mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 195
في الذاكرة
بطرس أبو منّة: المؤرخ
النص الكامل

محمود يزبك*

بطرس أبو منّة: المؤرخ

 

عرفتُ الدكتور بطرس أبو منّة للمرة الأولى في سنة ١٩٧٨ حين درست في جامعة حيفا في دائرة تاريخ الشرق الأوسط للقب الأول. درّسني حينها مساقاً عنوانه "فلسطين في القرن الثامن عشر"، وقد قمت لاحقاً بتدريس هذا المساق في الجامعة لعدة أعوام. وتمحورت رسالة أبو منّة من خلال هذا المساق حول الشيخ ظاهر العمر الزيداني، الشخصية الفلسطينية الأهم في تلك الفترة، والذي أسّس لمجتمع فلسطيني مدني من خلال إعادة إعمار مدن طبرية والناصرة وعكا وحيفا.

ولد الدكتور بطرس أبو منّة في مدينة الرملة في تموز / يوليو ١٩٣٢، وتوفي والده الذي عمل موظفاً في البريد ولمّا يتجاوز عمر بطرس ستة أعوام، فاضطرت الوالدة إلى الانتقال مع أطفالها بطرس وأخوين أصغر منه إلى مدينة اللد كي تعيش في كنف عائلتها المعروفة بعائلة المنيّر، حيث أنهى دراسته الابتدائية، وبعدها درس في الكلية العربية في القدس، ثم في الثانوية العامرية في يافا.

احتلت القوات الصهيونية مدينة اللد في ١١ تموز / يوليو ١٩٤٨، واقترفت مذبحة راح ضحيتها أكثر من ٢٥٠ شخصاً، وجرى طرد عشرات الآلاف من سكان مدينتَي اللد والرملة.

بعد احتلال اللد، تجمّعت عائلة أبو منّة ـ الأم وبطرس وأخواه ـ في معسكر موقت أقامه الجيش الإسرائيلي تحضيراً لطردهم تجاه رام الله سيراً على الأقدام، لكن عن طريق المصادفة، بقيت العائلة في مدينة اللد، ولمّا يتجاوز عمر بطرس حينها ستة عشر عاماً، ولم يكن قد أنهى دراسته الثانوية بعد، ثم عمل لثلاثة أعوام مدرّساً في مدرسة اللد.

في سنة ١٩٥٣ تقدم لامتحان الثانوية العامة، ولتفوقه حصل على منحة دراسية في الجامعة العبرية في القدس الغربية، حيث درس تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ العام.

كذلك حصل بعد إنهائه دراسة الماجستير في تاريخ الشرق الأوسط، على منحة دراسية من جامعة أكسفورد لدرجة الدكتوراه التي أشرف على مناقشة أطروحتها الأستاذ ألبرت حوراني.

ومع إنهاء دراسته في جامعة أكسفورد وعودته إلى الوطن في سنة ١٩٧١، باشر بطرس أبو منّة التدريس في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا، وترأس لاحقاً القسم، واستمر في عمله حتى تقاعد في سنة ٢٠٠٠. وخلال مسيرته الأكاديمية تخرّج على يديه العديد من الباحثين الذين يدرّسون في جامعات متنوعة، وبينهم كاتب هذه السطور. وقد أشرف الدكتور بطرس على أطروحتي لدرجة الماجستير التي عنونتها "الهجرة العربية إلى حيفا خلال فترة الانتداب".

تخصّص الدكتور أبو منّة بالتاريخ العثماني عامة، وتاريخ القدس وقياداتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خاصة، علاوة على نشره العديد من الدراسات المتعلقة بالطرق الصوفية العثمانية وأثرها في بلورة الحكم والمجتمع العثمانيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

في سنة ٢٠٠١ نشر بطرس أبو منّة كتابه الذائع الصيت "دراسات في الإسلام والدولة العثمانية في القرن التاسع عشر؛ ١٨٢٦ ـ ١٨٧٦" باللغة الإنجليزية عن دار إيزيس في إستانبول، والذي تضمّن مجموعة مهمة من دراساته التي نشرها سابقاً في مجلات علمية محكّمة.

يُعتبر أبو منّة من الباحثين المدققين، باستقصائه أكبر عدد من المصادر الأرشيفية، الأمر الذي جعل من دراساته مرجعاً للباحثين لرصانتها وعمق تحليلها وما تعرضه من نظرة ثاقبة ومجددة. وفي هذا المجال نذكر دراسته المفصلية التي أثارت جدلاً وما زالت تثيره بين باحثي الدولة العثمانية في عصر الإصلاحات، وعنوان هذه الدراسة: "الجذور الإسلامية لبراءة كُلخانه" (The Islamic Roots of the Gülhane Rescript)، التي نشرها في سنة ١٩٩٤ في مجلة "عالم الإسلام" الألمانية (Die Welt Des Islams).

في هذه الدراسة خالف أبو منّة ما اتفق عليه المستشرقون أعواماً طويلة من أن الإصلاحات العثمانية التي عُرفت باسم "التنظيمات" لم تتحقق في الدولة العثمانية إلاّ نتيجة ضغط الدول الأوروبية، وأنها استندت في ماهيتها على الفكر الأوروبي، وأن المجتمع الإسلامي لم يملك مقومات فكرية للقيام بإصلاحات تؤدي إلى المساواة بين أفراد المجتمع، ولا الحكم بالعدل بين أفراد البشر، فأثبت أن المجتمع الإسلامي يملك تلك المقومات، وأن ما قام به السلطان عبد المجيد وخلفه محمود الثاني وإصدار براءة كُلخانة في سنة ١٨٣٩ خير مثال لمكنون الإسلام، وخصوصاً الإسلام الصوفي وإمكاناته لنشر المساواة بين أفراد المجتمع، ذلك بأن الدولة ملك لجميع رعاياها، وواجبها تجاههم هو التعامل بعدالة ومساواة. وتفرد هذه الدراسة مساحة واسعة لتأثير الفكر النقشبندي في السلطان وعدد من كبار موظفي القصر، وتتتبّع هذا التأثير خطوة بخطوة، ولا تدع مكاناً للشك في أن الإصلاحات العثمانية التي عُرفت خلال القرن التاسع عشر بالتنظيمات، استندت إلى أصول إسلامية وفلسفة إسلامية نقشبندية.

أمّا فيما يتعلق بموضوع انتشار الطريقة النقشبندية الخالدية (نسبة إلى مولانا خالد النقشبندي المتوفى في سنة ١٨٢٦) في الدولة العثمانية عامة، وفي إستانبول خاصة، فقد نشر أبو منّة مجموعة من الدراسات أسست لنظريته بشأن مقومات الإصلاحات في الإسلام. وبين هذه الدراسات يجدر بنا ذكر دراسته: "النقشبندية ـ المجددية في البلاد العثمانية في القرن التاسع عشر" (The Naqshabandiyya–Mujadidyya in the Ottoman Lands in the Early 19th Century) في مجلة Die Welt Des Islams, vol. 22, issue 4 (January 1982)، فقد كانت دراسة رائدة عبر طرحها بقوة أسئلة عن وظيفة رجال الصوفية النقشبندية بصفتهم مرشدين أخلاقيين للسلاطين والحاشية العثمانية قبل تقلدهم مناصب الحكم وبعده. وما طرحه أبو منّة في سنة ١٩٨٢، ومع أنه لم يُثر جدلاً بين الباحثين حينها، إلاّ إنه وضع الأسس لنظريته المذكورة أعلاه. وفي دراسته هذه خلُص إلى أن تأثير النقشبندية كان بالغاً في صقل شخصية السلطان ورؤاه الاجتماعية والسياسية. وفي هذا المجال نشر عدة دراسات أُخرى حتى وصل في سنة ١٩٩٤ إلى نظريته المذكورة.

فضلاً عن مساهمته هذه، خصص أبو منّة مجموعة من الدراسات لفلسطين العثمانية، منها دراسته المعروفة "صعود سنجق القدس في نهاية القرن التاسع عشر" (The Rise of the Sanjak of Jerusalem in the Late 19th Century)، التي أكد فيها علو مكانة القدس الدينية والإدارية والسياسية في أواخر القرن التاسع عشر، والذي يخوّلها تبوُّؤ موقع عاصمة فلسطين لاحقاً. كما نشر فيما بعد دراسته المتممة التي تحدث فيها عن عائلة الحسيني وصعودها منذ القرن الثامن عشر لتصبح من أكثر العائلات الفلسطينية حراكاً على مستوى القيادة الاجتماعية والسياسية في فلسطين، وعنوان هذه الدراسة: "صعود عائلة الحسيني المرموقة في فلسطين القرن الثامن عشر" (The Husaynis: The Rise of a Notable Family in the in the 18th Century Palestine).

ومن الدراسات اللافتة للنظر بعمقها وجديتها وطرحها دراسته التي نشرها في سنة ١٩٨٠ بعنوان: "المسيحيون بين العثمانية والقومية السورية: آراء بطرس البستاني" (The Christians between Ottomanism and Syrian Nationalism: The Ideas of Butrus al-Bustani)، والتي تُعتبر مصدراً أساسياً في فهم الحركة الثقافية والتوجهات القومية في بلاد الشام في أواخر العهد العثماني.

ويحلل أبو منّة بعمق لافت للنظر ودقة موقف المثقفين المسيحيين في بلاد الشام، وتوجهاتهم القومية العربية، ومعارضتهم سياسة التتريك التي قادتها أحزاب اليمين التركي، والتي دعت إلى رفع العنصر التركي، ثقافة ولغة. وكانت الثقافة واللغة العربيتان هما الأكثر انتشاراً في الدولة العثمانية. ومن خلال تحليل كتابات بطرس البستاني، خلُص أبو منّة إلى أن المثقفين المسيحيين في المشرق العربي رفعوا علم الانتماء إلى بلاد الشام كوحدة سياسية وثقافية في وجه سياسات التتريك التي قادتها الأحزاب الطورانية المنادية بعلو العنصر التركي على باقي الشعوب المكونة للدولة العثمانية. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر لم تعد بلاد الشام منطقة جغرافية، وإنما أخذت تتشكل كوحدة سياسية إلى أن جاء الاستعمار الأوروبي وفتّت الوحدة الجغرافية والسياسية.

 

وهنا قائمة بأهم دراسات الدكتور بطرس أبو منّة:

 

  1. “Sultan Abdulhamid II and the Sharifs of Mecca 1880-1900”. Asian and African Studies, vol. 9, no. 1 (1973), pp. 1-21.
  2. “A note on the Keys of the Ka’be”. Islamic Quarterly, vol. 18, no. 3-4 (1974), pp. 71-74.
  3. “The Rise of the Sanjak of Jerusalem in the Late 19th Century”. In The Palestinians and the Middle East Conflict. Edited by Gabriel Ben Dor. Ramat Gan: Turtledove Publishing, 1978, pp. 13-23.
  4. “Sultan Abdulhamid II and Shaykh Abulhuda al-Sayyadi”. Middle Eastern Studies, vol. 15, no. 2 (1979), pp. 131-153.
  5. “The Christians between Ottomanism and Syrian Nationalism: The Ideas of Butrus al-Bustani”. International Journal of Middle East Studies, vol. 11, no. 3 (May 1980), pp. 287-304.
  6. “The Naqshabandiyya–Mujadidiyya in the Ottoman Lands in the Early 19th Century”. Die Welt Des Islams, vol. 22, issue 4 (January 1982), pp. 1-36.
  7. “The Georgians in Jerusalem in the Mamluk Period”. In Egypt and Palestine: A Millennium of Association. Edited by Gabriel Baer and Amnon Cohen. Jerusalem: Ben Zvi Institute; New York: St. Martin's, 1984, pp. 102-112.
  8. “The Husaynis: The Rise of a Notable Family in the 18th Century Palestine”. In Palestine in the Late Ottoman Period. Edited by David Kushner. Jerusalem: Yad Ben-Zvi Press, 1986, pp. 93-109.
  9. “Jerusalem in the Tanzimat Period: The New Ottoman Administration and the Notables”. Die Welt Des Islams, vol. 30, issue 1 / 4 (1990), pp. 1-44.
  10. “Khalwa and Rabita in the Khalidi Suborder”. In Naqshabandis: Historical Developments and Present Situation of a Muslim Mystical Order. Edited by Marc Gaborieau. Istanbul and Paris: Isis Yayimcilik, 1990, pp. 289-303.
  11. “The Sultan and the Bureaucracy: The anti-Tanzimat Concepts of Grand Vizier Mahmud Nedim Pasha”. International Journal of Middle East Studies, vol. 22, no. 3 (1990), pp. 257-274.
  12. “The Establishment and Dismantling of the Province of Syria, 1865-1888”. In Problems of the Modern Middle East in Historical Perspective: Essays in Honour of Albert Hourani. Edited by John Spagnolo. Oxford: Ithaca Press, 1992, pp. 7-27.
  13. “Shaykh Ahmad Zya’uuddin El-Gumushanevi and the Ziya’I-Khalidi Suborder”. In Shi’a Islam, Sects and Sufism. Edited by Fred De Jong, Utrecht: M. Th. Houtsma Stichting, 1993, pp. 105-117.
  14. “The Islamic Roots of the Gülhane Rescript”. Die Welt Des Islams, vol. 34, issue 2, (January 1994), pp. 173-203.
  15. “The Roots of the Ascendancy of Ali and Fu’ad Pashas at the Porte 1855-1871”. Tanzimat 150 Yildunumu Uluslararasi Sympozyumu. Ankara: Türk Tarih Kurumu (Turkish Historical Society), 1994, pp. 134-144.
  16. “The Genesis of Midhat Pasha’s Governorship in Syria 1878-1880”. In The Syrian Lands: Process of Integration and Fragmentation in Bilad al-Sham from the 18th to the 20th Century. Edited by Thomas Philipp and Brigit Schaebler. Stutgart: Stiener, 1998, pp. 251-267.
  17. “A Note on Rashahat-i Ain al-Hayat in the Nineteenth Century”. In Naqshabandis in Western and Central Asia. Edited by Elisabeth Ozdalga. Istanbul: Swedish Research Institute, 1999, pp. 61-66.
  18. “The Wali Nejip Pasha and the Qadiri Order in Iraq”. Journal of the History of Sufism, vol. 1-2, Special issue (2000), pp.115-122.
  19. Studies on Islam and the Ottoman Empire in the 19th Century, 1826-1876. Istanbul: Isis Press, 2001.
  20. “Four Letters of Shaykh Hasan al-‘Attar to Shaykh Tahir al-Husayni of Jerusalem”. Arabica, vol. 50, issue 1 (January 2003), pp. 79-95.
  21. “Salafiyya and the Rise of the Khalidiyya in Baghdad in the Early Nineteenth Century”. Die Welt Des Islams, Vol. 43, issue 3 (2003), pp. 349-372.
  22. Transformation of the Naqhabandiyya, 17th-20th Century: Introduction”, Die Welt Des Islams, vol. 43, issue 3 (2003), pp. 303-308.
  23. “A New Look at the Rise and Expansion of the Khalidi Suborder”. In Sufism and Sufis in Ottoman Society: Sources - Doctrine-Rituals-Turuq-Architecture-Literature and Fine Arts - Modernism. Edited by Ahmet Yasar Ocak. Ankara: Türk Tarih Kurumu (Turkish Historical Society), 2005, pp. 279-331.
  24. “The Role of Shaikh Ismail al-Shirawni in the Khalidi Suborder”. In Daghestan in the World of Islam. Edited by Moshe Gammer and David Wassrsstein. Helsinki: Finnish Academy of Science and Letters, 2006, pp. 69-79.

25.”The Khalidiyya and the Salafiyya in Baghdad after Shaykh Khalid”. Journal of History of Sufism, vol. 5 (2007), pp. 21-40.

  1. “The Naqshabandiyya–Khalidiyya Sufi Order”. Journal of the History of Sufism, vol. 5, 2007, pp. 21-40.
  2. “Shidyaq’s al-Jawa’ib, and the Call for Modernity in the Ottoman Lands”. In The Economy as an Issue in the Middle Eastern Press. Gisela Prochazka-Eisl and Martin Strohmeier. Wien: LIT Verlag, 2008, pp. 15-25.
  3. “The Later Tanzimat and the Ottoman Legacy in the Near Eastern Successor States”. In Transformed Landscapes: Essays on Palestine and the Middle East in Honor of Walid Khalidi. Edited by Camille Mansour and Leila Fawwaz. Cairo: The American University in Cairo Press, 2009, pp. 61-81.

 

* رئيس قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا.