضعة للـسرد الكلاسيكي، وإنـمــا يـتـوخى في الآن نفسه، أن يعيد النـظر في مسألة ماهية الأدب وغايــتـه وبـنـية الرواية وشـكلها في حـدودها الـقصـوى. ثـــــــــم، تسـتدعي القراءة إبـراز هذه العلاقة بين تجديد الشـكل جذرياً، وطرح المأساة الفلسطينية من زاوية مـغايـرة لـما طـُرحت عليه في روايات عربية. لأجل ذلك، سـأتناول "أولاد الـغيـتو" في جـزأَيها: "اسمي آدم"، و"نـجمة البحـر"، من خلال عـنـصرين: الـبنـية والشكل، ثم الدلالة ذات المعنى "الـمعـلق".

 

الـبـنــيـة والشــكــل

منـذ الصفحات الأولى من "اسمي آدم" يـنـبـهنا الكاتب إلى أنه ليس هو مَـن كتب نص الرواية، بل آدم دنـّـون الفلسطـيني ذو الحياة الغريبة، الذي ولد داخل غـيتو اللـد وعاش في أكثر من مدينة فلسطينية محتلة، ودرس العـبرية وآدابها، والتـقى دالية اليهودية التي عاش معها حـبه الكبـيـر، ثم سـافـر إلى أميركا للعمل في مطعم صغير يـقدم الفلافل، وبعد ذلك موته أو انتحاره هناك تاركاً مجموعة من الكراسات تـحوي نصوص "أولاد الـغــيـتو" التي اكتفى الكاتب بمراجعتها ووضع عـنـاوينها الـفرعية... يـتعلق الأمـر إذاً، بشـخصية متخـيلة هـــي التي تعـيد تـخـيّـل ما جـرى في اللـد في أثناء مـحاصرة السكان وتجويـعهم، وهي التي تحدثنا عن مـسار حياتها من الولادة إلى المراهقة والشباب وبداية الكهولة، عـبر فضاءات متنوعة وشخوص واقعية وأُخرى متخيلة. لكن الجزء الأول من الرواية يشتمل في البداية على قصة الشاعر وضاح اليمن الذي مات داخل صندوق عشيقته زوجة الملك الأموي من دون أن يعلن وجوده أو يعترض على قتله؛ فـأودى به صمته. غير أن الكاتب المفترض وجد أن هذه الصيغة لا تـرتقي إلى التعبير عن تجربته: "فـأنا أردت كتابة استـعارة كـبرى، استـعارة كـونية صنعها شاعر عربي مغمور عاش في العصر الأموي، ومـات كما يموت الأبطال. وفجأة اكتشفتُ أن الاستـعارات لا تـُجدي" (ج 1، ص 23). عندئـذ، اختار آدم أن يروي حياته كما عاشها في فلسطين والمهـجر الأميركي. وخلال هذا السـرد بضميـر المتكلم في الجزء الأول، ثم ضمير الغائب في الجزء الثاني من الرواية، تـتـدخل أصوات عدة شخصيات رافقت حياة آدم، مثل صوت مـنال المرأة التي التقطته خلال فـرْضِ الغيتو على اللـد، وأصوات مأمون الأعمى وغيره ممّن شهد وعاش محنة الغيـتو، و"رفقة" ابنة غابـريـيـل اليهودي صاحب الكراج، وحوارات آدم مع عشيقاته العابرات، ومع دالية التي قادته إلى بحر الحب العميق... إلاّ إن صوت آدم يـظل هـو الأقـوى، وخصوصاً عندما يتـعلق الأمـر بـبسْـطِ تـنـظيـراته للأدب وشكل الرواية. وهذا الجانب الذي يـكتـسي صـفة ما يـسمى "الـمـيـتا ـ نـصّ" يـحـتل حـيّـزا لا يستهان بـه، ويـضطـلع بدورِ تـكسـيـرِ تـتـابُع الســــرد، وتـنبيـه القارئ إلى الشكل الجديد الذي يجـرّبه إلياس خوري من خلال الكاتب آدم الذي ابـتدعه ونـسب إليه جميع التصورات النظرية والتأملات الفكرية: "لـو يستطيع أبطال الروايات أن يـكسـروا جـدران الصفحات ويتـكلـموا مباشرة، وبلا أي وسيط، لــروى آدم حـكـايته ليس كإنســان لامـرئي، بـل كـرجل صنـعه الخـيال. آدم هـو ابن مـخـيّلته التي رسمت له شخصية مـلتصـــــــــــــقة بـشخصيـته، لكنها مختلفة عنها" (ج 2، ص 80). في هذه الإشارة، يُذكّـرنا الكاتب بأن آدم يمارس في سـرده "تـخـيـيل الذات"، أي أن يضـع الكاتب نفسه في مواقف وحكايات لا تمتّ بصـلــة إلى حياته الواقعية، كي يضيء جوانب لامـرئية منها. لكننا نجد أن إلياس خوري هـو مَـن خلق شخصية آدم دنّــون في فضاء مدينة اللـــد، وتـخيـل لها مـساراً وأحداثاً تـتـقاطع مع فترة من تاريخ فلسطين، الأمر الذي يجعله يمارس ما يُصطـَـلح عليه، منذ بضعة أعوام، بـ "التـــخـيـيـل الخارج ـ ذاتي"، لاستعادة الانفعالات والمشاهد الـمنسية لدى شخصيات عاشت في التاريخ، أو ابـتدعتها المخيلة لكتابة ما طـــواه الـزمــان (exofiction).

على هذا النحو، تـتـخذ "أولاد الغيتو" في جـزأَيها شـكـلاً دينامـياً تـتـجاور داخله عدة عـناصر تـتــحدر من تـقاطع الـواقعي ـ التاريخي بالمـتـخـيل، وتتجســد في الـميتا ـ نص، والاستـطراد، والتـشـكـيــك في المحكيات، والتخييل الذاتي، والتخيـيـل الخارج ذاتي، فضلاً عـن السخـرية واستـثمار عـنصـر اللـعـب والذاكرة الأدبية. وهذه العناصـر مجتمعة أو مـتـفرقة، نـجدها في تجارب روائية عالمية وعربية سـعـت للخروج عـن الشـكل الكلاسيكي المشـدود إلى الإيهام بالواقع؛ إلاّ إن محاولة إلياس خوري في "أولاد الغـيتـو" تربط هذا التجديد بـغـرض أوسع يتـمثل في مسألتـين: إعادة النظر في مفهوم الأدب ووظيفـته؛ والتـساؤل عمّا إذا كانت روايــته تـنـتمي إلى جنـــــس أدبي لـه اسم معروف. بالنسبة إلى مفهوم الأدب، يقول على لسان آدم في "نجمة البحر": "والحقيقة أن هذه النصوص التي لـن يطلق عليها مؤلفها اسم رواية، هـي مــحاولة اعتـراضية على الأدب أكـثـر مما هي عمل أدبي. صحيح أن آدم حاول أن يـروي تجربـته الشخصية، لكنه ليس مـتأكــداً من أي شيء" (ج 2، ص 259). وهذا الاعتراض على مفهوم الأدب سـيـتكـرر في أكثر من موضع، ليؤكد أنه يـقتـرن عنده بالخـلـوّ من المعنى ليصبح كـشفاً لخلجــات الـروح الإنـسانية التي تـعـبّر عن نفسها بـعيداً عن تـبـليغ الرسائل، أو التــقـيد بالحدود الموضوعة لتميــيز أجناس التعبيــــر، ثـم نجد تلك الحرية التي أباحها آدم لـنفسه في استـدعاء محكيات ونصوص قديمة وحديثة تـتــصادى مع ما تجيش بــــــــه مشاعره، غيـر مبـالٍ بـتـفــكـك الــسرد، ولا بـما قد ينجم عن تحطيم أسـيـجة الذاكرة من تـضـليـل للقارئ أو إرباكه. وبشأن التشكيـك في كون "أولاد الـغيـتو" تنتمي إلى جنس الرواية، يقول آدم: "أحاول أن أرمم صورة الصحـافي والمثقف الهامشي والإنسان البوهيمي الذي سكن في حيّ العجمي في يافا، وانتهى به المطاف إلى إقامة شــبه دائمة في الحي اليمني في تل أبيب، فــأجدها مقطعة الأوصال، وإلى آخـره... وصــولاً إلى زمني الجديد في نـيويـورك، حيث أقوم بمساعدة غير مباشرة من سـارانغ لي بــإقـنـاع نفسي بأنـني أكتب رواية لا تـشبه الروايات، لأنها تـنـتمي إلى جنس أدبي لا أعـرف لـه اسماً، ولست مـتأكداً من وجوده أصلاً" (ج 1، ص 290).

في الواقع، هـذه الإشكالية التي يـطرحها إلياس خوري من خلال آدم الكاتب المفتـرض لـ "أولاد الـغيتو"، هي إشكالية طـُرحت من قبل بطرائق متنوعة. نشير، مثلاً، إلى مسألة "الـمـطلق الأدبي" التي طـرحها الأخـوان شبيغل وأصدقاؤهما بألمانيا في مجـلة "الأتـينـيوم" في سنة 1800، داعـيـن إلى إزالة الحدود بين الفلسفة والأدب، والـسعي لبـلورة لــحظة تـدشـيـنـية للأدب بصفته إنتاجاً لـنـظـريـته الخاصــة، وأيضاً جَـعْـل الـنـظرية تـفـكر في نـفسها على أنها أدب. وفي الـتـنـظـيـر الـمـتـنـاثـر عبر "أولاد الـغـيـتو" مـا يجعلنا نستـحضر محاولة دعـاة "المطلـق الأدبي" الألمانـيين الذين ذهبوا إلى حـد إلـغاء مِــلـكية النص الأدبي وجعله منتوجاً جماعياً، كما أننا نجد أن الخروج عـن الشكل الروائي ذي السـرد المنطقي والمترابط، قد تحقق في نصوص كثيرة منذ رواية "عوليس" لـجويس، ثم في جماعة الرواية الجديدة في فرنسا وصولاً إلى الرواية في أمـيركا اللاتيـنية التي جـسدت مقولة أن الرواية شكل مفتوح قابل لأن يــمتص جميع الخطابات من خلال إدمــــــاج الـمـيـتا ـ ســرد ضمن النص الروائي واختلاق شخصية الكاتب الضمني، وتـوظيف الخطاب الأسطوري والـوثائقي لبناء فضاء التخييل. من هذه الـزاوية، نلاحظ أن هذا التـجريب الـمـتعدد الوجوه، لم يـمـنع من اللجوء إلى الشكل السـردي "المتـرابط"، على الرغم من استـفادته من تقنيات تكـسـير البنـاء الـروائي، على نحو ما لاحظه بعض النقاد في فـرنسا من عودة لدى أغلبية حفدة فـولتيــر، منذ بداية القرن 21، إلى سـرد "مـنــتظم" في شكله، يوظـَّــف لـمعالجة إشــكاليات ملموسة بـقصد الإيــحاء بـضرورة "إصــلاح الــعالـم". غير أننا، في الوقت نفسه، نجد أن السـياق المجـتـمعي في الفضاء العــــربي، مــثلاً، يســتـدعي شـكـلاً روائياً مـتـشـظـياً ولغة مـتـفـجّرة، يحـيلان على واقع متـشظّ، فـاقد لـتـصـنيف اجتماعي مـتـبلـور ومرجعيات أيــديولوجية فاعـلة في ساحة الصـراع الـديمقراطي. بـتعـبـيـر ثــانٍ، إن باب التجريب الـمفتوح باستـمـرار أمام الكتّـاب، لا يمكن أن يتجاهل الدلالة أو الـرؤية التي يحملها الشـكل ليـكتــشفها القارئ. وإذا كان الروائيون يبحثون عن شكل آخـر غـيـر ما تبـلور عـبر قـرون من الإبداع والتـجريب، فذلك لأنهم يظنون أن ما يـتـطلعون إلى التعبير عنه لا تـستطيع الأشكال المتوفـرة أن تستـوعـبه وتـحتضـن خصوصيـته. انطلاقاً من هذه الملاحظة، نـعود إلى مسألة علاقة الشكل بالدلالة في الرواية التـجريـبية "أولاد الـغيتو" لإلــياس خـوري. أول ما يلفت الـنظر، أنه لا يكتفي بـتقديم شكل مغاير ذي بــنـيـةٍ تــنِــدّ عن الـتـوصيف، بـل يجعل من الـميـتا ـ نصّ أيضاً، خـطاباً لـشـرح دوافع البحث عن شكل غير مسـبوق، وعلاقة هذا البحث بـمـفهوم خاص لـلأدب يكون متحرراً من كل تـجنيس، ومن كل مـعنى أو رسالة تــبـدد متعـته الخالصة. وهنا مصدر الالـتــبـــــاس في الخطاب الشارح الذي يكـوّن جـزءاً من الرواية، ذلك بأن الروايتـين "اسمي آدم" و"نجمة الـبـحـر" تـشــتملان على رؤية دلالية ذات بُـعد إنساني مســتـوحى من مأساة فلسطين يعبّر عنها على هذا النحو: "فـمـهمة الأدب الأولى هي أن يقوم بـقلب هذه المعادلة، كي تكون الحكاية هــي تاريخ المـهزومين الذي لا يجـرؤ المؤرخون على كتابته" (ج 1، ص 88). وهذه الفكرة يسـتـوحيها في رسم مسار آدم دنـّـون وبحثه عـن مـوقع له داخل وطـنـه الـمحتل حيث سُـلبت منه هـويته. وبالتالي، عـند تـحليلي للدلالة في "أولاد الـغيتو"، فإنني لن أتـقـيـد بـما ردده الكاتب في الـميتا- ســرد من أنه لا يـستـسـيغ الرسائل في الأدب لأنـه يفقــد مـعناه إذا صار وسيلة لـشيء آخـر؛ سأتخطى ذلك لأجد له تأويلاً مغايراً أرى أنـه تحقق في النص على الرغم من "تـصــريح النوايا" المــتـعلـق بـمفهوم الأدب وشـكل الـرواية غير المـسبوق.

بـعد تـوضيح هذا الإطـار الفكري، النـقدي والـتـنـظيـري الذي تسـتند إليه "أولاد الــغـيـتــو"، والذي ربما يُــحدث تـشـويـشاً لـــدى القارئ، سـأواصل تحليل الرواية باعــتـبارها شـكلاً ســردياً يـضع نفسه مـوضع تـساؤل، ويجعل من الاستـطرادات والتشكيكات جـزءاً لا ينفصل عـن السـرد وتـركـيب المشاهد والفصول. ولذلك، سأعـتـبـر أن دلالة الرواية ورؤيـتها إلى العالم قـائـمـتـان في الخـطابـين معاً المكونـين لـنـصّ الـروايـتـين، أي الخطاب الـسردي، الـتـخـيـيـلي ـ التـاريخي؛ والـخطاب الـمـيـتا ـ سـردي الذي يتـخلل بعض فصول الروايتـين.

 

نـبـض الحياة بـدلاً مـن تحـنـيط الذاكرة

تـأسيـساً على مـا سـبق، يمكن اعتبار "صـندوق الحب" (ج 1، ص 29)، وهو مشروع رواية بـصيـغته الأولى، بـمثابـــــــة رصــدٍ مـــرآوي قصد الكاتب من ورائه أن يـلفت الـنظر إلى مسألة الاسـتـعارة الكونية التي أوحت لـه بها قصة الشاعر وضاح اليمن (mise en abîme).

لقد جرب الكاتب / دنّون أن يبني على هذه القصة روايته المستوحاة من علاقته بمأساة فلسطين، هو المولود في مدينة الـلــد في أثناء احتلالها ومحاصرتها في سنة 1948، إلاّ إنه عـدل عن ذلك، لأنه وجد هذه الاستـعارة مسرفة في التجـريد لا تـنـقل النـبض الداخلي لمشاعره، الأمر الذي جعله يتخلى عن قصة وضاح مكتفياً بالإشارة إلى أنها صيغة أولى لـم تـقنعه. لكنه مع ذلك سيـظل مشدوداً إلى فكرة الموت صمتاً من أجل مَـن نحب، التي جسدها وضاح بـمـوته داخل صندوق عـشيقته، وسـيشـيـر إليها أكثر من مـرة وهو ماضٍ في كتابة قصة حــياتــه.

ما يقودنا إلى بـوّابة الدلالة، هـو آدم دنّــون المـتعدد الآباء، والمـنـتـسب إلى أمَّـين، والذي وُلــد مع بداية فـرْضِ الـغيـتو على مـدينة اللـد، وواجـه أعوام ما بـعد النــكبة مشــرداً، مـتنـقـلاً بين مـدن فلسطين المحتلة، منــتحلاً اسماً يهودياً بعد دراسته الأدب الـعـبري، ثم مهاجـراً إلى أميركا حيث يصبح بائعاً للـفلافل في مطعم صغير. وفي نيويورك، سيجد أن مَن يتحدثون أو يكتبون أو يُخرجون أفلاماً عن فلسطين هم أبـعد ما يكون عن الاقـتراب من جوهر المأساة، مثلما يـحسها هــو الفلسطيني اللقيط الذي تـسكنه الـغربة أينما يكن، حتى وهو في أميركا الـمـسلية والضاحكة على ذقون الشعوب. هناك تـراوده فكرة كتابة رواية عـن تجربته، بصفته ابن الـغـيـتـو الذي خـبَــر الحياة في ظــــــل الاحتلال الإسرائيلي، وأنـضجـته تجاربه في الحب والصحافة والتعليم، وأصبح حاضناً لأسـئلة تـعـذبه عـن الـهوية والذاكرة والنكبة والمأساة والمحرقة والـغـيتو والموت... لـم يكن دافعه إلى كتابة رواية تـستوحي حياته هـو تسجيل تفصيلات النكبة وفضح وحشية الهاغاناه، وإنما محاولة فهم المأساة الملتـصقة بـجـلده وأحلامه في ســياق حـاضــره، بـعيداً عن قـفص اجترار ذكــريات الـنكبة وآلام مــاضٍ ولّى إلى الأبـد. وهذا الاختــيار لـمـنظور كتابة الرواية لا يـعـني تـنــصّـل آدم من فلـسـطيـنـيته وتاريخها الـمـدموغ بالدم والأحــزان والـفـقدان، ذلك بأن دراسته للأدبَيـن العربي والـعـبـري سـتـقوده إلى اسـتـحضار ومحاورة أســئلة الذاكرة والـهـوية ومفهوم الأدب، انــطلاقاً من مــساءلة مـغـايـرة قــاده إليـــها البحــث عن شكــل روائي مختلف يسـتـوعــب مـشاعره الـنوعية. مـن هنا جاءت البداية التـجـريبـية الأولى مستوحاة من قصة وضاح اليمن، غير أن "الكاتب" يتحرر من هذه الاستـعارة المـسرفة في التـجريد لـيُعطي لـ "أولاد الغـيتـو" مــساراً لــولــبـياً تــتـناسـل مـكـوناته السـردية بالتدريج لــتـتـجسـد في شــكل دائــري ودلالات مـتـشــابكة لا تــكاد تــستـقر عـند مـحطة ثــابتة: ينطلق النص الأول من قـرار آدم دنّـون كتابة رواية بـعد أن أصبح مقيماً في نيويورك، عقب حضوره مناقشة لــفيـلم إسرائيلي شـارك فيها كاتب رواية "بــاب الشمس"، إلياس خوري الذي سيكـتب "مقدمة توضيحية" لـ "اسمي آدم"، يــزعم فيها أن الطالبة الكورية "سـارانغ لي" هـي مَــن أعطته دفاتر تـحتوي على نــصّ الرواية التي كــتـبـها آدم دنــّـون قبل أن يموت محترقاً في بــيتـه. وهو (إلياس)، اكتفى بـضبط اللغـة ووضـع عــناوين الفصول، من دون أن يغـيـر شـيئاً، بـما في ذلك الانـتـقادات التي يصوغها الكاتب آدم في صـلب روايتـه ضد كاتب "بــاب الشمش".

مــن هذا المنظور الـذي يـقـترحه الكاتب الضـمـني (إلياس)، لا مـناص من أن نـقـرأ "أولاد الــغـيــتـو" بصفتها نـصـّــاً متخيلاً، تتدثــر شخوصه بالـتـخيـيـل والـغـرابة؛ وفي الوقت ذاته تـتخـذ مـن فضاء فلسـطين ســاحة يـضـطـلـع فيها التـاريخ بــدور الـخـلفية الـمأســـــويــة التي يعيد الكاتب داخلـها خـلْــق شخـصيات محتملة تـنـتسب إلى فـلسـطيـن / المــأسـاة، لا إلى فـلسطين / الـنـكبة التي ارتبطت بماضٍ متجمد. أي أنـه يــستوحي فـلسطيـن التي اخـتارتها الحركة الـصهيـونية فـضاء لـتكــرر فيها ســيـرورة الـغــيــتـو والـتشـريد والـتـقـتـيل والاستعمار. من خلال هذا الـتركيب والـبناء والـدلالة، تـنـفتح "أولاد الـغـيــتـو" على أبــعاد إنســانية تحيـل إلى جوانب من المأساة التي تـتـعــرض لها ذخـــيــرة الـقـيـم الـكـونية التي سـبـق أن عاشت الانـتهاك والـتدمـيـر عـلى يـد الـنازية التي دشنت الـهولوكست (المحرقة) خلال الحرب العالمية الثانية.

على هـذا النحو، تـغدو فلسطين في "أولاد الـغـيـتو" مكـوّنـاً ضمن مكونات أُخرى، لـ "فـضاء روائي" لا يـتـقـصد التأريخ لمأساة فلسطين، ولا فـضح جـرائم مستعـمريها، وإنما هـو فضاء تـتحقـق داخله مـغامـرة تـخيـيـلية تعـفي الكاتب من الالـتـزام بــصدقية المـؤرخ، وتجعـلــه مطلقاً الـعنان في تــخـيّل الشخوص، بـدءاً من آدم الفلسطيني، وصولاً إلى عـشيقاته وآبائه الـعديدين. ولا شك في أن هذا التحـلل من إرغامات التاريخ هـو ما أتاح للـكاتب أن يعانق مفهومـه الـنوعي لـلأدب الذي تحدث عـنه اسـتـطراداً في صفحات متعددة من النـص، وهو مفهوم نظّر من خلاله لــرواية مفتوحة على جميع التـخيـلات والمشـاعر، تـبـني شـكلها الــرحــراح من إعــادة صــوغ الـمـقروءات الأدبية وفقاً لرؤيــة تـعـتـبـر الأدب / الرواية مـجالاً لتـحقيق المـتعة، لا مـنـبــراً لـتـبـليـغ الرسائل.

واضح أن هذا التـصور الـذي يـؤكـده إلياس خوري على لسان آدم الكاتب المفترض، هـو تـصـوّر يسعى لوضـع مـسافة بينه وبـين مفهومَي الالـتــزام أو الواقعية الاشتـراكية، الـحريصَين على ربط الأدب بالدفاع عـن قضية، أو بالسعي لتطوير وعـي الـمتـلقي. غير أن الإشــكال المتصل بـمثل هذا التـصور الحريص على "تـحرير" الأدب من الـتسـخـيـر، هو أن جميع تـحـقـّـقـات النص تـؤول في النهاية إلى تـضـمـين رؤيـــة، أو الـتحـيّــز إلى وجهة نــظـر، وهو أمر راجع إلى الأداة التي يـتـوسل بها الإبداع الأدبي؛ فـاللغة ليست أداة "محايدة"، مثـل اللحن أو الـنغم في الموسيقى، والألــوان والخطوط في الــرسم، بل إنها أداة مـشتـركة بين جميع أفـراد المجتمع في اسـتـعمالاتها المتداولة؛ ومهما يسْعَ المبدع لنحت قـامـوسه الخاص، فـإنه يـظل مـنـتـسباً إلى المعجم اللـغـوي السـائد، وتظل كتابته، على الرغم من خصوصيتها، حاملة لـدلالات مـشتـركة. من هذه الزاوية، أرى أن "أولاد الـغـيـتـو" تـظل مـشتـملة على رؤية تـسـائل الـقارئ، سـواء اعتـبـرناها رؤية الكاتب الصريح، أو رؤية الكاتب الـمـفـترض آدم دنّـون. لأجــل ذلك، أجـد أن "أولاد الغـيتــو" استـطاعت أن تـحــقـق شيئاً آخــر غير ما أفصح عنه الكاتب في خطابه الشارح، وهـو تـحـاشي التـعـبيـر المباشــر عـن أفكار ومشاعـر شخصيات الرواية. بـعبارة ثانـية، اعتمــاد الســــرد على الـمـيتا ـ سرد، وعلى الاستطراد وتـعـديــد الأصوات، واسـتـثمـار الـتخييل في كــسر حــرفـية الـواقع ومـنطقـه، والتـشكيك في المحكيات، وكـلها عناصر جعلت الـدلالة تـتــعدد وتـفـقـد مـبـاشـرتها ويـقـيـنـها. وفي الاتجاه نفسه، يلجــأ الكاتب إلى توظيف عـنـصر اللعب من خلال نـقض الأقوال، والـتراجع عـن آراء سبق أن أكّدهـا، واختلاق الالتــبـاس بشأن ما يـبدو مـؤكــداً في التاريخ أو الدوغما السائدة.

لــكن، إذا لـم تـنجح "أولاد الـغـيـتو" في التخلص من الدلالة ذات الـرؤية مثلما كان يتمنى كاتــبــاها، فـإنها استطاعت من خلال مكـوناتها السـردية والشكـلية التـي أشـرنا إليها آنـفاً، أن تـجعل دلالة الرواية قــابـلة لأكــثر من تـأويل، ومحفّزة للقارئ على اسـتـنطاق ذاكـرته ومـخـزوناته المــعرفـــيــة والـوجــدانــية. وبالنــسـبة إلى الـبـاحثيـن عـن "الـمـتعة الخالصة" في الرواية، نذكّــرهم بـأنها تـوجــــد أيضاً في النصوص التي تــــــــستـوحي موضوعات حياتية أو تاريخية مـولّدة أسئلة تـستـدعي التـفكير والتـأمـل. مــا من حــدود قاطعة تـمـيّـز الـممـتـع مـمّــا عداه.

لـم أتـوقف، في هذه الـقراء، عـند المـحكيات الـكثيرة التي تـؤثـث حياة آدم دنّـون الـمـتخيلة، وخصوصاً تلك التي تسرد علاقاته الغرامية العابرة قبل أن يلتقي دالية التي "رأت الفلسطيني الكامن في روح آدم"، وألهبت حـبّـه الذي سيؤول إلى مأساة؛ ولم أتوقف عند المشاهد والقصص التي يـرويها رجال ونساء اكـتـووا بـنـيـران المحرقة في وارسو وعذابات الـغـيـتو في الـلــد، لأنـها سـرديات تُـكـوّن الرحم الـمـولد لـلأنفاس الــمـلحمية التي تــقـْـمِــط فصول الروايـتـين، وتمتص التأملات الشارحة، لـيتـدفق النص مـتدثـراً بــغلالـته الـملحمية التي لا تهدف إلى تمجيد الــبـطولات، وإنما تلـمـلم الأشلاء والذكريات واللحظات الأليمة كي تحـيل على مـأساة الـمـهزوميــن الذين فـقدوا وطــناً، وأصبحوا مشــــرديــن أو مـحتـلين، مـهانين داخل أرضهم. وفي هذا الـمـستوى، نســجل أن "أولاد الـغيـتـو" تتميز بـسلاسة في التـعبـيـر، وبلغة رقــراقة منسابة، تجمـع بين الفصحى ولغة الكلام في زواج موفـق، وتلتحــف بالشـعرية الوجــدانية كـلما تـعلق الأمــر باســتـكناه العواطف، أو وصف الأمكنة الجميلة، مـثل مدينة حـيـفا.

إن "أولاد الــغــيــتـو" بجـزأَيها: "اسـمي آدم" و"نجمة البحـر" حـقـقت تلك الــمـتعة التي ألحّ عليها الكاتب، وجـعلها في طـلـيـعـــة مــا يــبـتـغـيه من وراء مـغامـرته الحريصة على تـجديد الشكل، ونـزْع الحدود بين الأجناس التعـبـيـرية؛ لـكن المتعة التي حـقـقَــتها، في نـظري، تـظل مشــحونة بالأســئلة الفكـرية واللمــحات الـوجدانية التي تـقــنع القارئ بأن معانقة نـبض الحياة هـو الـسبــيل إلى رفض الــــذاكـــــرة الـمـحـنـطـــة، والـمراهنة على أفـق القــيم الكونية الضرورية لاســتـمرار الإنــسان في الوجــود.

 

* روائي وناقد مغربي.