mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 200
قراءة خاصة
"رباعية البحيرة" وصور الهوية الفلسطينية
النص الكامل

فيصل درّاج*

"رباعية البحيرة" وصور الهوية الفلسطينية

 

يحيى يخلف. "رباعية البحيرة". رام الله: دار البحيرة، 2018.

 

تتميز بعض الشعوب بانتصارات تؤرّخ بها، وشعوب أُخرى بركود يمنع التاريخ ويصادر حركته. وقد يكون في أقدار شعوب عاثرة الحظ استبداد طويل العهد يجعل من الاستعباد عادة بين عادات أُخرى. تمايز الشعب الفلسطيني بمأساة ـ كارثة حرمته أرضه، وسارت معه عقوداً متلاحقة نقلته من منفى إلى آخر. استولدت المأساة ذاكرة جريحة، توارثها الأحفاد عن الأجداد، ترجمت ذاتها كتابةً، بالشعر أو برواية تعطف المنفى على الكارثة، وتتسلح بتفاؤل يستعجل عودة الوطن الذي كان.

سردَ يحيى يخلف علاقات الوطن والمنفى وما بينهما في عمل روائي رحيب، عنوانه "رباعية البحيرة". سجل فيه شقاء اللاجئين وبطولة البقاء التي جعلت المسألة الفلسطينية عصيّة على الانطفاء، وعاين ستة عقود من استبداد القوة الاستعمارية بالحقّ الفلسطيني؛ بدءاً من تهجير قسري، في سنة 1948، أراده بن ـ غوريون أن يكون رحيلاً طوعياً، وصولاً إلى "سلام أوسلو" الذي اعتبره المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابِهْ سلاماً مهزلة، مندداً بعنف صهيوني متوارث يعترف بأرض فلسطين ولا يعترف بوجود الفلسطينيين.

قصد يخلف في عمله المكون من أربعة أجزاء أن يكون روائياً ـ مؤرخاً: يؤول التاريخ ولا يعترف به، ففي الظلم الفادح ما يسخر من "محكمة التاريخ"، ويقتفي عبره آثار إقامة ما هي بالإقامة في مخيمات بائسة، مجسّراً المسافة بين وطن اغتُصب وسلام هازل. عالج الروائي موضوعاً عاش تفصيلاته، وعرفه مكاناً ووجعاً وزمناً، وكان مع اللاجئين ومنهم، وحاور ذاكراتهم، وأعارها قلمه. جمع بين كتابة التوثيق التي تفصل بين الوهم والتخييل، وكتابة الإحساس التي يمتد صاحبها في اللاجئين ويمتدون فيه، وأضاف إلى الكتابتَين رغبة في تاريخ ينصف المضطهدين. نسج نصاً من الغضب والحنين والتحريض وأحلام واسعة الأرجاء.

وزّع الروائي ـ المؤرخ تحقيبه الزمني على أربع روايات: "بحيرة وراء الريح" التي تحضر فيها القرية الفلسطينية قبل أن يندفع أهلها، مكرهين، إلى الرحيل؛ "ماء السماء" التي تصف الشقاء في مخيمات تطحن الأجساد والكرامة؛ "جنة ونار" التي تربط هوية اللاجىء بالأرض التي جاء منها؛ "نهر يستحم في البحيرة"، حيث "أوسلو" ورحلة شقاء مكافح اصطدم بخيبة غير متوقعة. أفصحت الروايات الثلاث الأولى، رمزياً، عن منفى ينتهي إلى عودة. وأعلنت الأخيرة، وهي الأجمل أسلوباً، عن رحيل التفاؤل وحضور الأمل: ففي الأول زمن مستقيم يقيني الانتصار، وللثاني زمنه المتقطع المسكون بأكثر من انتظار ومفاجأة.

انتهى يخلف إلى رواية ـ ذاكرة تبني لجوء الفلسطينيين بوقائع حياتهم، وقد أقامها على لجوء ـ وثيقة، قوامها الشقاء وإرادة الحياة، وأحلام لا تفارقها الأوهام. يتكىء المؤرخ، عادة، على وثيقة عناصرها أوراق وآثار، بينما ركَنَ المؤرخ ـ الروائي إلى وثيقة مغايرة، أكثر وضوحاً وصدقاً، موادها متاحف الكوابيس ومخيمات التهمها الحريق، ولاجئون فقدوا أوصالهم واستطاعوا الوقوف. انطوت الرواية ـ الوثيقة على ما يقول: يتعرّف المغلوب إلى هويته حين يعرف من أين جاء. عاد الروائي إلى سمخ وطبرية وما يمتد فيهما، وأعطى قولاً يغاير قاعدة نظرية مألوفة تعلن: "لا وجود لهوية إلاّ في مواجهة هوية مغايرة تهددها"، ذلك بأن الهوية المهددة للفلسطينيين هوية بصيغة الجمع، جمعت بين عدوان صهيوني مفتوح، ومخيمات بائسة تستنفر الوعي وتعتقله، وحصار مستديم متعدد الجنسيات.

ابتدأ الروائي من بلدة سمخ الواقعة على بحيرة لمائها نعومة تشبه "بطن الغزالة". استعاد مكاناً عرفه، وكساه الحنين بجمال لا يحاكى، وصيّر البلدة وأقدارها مجازاً فلسطينياً: فما عاشه أهلها قبل الشتات وبعده، عاشه غيرهم من الفلسطينيين، وإن كان للشتات أزمنة تغاير زمن اللجوء الذي أفضى إليه.

ففي أزمنة المسار الفلسطيني التي تردّ إلى ماضٍ معلوم ومخيم محترق ومستقبل مجهول، ما يوحي بهويات فلسطينية متعددة، ويحرم الهوية الفلسطينية من سعادة البداهة. تأمّلَ يخلف الهوية في إمكاناتها الفعلية والمجردة، وأقام بين الهوية والذاكرة رباطاً مقدساً.

 

1ـ الهوية في فضاء فلاحي محدد

استولد الروائي بلدة سمخ، في روايته "بحيرة وراء الريح"، من فضاء غنائي جميل ومتسامح ولا تناقض فيه. غابت عن البلدة الفلاحية هرمية "المجتمع الأبوي" التي تُخضع الصغير للكبير، والأنثى للذكر، وتعيّن الأب حاكماً على الجميع، وتكشّف الفضاء المتسامح في أب يرى ابنه "رجلاً" قادراً على تحمّل المسؤولية، وفي صبي يرى في خاله صديقاً، وفي امرأة تسوس زوجها وتفرض احترامها على جميع الرجال. التبست البلدة بجمال مخلوقاتها جميعاً: المرأة وردية الوجه فارعة القوام، والذكر وسيم مهيب الحضور. رأى جبرا إبراهيم جبرا في قدسية المكان الفلسطيني حماية له، بينما استعاض يخلف عن المقدس بجمال رحيب، كما لو أن الجمال الفلسطيني سلّم إلى السماء.

اشتقّ يخلف جمالية المكان من "بحيرة" فاتنة قديمة، مرّ بها أبو الطيّب المتنبي ذات مرة. البحيرة تفيض على ما حولها، وتجانس مخلوقات تتبادل الجمال والمساواة والاعتراف. وانتهى الراوي إلى هوية "طبيعية" مستقرة، فما لا تناقض فيه منقطع عن الحركة والتغيّر، أو أنه انتهى إلى هوية غنائية تحيل إلى مجتمع متوازن سعيد، مرجعه عادات متوارثة لا تؤرق أحداً، ولا يؤرقها أحد. وما الهوية الغنائية، القائمة على ثنائية الجمال والاستقرار، إلاّ هوية بحيرة طبرية التي تتسلل إلى الكائنات جميعاً، فتمنحها المساواة والتماثل، كما لو أن الروح الموزعة للبحيرة على الطبيعة والبشر، تجسيد لعالم ملحمي، مكتمل الحاجات، قليل الأسئلة. فلا يسأل عن الهوية إلاّ مجتمع متغير متبدل الحاجات، يغاير مجتمعاً قروياً ارتاح إلى سلطة العادات.

أنسْنَ يخلف مخلوقاته الجميلة، في مختلف احتمالاتها، واعترف بها جميعاً كيانات متساوية مستقلة، تتبادل لغة باركتها الطبيعة ويسعد بها البشر. فالبحيرة أنثى جميلة العينين تتنفس وترقص وتنشد وتبذل وتطعم. يقصدها الجميع وتعانق الجميع. و"الفرس" البيضاء القوية البنيان، تكلم صاحبها ويتعابثان، ويتقنان لغة الإشارة والعيون: فهي كائن حي ينقاد إلى كائن حي، يحبه ولا يجور عليه، كراعي الماشية الذي يُعنى بكائنات تُعنى به. والكلب فرد من العائلة وإن افتقد اللسان، شارك عائلته الغبطة والمرض، وعاش مشرداً ومنبوذاً حين سقطت في اللجوء.

أنتج وصف يخلف للمجتمع الفلاحي الفلسطيني هويةً غنائية ـ ملحمية تسهر عليها الطبيعة، وتنعم بالأمان. تحدث الراحل الجميل إحسان عباس، في سيرته الذاتية "غربة الراعي"، عن "رموز الأمان"، مسترجعاً طفولة غنائية في "عين غزال"، قرية فلسطينية أمانها من المطر والبيت وخيرات الطبيعة، والغربة عنها تنفتح على الخطر. قام يخلف بتخليق رموز الأمان فنياً، فبنى بها مجتمعاً "مكتفياً بذاته"، أمنه من حاجاته المتوفرة وعاداته الأليفة التي تضطرب إن واجهت غريباً، أو مرّ بها غريب.

أنطَقَ يخلف هوية مستقلة أتى اضطرابها في سنة 1948 من خارجها، وقُذف بأصحاب الهوية خارجاً. تعيّن "الخارج" بأربع إشارات غير متكافئة: الجندي الإنجليزي الذي باع صبياً ـ رجلاً درعاً واقياً من الرصاص أدهش البلدة البسيطة، وقفل راجعاً إلى وطنه معلناً نهاية الانتداب الإنجليزي وميلاد دولة إسرائيل. الإشارة الثانية هي عن ضابط "جيش الإنقاذ"، الذي وفد إلى القرية حاملاً معه صفة "البيك" الغامضة الأصول، مضيفاً إلى الصفة الغريبة مسافة لغوية، ظاهرها لغة احترافية عالمة بالأسلحة وأنواع "الدروع". الإشارة الثالثة التي تصرف بها الروائي باقتصاد لغوي، أحالت إلى شيء يشبه "القيادة": إذ المفتي الأعلى حاضر وغائب، كما لو أنه مضى وترك اسمه دليلاً عليه، و"اللجنة القومية" التي تعترف بها اللغة ولا يعترف بها الواقع، وذلك "الوسيط الوطني" المنتظر المؤجل الحضور، والذي يُدعى "طاهر". الإشارة الرابعة حاضرة في أصوات المدافع والخوف الذي توزِّعه، والعتاد العسكري المهرب فوق ماء البحيرة، وفي صفة اليهودي الجامعة بين الغريب والمختلف والاعتداء.

فات الوعي الفلاحي الفلسطيني الانتباه إلى تغيرات سبقت النكبة، وحين انتبه إلى الخطر المحدق، كانت النكبة قد اجتاحت عالم الفلاحين. ترجمت النكبة مأساة وعي مكرَ به التاريخ، وترجمت معه زمناً وافداً منتصراً، يغاير زمناً فلسطينياً يقتات بعادات متوارثة تساوي بين الاستقرار والأمان. لم يكن الفلسطينيون المطمئنون إلى بيئة يعرفونها وتعرفهم بحاجة إلى هوية، فالأخيرة تأتي من الخوف والخطر، على خلاف عدو جاء بهوية غازية، غريبة المنشأ ومطمئنة إلى انتصارها.

وصفت رواية يخلف لحظتين أساسيتين من التاريخ الفلسطيني الحديث: أولاهما جميلة وبريئة سبقت النكبة، وثانيهما مأسوية أعقبت تهجير شعب من أرضه. انطوت اللحظتان على بؤس عربي وأمراض عثمانية.

 

2ـ المنفى وهوية التجربة

حمل الفلسطينيون إلى المنفى أرواحاً منكسرة، وانتصاراً يهودياً جرّدهم من أرضهم وترك لهم صفة غير مسبوقة: اللاجئين. كانت حياتهم في أرضهم هويتهم، فأملى عليهم المنفى صفة تضعهم مع البشر وخارجهم؛ ذلك بأن اللاجىء غريب، والغريب وجه غامض لا تاريخ له! فلا تاريخ إلاّ لمَن كان يشبه غيره، بعيداً عن ركام فلسطيني يلوذ بهوامش تثير الفضول. اللاجىء هو الذي عاش مع آخرين رفضوه، وسوّغ لهم اختلافُه اختراعَه.

أغلق يخلف روايته "بحيرة وراء الريح" على: "جثة مقاتل عربي لم يتح له أن يطلق رصاصة واحدة"؛ ضابط من "جيش الإنقاذ" فرح، قبل المعركة وبعدها، "بسترة واقية من الرصاص"؛ فلسطيني مخذول "ينظر إلى أطراف البحيرة من الجانب الآخر"؛ سارد أراد أن يكون مؤرخاً، يقول: "ضاع كل شيء، وكل الدروب تفضي إلى الغربة والشتات"، مثلما جاء في الصفحة الأخيرة.

استكملت روايته الثانية "ماء السماء" روايته الأولى، وربطت زمن الأرض المنكوبة بـ "زمن العار"، بلغة غسان كنفاني. اتكأ الاستكمال على ذاكرة سارد ـ شاهد، عرف ما كان وما تلاه. وعلى حكاية طفلة ـ صدفة، أضاعها أهلها في زحمة الهرب، وعثر عليها زوجان لا يستطيعان الإنجاب فحملاها إلى المنفى. وعلى زمن تتابعي مختلف الوجوه، فما يتلو البيت الأليف أقرب إلى جهنم؛ زمن جاء بعد البلدة المفتوحة على البحيرة - المخيم، وبعد أن اغتصبت الخيمةُ موقع البيت القديم، ورُميت بطاقة الإعاشة في وجوه السكان، واحتلت مكان الحصاد والغلال وتوالد الماشية في فصل الربيع. تواتَر الفقد، وتواتر الخوف والاغتراب والاستلاب، واختبرت الغربة الفلسطينيين، ورمت في وجوههم حكايات لم يعرفها ماضيهم القريب.

استولد الروائي روايته الأولى من رموز الأمان والتحقق، وبنى روايته الثانية على وقائع الفقد والخوف والأرواح الكسيرة. استعاض عن نسق الحكايات السعيدة الماضية بنسق مغاير قوامه الإذلال: حكاية شاب ضل طريق أهله، وبلغ مخيماً قصدوا غيره، وانتهى متكسباً بائس الحسبان؛ فتاة جميلة في السابعة عشرة، باعها أهلها بمئة دينار، وعبثت بها الحياة؛ رجل متكامل الأخلاق رفض المخيم، وعاد إلى أرضه ليموت "كالغزلان"؛ فتاة صدمها المخيم وتسللت راجعة إلى يافا؛ حالم توكأ على كرامته وتوزع على أكثر من مكان بلا بطاقة تعرّف به... لم يعرف الزمن الغنائي المنقضي سوى حكاية متوالدة ربطت الفلاح بأرضه، ولم تدهمه الحكايات إلاّ من خارجه، بعيداً عن بؤس المخيم الذي يأتي كل يوم بحكاية حزينة جديدة. عهَد المؤلف الذي وحّد في الزمن الغنائي المنقضي بين الإنسان والحيوان والنبات، إلى حيوانات "لاجئة" التعبيرَ عن مصائر أصحابها: قتلَ الحيّز الضيق الموحل الفرس البيضاء الأصيلة وسلخ جلدها "النَّوَر"، وصنعوا منه ربابة. وتحوّل الكلب الأليف المهيب إلى ضبع حسمه الجوع والمطاردة القاتلة، مثلما حسم البرد حياة بغل عجوز...

اختصر يخلف زمن الوطن في أرض ثابتة مورقة، واختصر المنفى في إقامة رخوة موحلة. نسب إلى الأول روحاً طليقة، مرجعها داخلها، وألحق بالثاني روحاً محاصرة، مرجعها قوت معلّب وشرطي غليظ الهراوة، وأدرج الزمنين في ذاكرة جريحة. بعد أرض الأجداد المشبعة بالحكايات، يأتي مخيم أحادي المظهر، ينشر البؤس ويصادر وعي الإنسان به، بسبب علاقة ثابتة بين الوعي وشروط الحياة. يقول البعض إن البؤس يولّد الثورة، والقول لا معنى له، ذلك بأن الوعي بأسباب البؤس ووسائل تجاوزه هو الذي يولد التمرد. لقد أربك "المخيم الوافد" وعي اللاجىء الفلسطيني، ودفعه إلى خيار مغلق الأبواب يبدأ بالمخيم وينتهي به؛ إذا قبل به اللاجىء تداعت إنسانيته، وإن تمرد عليه دخل إلى مغامرة، لأنه محاصر بالفقر وبطاقة الإعاشة، وهراوات الشرطي المتيقظ الذي يعتبر اللاجىء متهماً قبل أن يسمع صوته. علّم المخيم اللاجئين الانتظار المهين والتقشف في الحاجات، وعلّمهم أن حاجات الحياة لا تستشيرهم، فتناسلوا وعلّموا أبناءهم وتضامنوا، ولقّنتهم دروس الحياة بطولة البقاء و"بداهة الهوية".

سردت "ماء السماء" مسار فلسطيني تخفّف من ذاته الأولى، ودخل إلى ذات لاجئة تسيّره ولا يسيّرها، وتأخذ بيده إلى هوية لم يهجس بها حين كان في سمخ. فبعد أن واجه فقدان الأرض وخرج مخذولاً، واجهه المخيم بأخطار لا يمكن الهرب منها. لم يكن يعرف في المواجهة الأولى معنى الهوية إلاّ بشكل مبتور تكسوه البراءة، ولقّنه المخيم هويته اللاجئة تلقيناً، فعاشها واختبرته ووعى معناها، برغبة منه أو من دونها، بعد أن سقطت عليه صفة اللاجىء من غير استئذان، وأدرك أنها مزيج من الهجاء والشفقة والأخطار المتلاحقة.

أنتجت "ماء السماء"، وهي تسرد حكايات اللاجئين، خطاباً روائياً متعدد الدلالات: بدأت الهوية الفلسطينية بالتكون بعد سقوط فلسطين. استدعاها التهديد الصهيوني قبل أن يوقظها عسف المخيمات. صدرت، في الحالين، عن خطر يحاصرها، كما لو أن الشعب غير المهدد لا هوية له: هويته من استقراره ومن دولة تُشعره، في ساعات الخطر، بتميّز يفتقر إليه غيره. ولعل في العلاقة، نظرياً، بين الدولة والهوية، ما أناب المخيم الفلسطيني عن دولة غائبة، وإن كانت هوية المخيم ـ الدولة قلقة وهشّة ومتبدلة، ذلك بأن اللاجئين الذين يتقاسمون تجربة مهددة لوجودهم، يشكلون "جماعة مستيقظة"، تتبادل التكافل والتحريض والبحث عن بديل. ولا غرابة في أن تجتهد السلطات التي ترى في اللاجئين خطراً، في اقتلاع المخيمات، من دون أن تكترث بمصائر أهلها. لا فرق إن توزعوا على خيم جديدة، أو "شدّوا الرحال"، بلغة العرب، إلى الدول الإسكندينافية.

كادت الرواية تقول: إن الفلسطيني غير المهدد ملتبس الهوية، فلا هو من اللاجئين، ولا هو من خارجهم. ولذلك لمّحت إلى فلسطينيين من خارج المخيمات، يتعاطفون مع اللاجئين ولا يكونون منهم، ورسمت أفراداً من المخيم لا يؤرقهم لجوؤهم، بل يستثمرونه في أغراض تجارية زائفة "الشعائر"، كضابط جيش الإنقاذ الذي التفّ حوله متكسبون انشغلوا بقضايا الآخرة والحلال والحرام وإخراج الشياطين من أجساد البائسين، مرتاحين إلى معيش بائس يحرّض على توليد وعي يزيد البؤس بؤساً.

ولدت الهوية الفلسطينية، قبل النكبة وبعدها، محاصرة بمعوقات متنوعة: حاصرها انتصار صهيوني سريع لم يسمح بمساءلة حقيقية، وحاصرها عري اللاجئين في المخيمات والبحث اللاهث عن غطاء. وعندما وعد الكفاح المسلح بهوية تتجاوز العري والغطاء الذليل، اندفع إليه اللاجئون اندفاعاً أوهمهم بزمن غنائي جديد، هويته انتصار لا يماري فيه أحد. لازم الهوية الفلسطينية حصار متواتر لا يزال مستمراً إلى اليوم، فلم يكن في عثار المخيم الذي نفذ يخلف إلى تفصيلاته بإخلاص كبير، ما يتيح له أن يكون "معلّماً" يمحو الوعي الزائف بوعي بديل، ولا انطوى الكفاح المسلح على إنارة كافية، ولم يُسمح لاحقاً لـ "السلطة الفلسطينية" بأن تضع المنهج المدرسي المبرأ من الضباب.

انغلقت الرواية "بصوت لا يخلو من شجن: هذا الذي ينزل علينا ليس مطر الغيوم... إنه الغيث... إنه ماء السماء." أشار الروائي، في كلمات أخيرة، إلى كفاح فلسطيني مندفع إلى انتصار يرغب فيه المضطهدون وينتظرونه. تعدَّد يخلف وهو يساوي الواقع بالرغبة؛ فكان روائياً ـ ذاكرة، اتخذ من النكبة بداية للكتابة، وسارداً - عارفاً حفظ تجربة المخيمات، و"لاجئاً - مقاوماً" يرغب فيما يرغب فيه اللاجئون، وأضاف أحلاماً شجية المسار.

تقول "بدرية"، اللاجئة الفلسطينية الجميلة المتأهبة للوقوف بعد كل انكسار: "الإنسان يكبر بتجاربه." نسيت أن تقول إن ثقل التجارب الظالمة يرهق الذين يعيشونها، كتجربة اللجوء الفلسطيني التي أسسها التهديد الصهيوني المسلح، وواجهتها تهديدات لاحقة، بعد اللجوء، ذلك بأن المآل الحقيقي للمسألة الفلسطينية هو من مآل العالم العربي كله.

 

3ـ هوية المكان وذاكرة التاريخ

سردت "رباعية البحيرة"، في جزأين منها، مأساة الانتقال من فضاء فلاحي متوارث العادات، إلى مخيم يواجه اللاجئين بما لا يعرفونه. ترك الجزءان الهوية الفلسطينية معلقة بين ما قبل الذي لا يطرح أسئلتها، وما بعد: الزمن الوافد الذي يسمح بطرحها بثمن باهظ يساوي حياة الفلسطينيين. بيد أن الروائي، المشدود إلى كتابة وطنية تربوية، ساءل معنى الهوية بقدر ما استطاع، ووضع في الجزء الأول مأساة ـ صدفة، تنفتح في الجزء الثالث "جنة وناراً" على موضوع الهوية. رجع الجزء الثالث الذي يدور حول طفلة فلسطينية ولدت في الوطن وعاشت في المنفى، إلى تاريخ كنعاني قديم، له مفرداته وإشاراته وصوره، وهوية يتوارثها الفلسطينيون.

أقامت الرواية حداً فاصلاً بين ما قبل وما بعد، ورسمت الشتات بحكايات متوالية موادها بيت في بيروت، ومخيم قرب دمشق، ومزرعة في الأردن، وتلميذ فلسطيني ـ إنجليزي، وفلسطينيون بقوا في وطنهم. وأضافت إلى المأساة المتنقلة مجهولاً يتجاوز المسميات جميعاً. أنطقت الحكايات هوية اللاجئين المحاصرة، وجاءت بإجابات مختلطة الأزمنة، كما لو أن الهوية في الشتات حكاية بين الحكايات الأُخرى.

صيّر الجواب الحكائي الهوية بحثاً متعدد العناصر، يربط الحاضر بالماضي البعيد، وينشد زمناً فلسطينياً مستمراً لا انقطاع فيه. ركَن هذا الجواب إلى مآل الطفلة كوسيلة إيضاح، وأعادها، بعد عشرين عاماً من اللجوء، إلى رموز الزمن الكنعاني السحيق التي اهتدت بها، وجعلها تعثر على أم انتظرتها في قرية من قرى الجليل. بحثت الابنة باجتهاد عن أمها، وانتظرت الأم بلا يأس ابنتها، وكان في مسارَيهما ما يقول: "لو لم تعرفني لما فتشت عني"، ففي يقين المعرفة ما يلغي المسافات.

صرّح الخطاب الروائي بأمرين: لو لم تعش الابنة في المنفى لما بحثت عن أمها، فالأخيرة جرح ورهان؛ ولو لم ترجع الأم إلى الوطن لما عرفت ابنتها طريق الوصول إليها، فالوطن منارة ومحطة انتظار. احتقبت الحكاية زمناً دائرياً يصل بين ما كان، وما يجب أن يكون، ويُرجع إلى الفتاة التي تُدعى "ماء السماء"، اسمَها الأول "ليلى"، والذي سُمّيت به حين رأت النور. ليس الزمن الدائري إلاّ الزمن الفلسطيني القديم الذي قد يعرف الانزياح والاعوجاج، ويستضيء ليعود مثلما كان. أعاد الزمن الأصيل اللاجئة الضائعة إلى أمها، وصيّرها مجازاً للاجئين العائدين الذين يتقاسمون جميعاً زمناً وحداً عليهم معرفته والكفاح لاكتشافه، كحال اللاجئة العائدة التي جمعت بين الكفاح والمعرفة. أكد الروائي قاعدة ـ بداهة: هوية اللاجىء الفلسطيني من كفاحه. ودفعه قصدُه التربوي إلى تاريخ ـ ضمان، يقنع اللاجئين بأن الأصل القديم لا يموت.

اشتقت رواية "بحيرة وراء الريح" هوية فلسطينية ـ بداهة، أقرب إلى الشعر، متوسلة "رموز الأمان"، حيث المخلوقات جميعاً تتبادل لغة واحدة. وسردت الجنة والنار في وقائع اللجوء والبحث عن هوية، مستعيرة رموزاً موروثة تجهر بأصالة الشعب الفلسطيني وقدرته على الإبداع. أدرجت الرواية الثانية في سطورها ماضياً محتشداً بأبعاد حضارية، وبحوار أليف بين الفلسطيني وأرضه. استدعى الأصل القديم الذي يمحو زمن اللجوء، الكنعانيين ـ آباء الفلسطينيين ـ وحضارتهم التليدة، المقترنة بـ "اختراع النسيج واكتشاف الصباغة وهندسة الألوان وشغف بالتطريز والزخارف"، إذ لكل بلدة مطرزاتها وزخارفها على القماش التي أنتجت "ثوباً كنعانياً" توالد في أثواب تميّز كل بلدة من غيرها، وتجعل من أثواب النساء خريطة للبيئة الفلسطينية المتنوعة.

استولد الروائي "الحكاية الكبرى" ـ حكاية الهوية ـ من أزمنة تمتد من كنعان إلى النكبة واللجوء والعودة، متوسلاً "قطعة قماش مطرزة"، غطّت بها الأم طفلتها التي عادت إلى أمها مسترشدة بألوان المطرزات في البلدات الفلسطينية المتنوعة، لكأن تعددية الألوان المستقرة فوق قماش هو أقرب إلى الوثيقة، دليل يرشد اللاجئة إلى أم ـ هوية، وحضارة قديمة تواجه مأساة اللجوء في تاريخ عمره آلاف السنين، ويعلن أن فلسطين جديرة بالقتال من أجلها، وأن اللاجئين المقاتلين في سبيلها جديرون بالعودة.

أغلق يخلف روايته الأولى بصوت "لا يخلو من شجن"، يقول: "ضاع كل شيء وأصبحت كل الدروب تفضي إلى الضياع." وأنهى روايته الثانية بصوت تخفّف من حزنه، يخبر أن "الذي نزل علينا ليس مطر الغيوم... إنه الغيث. إنه ماء السماء." وأخذ بيد الطفلة الضائعة ماء السماء، في روايته الثالثة، وأوصلها إلى قرية "المغار" من قرى الجليل. عطف النهايات على زمن سحيق واضح الآثار. أنجز الروائي في "رباعية البحيرة" عملاً أدبياً فلسطينياً استثنائياً، يجمع بين التوثيق والتخييل، ويقصر المسافة بين التفاؤل والأمل، ويمزج بين الحكاية والرواية؛ ففي الأولى ما تشاء من الأزمنة، وفي الثانية حاضر يحكم الأزمنة جميعاً. أضافت الرباعية صوتاً مغايراً إلى أدب المضطهدين، وأخذت منه ما لا يمكن التخفّف منه، إلاّ في حالات قليلة، موائمة بين الرواية والوثيقة، والكتابة والذاكرة، والأصل والمستقبل العائد إليه.

انطوى نص يخلف، من حيث هو وثيقة أدبية فلسطينية، على أبعاد توائم أغراضه، وتبشّر بالعودة المنتظرة. يتكشف البعد الأول في استمرارية الزمن التاريخي القديم الذي يؤنس الحاضر، ويرضي ذاكرة المضطهدين التي تسبغ عليه جمالاً أقرب إلى الاختراع، بلغة المؤرخ الإنجليزي الراحل إيريك هوبسباوم الذي رأى أن حاضر المضطهدين يخترع ماضيهم البعيد. ويتجلى البعد الثاني في توريث الهوية التي تُصنع منطقياً، ولا تورّث، وإلاّ أهدرت معنى التجربة وساوت بين سياقات متنوعة. لم يكن في الزمن الكنعاني إمبريالية قاتلة تخترع المناطق المقدسة، وتلغي المسافة بين المقدس والسطو على حقوق الشعوب الضعيفة. ولم يعرف الزمن الكنعاني شتاتاً فلسطينياً متوالداً، ولا أنظمة عربية تابعة تضيق بحقوق الفلسطينيين.

في خطاب "جنة ونار" المحتفي بأزهار فلسطين وثمارها، ما يجعل من المعرفة بعداً لازماً للهوية، يساوق تجربة المعيش ويقارب أسئلتها، ويوقظ قضايا إشكالية كثيرة: أسطورة الأصل، و"حلم" الزمن الفلسطيني المستمر الموزع، فعلياً، على أزمنة تنوس بين الاختلاف والائتلاف، ذلك بأن الزمن التاريخي الحقيقي يتعين بما انقطع فيه، لا بما استمر. كان جبرا الذي يختلف عنه يخلف في المنظور والأسلوب، قد اختصر مستقبل فلسطين في مثقف لامع ينوب عن غيره. ربما كانت العودة إلى تاريخ كنعاني ـ تحريضي، هي التي وضعت في منظور الروائي بعداً طوباوياً لا يأتلف مع هذا المنظور، وهو الذي اجتهد طويلاً في توصيف "جمالية المضطهدين"، ورأى ضمان العودة في قتالهم الصادق بمعزل عن ضمان تسوقه كفاءة الكنعانيين.

مهما تكن الأسئلة التي توقظها "جنة ونار"، وهي من أجمل ما كتبه يخلف، فإنها تُقرأ داخل كتابة روائية تحريضية يحتاج إليها اللاجئون، وتمدّهم بذاكرة مكتوبة تتجاوز الحكايات الشفهية المفتوحة على النسيان.

 

4ـ اللاجىء وتفكك الزمن المنتظر

بدا "الزمن اللاجئ"، في الأجزاء الثلاثة الأولى من "رباعية البحيرة"، واضحاً في استمراريته، وقد احتقب التهجير واللجوء وعثار المخيمات ونشأة الكفاح المسلح... أوحى قياس اللاحق على السابق، والذي ظهر في الانتقال من الغفلة إلى اليقظة، بعودة اللاجىء المقبلة والمنتظر سردها في الجزء الرابع "نهر يستحم في البحيرة". غير أن السارد ـ الشاهد الذي رأى سمخ، بعد اتفاق أوسلو، اصطدم بخيبته؛ فبلدته القديمة يهودية الملامح والصوت، وجنود الاحتلال يسيطرون على "أرضهم"، ويفتشون جسد "العابر الفلسطيني" وروحه. الجسد الذي كان غير مرغوب فيه في نكبة 1948 الكبرى، بقي غير مرغوب فيه بعد "سلام مهزلة"، وفقاً لقاعدة المنتصرين القائلة: "الرحمة لا تجوز على الخاسرين."

وصف يخلف الصدمة ـ الهزيمة بعناصر فنية تفصل بين الرواية الأخيرة وما سبقها: انتهت وحدة الخطاب الروائي ذي العلاقات المتسقة، والتي تشتق الحياة اللاحقة من حكاية سابقة، وتمنح الرواية مدخلاً يفضي إلى نهاية مفعمة بالأمل، وأخذت مكان هذه الوحدة علاقاتٌ أقرب إلى الشظايا الحكائية المتعددة العناوين: مشهد؛ المطعم في القبو (نهار داخلي)؛ ملاحظة من الدفتر (تقرير إذاعي)؛ تقرير صحافي من "يديعوت أحرونوت"؛ مشهد جديد... بعد ثلاث روايات اتخذت من الجموع الفلسطينية محوراً لها، جاء زمن لا جموع فيه. فلا الكل في واحد ولا الواحد في الكل، بل أفراد مختلفو الوجوه والصفات: فلسطيني يتحدث الإنجليزية بنبرة أميركية؛ فلسطينية من "الداخل" تعرف العبرية؛ نادلة إسرائيلية؛ موظف إسرائيلي يراقب القامة والظل؛ يهودية عجوز أحبت، ذات مرة، فلسطينياً من سمخ وأخلصت له.

وإذا كان السارد ـ الشاهد ذاب، في الروايات السابقة، في غيره: فهو مع الأهل والأهل منه، فإنه اختُصر في "نهر يستحم بالبحيرة" في فرد أقرب إلى الضياع، يعيش داخله طويلاً، ولا ينفتح على الخارج "المحتل" إلاّ مكرهاً. كان في زمن سبق يتوقع اللقاء بـ "خال" رفض المنفى ورجع إلى أرضه "ليموت كالغزلان"، قبل أن يعرف أن "الغزال الطليق" انتهى، منذ أعوام، إلى جثة في براد إسرائيلي، لا يمكن دفنها في أرض إسرائيل. لا غرابة في أن تغيم الوجوه في المنظور الروائي الجنائزي، وأن تحضر أُخرى كالأقنعة، تفصح صامتة، وتصمت ناطقة، وأن تشير، في الحالين، إلى وطن مغتصب كسا التراب قراه القديمة، وإلى غطرسة إسرائيلية مسلحة لا تملّ الحرب، وإلى سلام بعيد واهن الاحتمال، وإلى فلسطيني ملتبس بالإرهاب.

قدم الروائي، في زمن الخيبة، شهادة أُخرى تقتصد الفعل الروائي وتملأها الإشارات، متوسلاً شخصنة المقولات الروائية؛ فالشخصية مقولة والإشارة تعليق، كاليهودية التي تقدم "طعاماً مغربياً" ولا تعرف العربية، واليهودية العجوز التي أحبت قبل النكبة فلسطينياً وأخلصت له، والجندي الإسرائيلي الذي يفصح تجهمه عن كلامه، والفلسطيني المتأمرك الجاهل بحقيقة إسرائيل، والفلسطينية التي تعرف العبرية وتتوزع على البقاء والرحيل، والطيار الإسرائيلي الذي سقطت طائرته في بحيرة طبرية في سنة 1958، ووَقَت الطائرة جثته من التفسخ... والسارد ـ الشاهد الذي أراد أن يعود مواطناً، فرجع لاجئاً معلق الإقامة.

لم يحتفظ يخلف بالتفاؤل الذي أدمن عليه ولم يتخلّ عنه، وإنما استبقاه بعد تغيير: وضع الأمل الذي لا يعيش المضطهدون من دونه، مكان التفاؤل الذي لا يبرحه اليقين، واستولد الأمل من مرجع مستعار قوامه الجندي الياباني، أونودو، الذي كان مخلصاً لتعاليم قائده، والذي رفض أن يعترف بأن الحرب انتهت، وبقي وراء المتراس ثلاثين عاماً. تماهى السارد بالجندي "الذي عاد كما عاد أهل الكهف." اختلط الأمل القَلِق بنقد ذاتي مرير، ذلك بأن المقاتل الفلسطيني حارب في مكان مكشوف، لا يسنده أحد.

تحرر الروائي، في "نهر يستحم بالبحيرة"، مرتين: مرة أولى وهو ينسج خطاباً روائياً لا يقبل بأحادية التأويل. ومرة ثانية وهو يكتب بأسلوب حر متدفق، يصف أحوال الروح "الثكلى" التي تزهد بالانضباط، ولا تأتلف مع لغة البرهان واليقين.

 

5ـ هوية فلسطينية أم هويات؟

وضع يحيى يخلف في عنوان "رباعية البحيرة" عنواناً ثانوياً: "عن ملحمة كفاح شعب"، أكد فيه أن الفلسطينيين يشكلون شعباً موحداً، لا فرق إن عصف به الشتات، أو احتفظ بنقاط ارتكاز عصية على الاقتلاع. فلا وجود لملحمة كفاحية إلاّ بشعب يصنعها، ولا وجود لشعب قادر على الكفاح الملحمي سوى بماضٍ يستضيء به، ومستقبل يتطلع إليه. تستوجب الملحمة، نظرياً وعلمياً، فعلاً يردّ على زمن النكبة الذي فصل الحاضر عن ماضيه، ومساهمة في توحيد الزمن الفلسطيني، الموزع على الوطن واللجوء. انطوت الملحمة على "هوية قيد الإنجاز"، تستأنف هوية سابقة، عرفت "الكفاح الملحمي"، قدر الإمكان.

انطلق الروائي من الـ "هنا والآن": مخيمات اللجوء التي أعقبت النكبة، ورأت في "الكفاح" فعلاً يخلق الحاضر ويصحح أخطاء ماضية، ومدخلاً إلى هوية فلسطينية مبرأة من المرض. بدا الكفاح فعلاً خالقاً، يأتي بفلسطيني جديد، ويعطي التاريخ الفلسطيني الحديث ولادة غير مسبوقة. أدرج الروائي الكبير في عمله ثلاثة عناصر سياسية: تنظيم "فتح" الذي نبّه اللاجئين إلى ضرورة نهوضهم، فلا تتحرر فلسطين سوى بجهود فلسطينييه؛ الكفاح المسلح، فما "أُخذ بالقوة لا يُسترد إلاّ بالقوة"؛ المخيم الفلسطيني، مخزن المنكوبين الذين يعرفون قبل غيرهم شقاء اللجوء.

ما قالت به المقولات الثلاث كان صحيحاً، لولا "قلق الإقامة"، وله أسبابه المتعددة: فلا إمكان لأحلام مستديمة سوى بإقامة مستديمة، وهو ما عذّب أرواح الفلسطينيين، من زمن النكبة إلى اليوم. ولأن المسألة الفلسطينية كانت، وما زالت، هدفاً لنيران متقاطعة، فإنه كان على الحلم الفلسطيني أن يتشتت كأهله، أو أن يصيبه التعب ويميل إلى راحة مخادعة. دفعت المخيمات ثمن تجربتها المقاتلة، وأزيح بعضها من الوجود؛ وانطفأ الكفاح المسلح، واختُصر في شعارات موسمية، ولم تستطع التنظيمات الفلسطينية، ومنها "فتح"، أن تجدد ذاتها وأن تقترح ملحمة جديدة.

وصف يخلف زمناً فلسطينياً متعاقباً رباعي الوجوه: الرحيل المأسوي عن البلد؛ جحيم المعيش في مخيم عنيف الشكل والمضمون؛ زمن البشائر المقمط بالتفاؤل والمزنر بالطلقات؛ زمن التداعي المسقوف بالكوابيس. أجاد الروائي وصف الأزمنة المتعاقبة، واستولد إشارات فنية تفصح عن شخصيات المخيمات بحذق لافت؛ فلا هي بالأنماط الفكرية ولا بالشخصيات الجاهزة، بل حقائق ناطقة من الحياة، أو حياة صابرة تنطق بالظلم الذي وقع على الفلسطيني.

بدا الروائي صوتاً من الجماعة ومعها في الأجزاء الثلاثة الأولى، كما لو كان قد شاركها شقاءها وأحلامها وأوهامها، ونسج معها وبها حكاية كبيرة تحتاج إليها الذاكرة الوطنية الفلسطينية. أفرد صوته في الجزء الرابع، الخاص بزمن الخسارة، مؤثراً التأمل والشجن و"ترتيب" وعيه الوطني من جديد.

انطوت رباعية البحيرة (تقع في 1024 صفحة) على مادة حكائية شاسعة، أضاءت وجوهاً من التاريخ والقصص الشعبي ووعي المضطهدين، وذكّرت بشيء طريف اسمه "جيش الإنقاذ" كان يبيع ذخيرته ليشتري بها أوسمة، ويختلس من الفلاحين الفلسطينيين قوتهم وهو ذاهب إلى معركة لن يشارك فيها. وأعطت الرباعية أيضاً مادة، لغير المشتغلين بالأدب، عن وعي المقاتل في مخيم بائس.

اتكأ الروائي على مبدأ تربوي يقول: يعرف الإنسان هويته حين يعرف من أين جاء. وهذا القول ينفتح على سؤالين: ما هي هوية الإنسان المشتت الذي يعرف إلى أين وصل، قبل أن يعرف من أين جاء؟ وكيف يمكن تجسير المسافة بين زمن مضى، له أرضه وتقاليده ورموزه، وزمن مشتت صيّر الأرض والتقاليد والرموز أشتاتاً تستعصي على التوحيد؟ يدور السؤالان حول مأساة فلسطينية تتجاوز الأحلام والكوابيس والمتخيل الروائي، وتسائل تاريخاً فلسطينياً حديثاً متقطع الأزمنة. أراد الروائي تأكيد استمراريته، منطلقاً من مبدأ الأمل الذي يعترف بالمعيش وينتسب، أولاً، إلى ما يجب أن يكون.

استولد جبرا إبراهيم جبرا الهوية الفلسطينية من القدس. وعثر عليها غسان كنفاني في المتمرد الذي يضبط مبتدأ حياته ونهايتها. ورآها يحيى يخلف في اللاجىء الفقير الذي يقاتل وينهزم ويختفي ويعود، ذلك بأن تجربته المقاتلة لا تسمح له باختفاء طويل. تثير تجارب الروائيين الثلاث سؤالين: هل يستطيع المغلوبون سرد رواياتهم بلا حذف أو إضافة؟ وإذا كان التاريخ بحاجة إلى الذكريات، فهل تشكل الذكريات وحدها تاريخاً؟

لم يشأ يخلف أن ينافس أو يحاكي أو أن يختلق، وإنما سجّل ما عاش وما حلم به، وترك وثيقة أدبية وطنية واسعة كثيرة الأسئلة، تدافع عن الذاكرة الفلسطينية وتمنع عنها النسيان؛ إذ لا تاريخ بلا ذاكرة، ولا ذاكرة إلاّ بوعي يمايز بين الأزمنة.

 

* كاتب وناقد فلسطيني.