mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 149
دراسات
الوطن والطبقة: أجيال التحرير الفلسطيني
النص الكامل

رجا الخالدي*

الوطن والطبقة: أجيال التحرير الفلسطيني**

 

بعد قرن من المواجهة مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، يبدو أن انتصار الرأسمالية وأحكام السوق المنفلتة من أي عقال على موجبات العدالة والحقوق الوطنية للفلسطينيين، عملية محتومة لا يقف في طريقها شيء. ولا تزال المؤسسة الفلسطينية الحاكمة على إيمانها الثابت بعملية السلام، مع جميع مؤيديها وداعميها العرب والدوليين والإسرائيليين.

 

على امتداد جيل على الأقل، اقتنع الفلسطينيون الذين يرزحون تحت الحكم الاستعماري الإسرائيلي وفي الشتات، أو أرغموا على الاقتناع، بالتخلي عن تمسّكهم ـ كشعب ـ بنيل حقهم القومي الجماعي بالتحرير والاستقلال والعودة. وفي المقابل، لم يكن في قدرة البازار الذي نشأ منذ اتفاق أوسلو، إلاّ أن يقدم وعوداً ـ بالكاد يقدر على الإيفاء بها ـ بتحقيق الازدهار على المستوى الفردي، وبخدمات نوعية وحقوق مدنية.

وخلال التصادم المزمن بين مصالح الوطن ومصالح الطبقة، انبثقت ظروف مادية لجيل التحرير الفلسطيني الجديد أعادت صوغ أشكال المواجهة مع الإقصاء والسيطرة الاستعمارية الاستيطانية. إن إعادة تعريف مفهوم التحرير يستدعي، بالمثل، أن تؤخذ في الاعتبار حقوق الشعب الفلسطيني الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي دأب المحتل الإسرائيلي والمجتمع الدولي على التنكر لها بصورة منهجية. حتى إن القيادة الفلسطينية نفسها، لا يمكنها أن تواصل ـ إلى ما لا نهاية ـ جعل إحقاق هذه الحقوق الجماعية في مرتبة تلي النضال الوطني المتخبط.

 

الدولة الوطنية هي القاعدة و"العرف" الذي تقوم عليه الرأسمالية، بينما الدولة المتعددة القومية تمثل حالة متخلفة أو تشكل استثناء. ومن منظار العلاقات الوطنية، فإن الدولة الوطنية، ومن دون شك، توفر الظروف الأمثل لتطور الرأسمالية. هذا [....] يعني أن الماركسيين لا يمكنهم إغفال العوامل الاقتصادية الوطنية التي تحرك الرغبة الملحة لبناء دول وطنية، كما يعني أن "تقرير مصير الأمم" في برنامج الماركسيين لا يمكن، من وجهة نظر تاريخية اقتصادية، أن يحمل أي معنى آخر غير تقرير المصير السياسي، واستقلالية الدولة، وإقامة دولة وطنية (Lenin 1972, p. 393).

 

1 ـ مقدمة

إن المفهوم الماركسي لأهمية تقرير المصير الوطني، بدءاً بماركس، مروراً بلينين ووصولاً إلى ماو وغيفارا، يفترض توفر علاقة أكيدة مع الظروف المادية من أجل تحرير الطبقات العاملة وبناء الاشتراكية، حتى إن تقرير المصير يمثل شرطاً لا بد منه للثاني. ويمكن أن يتقدم تشكل الطبقة بصورة طبيعية، وفقاً لأحكام التاريخ، في سياق الدولة ـ الوطن. وعلى الرغم من الجدال الذي نشأ بين الماركسيين ورافق تطور المفهوم، فإنهم فسروا في أغلب الأحيان الأبعاد الرجعية والشوفينية والبورجوازية للوطنية، على أنها ثانوية مقارنة بالقوة التحريرية التي يمثلها الاستقلال الوطني للشعوب المستعمَرة. لقد استند العديد من حركات النضال ضد الاستعمار، على الوحدة الوطنية المتخيلة التي تجمع بين الطبقات العاملة والوسطى والبورجوازية، والتي غيبت التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة بينها، وبررت تأجيل النضال الاجتماعي. وبالتالي، وفي معرض سعي الدول المستقلة حديثاً لتصحيح التنمية غير المتوازنة وأشكال الاستغلال الاقتصادي، فإن تنمية الوطن باتت شعار التعبئة، وأساساً لفرض هيمنة قيادات فترة التحرير ونخبها. وفي نهاية المطاف، لم يصبح النضال الاجتماعي والطبقي طاغياً في أجندات السياسة الوطنية في العالم النامي، إلاّ مع تلاشي صدقية الأنظمة المستبدة الهرمة لفترة ما بعد الاستعمار.

وفي السياق الفلسطيني، فإن الوعد بالتحرير الوطني امتد إلى قرن من النضال الفلسطيني، من أجل تحقيق تقرير المصير الذي يمسي أبعد منالاً عاماً بعد آخر. ولم تكن العلاقة بين مستلزمات التحرر الوطني والاجتماعي علاقة متكاملة وإيجابية، وإنما كانت سلبية؛ فعلى امتداد قرن من الحكم العثماني والانتداب البريطاني والوصاية الأردنية والمصرية والاحتلال الإسرائيلي، أدت الحروب المتكررة والنزوح والشتات واستمرار الحكم الاستعماري إلى تفكيك العلاقة بين التكوّن الطبقي وبناء الوطن. ومع ذلك، شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، نشوء سوق اقتصادية رأسمالية فلسطينية، وتشكّلاً طبقياً في إطار مساحة محددة وضيقة. ورعت هذه العملية سلطة حاكمة تهيمن عليها حركة التحرير الوطني الفلسطيني ("فتح"). ومن المستبعد، مثلما يمكن التكهن، أن تحقق هذه النخب مبرر وجودها، لكنها مع ذلك تُبقي على تحالفها القوي مع مصالح رأس المال الوطني. وبالتالي، فإن الدعوة إلى الوحدة بين طبقات المجتمع الفلسطيني لا تزال مقنِعة، وهي تسدل الستار على واقع الإفقار والتهميش الفظ المتأتي من تراكم رأس المال، والتنمية غير المتوازنة لاقتصاد وطني لا يزال يرزح تحت نير القمع الاستيطاني الاستعماري.

لا تسعى هذه المقالة لتقييم جدوى النظرية الماركسية فيما يتعلق بدور التحرير الوطني في الثورة الطبقية، وأنا لا أقترح تقييم ما إذا ـ أو كيف ـ أدى الالتزام بالنضال الوطني الفلسطيني إلى الدفع في اتجاه ـ أو إعاقة ـ بناء سوق اقتصادية رأسمالية، وتشكيل طبقات اجتماعية متحالفة مع السلطة السياسية أو معارضة لها. كما أنني لا أعالج النضال الأيديولوجي أو التحول الاجتماعي في ظل الليبرالية الجديدة، لكنني أسعى لرسم صورة للمفاضلة الجارية بين قضايا التحرير الوطني والاجتماعي، والدفاع عنها في مختلف مراحل التاريخ الفلسطيني، في إطار التقدم الثابت لسوق رأس المال في ظل التوسع الاستعماري الاستيطاني. ويركز تحليلي على إعادة تموضع مواقف الفرقاء الرئيسيين وتشكلها، ولا سيما اليسار الشيوعي الفلسطيني، إزاء تغليب الصراع الوطني على الاجتماعي. لقد أتاح هذا الوضع نشوء نظام لشبه دولة وطنية، سمح بحدوث تأثيرات مدمرة في آفاق التحرر الوطني من خلال تبنّي اقتصاد نيوليبرالي. وأنا أتساءل ما إذا كانت عملية تركيز رأس المال والتشكل الطبقي بلغت مرحلة متقدمة لم يعد معها تقرير المصير الوطني ـ غير المتحقق ـ يحدد أولويات نضال الجماهير الفلسطينية. وعوضاً عن ذلك، هل بات إنكار العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية هو ما يشكل الأجندة الوطنية الحقيقية؟

 

2 ـ الوطن والطبقة في السياق الفلسطيني

لقد بات النضال الفلسطيني من أجل التحرر الوطني، والذي دخل عقده السادس، يواجه خطر التكرار، إن لم يكن وصل إلى نهاية الطريق (Agha and Khalidi 2017). فالحركة الوطنية الفلسطينية، ومنذ نشوئها في ستينيات القرن الماضي، تحولت من النضال المسلح لأجل تحرير كل فلسطين من نير الاستعمار، إلى حملة دبلوماسية من أجل الاستقلال على 22% فقط من تلك الأراضي. وحديثاً، تحول المشروع الوطني الفلسطيني إلى كيان شبه دولة لا يتمتع بالسيادة (ممثلاً في السلطة الوطنية الفلسطينية). إن "دولة فلسطين" المعلنة من جانب واحد، منشغلة بالحفاظ على الإنجازات والمكتسبات، وبشرعية المطالبة ببقاء نظام يحكمه قدامى رموز التحرر الوطني، والرأسمالية الوطنية، وطبقة متوسطة مزدهرة.

لم تكن القوى المصطفة في مواجهة قضية تقرير المصير الوطني الفلسطيني تحظى يوماً بمثل هذه القوة المرعبة، بل إن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بلغ كل زاوية وركن من فلسطين، بما في ذلك الأراضي المجتزأة للدولة المفترضة.[1] وعلى الرغم من نجاحات إسرائيل كلها في تشريع وجودها بصفتها دولة على قدم المساواة مع باقي الدول، فإن الرأي العام السائد اليوم بات ينظر إليها على أنها تنتهك القانون الدولي باستمرار، وسلطة استعمارية عدوانية تصرّ على مواصلة اضطهاد شعب آخر.[2] ومع ذلك، لم يعد الاعتراف بشرعية إسرائيل محصوراً في الدول الغربية، فإسرائيل اليوم تتباهى بعقد تحالفات وصفقات أسلحة مع اقتصادات ناشئة، مثل الهند والصين اللتين كانتا منحازتين تماماً في السابق إلى جانب فلسطين. وفي مواجهة هذا الوضع، تحول المنهل الثوري العروبي للحركة الفلسطينية إلى ساحة إقليمية يطغى عليها انعدام الثقة، والمكائد السياسية، وتعثّر قدرة القضية الفلسطينية على التعبئة والحشد، ولا سيما خلال الأعوام الأخيرة من الحروب الأهلية والنزاعات التي يشهدها عدد من الدول العربية.

كان تأثير الشيوعيين الفلسطينيين واحداً من محفزات التحول الأيديولوجي لحركة التحرير الوطني، والذي مكّن حركة "فتح" من السيطرة على المشهد السياسي والمؤسساتي الفلسطيني (علاوة على تأثير حلفاء منظمة التحرير الفلسطينية من الكتلة السوفياتية، حتى تسعينيات القرن الماضي). وتحت ضغط توازنات القوى السياسية الإقليمية وحسابات الواقعية السياسية، أعادت منظمة التحرير الفلسطينية صوغ هدف تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وإقامة دولة دستورية علمانية وديمقراطية للمسلمين والمسيحيين واليهود، وهو ما ناضلت من أجله "فتح" في الماضي. وفي سنة 1974، بدأت المنظمة مسيرتها الطويلة نحو القبول بمبدأ التقسيم إلى دولتين.[3] لقد استغرق الأمر عشرين عاماً إضافية لترسيخ هذا الموقف في اتفاقات ملزمة، هي اتفاق أوسلو.

ومقارنة بدور الحركة الشيوعية الفلسطينية المفصلي في تلك العملية، وهو ما ستتم مناقشته لاحقاً، فإن تأثير الأيديولوجيا الماركسية كان أقل وضوحاً في مجال السياسات الوطنية الفلسطينية. وفعلاً، فإن الأجندات الاشتراكية، وحتى سياسات العدالة الاجتماعية، باتت اليوم هامشية في الخطاب الفلسطيني، وفي التشكيلات السياسية، والنضالات الفلسطينية. هذه الأولوية لمصالح الوطن (الذي أعيد تعريفه بصفته دولة لا تتمتع بالسيادة) على مصالح الناس (الذين يُسمون المواطنين) عُززت بعقد اجتماعي افترض أن القيادة الوطنية هي الأقدر على الدفاع عن مصالح الناس عبر تكريس جميع الموارد لأجل التحرير الوطني. واتسقت هذه الصيغة مع العديد من أمثلة النضال ضد الاستعمار، والتي تتضامن فيها قوى المجتمع كلها من أجل قضية التحرير الوطني، مع تأجيل جني ثمار المساواة الاجتماعية إلى ما بعد التحرير (Prashad 2007).

ومع ذلك، فإنه، وخلال فترة توقف النضال الفلسطيني المسلح من أجل التحرير الوطني الذي أعقب اتفاق أوسلو في سنة 1994 (والذي أوقفت مساره الانتفاضة الثانية في سنة 2000، وحربا غزة في سنتَي 2009 و2014)، لم يتوقف نشاط السوق ولا رأس المال. وفي الواقع، ومع دخولنا العقد الثالث من الترتيبات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية التي أنشأها اتفاق أوسلو بصفته مرحلة انتقالية غير محدودة زمنياً قبل قيام الدولة، فإننا نشهد ازدهاراً في تراكم رأس المال، والتحول إلى السوق والخصخصة والرسملة والتجارة الحرة، في الوقت الذي تغرق قطاعات كاملة من الجماهير الفلسطينية ـ في داخل فلسطين وفي الشتات على السواء ـ في الفقر والبطالة وبؤس المدن والحرمان والتدهور البيئي وامتهان الكرامة الإنسانية بصورة عامة. وفي سنة 2017، ما كان يمكن للمقايضة الوظيفية أن تكون صارخة أكثر، بين الزيادة في رأس المال والاستهلاك والتشكيل الطبقي من جهة، وتراجع الوطن وفلسطين والبرنامج السياسي من جهة ثانية. قد لا يكون لدى الفلسطينيين وطن ـ دولة ينعمون به، لكن لديهم طبعاً الرأسمالية وتبعاتها التي يتعين عليهم التعامل معها.

ليست العلاقة السببية هي الموضوع هنا، بل ما يصدم هو التلازم بين العمليتين التوأم المتمثلتين في تطور العلاقات الاجتماعية الرأسمالية من جهة، وفشل المشروع الوطني من جهة ثانية. ربما كانت حركة التحرير الوطني قادرة ـ بصورة مقنعة ـ على قيادة شعب فلسطيني منقسم من دون توفير مكاسب اجتماعية له، على الأقل حتى اتفاق أوسلو إن لم يكن خلال الفترة التي تولّى فيها الأب المؤسس ياسر عرفات السلطة حتى سنة 2005، إلاّ إن وصول عملية السلام إلى طريق مسدود، وتبنّي قيم السوق الحرة الاقتصادية والاجتماعية، يستنزفان منطق ذاك العقد وصدقيته.

كان للصعود الجارف لرأس المال الفلسطيني بوجهه الليبرالي، أثر شديد السلبية في فرص التحرير الوطني أو الاجتماعي؛ فقد عزز هذا الصعود تشكّل قوى اجتماعية متميزة تبدو مصالحها المادية أقل اعتماداً على، أو معنية بـ، نجاح التحرر الوطني، وذلك مع كل راتب جديد وكل قرض عقاري أو "صرعة" استهلاكية. وهذا الوضع ليس مستجداً تماماً؛ فالتحالف (وفي بعض الأحيان، التعارض) بين رأس المال الوطني وحركة التحرر الوطني عرف فترات صعود وهبوط منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما خيبت الهبّة الفلسطينية الأولى ضد الصهيونية التوقعات الليبرالية للبورجوازية الفلسطينية الناشئة، وأرغمتها على أن تؤدي دوراً ثانوياً غير مريح في السياسة الوطنية (مثلما سنرى أدناه). ومع هذا، فإن الوضع الراهن شديد الوطأة بصورة استثنائية.

 

3 ـ التحالف بين الوطنية والرأسمالية في التجربة الفلسطينية

يشدد فلاديمير إيليتش لينين، بصفته أكثر منظّري الماركسية وممارسيها المؤثرين في أرض الواقع، في أطروحته عن الدولة في سنة 1914، على أن الدول الوطنية هي أفضل مثال لصعود (ثم انهيار) الرأسمالية، لأن تلك الدولة تولّد "عوامل اقتصادية قوية" تحتاج إليها من أجل التشكل الطبقي (Lenin 1972, p. 400). وقد وردت معالجة لينين المثيرة للجدل لهذا الموضوع، في سياق جدل أيديولوجي عنيف بين روزا لوكسمبورغ وجورجي بليخانوف في الأممية الاشتراكية. فبينما كان تفكك الإمبراطورية الروسية يرتسم في الأفق، كانت المشاعر الوطنية تعبّر عن نفسها بقوة في سائر أنحاء أوروبا، متحدية الافتراضات الماركسية بشأن اتجاه تطور الرأسمالية. إن حجة لينين توفّر منطقاً واضحاً (مستقى على ما يبدو من فكر كارل ماركس نفسه)، يعكس الواقعية السياسية للشيوعية البلشفية.

عندما أعلنت حركة التحرر الوطني الفلسطيني الحديثة الكفاح المسلح في بداية ستينيات القرن الماضي، كانت السياسات في المنطقة والعالم أبسط كثيراً من عدة نواحٍ، والخيارات محدودة أكثر ممّا أضحت عليه بعد نحو نصف قرن. وقد برزت أعداد كبيرة من الشباب المتعلمين من أبناء اللاجئين الفلاحين وأبناء الطبقة الوسطى في الخارج، لقيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني في القرن العشرين. وربما لم يتصور هؤلاء الشباب مدى عمق التحدي وشموليته، والذي طرحته حركتهم الجريئة في مواجهة أيديولوجيات الثورة ونظرياتها التي سادت بين فلسطينيي الشتات، منذ نكبة 1948؛ فقد باتت المقاومة الفلسطينية الشغل الشاغل للقوى الإقليمية والعالمية، والرأي العام العالمي، وتحدّت حتى المفاهيم الاستشراقية التي صورت العرب الفلسطينيين على أنهم مجرد فلاحين ولاجئين. وشكلت الصيغ الأولى التي طرحتها حركة "فتح" للأهداف الوطنية الفلسطينية في مطلع ستينيات القرن الماضي، رفضاً فورياً للتوجهات القومية العروبية التي تعلّق بها الفلسطينيون على امتداد عقود، ولمنطق القبول بتقسيم فلسطين إلى دولتين الذي دافع عنه الشيوعيون العرب والفلسطينيون منذ أربعينيات القرن الماضي، وحتى لخيار النضال السلمي على طريقة غاندي. وطبعاً، لم يكن هناك إقرار بحق شعب إسرائيل أو اليهود في تقرير المصير. وبالتالي، أعادت "فتح" والفصائل الماركسية والقومية العربية التي انضمت إلى المعركة، تعريف التصور التقليدي الذي كان سائداً لدى النخب الراديكالية الثورية والمثقفين الليبراليين والسياسيين، في حقبة ما بعد سنة 1948.

وتميز الفكر الوطني الجديد بعدة سمات رئيسية، فتغلبت المركزية الفلسطينية على خطابات الهوية القومية العروبية التي شهدت صعود التيار الناصري وتولّيه الحكم في مصر، واستلام حزب البعث الحكم في كل من سورية والعراق (Cobban 1984). كما أن الطرح الوطني الفلسطيني تحدى تبنّي العديد من المثقفين الفلسطينيين والحركات الشعبية، الستالينية الماركسية التي شكلت أحزاباً شيوعية في كل بلد عربي بما فيها فلسطين، والتي استمرت بعد سنة 1948 في إسرائيل والأردن (Khamsin 1979). هذه التوجهات الأيديولوجية الأخيرة سرعان ما انتعشت وأُعيد صوغها في العديد من الفصائل التي شكلت منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها ظلت متخلفة وراء حركة "فتح" التي طغت على المشهد السياسي، ولم تتبنّ الفكر القومي العربي أو الاشتراكية، وإنما ركزت على "تحرير فلسطين" فقط. لقد أيدت هذه الحركة الوطنية الناشئة النابضة بالحياة، الموقف القومي العربي الذي يرفض الاعتراف بشرعية تقرير المصير بالنسبة إلى اليهود / الإسرائيليين، كما كان يُنظر إلى الصهيونية في جوهرها، بصفتها غطاء لمشروع استيطاني استعماري عدواني إقصائي أوروبي، على هيئة حل قومي (في فلسطين) للمسألة اليهودية (في أوروبا). لذلك، ومنذ البداية، رفضت "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية تقسيم فلسطين (وحل الدولتين) الذي أيده الشيوعيون (والسوفيات) منذ فترة طويلة، وأيده الموقف الدولي إزاء فلسطين منذ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في سنة 1947 (Dannreuther 1998). إن تبنّي منظمة التحرير الفلسطينية القوي للكفاح المسلح، وضعها في خندق العديد من الحركات الوطنية في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا (Chamberlin 2012).

لقد تغير كثير من المفاهيم والمعتقدت والقوى السياسية في عمر جيل واحد، وجرى خوض العديد من المعارك في مواقع متعددة، وعلى عدة صعد في فلسطين والمنطقة. ومن غير المستغرب أن تشمل مسيرة حركة التحرير الوطني الفلسطيني، كل شكل يمكن تصوره من أشكال المقاومة، ومختلف الأيديولوجيات وعلاقات القوى والتحالفات السياسية. واليوم، بات مطلب هذه الحركة يقتصر على التحرير الذي ينطوي على أهداف وأراضٍ وحقوق وطنية، أقل طموحاً بكثير ممّا تصورته أو وعدت به القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني.

اليوم، وانطلاقاً من رام الله، تسيطر السلطة على ما تبقّى من إرث النضال الوطني القديم في نسخة وادعة من منظمة التحرير الفلسطينية، تحت إدارة حرس قديم طاعن في السن، بينما ينتظر في الكواليس نظامٌ لم تتضح ملامحه بعد، للحلول مكانها. لم يتحقق أي من المطالب الوطنية الفلسطينية الجوهرية، كما أن عداء الحكومتين الإسرائيلية والأميركية لحقّ تقرير المصير الفلسطيني، بلغ مبلغاً غير مسبوق منذ أوسلو. لقد شهدت الأعوام القليلة الماضية موجات متكررة من المواجهات الفلسطينية مع إسرائيل؛ مواجهات عنيفة أو غير عنيفة، وفي إطار العمل السري أو على المستوى الجماهيري / الشعبي. وبغضّ النظر عن مدى مساهمة نوعية نمط الحياة عند الفلسطينيين في كبح المقاومة المنظمة، وفي وجود مصالح مادية راسخة في الاستقرار بين أبناء الشعب الفلسطيني، فإن معظمهم ما زال يؤمن باستمرار قضيته.

لفهم الطريق المسدود الذي آلت إليه الأمور، سأستطلع في البدء كيف تنطبق الافتراضات الماركسية اللينينية التقليدية بشأن غلبة المسألة الوطنية على التعارضات بين رأس المال والعمل في حالة القضية الفلسطينية، وعلى التحالفات الطبقية التي كانت ضرورية لدعمها. وسألخص مسار تطور المبادىء الرئيسية لمفهوم تقرير المصير الوطني من ماركس إلى لينين، من دون أن يغيب عن ذهني تأثيرهما في تفكير الشيوعيين والقوميين في العالم، منذ ذلك الحين. كما سأسلط الضوء على بعض النقاط المهمة في إطار تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، من أجل توطئة المشهد للنقاش اللاحق بشأن الكيفية التي جسر فيها الشيوعيون الفلسطينيون والتيارات اليسارية الفراغ الأيديولوجي والسياسي بين القومية والاشتراكية. وبذلك، فإنني أجادل بأن المنظّرين الفلسطينيين القائلين بضرورة حل المشكلة الوطنية قبل القضاء على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، ربما كانوا مسلحين بالنظرية الصحيحة، لكنهم يتحملون قسطاً صريحاً من المسؤولية في فشل النظام الوطني الفلسطيني الاجتماعي والاقتصادي.

 

4 ـ اليسار الفلسطيني بين النظرية الماركسية والممارسة الثورية

مقارنة بعمله السابق عن الوضع في آسيا (والذي رأى النقاد أنه ينطلق من منظور أوروبي)، عبّر ماركس في سني حياته الأخيرة عن قبول ضمني بالطابع الثوري المحتمل لتقرير المصير الوطني، مع الأخذ في الاعتبار رفضه الشوفينية القومية والشعبوية، والاستبداد الشرقي في الدول الوطنية الآسيوية. وفي ذلك الوقت، كتب كيفين أندرسن أن "ماركس يجد في الهند تحت الاستعمار، شيئاً ما شبيهاً بالتشكل الرأسمالي للطبقة العاملة، وبالتالي، فإن تطور الاستعمار نفسه كان يُنتج حفاري قبره" (Anderson 2010, p. 40). وقد أقرّ ماركس قبل ذلك، بأنه فيما يتعلق بإيرلندا، فإن الخروج من الاتحاد وتقرير المصير الوطني كانا السبيل الوحيد "إلى تسريع الثورة الاجتماعية" في إنجلترا: "إن تحرر إيرلندا الوطني ليس مسألة عدالة مجردة أو شعوراً إنسانياً، وإنما الشرط الأول لتحررهم الاجتماعي" Marx and Engels 1961, p. 335)). علاوة على ذلك، كان يمكن لاستقلال إيرلندا أن يتيح لها التحول الاقتصادي الهيكلي والتطور الصناعي:

 

ما يحتاج إليه الإيرلنديون هو: 1) حكم ذاتي والاستقلال عن إنجلترا. 2) ثورة زراعية، فحتى لو تحلّى الإنجليز بأسمى النيات، إلاّ إنهم لن يتمكنوا من تحقيق ذلك نيابة عنهم [عن الإيرلنديين]، غير أنهم يمكنهم منحهم الوسائل القانونية لإنجازه بأنفسهم. 3) رسوم جمركية حمائية ضد إنجلترا. فبين سنتَي 1783 و1801 عمّ الازدهار جميع قطاعات الصناعة الإيرلندية، لكن الاتحاد الذي أطاح بالرسوم الحمائية التي أقرها برلمان إيرلندا، دمّر الحياة الصناعية فيها كافة (Marx and Engels 1961, p. 324).

 

بعيداً عن الحالة التاريخية الإيرلندية التي تعود إلى 170 عاماً تقريباً (والتي تشبه بصورة غريبة بعض الحجج الشائعة المتصلة بالانقسام الوطني الفلسطيني اليوم)، يلخص مايكل لوي (Michael Löwy) مدلولات موقف ماركس على النحو التالي:

 

  1. إن التحرر الوطني للأمة المضطهَدة كفيل وحده بتجاوز الخلافات الوطنية والصراعات، وهو الذي يتيح للطبقة العاملة في البلدين أن تتحد ضد عدوها المشترك، وهو الرأسماليون؛
  2. إن اضطهاد بلد آخر يساعد في تعزيز الهيمنة الأيديولوجية للبورجوازية على العمال في البلد المضطهِد: "أي بلد يضطهد بلداً آخر يصنع سلاسل قيوده بنفسه"؛
  3. إن تحرر البلد المضطهَد يُضعف الأسس الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية للطبقات المهيمنة في البلد المضطهِد، الأمر الذي يساهم في الكفاح الثوري للطبقة العاملة في ذاك البلد (Löwy 1976, p. 85).

 

قال لينين في أطروحته في سنة 1914، إن الأراضي الموحدة سياسياً واللغة المشتركة "هما أهم شرطين لكي تتواءم التجارة الحرة حقاً على نطاق واسع مع الرأسمالية الحديثة"، ومن أجل التشكل الطبقي وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد السوق، "وبالتالي، فإن كل حركة وطنية تميل نحو تشكيل دول وطنية، فإنما تتحقق في ظلها شروط الرأسمالية الحديثة على أحسن وجه" (Lenin 1972, p. 393). إن التكرار الطردي والمراجعات اللاحقة لهذا الفهم الأولي للتحرر الوطني، استوجبا قيام تحالف بين الوطنيين من أبناء البورجوازية والطبقة العاملة، لأنهما يمهدان، إن لم يوجِدا، الظروف الطبيعية للثورة الاجتماعية. لقد طبعت هذه الصيغة مساهمات الأجيال التالية من الثوريين الماركسيين في كفاحاتهم ضد الاستعمار والإمبريالية (Prashad 2007). ومع أن هذا الأمر استتبع في أكثر الأحيان، تحالفات غير سهلة بين قوى طبقية يُفترض أن تكون متعارضة، إلاّ إن هذا النموذج الأساسي أعيد نسخه، ليس من باب الالتزام بوصفةٍ نظرية أيديولوجية مجردة، وإنما لأنه كان مفيداً في عالم السياسة الواقعي. لقد أسهب الفكر السياسي الستاليني والماوي فيما بعد، في التنظير للدولة الوطنية البورجوازية التي تعامل معها لينين على أنها حاضنة للثورة الاشتراكية في القرن التالي، وشكل تعامله هذا إطاراً لاستراتيجيات التحرر التي تبنّاها كاسترو وغيفارا في أميركا اللاتينية، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر والفيتكونغ، وغيرها من الحركات الاشتراكية في آسيا. في البدء، أَمَّن الوطن (مع دولة ثورية)، ثم أعلن الثورة الاجتماعية (ضد الرأسمالية).

إن وجود بورجوازية وطنية تكشف عن توجه وطني أو حتى تقدمي ربما، كان أساس تركيبة الأيديولوجيا التحررية الماركسية في العالم الثالث، لكنها كانت كذلك حليفاً ضرورياً في عالم الكفاح المادي في مواجهة الاستعمار، لم يكن في وسع الشيوعيين التواقين إلى السلطة أن يغفلوه أو أن يعادوه. لقد أثبتت مثل هذه التحالفات بمرور الوقت، أنها الوسيلة الأكثر عقلانية من أجل تعبئة الجماهير الضرورية لإنهاء الاستعمار وإقامة دول وطنية مستقلة حكمتها بريطانيا وفرنسا وغيرها من القوى الأوروبية لأعوام طويلة (Prashad 2007). ومع ذلك، وعلى الرغم من أن مثل هذه الجبهات الوطنية كانت محفوفة بانعدام اليقين، وبالخلل في موازين القوى في ظروف متنوعة، إلاّ إنها أتاحت في أماكن عدة، الحفاظ على التشكيلات الشيوعية أو الماركسية وتعزيزها خلال مرحلة التحرر الوطني، وتهيئة أجنداتها للتحرر الاجتماعي (بعد الاستقلال).

ولم تكن فلسطين استثناء من هذه الصيغة العامة؛ ففي نهاية الأمر، انطبعت الفترة الأولى من الصحوة الوطنية والمقاومة الفلسطينية للانتداب البريطاني (وزحف الاستعمار اليهودي)، ببروز حركة قومية يهودية توسعية. لقد كشفت شيرين صيقلي كيف أنه ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ "رجال رأس المال" الفلسطينيون العرب يشكلون هوية طبقية مميزة، تحددها مفاهيم السوق والاقتصاد الكلاسيكية والانفتاح المعاصر على التكنولوجيا والتغيير (Seikaly 2016)، لكنهم مع ذلك، كانوا في الآن ذاته مدافعين عن العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، ويمولون ويدعمون المقاومة الفلسطينية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. لقد تعززت تلك الحركة إلى حد كبير، بفلاحي الأرياف، وبوجود قيادة وطنية تضم شخصيات تقليدية من رجال الدين والوجهاء. وبنى هؤلاء الرأسماليون الجدد، إلى جانب شخصيات فترة ما بعد الإقطاع والأرستقراطية وموظفي الإدارات الذين شكلوا البورجوازية الفلسطينية المتكونة، رؤيتهم إلى الدولة المقبلة: فلسطين الليبرالية الصناعية والمالية، على شاكلة ما آلت إليه إسرائيل بعد سنة 1948. لكن انتصار الحركة الصهيونية، وهزيمة القوات العربية التي حاولت الوقوف في وجهها، أديا إلى تدمير جذري لتوق الفلسطينيين إلى التحرر الوطني الوشيك، وللتطور الرأسمالي بصورة انسيابية.

غرست هذه التجربة في التحول الاقتصادي والاجتماعي لفلسطين ما قبل سنة 1948، بذور ائتلاف من نوع جديد ضم مختلف القوى الاجتماعية الموحدة تحت راية التحرر الوطني. وتبلورت هذه الوحدة الوطنية في ستينيات القرن الماضي في ولادة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى عندما سار التشكل الطبقي في طريق متعرج، وفي ظروف غير طبيعية بفعل الشتات والإفقار وسلب الأملاك والتقسيم الجيوسياسي والقانوني للشعب الفلسطيني (Smith 1986). ونجم عن هذا، تقويض العلاقات الأصلية وتشتيتها، بين الطبقة ورأس المال والعمل والمكان، والتي بدأت تتشكل قبل النكبة. أمّا القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني الذي ظل داخل منطقة فلسطين التاريخية، تحت حكم إسرائيل والأردن ومصر من سنة 1948 إلى سنة 1967، فشكّل القطاعات الأفقر من فلاحي الأرياف وعمال المدن أو التجار الصغار ومتوسطي الحال؛ إذ كان القسم الأكبر من رأسمال فلسطين (الصناعي والعقاري والمالي أو التجاري)، والذي قُدّرت قيمته بـ 147 مليار دولار أميركي قياساً على أسعار سنة 1948، متعذراً نقله، فضلاً عن أن إسرائيل دمرته أو صادرته (Hadawi and Kubursi 1988).

وتحوّل كل رأسمال نقدي تمكّن النازحون من نقله معهم إلى الأمان النسبي في الدول العربية المجاورة، إلى أول الاستثمارات التي قام بها مَن تمكنوا من معاودة العمل في تجارة أو في إنشاء بنك أو تأسيس مهنة في المنفى، فبدأوا بإعادة مراكمة رأس المال بالتدريج. من ناحية أُخرى، كانت الأراضي الفلسطينية الهامشية وغير الخاضعة للحكم الإسرائيلي، فقيرة بالموارد الطبيعية، وريفية بصورة عامة كالضفة الغربية التي ضمها الأردن، أو مكتظة جرّاء تدفّق اللاجئين مثل قطاع غزة تحت الإدارة المصرية (Abed 1988). وحتى منتصف ستينيات القرن الماضي، كان الفلسطينيون في إسرائيل، في معظمهم، من الفلاحين ويعيشون تحت الحكم العسكري (Khalidi 1988). من هنا، وخلال العقود الأولى بعد سنة 1948، لم يتوفر إلاّ أساس مادي ضئيل للتشكيل الطبقي الفلسطيني سمح باستئناف أي مسار مستقر في مجتمع الأراضي المحتلة، ولا سيما أن هزيمة 1967 خلقت شرخاً ثانياً في الزمن، وفي إعادة تشكيل رأس المال الفلسطيني والمجتمع والسلطة السياسية.

تبوأت الطبقات الجديدة من رجال الأعمال الفلسطينيين وأصحاب المشاريع الرأسمالية، مواقع اقتصادية مؤثرة في الدول العربية المضيفة التي استقروا فيها بعد سنة 1948، ولا سيما في لبنان والأردن ومصر (Smith 1986)، وأصبح العديد منهم شخصيات فاعلة في بناء الدول الحديثة واقتصادات النفط في دول الخليج العربية، مع تعاظم الحاجة إلى قوة عاملة متحركة ومتعلمة. وفيما يتعلق بأولئك الفلسطينيين المقيمين في المنفى والتواقين إلى العودة والتحرير، فقد بدت نماذج الدولة التنموية التي أعلنها أبطال الاشتراكية العربية قابلة للحياة سياسياً، وعادلة اجتماعياً في السياق العربي بعد الاستعمار. وفي هذا السياق، يؤكد الاقتصادي الفلسطيني المعروف من ذلك الجيل يوسف الصائغ، إمكان قيام الدول الاشتراكية العربية المستقلة حديثاً بهذا الدور، وذلك في إحدى مساهماته المبكرة تحت عنوان "الخبز مع الكرامة، المحتوى الاقتصادي - الاجتماعي للمفهوم القومي العربي" (صائغ 1961).[4] أمّا بالنسبة إلى الآخرين الذين كانوا يعيدون بناء حياتهم وسبل عيشهم في الأردن، أو يعملون في الخليج، فكانت ثمار الرأسمالية تشبه ترياقاً للألم والغربة جرّاء ضياع الوطن. ولا عجب في أن العديد من الرأسماليين الفلسطينيين الأكثر تأثيراً اليوم، يدّعون أن استثماراتهم الخاصة في فلسطين هي من أجل العودة والوطن والتنمية، بقدر ما هي من أجل الطبقة التي ينتمون إليها ورأس المال والربح (دياب 2015؛ Khalidi 2018).

في هذه الأثناء، كان مواطنوهم الأقل حظاً، والمقيمون في مخيمات اللاجئين وضواحي العواصم العربية، يخططون لاستئناف الكفاح من أجل التحرر الوطني. وسرعان ما أطلقت ثورتَها تلك المجموعةُ غير المنسجمة من اللاجئين الفلسطينيين، والتي ضمت مفكرين ومعلمين ومهندسين وأطباء وصحافيين وكتّاباً وبيروقراطيين وتجاراً لم يمتلكوا إلاّ القليل من رأس المال أو الثروة، فضلاً عن عملهم ومهاراتهم المهنية (Sayigh 1997). وعبر تشكيل حركة التحرير الوطني الفلسطيني الحديثة، فإن هذه الجمهرة المتباينة من اللاجئين، والتي جاءت بصورة خاصة من صفوف القوميين العرب والناصريين والبعثيين والإخوان المسلمين، والتشكيلات السياسية الليبرالية والماركسية والشيوعية في مختلف أنحاء العالم العربي، هيمنت على الساحة السياسية الفلسطينية منذ خمسينيات القرن الماضي. ولم يكن هؤلاء ينتمون إلى البروليتاريا بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما إلى البورجوازية الصغيرة والفلاحين، إلاّ إنهم كانوا يعانون الحرمان المادي، ومنهم تشكلت القيادة الوطنية الفلسطينية، ولا تزال. وسرعان ما جرى تحشيد سكان مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان، والتي شهدت تعبئة جماعية من خلال ظهور مقاومة مسلحة فلسطينية جريئة في أعقاب هزيمة إسرائيل الجيوش العربية في حزيران / يونيو 1967.

تحت هذه القيادة المؤلفة من قوى اجتماعية متنوعة، والتي لم تكن تتمتع بمثل هذه المكانة أو السلطة في الحركة الوطنية قبل سنة 1948، بدأت الهوية الثورية الفلسطينية الجديدة تتشكل مع بداية صوغ برنامج معاصر لتقرير المصير الوطني.

وفي ظل موجة التضامن الوطني والأمل الذي اجتاح المنطقة بعد أن استقطبت أولى العمليات الفدائية الفلسطينية بعد سنة 1967 الاهتمام العربي والعالمي، توافدت الجماهير الفقيرة كي تنضم إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني ("فتح")، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المنشقة عنها، والمنظمات القريبة من حزب البعث وغيرها من الفصائل المقاتلة (Sayigh 1997). هذه التشكيلة الواسعة من الاتجاهات الأيديولوجية للمجموعة المتنامية من الرفاق الآتين من صفوف البورجوازية التي أعيد تشكيلها في المنفى، والممثلة في العناصر الحديثة النعمة والأرستقراطية الأقدم عمراً، والتي تجمعت داخل حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفّرت مروحة واسعة وخيارات كثيرة للمساهمة في إغناء "فتح" (حنفي 1997)، وشملت مساهماتها المساعدات المالية المباشرة للحركة، والتعارف (التشبيك) والتواصل السياسي، والدعم اللوجستي والمشورة الفنية والمالية. ولعل الأهم من ذلك كله، كان حشد الطبقة الفلسطينية الحاكمة السابقة وراء القيادة الجديدة، ومنح هذه الأخيرة الشرعية السياسية الوطنية والعروبية التي تحتاج إليها، والتي تعني تمرير الشعلة الوطنية إلى الجيل الجديد.

وفي نظرة استرجاعية إلى تلك الأحداث، فإن هذا التبديل في القيادة يبدو غريباً إلى حد ما؛ إذ ظهرت سلالة جديدة من قادة العمليات الفدائية غير المعروفين حتى ذلك الوقت، والذين نفذوا مخططات جريئة تنطوي على مواجهة عنيفة لم تنحصر بمواجهة إسرائيل، وإنما تعدّتها بعد وقت قصير أيضاً إلى الأنظمة العربية والفاعلين الدوليين.

وروجت بعض التيارات الماركسية أو الشيوعية (وخصوصاً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) لثورة اشتراكية أو أممية، ولقيام منظمة جماهيرية لينينية أو ماوية.

كما أقام قادة حركة "فتح" الجدد، منذ ستينيات القرن الماضي، علاقات مع العديد من الدول الاشتراكية، بما في ذلك كل من الاتحاد السوفياتي والصين، فضلاً عن عدد متزايد من حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. وبحلول السبعينيات، بدأت العمليات العسكرية الدولية الفلسطينية (عمليات خطف الطائرات والهجمات العنيفة على أهداف إسرائيلية وأميركية على مستوى العالم)، تترك تأثيراً سلبياً في الرأي العام الذي سرعان ما وسم منظمة التحرير الفلسطينية بالإرهاب.

غير أن المصالح الطبقية للرأسماليين الفلسطينيين في المهجر، والمهنيين من أبناء الطبقة المتوسطة، أملت عليهم بأن ينأوا بأنفسهم عن هؤلاء الراديكاليين الخطرين، وأن يستمروا في خدمة الأنظمة العربية التي ازداد تكاملهم معها. لكنهم، في الوقت نفسه، أصيبوا بخيبة أمل جرّاء هزيمة الأيديولوجيات العربية الرسمية والشعبية في العقود السابقة، ولذلك، أيدوا بحماسة المد الوحدوي القومي بعد سنة 1967، وألهمهم هذا الجيل الشاب من جنود التحرير الوطني المتفانين (Abu Iyad and Rouleau 1981).

هذه العوامل مجتمعة تضافرت كي تعطي دفعة قوية لترسيخ تحالف قائم على المصلحة المتبادلة بين رأس المال الفلسطيني والنظام السياسي الوطني القائم اليوم. والمرونة التي تتميز بها هذه العلاقة، تتفق مع معظم ما شهدته حركات النضال ضد الاستعمار في القرن الماضي؛ فهي متماسكة من حيث الافتراضات اللينينية والماركسية وغيرها بشأن جدلية العلاقة بين الدولة ـ الوطن / الطبقة، والمصير الواحد لجميع الفلسطينيين من جميع الطبقات في خوضهم النضال من أجل بناء الوطن الفلسطيني في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.

ومع تعبئة جمعيات العمال واتحاداتهم والمنتجين والعاملين في الخدمات الاجتماعية الفلسطينية في المنفى، روجت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية خلال ثمانينيات القرن الماضي، لأشكال جديدة من الاهتمامات والمبادرات الاجتماعية الاقتصادية. ولم تنفرد "فتح" في خوض غمار تأسيس مشاريع، بل إن الفصائل اليسارية الفلسطينية عملت أيضاً على مشاريع تمويل ذاتي أصغر حجماً وأقل طموحاً أدت إلى توسيع نطاق انتشارها الجماهيري. غير أن الإنجاز التاريخي لهذه التجربة الاجتماعية والاقتصادية دعمته "فتح" إلى حد كبير (Khalidi 2014).

ومع أن حركة "فتح" كانت دائماً موضع انتقاد من اليسار بسبب عقدها تحالفات انتهازية مع الأنظمة العربية الرجعية والطبقات البورجوازية، إلاّ إنها كانت سبّاقة في العمل على تعزيز الصالح العام، وريادة مشروع شبه اشتراكي ـ اجتماعي واقتصادي على أرض الواقع لدعم الحركة الوطنية. وتُعرِّف أدبيات اليسار الفلسطيني (Hilal and Hermann 2014) هذا اليسار بأنه يتألف من الفصائل الماركسية والشيوعية في منظمة التحرير الفلسطينية، متجاهلة رفاقهم الشيوعيين في "فتح".

مع ذلك، ومن إحدى مفارقات تاريخ النضال الفلسطيني، أن التيارات اليسارية (الماركسية؛ الستالينية؛ الماوية) داخل "فتح" هي التي وفرت تحالفاً وقائياً لليسار غير الفتحاوي، كي يعمل ويشارك في صنع القرار في منظمة التحرير الفلسطينية.

 

5 ـ حل الدولتين: موقف الشيوعيين والقوميين

ترسم الصورة المتكونة تحالفاً غير مريح بين البورجوازيين الوطنيين والتيارات الاشتراكية في منظمة التحرير الفلسطينية بشأن قضية التحرر الوطني. ويتضح هذا بشكل كبير، من خلال المواقف التي تبنّتها الفصائل والتيارات المتعددة تجاه مسألة الحل الأمثل للكفاحات المتعارضة من أجل تقرير المصير الوطني في فلسطين، من اليهود (من أجل دولتهم، إسرائيل)، ومن العرب الفلسطينيين (من أجل دولتهم، فلسطين). إن موافقة الحركة الفلسطينية على تقسيم فلسطين إلى دولتين، أعقبتها فترة طويلة من الحكم الذاتي تحت الحكم الاستعماري الإسرائيلي منذ سنة 1994، والذي تنبّأ بمحدوديته (الحكم الذاتي) في ذلك الوقت قلة فقط من الفلسطينيين (بينهم إدوارد سعيد على سبيل المثال).

وفي الآونة الأخيرة، استدعى التزام الفلسطينيين بحل الدولتين بذل جهود متواصلة لفرض الواقع السياسي والمادي للدولة الفلسطينية، حتى في غياب نص قانوني أو موافقة إسرائيلية على قيامها. ووفّر السعي وراء فرض هذا الواقع، في إطار استراتيجيا تقرير المصير الفلسطيني، أرضية خصبة لنمو اقتصاد السوق الرأسمالي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية وعملية مراكمة رأس المال والتشكل الطبقي، حتى في غياب حل الصراع الوطني.

لقد نص ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية في نسخته الأولى في سنة 1964، على تحقيق أهداف التحرير والاستقلال الوطني في إطار دولة فلسطينية واحدة للعرب الفلسطينيين، تضم المجتمعات اليهودية لما قبل سنة 1917 فقط. ورفضت صيغة الوطن الفلسطيني هذه فعلياً، مطلب اليهود بتقرير المصير الوطني وشرعية وجود دولة إسرائيل أو شعب إسرائيلي. ومن هذا المنطلق، لم يتغير شيء يُذكر في الرؤية الوطنية الفلسطينية الأساسية ما قبل سنة 1948، وفي رفض قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة، والذي اعترف بالمطالب العربية الفلسطينية واليهودية الإسرائيلية بالحق في تقرير المصير الوطني داخل البلد نفسه. لكن سريعاً ما طرأ تعديل على هذا الموقف. فبحلول أوائل السبعينيات، وضعت قيادة "فتح" التي اتسم موقفها حينها بقدر أكبر من التقدمية، وبتفهّم أكبر للواقع الإقليمي والعالمي، والتي أولت صورتها العامة اهتماماً أكبر، تصوراً لفلسطين ما بعد التحرير على اعتبارها دولة غير طائفية وديمقراطية، تعترف بحقوق متساوية ثقافية وسياسية ومدنية للمسلمين والمسيحيين واليهود (Fatah 1970). وشكّل هذا التصور نموذجاً يمكن أن يلتف حوله البورجوازيون الوطنيون والاشتراكيون والقوميون العرب، وكذلك المناصرون الدوليون، وقدّم صورة ملطّفة جديرة بالاحترام لحركة تحرير تُعدّ متطرفة وعنيفة، ولا تتردد في خوض صراع مع عدوها الإسرائيلي، فضلاً عن إثارتها الإزعاج للعديد من الأنظمة العربية التي بات النضال الثوري الفلسطيني يهدد استقرارها وعلاقاتها الدولية.

وشهدت منظمة التحرير الفلسطينية تحولاً استراتيجياً بفعل الضغوط الإقليمية من جهة، والمراجعة الذاتية لفكرها بشأن جدوى تحرير فلسطين "من النهر إلى البحر" من جهة أُخرى. وبحلول سنة 1974، بدأت الحركة الوطنية تتحضر لقبول ما أصبح يُعرف باسم "حل الدولتين"، بما في ذلك الاعتراف في نهاية المطاف بدولة إسرائيل. ووافقت منظمة التحرير الفلسطينية على "برنامج النقاط العشر" الذي يدعو إلى إنشاء "سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين"، وهو برنامج صيغ بمبادرة من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالتعاون مع "فتح"، وعارضه في ذلك الوقت القوميون العرب والجبهة الشعبية الماركسية التي انشقت عنها الجبهة الديمقراطية. وتأخرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الموافقة بتردد (في سنة 1988) على تأييد موقف إقامة دولتين. وكان التطور البراغماتي الجديد في موقف منظمة التحرير الفلسطينية موضع ترحيب لدى حلفائها من البورجوازية والطبقات الوسطى الفلسطينية؛ إذ إن هذه القوى بطبيعة الحال، وانطلاقاً من نظرتها المحافظة إلى العالم ومن مصالحها المادية، تميل إلى الحل الوسط والواقعية السياسية. وفي أعقاب الحروب الداخلية والأهلية التي نشأت بفعل الوجود الفلسطيني في الأردن ولبنان، تحمست تلك القوى لتشجيع مسار الاعتدال والمشاركة في المفاوضات السياسية التي دعت إليها الدول العربية والقوى العالمية (بما في ذلك الاتحاد السوفياتي الحليف).

إلى جانب الجبهة الديمقراطية، كان أشدَّ المؤيدين المتحمسين لحل الدولتين، هم الشيوعيون الفلسطينيون الذين بقوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وأولئك الذين أعادوا تنظيم أنفسهم في المنفى في الأردن، و"التيار السوفياتي" داخل "فتح" (Cobban 1984, pp. 61-62). ولا يزال الشيوعيون الفلسطينيون يشكلون اليوم، الفصيل السياسي الذي تقوم علة وجوده نفسه وجوهر أيديولوجيته، على الصلاحية المطلقة لهذا الهدف. وتُعدّ محاولتهم الغريبة لجسر الفجوة بين التحرير الوطني والتحرر الاجتماعي الفلسطيني، مثالاً نموذجياً للتوازن الصارم الذي لا يخلو من مفارقة، بين مسألتَي الوطن والطبقة في فلسطين اليوم؛ فمن جهة، قبل اليسار بخفض منزلة الثورة الاجتماعية إلى رتبة أدنى ما دام النضال الوطني لم يُحسم بعد، مع الإقرار في الوقت نفسه بضرورة القبول بشرعية حق تقرير المصير للإسرائيليين. ومن جهة أُخرى، هيمنت الأجندات والتحالفات مع تيارات اشتراكية عربية ودولية (أو تحررية في العالم الثالث)، على الموقف السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وساعدت في إبقائها على يسار التاريخ حتى انهيار الاتحاد السوفياتي.

وفي البلد الوحيد الذي كان الشيوعيون الفلسطينيون أحراراً نسبياً في العمل فيه منذ سنة 1948 ـ أي إسرائيل ـ فإن مطالب الطبقة العاملة ضمن برنامج الشيوعيين السياسي، بقيت إلى جانب تلك التي تطالب بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية في إطار صيغة الدولتين (Beinin 1990). لكن احتمالات تحقيق الاشتراكية في إسرائيل، أو حتى المساواة في الحقوق المدنية والثقافية، هي اليوم أضعف من أي وقت مضى.

لقد شُكلت في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، في الشتات وداخل فلسطين، اتحادات وجمعيات للعمال والمهنيين والنساء والطلاب دافعت عن مطالبهم الاجتماعية في بعض الأحيان، لكن تركيزها كان أساساً على حشدهم للكفاح من أجل التحرير الوطني. ومن التطورات المثيرة للسخرية، أن الشيوعيين الفلسطينيين، ومن خلال التزامهم بالرؤية الماركسية فيما يتعلق بتقرير المصير الوطني، شكلوا إحدى أكثر القوى تأثيراً في حرف التعبئة الجماهيرية بعيداً عن النضال من أجل التحرر المجتمعي الفلسطيني. وللمفارقة، كان التوجه الوطني المحدود للبورجوازية الفتحاوية، أكثر اتساقاً وانسجاماً من "الشقلبات" الفكرية التي عبّرت عنها المدرسة الفكرية الماركسية الفلسطينية في تبرير تمسّكها بالنضال على أساس الجبهة الوطنية، من دون مقايضة ذلك بمكتسبات اشتراكية من حلفائهم البورجوازيين.

وبينما هيمنت "فتح" على المؤسسات وقراراتها السياسية في إطار اتفاق تقاسم السلطة بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، قبلت التشكيلات الاشتراكية الفلسطينية بحصةٍ ودور محدودين فيها. وعلى غرار الحال في تجارب العالم الثالث الأُخرى، أصبح الشيوعيون المصابون بخيبة الأمل في كثير من الأحيان، مدافعين متحمسين عن السياسة الاقتصادية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وعن التزامها الثابت بتحقيق حل الدولتين من خلال المسارات غير العنيفة، السياسية والدبلوماسية.[5]

لقد وفَّر رضا اليسار الفلسطيني عن النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي وُلد من اتفاق أوسلو، شرعية لـ "فتح" وقيادتها الحليفة، مثلما وفرت استثمارات البورجوازية الوطنية المالية القوة المادية للنظام، وللاستراتيجيات الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، من أجل التعامل مع سياسات الاحتواء الإسرائيلية التي تفوق طاقتها (Khan and Giacaman and Amundsen 2004).

إن استمرار وجود جبهة وطنية واسعة (بمعزل عن "حماس") استلزم في الوقت نفسه الالتزام بمعادلة الدولتين (على الرغم من أن جميع الحقائق على الأرض تشير إلى العكس)، وبمبادىء اقتصاد السوق المفتوح الذي أدارﺗﻪ السلطة الوطنية الفلسطينية منذ توقيع بروتوكول باريس بشأن العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، في سنة 1994 (UNCTAD 2006).

وبعد عدة عقود من تلك الاتفاقات، بات من الواضح ـ وبغضّ النظر عن عدم قبول البدائل الأُخرى ـ أن الالتزام بضرورة حل الدولتين وحتميته هو، في أفضل الأحوال، في غير محله، وفي أسوأ الأحوال، خداع لا يضمن مصالح الشعب الفلسطيني. ولعل أكثر ما سبّب قدراً أكبر من الضرر لشعب لديه تاريخ طويل من المعاناة، هو الفكرة القائلة إن حصول هذا الشعب على حقوقه الأساسية الاجتماعية والاقتصادية والمدنية، يجب أن ينتظر إلى ما بعد الاستقلال الوطني. وحتى ذلك الحين، اعتُمدت جرعة قوية من اقتصادات السوق الليبرالية على أنها الصيغة الأمثل لضمان قدر من الرخاء الفردي، على الرغم من الإفقار المجتمعي واستمرار تبعية الاقتصاد الوطني للسلطة الاستعمارية (Khalidi and Samour 2011).

هنا يكمن التناقض في الموقف السياسي، إذ إن الإصرار على الحفاظ على الوحدة في مقابل هدف وطني شامل غير قابل للتحقق، أصبح هو المبرر الرئيسي لتهميش قضية العدالة الاجتماعية والاقتصادية للشعب. وفي هذا، يجب أن يتقاسم كل من اليمين واليسار الفلسطيني، والقوميون والاشتراكيون، والرأسماليون والمثقفون على حد سواء، المسؤولية عن هذا الوضع. فمع تعثُّر النضال من أجل التحرير الوطني، وتأجيل الثورة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية باعتبارها نتيجة أيديولوجية رئيسية له، نجد أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني الحديثة لم تحقق سوى بعض الإنجازات الدائمة، ومنها، مثلما يشير المسؤولون في السلطة الوطنية الفلسطينية ـ الخدمات والوظائف الحكومية التي توفرها، ووظيفة الأمن الداخلي والإدارة المدنية التي تؤديها، وبقاء مؤسسات الدولة ورموزها حتى في غياب السيادة، فضلاً عن تحسين نوعية حياة العديد من سكان الضفة الغربية، من الطبقتين العليا والوسطى (باستثناء غزة والقدس). وقد نضيف إلى هذا كله أن مركز الثقل في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وفي التشكل المجتمعي والطبقي الفلسطيني، انتقل إلى أرض فلسطين فعلاً بعد جيل من النضال التحرري من المنفى، وهذه ليست إنجازات ضئيلة على الإطلاق.

وبغضّ النظر عمّا يمكن أن يحدث في عملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية، فإن هذه التطورات تحظى بقوة الاستمرار، إن لم يكن بتأييد شعبي، ولا يمكن أن يهددها سوى هزات خارجية كبيرة (على سبيل المثال المواجهة مع إسرائيل)، أو اضطرابات داخلية (بفعل العدد الكبير من العاطلين عن العمل والفقراء والمهمشين). وبينما تفعل السلطة الوطنية كل ما في وسعها لتفادي ذلك ـ حتى "حماس" في غزة يبدو أنها تتبع السياسة ذاتها ـ لا يوجد لدى النظام السياسي والاقتصادي في كلا المنطقتين، خطة بديلة (خطة ب). إن الاقتصاد المفتوح، والقائم على الخدمات، والتابع، الذي ظهر خلال العقود الماضية، لا يمكن أن ينشأ عنه سوى مزيد من الشباب العاطل عن العمل، وحصة أقل للقوى العاملة من الدخل القومي (مقارنة بارتفاع الأرباح)، وشرائح اجتماعية جديدة مستبعدة من جني ثمار النمو المحدود (Khalidi 2018).

 

6 ـ ظهور نظام رأسمالي ليبرالي جديد، والمقايضة مع التحرير الوطني

أثّرت هذه التحولات التي طرأت على الأسس المادية للمجتمع الفلسطيني الخاضع لنير الحكم الاستعماري الاستيطاني وفي ظل حكم ذاتي محدود، في صدقية كل من الأيديولوجيات الفلسطينية الوطنية، والاشتراكية التي هي في تنافس معها. ولم يحدث هذا التدهور في الأفق السياسي من فراغ، ولا من دون أن يكون للفلسطينيين يد فيه، بل إن القوات المشتركة للديناميكيات الخارجية والداخلية، منذ أوسلو، عزز بعضها بعضاً. وفي حين ظلت منظمة التحرير الفلسطينية ملتزمة أهداف التحرير الوطني، فإن قواعد اللعبة منذ سنة 1994 استلزمت المشاركة في نظام حكم ذاتي موقت يَعِد قانونه الأساس ببناء "اقتصاد السوق الحر".

في هذه الحال، بات لدى البورجوازية والطبقة المتوسطة، وكذلك النخب السياسية الحاكمة في منظمة التحرير الفلسطينية، مصالح مادية وسلطوية في بقاء وضع راهن لا يوفر تنمية، ولا يقود إلى بناء دولة وطنية. وهذا الأمر يمثل طريقاً مسدوداً لا يمكن أن يستمر إلاّ على حساب التهديد المتزايد للتحرر الاجتماعي والوطني، ولحاجات الفقراء المادية أيضاً. ومثّلت القوة العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية الساحقة لمشروع إسرائيل الوطني، مقارنة بتضاؤل وزن الفلسطينيين / العرب في ميزان القوى، محركَ الطرد المركزي الذي نشطت حوله التأثيرات الأُخرى (Khalidi 2014). إن تحول إسرائيل عمّا كانت عليه حتى ثمانينيات القرن الماضي، أي من اقتصاد ما بعد اشتراكي خاضع لضوابط مُحكمة، إلى اقتصاد ليبرالي مدفوع في اتجاه التصدير، وعضو في المؤسسة المالية لمنظمة اﻟﺘﻌﺎون واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدية، لم يضمن لها الهيمنة الإقليمية فحسب، بل جعلها أيضاً نموذجاً يرغب العديد من جيرانها في الاقتداء به لو سنحت لهم الفرصة (النقيب 2001).

في غضون ذلك، وفّر المضي قدماً في الانفتاح الاقتصادي والخصخصة وإرساء قواعد السوق، بيئة سياسية في فلسطين والمنطقة، أمّنت حوافز للتعاون الاقتصادي، وفوائد من السلام لتلك الأطراف الملتزمة به، الأمر الذي أتاح "سلاماً اقتصادياً" غير معلن تسعى إسرائيل من خلاله، للّعب على وتر مصالح أصحاب الأعمال والتجار والمستهلكين الفلسطينيين في الحصول على نموذج "حياة نوعية" (Khalidi and Taghdisi-Rad 2009). كما شكّل إطلاق مشروع تشكيل الدولة الفلسطينية عنصراً أساسياً في هذه الصيغة، علماً بأنه جرى التخلي عن مرحلته الأولية عند اندلاع الانتفاضة الثانية في سنة 2000 (بدلاً من إنشاء تلك الدولة بعد "فترة انتقالية" من خمسة أعوام وفقاً لما ورد في اتفاق أوسلو). وقد استؤنف بناء الدولة بقوة متجددة وفي اتجاه مختلف، مع وفاة ياسر عرفات وتفكيك النظام الذي بناه بعد سنة 2005. ووفّر تراكم رأس المال في دول الخليج العربية، وفشل ما تبقّى من الأنظمة القومية / الاشتراكية العربية ـ منذ غزو العراق والحروب الأهلية العربية الأحدث ـ حججاً مقنعة، وأوجدا مصالح مادية جديدة لمناصري تحرير السوق، حتى في غياب القدرة على التصدي للاحتلال.

وعلى مدى العقد الماضي، شرعت السلطة الوطنية الفلسطينية في سلسلة من الإصلاحات المؤسساتية والسياسية التي استهدفت تدابير تتعلق بالأمن وسيادة القانون وتعزيز الشفافية في المالية العامة والكفاءة، وتحسين الخدمات والمرافق العامة (Khalidi and Samour 2011)، ملتزمة بذلك باتفاقيات "إجماع واشنطن" التي تحدّ من التدخل الحكومي الفاعل في الاقتصاد (ما عدا حماية حقوق الملكية)، ومتوقعة إطلاق العنان لإمكانات السوق كافة. لكن، وفي الحالة الفلسطينية، فإن هذا التوجه في سياسة الحكومة يثير الفضول بصورة خاصة، كما لو أن التدخل الحكومي الزائد لضبط الأمور التجارية والمالية هو المرض الحقيقي الذي يعانيه الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال.

لقد أسست السلطة الوطنية الفلسطينية التزامها المتواصل بمتابعة تطبيق هذه الإصلاحات، وما تحظى به من دعم دولي، على فكرة أن السلطة الوطنية الفلسطينية بحاجة إلى أن توجه بنجاح دفّة برنامج الاستعداد لبناء الدولة، وبما يتماشى مع بعض من أكثر مفاهيم البنك الدولي قِدَماً فيما يتصل بالحوكمة الجيدة. وشكّل الأمر تحولاً جديداً في استراتيجيا التحرر الوطني الفلسطينية وصل إلى التخلي عن "بندقية المقاتل من أجل الحرية" ليس من أجل "غصن الزيتون" فحسب (وكلاهما أعلن ياسر عرفات أنه جاء يحملهما مخاطباً الأمم المتحدة في سنة 1974)، بل من أجل جني ثمار مراكمة رأس المال وليبرالية السوق أيضاً. وضمن المجال المحدود المتوفر أمام السلطة الوطنية الفلسطينية لممارسة السياسة الاقتصادية، فإنها حاولت أن تحفز الطلب الإجمالي من خلال الإنفاق العام الذي تغذّى بدوره، على ارتفاع مستويات المساعدات الدولية التي بدأت تتراجع مؤخراً، في حين نما الائتمان الخاص في الأعوام الأخيرة إلى قرابة 5,5 مليارات دولار، أو ما نسبته 40٪ تقريباً من إجمالي الناتج المحلي في سنة 2016 (MAS 2017). ويتضح للعيان مدى تفاني السلطة الوطنية في بناء اقتصاد ليبرالي، وقد حظيت بأعلى درجات المديح من المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة على سياسة بناء المؤسسات والإدارة المالية منذ سنة2011 (Khalidi 2011).

في مثل هذه البيئة التجريبية الحافلة بالمكونات غير المستقرة، والصيغ غير المجرَّبة، والضغوط الداخلية والخارجية غير المضبوطة، يمكن أن يسوء كثير من الأمور من منظور الوصفات المستوحاة من صندوق النقد الدولي، والمخصصة للدول النامية التي هي عرضة للمخاطر المالية. وفي سنة 2012، شكلت أولى الاحتجاجات الاجتماعية الصريحة على السياسة الاقتصادية الحكومية المبنية على أساس بروتوكول باريس، إطاراً التفّت حوله مجموعة من القوى التي عبّرت عن عدم رضاها عن أجندة رئيس الحكومة سلام فياض السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية (Khalidi 2012)، الأمر الذي مهد الطريق لاستقالته في العام التالي.

وبحلول سنة 2017، بدا المشهد الاقتصادي قاتماً إلى أقصى حد، إذ بلغت البطالة والفقر بين الفلسطينيين مستويات عالية عصية على التغير، وباتت القطاعات الإنتاجية الأولية والثانوية تكابد الأمرّين من أجل البقاء وسط اتساع النشاطات الخدمية، في الوقت الذي لا تزال إسرائيل تسيطر على قنوات التجارة الدولية الفلسطينية. ومع نمو الخدمات المالية، حقق القطاع المصرفي المزدهر أرباحاً قياسية، بينما استمرت مستويات الديون الأُسرية في الارتفاع.

وبفعل الضغوط المستمرة من صندوق النقد الدولي والجهات المانحة، أذعنت السلطة الوطنية الفلسطينية لإجراء إصلاحات في المالية العامة من خلال خفض المرتبات الحكومية، والحدّ من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية (MAS 2017). وفي الوقت نفسه، ظل الوضع قاتماً إلى حد كبير في قطاع غزة والقدس الشرقية المنفصلتين عن الضفة الغربية، وحيث يعيش نحو خُمس الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. فغزة دخلت العقد الثاني من الحصار وانهيار البنية التحتية الاقتصادية والعامة (UNCTAD 2015)، بينما القدس، عاصمة فلسطين المنشودة، تواجه حملة "أسرلة" لا هوادة فيها (UNCTAD 2013؛ عرفة 2017).

إذا بحثنا عن مثال واضح للنتائج السلبية للتنمية غير المتكافئة، لوجدنا أن التحدي المزدوج الذي يواجهه الاقتصاد الفلسطيني في الفجوة التنموية المتسعة مع إسرائيل، وفي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والطبقية المتنامية الخاصة به، هو بالتأكيد حالة تستحق أن تُدرّس في الكتب (Smith 2008). فهذه الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية المستعصية على العلاج، تتعايش بشكل غير مريح مع وصول حركة التحرر الوطني الفلسطيني الحديثة إلى نهاية الطريق، حتى مع استمرار نضال الفلسطينيين وتصديهم للاضطهاد الإسرائيلي من خلال المقاومة المسلحة والسلمية والشعبية والقانونية. لكن، ومع تقدم التاريخ، تتشكل طبقات فلسطينية جديدة من خلال خلق الثروة وتوزيعها الفعليين داخل اقتصاد سوق مشوَّه إلى حد كبير، ومع ذلك، يبدو أن التصنيفات التقليدية غير كافية لفهم تعقيدات هذه العملية.

ويرى أبرز الكتّاب عن الاستعمار الجديد، فرانز فانون، أن "البورجوازية الوطنية" تزيد قليلاً عن كونها "طبقة وسطى وطنية" ذات "مهمة تاريخية: مهمة انتقالية" (Fanon 1963). وفي الحالة الفلسطينية، تشمل هذه الطبقة شرائح كتلك التي يسميها فانون "البورجوازية الجامعية والتجارية"، و"الجيش وقوة الشرطة"، و"البورجوازية الوطنية الفتية"، و"الحزب"، و"الطبقة المتربحة"، و"البورجوازية المحلية"، و"المثقفون الشرفاء"، و"بورجوازية الخدمة المدنية". وبالنسبة إلى فانون، فإنه ليس لهذه الطبقة الطفيلية البورجوازية، وللبورجوازية الصغيرة غير المنتجة و"العديمة الفائدة" بصورة عامة، دور مهم للصناعيين المحليين والوافدين وأسياد المال، إذ إن ضعف قاعدتها الصناعية والتكنولوجية، وأداءها دور "الوسيط" لمصلحة ﺮأس اﻟﻤﺎل اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ، يحددان ﻣوقفها العدائي موضوعياً تجاه مشروع التحرر الوطني، حتى إن كانت ترغب في إيجاد أرضية مشتركة معه. أمّا في الحالة الفلسطينية، وخلافاً لتصنيف فانون، فإن أصحاب الملايين المقيمين في الشتات لم يكونوا معادين قط للتحرر الوطني، وإنما كانوا في الواقع، فاعلين مهمين ظلوا على الدوام على التصاق وثيق بالمصالح الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي، فقدموا لها الدعم المالي، واستثمروا في القطاعات الإنتاجية والتنموية في فلسطين. ويمكن وصف اجتماع تلك الطبقة مع الشرائح الأُخرى للطبقة الوسطى الوطنية، بأنها المكون الأساسي لطبقة "ليبرالية وطنية ونيو ـ كولونيالية".

هذا الخليط الفلسطيني الغريب يمثل حالة هجينة غير معروفة حتى الآن، تجمع ما بين سيناريو "فانوني" للفشل المؤسساتي (الذي يحدث عادة بعد الاستقلال)، ومشروع تحرر وطني غير منجَز (يكون عادة غير مرهون بالاستعمار الجديد). فعلى سبيل المثال، واصلت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ سنة 2005، عملية تسريح الكوادر القيادية السابقة التي تجري (عادة) في المرحلة ما بعد الاستعمارية، والتي رأى فيجاي براشاد بتأكيد قوي (2007Prashad ) أنها تتماهى مع التجربة الجزائرية.

لقد حلت شريحة تكنوقراطية جديدة من أصحاب المشاريع محل مسؤولي مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في عهد عرفات، وقامت بإقصاء الكوادر العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذين جعل نضالهم منذ الستينيات مشروع الحكم الذاتي للسلطة الوطنية الفلسطينية ممكناً. مثل هذا النمط من الحكم الاستعماري الجديد المشوه لم يحدث في حالات أُخرى ما زال الاستعمار قائماً فيها، أو السيادة غائبة، وبهذا المعنى، تمثل فلسطين وضعاً فريداً

خلال عهد عرفات، تقاسمت الجبهة الوطنية صلاحيات اتخاذ القرارات السياسية، وتشاركت في إدارة الثروة الوطنية، إلى حد رعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية بذاتها هذا الصالح العام وحشدته، أو على نحو آخر أنشأته (Khalidi 2014). ففي العادة، كان هناك أرضية مشتركة ومصالح مادية وحس سياسي وطني جيد لمثل هذا التحالف، وهي ما تجلّت بداية بالضرائب التي فرضتها منظمة التحرير الفلسطينية على العاملين الفلسطينيين في الدول العربية بعد سبعينيات القرن العشرين، إلى تعبئة الطبقات الرأسمالية الفلسطينية المغتربة في الثمانينيات، والتقاسم السخي لإيجارات امتيازات المرافق العامة، واحتكار بعض إمدادات السلع الانتقائية في ظل السلطة الفلسطينية منذ سنة 1994. ومن خلال التحليل الذي جرى مؤخراً بشأن نظام موسيفيني في أوغندا، نجد أن "النضال العنيف له، في حد ذاته أيضاً، تأثير في مشاعر الانتماء والتماسك بالنسبة إلى النظام القائم: لقد أنتج هوية معينة وحساً بالانتماء إلى مجتمع واحد، يسمحان على سبيل المثال بإضفاء الشرعية على معاناة معينة" (Reuss & Titeca 2017, p. 3)

مثل هذا التوافق السياسي ـ الاقتصادي يوحّد القوى المادية لرأس المال الفلسطيني والبورجوازية الوطنية مع حركة التحرر الوطني، والتي تمثل بشكل رئيسي المحرومين والجماهير الفقيرة من اللاجئين الفلسطينيين في المنفى، والفلاحين وفقراء المدن والطبقة الوسطى المتنامية من المهنيين المتعلمين (khalidi 2018).

إن صعود حركة تحرير وطنية إسلامية فلسطينية، متمسكة بالدين والتقاليد والأمة، قد يجعل هذا التحالف قديماً، إلاّ إن تجربة "حماس" في الحكم تشير إلى أن علاقاتها بقاعدة دعمها الرأسمالية داخل فلسطين وفي المنطقة، كانت أيضاً أساسية لضمان بقائها الاقتصادي والمالي (Pelham 2014). وفعلاً، ربما يشكل نظام "حماس" جبهة وطنية أكثر شباباً، لكنه على الرغم من ذلك يتوافق مع تقاليد الحركة الوطنية غير الاشتراكية.

في لائحة اتهامه البورجوازية الوطنية ما بعد الاستعمارية بالخيانة، يحدد فانون سماتها الأساسية المنتمية إلى الطبقة الوسطى، وهذه السمات تشمل: استعدادها للتخلي عن أهداف التحرر الاجتماعي في مرحلة ما قبل الاستقلال؛ الاندفاع إلى تولّي الوظائف التي أخلتها البورجوازية الاستعمارية؛ تقاسم الموارد الوطنية بين النخب الحزبية والأمنية والحليفة؛ نقص القوة الإنتاجية المحلية؛ الاعتماد كلياً على، والتكامل مع رأس المال الاستعماري. لقد أصبح هذا التصنيف واضحاً بصورة خاصة في تكوين السلطة في مرحلة ما بعد أوسلو، والذي ترسخ في الأعوام الماضية، ولا يمكن استبعاد أن يصبح أكثر جلاء في المستقبل. وبالتالي، يلخص فانون بوضوح السيناريو الأسوأ:

 

إن البورجوازية الوطنية للدول الأقل نمواً لا تشارك في الإنتاج ولا في الاختراع ولا في البناء ولا العمل؛ إنها موجهة بالكامل نحو أداء أنشطة من النوع الوسيط... إن نفسية البورجوازية الوطنية هي نفسية رجال الأعمال وليس مديري المشاريع الصناعية... ولدى النظر إلى الأمور من منظارها هي، فإن مهمتها لا علاقة لها إطلاقاً بتحويل الأمة؛ إنها، ببساطة، خط الانتقال بين الأمة ورأسمالية متفشية لكن مموهة، والتي تلبس اليوم قناع الاستعمار الجديد (Fanon 1963, pp. 148-149)

 

7 ـ عدم وضوح الحدود الوطنية بين رأس المال والطبقات العاملة في فلسطين وإسرائيل

إن السياسات الاقتصادية الحالية للسلطة الوطنية الفلسطينية، لا تفشل في الحصول على الرضا العام الذي تمتعت به في الماضي فحسب، بل إنها تعاني ضعفا مالياً أيضاً. فمنظمة التحرير الفلسطينية و"فتح" تبدوان غير قادرتين على قيادة صفوفهما أو توحيدها، فضلاً عن تحقيق المصالحة الوطنية مع "حماس"، والتي قد تتيح إحياء النضال من أجل التحرر الوطني، الأمر الذي ينسف المنطق اللينيني بشأن استدامة التحالف بين القوى الثورية (غير المنظمة والضعيفة في الحالة الفلسطينية)، والبورجوازية الوطنية (المتمكنة والمتغلغلة تماماً في النظام السياسي). لقد تطورت الاقتصادات الليبرالية الجديدة في فلسطين تماماً كما لو أنها تعمل في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع، في حين بلغ الاستعمار الاستيطاني مدى شديد الاتساع والعمق، بحيث يبدو أنه لا توجد طريقة لتحرير الوطن بالمعنى التقليدي للكلمة. فهل كان السعي البعيد المنال لتقرير المصير الوطني مضلِّلاً، بل مستحيلاً؟ هل حققت السلطة الوطنية جزءاً مهماً من الوظائف والمظاهر المعتادة للدولة - الوطنية؟ هل هناك نماذج أُخرى للسيادة المشتركة تتخطى الدولتين العربية واليهودية المنفصلتين؟ هل يتطلب الأمر اتّباع مسار مختلف للنضال التحرري من الاستعمار الجديد؟

من وجهة نظر "فانونية"، يبدو نظام السلطة الوطنية الفلسطينية وسياساتها الاقتصادية، كأنها مجرد حكومة نامية أُخرى فاشلة في مرحلة ما بعد الاستعمار، على الرغم من حرمانها من مظاهر الاستقلال الرسمي الذي حصلت عليه أغلبية الدول الاستعمارية الجديدة في أماكن أُخرى.

في الواقع، وتماشياً مع المبادىء التوجيهية التي يؤكدها بانتظام صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، فإن تطور السلطة الوطنية الفلسطينية تخطى إلى حد كبير مستوى بناء الدولة في مرحلة ما بعد التحرير، وترسيخ الطبقة الوسطى، والحكم الرأسمالي النخبوي الخالي من الواقع الاعتيادي للدولة ذات السيادة (Khalidi 2018).

لقد نشأت وازدهرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية للتبعية الممتدة للاستعمار الجديد، كما أنه بحكم البرنامج النيوليبرالي كبديل سهل من العجز عن قيادة نضال يقود إلى الاستقلال، كسرت منظمة التحرير الفلسطينية والبورجوازية الوطنية المتحالفة معها العقدَ الاجتماعي ـ الوطني، وخانت دورها التاريخي.

وفي هذا الصدد، تتحمل الفصائل الماركسية / الشيوعية في منظمة التحرير الفلسطينية المسؤولية بصورة خاصة. لقد قيل (منذ روزا لوكسمبورغ بشأن بولندا) إنه، وبسبب العيوب المتأصلة في نسيج البورجوازية الوطنية ومصالحها وثروتها في الدول ما بعد الاستعمارية، لا يمكن لهذه البورجوازية أن تكون تقدمية، فضلاً عن أن تكون ثورية. وفعلاً، فإن انتصار الشيوعية في بلد واحد، زاد اللينينية ما بعد سنة 1917 توهجاً، فراحت تبشّر بقضية التضامن البروليتاري الأممي والنضال الطبقي. وفي نوفمبر / تشرين الثاني 1919، شرح لينين تداعيات هذا النضال، قائلاً:

 

لن تكون الثورة الاشتراكية فقط، أو بصورة أساسية، صراع البروليتاريين الثوريين في كل بلد ضد بورجوازيتهم ـ لا، ستكون صراع جميع المستعمرات والبلاد التي يضطهدها الإمبرياليون، وجميع الدول التابعة، ضد الإمبريالية الدولية. فالحرب الأهلية للشعب العامل ضد الإمبرياليين والمستغلين في جميع الدول المتقدمة بدأت تندمج مع الحروب الوطنية ضد الإمبريالية الدولية (مثلما ورد في: Riddell 1987, p. 261).

 

لقد استدعى ترسيخ السلطة السوفياتية وإنشاء أحزاب شيوعية في مختلف أنحاء العالم، مراجعة للموقف الماركسي من القومية المناهضة للإمبريالية، ولدور البورجوازية في إنشاء دولة وطنية رأسمالية تشكل إطاراً للثورة الاشتراكية في نهاية المطاف. فبينما اعتبر البلاشفة أن البورجوازية الاستعمارية قد تستفيد من الاستقلال الوطني، كان الشيوعي الهندي مانابندرا نات روي (M. N. Roy) ـ مع حلول موعد عقد مؤتمر الأممية الشيوعية الثاني (الكومنترن) ـ أكثر تشككاً في فرص إقامة تحالف قابل للبقاء مع الوطنيين البورجوازيين (Riddell 1991). وكانت نتيجة هذا النقاش تبنّي وجهة نظر مختلفة قليلاً عن البورجوازية الوطنية، مع الاستمرار في تقبّل دورها الثوري المحتمل في إطار مكافحة الاستعمار. عن ذلك، كتب لينين في سنة 1920:

 

إن مغزى هذا التغيير هو أننا، كشيوعيين، يجب أن ندعم وسندعم حركات التحرر البورجوازية في المستعمرات، فقط عندما تكون ثورية حقاً، وعندما لا يعوق انتصارها عملنا في تعليم الفلاحين والجماهير المستغَلة وتنظيمهم بروح ثورية. وإذا لم تتوفر هذه الظروف، فعلى الشيوعيين في هذه الدول محاربة البورجوازية الإصلاحية (انظر:Riddell 1991, vol. 1, p. 213).

 

وأبعد من ذلك، أصر أليك غوردون وراديكا ديساي (Gordon and Desai 1973) على أنه لا يوجد أساس تجريبي لنظرية ذات صدقية بشأن دور قيادي للبورجوازية الوطنية في النضال من أجل الاستقلال، رافضَين بذلك افتراضات لينين الأصلية بشكل فعلي.

إذاً، أين يترك هذا السجال النظري نضال الشعب الفلسطيني؟ لم يفت الأوان في هذه الأوقات العصيبة، أو عند مفترق الطرق، لأن تحاول فلسطين التمسك بأفضل تقاليد التحرر في العالم الثالث. فحتى في وقت تبدو صدقية منطق الحصول على السيادة المنفصلة، وعلى دولة فلسطين القابلة للبقاء، ضئيلة، إلاّ إن تخلّي منظمة التحرير الفلسطينية صراحة عن حل الدولتين ليس أمراً وشيكاً. لقد تم تجنّب الاضطرابات الاجتماعية حتى الآن، بفضل التمسك بالقضية الوطنية بشكل رئيسي، ولأن السلطة الوطنية الفلسطينية ما زالت مدركة واجباتها العامة وتحاول الالتزام بها أيضاً، غير أن السير وراء خيار الوطن أو الطبقة لا يعني أن يلغي أحدهما الآخر بل في الواقع، لا يمكن للأول أن يتقدم إلاّ إذا كان الثاني في مركز الصدارة.

لا شك في أن تعبئة جبهة وطنية واسعة في حرب قصيرة من أجل التحرر الوطني من الاحتلال العسكري الأجنبي غير الاستيطاني، لا ينطوي على التحدي نفسه المتمثل في الحفاظ على حركة مناهضة للاستعمار الاستيطاني من أجل تقرير المصير الوطني على مدى قرن. إن السياسة الاجتماعية ـ الاقتصادية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وقدرة منظمة التحرير الفلسطينية على مقاومة إسرائيل أو تحقيق الحقوق الوطنية، هما في مستوى متدنٍ، بل إنه حتى لو كانت السلطة الوطنية الفلسطينية مسلحة بأفضل النيات الاشتراكية وسياسات التحرر الوطني، فإنها ما زالت تواجه تحديات هائلة؛ فعلى سبيل المثال، إن الهدف المحدود لبناء اقتصاد منتِج يعتمد على الذات، وعادل اجتماعياً، ومحمي من التأثيرات الأكثر تدميراً للنظام الاقتصادي العالمي الليبرالي الخاضع لسلطة المال، سيشكل نجاحاً عظيماً في ظل الأوضاع الحالية الصعبة. غير أن صمود الشعب الفلسطيني، وقدرته على التشبث بأرضه ووطنه، أمران مثيران للإعجاب، وسببان رئيسيان في أن قضيته لم تذوِ بعد. ومع ذلك، يبقى هذا الموضوع ـ إلى حد كبير ـ موقفاً دفاعياً يخدم وظيفة الحدّ من الأضرار، بدلاً من تغيير توازن القوى.

في ظل الوضع الراهن، لا أرى أساساً سياسياً يمكن للتحالف الوطني وطبقته القيادية أن يلتزما من خلاله، بصدقية وبشكل موثوق به، بمشروع اقتصادي وهندسي اجتماعي هش، وبقاعدة جماهيرية محبطة ومنهكة في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتكرر (Khalidi 2016).

وفي غياب ثورة اجتماعية عارمة، ليس هناك ما يدعو إلى الافتراض أن البورجوازية الوطنية الفلسطينية ستكتشف توجهاتها التقدمية الداخلية في هذا التاريخ المتأخر، وتبدأ عملية استنهاض النضال التحرري الوطني المتراخي. فنظراً إلى عدوانية الموقف السياسي الإسرائيلي والأميركي الحالي، يبدو من المرجح أن تعود المواجهة العنيفة مع إسرائيل إلى مركز الصدارة عند نقطة ما. وفي مثل هذا الوضع، فإن إدامة النظام الفلسطيني الحالي في السلطة، تتطلب أن يتقبل القطاع الخاص ومصالح رأس المال المقاومةَ الجماهيرية المتجددة للقمع الإسرائيلي، وأن يدعمها، مهما تكن محدودة ومتفرقة.

إن مسار إعادة التشديد على المهمة التاريخية لمنظمة التحرير الفلسطينية ـ وهي تحرير الأرض والشعب ـ لا يزال من الممكن أن يتأتى عن المصالحة الوطنية التي تولي إنهاء الاحتلال الاستعماري الأولوية من جديد. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة الابتعاد عن النهج النيوليبرالي لدى السلطة الوطنية الفلسطينية. وفعلاً، فإن الجماهير غير المنتظمة واليائسة والفقيرة في المدن ومخيمات اللاجئين، والفلاحين الفقراء في المناطق الريفية، والفقراء العاملين على هامش الاقتصاد الخاص، بالكاد سيصطفون عن وعي في معارضة متماسكة للسياسات النيوليبرالية.

إن قدرة هذه الجماهير على المقاومة مستنزفة فعلاً بسبب التنكيل والحرمان اللذين تمارسهما إسرائيل بلا هوادة. وعلى أي حال، فإن تقاسم غنائم السلطة الفلسطينية المالية والسياسية، هو في جوهر حوار المصالحة بين "فتح" و"حماس" الجاري منذ سنة 2017. لذلك، وفي ظل التهديد الخارجي بالعقوبات المالية الإسرائيلية والأميركية، ومصالح رأس المال الفلسطيني الكبير، والإغراءات الاقتصادية الإسرائيلية، قد تُفرض الوحدة الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية، لكن في ظل نسخة أُخرى من الحكم الذاتي غير السيادي الذي خبرناه منذ أوسلو.

من ناحية أُخرى، من المحتمل أن نستمر في أن نشهد تراخياً بالتدريج في هيمنة منظمة التحرير الفلسطينية والخطاب الوطني على النقاشات والتوقعات العامة، ومطالبات بالتخفيف من التأثيرات النيوليبرالية على صنع القرار الاقتصادي. فاللوبي الصناعي الوطني الناشئ، والطبقة الوسطى المضطربة الغافلة عن مخاطر المديونية أو فائض العمالة، والجماهير الفقيرة من العاطلين عن العمل والفقراء في المناطق الحضرية، من المتوقع أن تطالب كلها الدولة أو السوق بتلبية حقوقها المتوقعة أو المنتقصة. ومع أنني لم أحلل هنا، الآثار المترتبة على عمليات المراكمة الكبيرة لرأس المال والتشكل الطبقي الجارية في فلسطين، إلاّ إنه يجب عدم إغفال أهميتها (Khalidi 2018).

إن خطاباً مختلفاً، ومجموعة أُخرى من النضالات من أجل العدالة الاجتماعية والإنصاف الاقتصادي، يمكن أن يجدا صدى وإمكانات تحررية أكبر من استراتيجيا تحرر قومية متخبطة تنتمي إلى القرن العشرين، ومن خطاب وطني منهك محشو بالرموز ومجرد من القوة. فالمطالب الاجتماعية والاقتصادية المتميزة للفلسطينيين، من عمال ونساء وشباب وقطاعات عاطلة عن العمل ومهمشة في المجتمع، يجب أن تزداد أهميتها لدى صوغ أجندة الحكم الخاصة بالسلطة الوطنية الفلسطينية، كما أن مقاومة الحكم والسياسات الاجتماعية الاقتصادية غير العادلة أو المضللة أو السيئة التخطيط، يمكن أن تكتسب شرعية كجزء من نضال أوسع لتعبئة الشعب الفلسطيني ـ بمَن فيهم الفلسطينيون من مواطني إسرائيل ـ في تحديد مستقبلهم الجماعي، وربما تحت سيادة مشتركة أو موازية مع إسرائيل (Khalidi 2014b; Le Vine and Mossberg 2014). هذا التوجه يجب ألاّ يصرف التركيز عن المواجهة مع الاحتلال والاستعمار، بل يجب أن يؤدي بدلاً من ذلك إلى بذل جهود متوازية داخل فلسطين وإسرائيل لإنشاء أنظمة اجتماعية واقتصادية أكثر عدلاً وإنصافاً وتقدماً. إن الكيفية التي يمكن أن ينفَّذ بها مثل هذا السيناريو البديل، بين المناطق المجزأة والشعب الفلسطيني المشتت، علاوة على فلسطينيي الشتات المنخرطين والناشطين في المنطقة والعالم، تبقى عرضة للتكهنات.

في الوقت الحاضر، لا يبدو مثل هذا التحول الدرامي محتملاً، وربما كان لينين محقاً في هذه الحالة، في نهاية الأمر. وفي الواقع، إذا استدللنا بتطورات القرن الماضي، فإننا نجد أن الوطن (عند التخطيط له) يطغى دائماً على الأيديولوجيات أو القضايا الأُخرى في الوعي الفلسطيني، بل إن فظاعة الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية ووحشيتها كثيراً ما كانتا خير حليف للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني ولإدامة نضاله. لقد برز جيل جديد من القيادة يتحدى الوضع الراهن في هذه الأوقات العصيبة في التاريخ الفلسطيني، من أجل إعادة إحياء أيديولوجيا التحرر الوطني. وعلى الرغم من درجة تجذر مصالح رأس المال الفلسطيني وهيمنته، ومن مدى بروز طبقات اجتماعية جديدة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي الفلسطيني، فإن النضال الوطني يبقى هو الطاغي.

 

المراجع

 

بالعربية

حنفي، ساري (1997). "بين عالمين: رجال الأعمال الفلسطينيون في الشتات وبناء الكيان الفلسطيني". رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن.

دياب، امتياز (2015). "أصل الحكاية". رام الله: شركة فلسطين للتنمية والاستثمار المحدودة / "باديكو القابضة".

صائغ، يوسف (1961). "الخبز مع الكرامة: المحتوى الاقتصادي - الاجتماعي للمفهوم القومي العربي". بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر.

عرفة، نور (2017). "القدس الشرقية: تشخيص الموارد الاقتصادية المحلية". رام الله: معهـــد أبحــاث السياســـات الاقتصــادية الفلســـطيني / مـــاس.

النقيب، فضل (2001). "اقتصاد إسرائيل على مشارف القرن الحادي والعشرين". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

 

بالإنجليزية

Abed, George T. (1988). The Palestinian Economy: Studies in Development under Prolonged Occupation. London: Routledge.

Abu Iyad and Eric Rouleau (1981). My home. My land. New York: Times Books.

Agha, Hussain and Ahmad Samih Khalidi (6 August 2017). “The End of This Road: The Decline of the Palestinian National Movement”. The New Yorker Magazine.

Anderson, Kevin B. (2010). Marx at the Margins: On Nationalism, Ethnicity, and Non-Western Societies. Chicago: University of Chicago Press.

Beinin, Joel (1990). Was the Red Flag Flying There? Marxist Politics and the Arab-Israeli Conflict in Egypt and Israel 1948-1965. Berkeley: University of California Press.

Chamberlin, Paul Thomas (2012). The Global Offensive: The United States, the Palestine Liberation Organization, and the Making of the Post-Cold War Order. New York: Oxford University Press.

Cobban, Helena (1984). The Palestinian Liberation Organisation: People, Power and Politics. Cambridge: Cambridge University Press.

Dannreuther, Roland (1998). The Soviet Union and the PLO. London: Palgrave Macmillan.

Fanon, Frantz (1963). The Wretched of the Earth. New York: Grove Press.

“Fatah”/Palestinian National Liberation Movement (1970). Towards a Democratic State in Palestine. Amman: Fatah.

Gordon, Alec and Radhika Desai (1973). “The Theory of the (Progressive) National Bourgeoisie”. Journal of Contemporary Asia, vol. 3, issue 2, pp. 192-203.

Hadawi, Sami and Atef Kubursi (1988). Palestinian Rights and Losses in 1948: A Comprehensive Study. London: Saqi Books.

Hilal, Jamil and Katja Hermann, eds. (2014). Mapping of the Arab Left: Contemporary Leftist Politics in the Arab East. Ramallah: Rosa Luxembourg Stiftung Regional Office Palestine.

Khalidi, Raja (1988). The Arab Economy in Israel: The Dynamics of a Region’s Development. London: Croom Helm.

_______ (12 September 2011). “Going to the United Nations, Sanctions, and the Tick-Tock of the Palestinian Spring”. Jadaliyya.

_______ (23 March 2012). “After the Arab Spring in Palestine: Contesting the Neoliberal Narrative of Palestinian National Liberation”. Jadaliyya.

_______ (15 October 2014). The Economics of Palestinian Liberation. Jacobin.

_______ (2014b). “An Israel-Palestine Parallel State Economy by 2035”. In One land, Two states: Israel and Palestine as Parallel States. Edited by Mark Le Vine and Mathias Mossberg. Oakland: University of California Press.

_______ (Summer 2016). “Bringing It All Back Home: Twenty First Century Palestinian Development Studies”. Journal of Palestine Studies, vol. XLV, no. 4, pp. 7-15.

_______ (2018). Political Economy Analysis of the Palestinian Private Sector. Ramallah: Palestine Economic Policy Research Institute/MAS.

Khalidi, Raja and Sahar Taghdisi-Rad (August 2009). The Economic Dimensions of Prolonged Occupation: Continuity and Change in Israeli Policy towards the Palestinian Economy. Geneva: UNCTAD.

Khalidi, Raja and Sobhi Samour (Winter 2011). “Neoliberalism as Liberation: The Statehood Program and the Remaking of the Palestinian National Movement”. Journal of Palestine Studies, vol. XL, no. 2, pp. 6–25.

Khamsin: Journal of Revolutionary Socialists of the Middle-East (1979). “Communist Parties in the Middle East”. Issue 7.

Khan, Moshtaq Husain and George Giacaman and Inge Amundsen, eds. (2004). State Formation in Palestine: Viability and Governance during a Social Transformation. London: Routledge.

Le Vine Mike and Mathias Mossberg, eds. (2014). One land. Two states: Israel and Palestine as Parallel States. Oakland: University of California Press.

Lenin, Vladimir Ilyich (1972). “The Right of Nations to Self-Determination”. In Lenin’s Collected Works, vol. 20. Moscow: Progress Publishers, pp. 393-454.

Löwy, Michael (March–April 1976). “Marxists and the National Question”. New Left Review, vol. 96, no. 1.

Marx, Karl and Frederick Engels (1961). On Colonialism. Moscow: Foreign Languages Publishing House.

MAS/Palestine Economic Policy Research Institute (2017). Economic Monitor, Fourth Quarter 2016. Ramallah: MAS.

Pelham, Nicolas (2014). “The Role of the Tunnel Economy in Redeveloping Gaza”. In Decolonizing Palestinian Political Economy. Edited by Mandy Turner and Omar Shweiki. London: Palgrave Macmillan.

Prashad, Vijay (2007). The Darker Nations: A People's History of the Third World. New York and London: The New Press.

Rao, Nagesh (September 2010). “When Marx Looked Outside Europe”. International Socialist Review, no. 73.

Reuss Anna & Kristof Titeca (July 2017). “When Revolutionaries Grow Old: The Museveni Babies and the Slow Death of the Liberation”. Third World Quarterly, vol. 38, issue 10.

Riddell, John, ed. (1987). Founding the Communist International: Proceedings and Documents of the First Congress March 1919. New York: Pathfinder press.

______ (1991). Workers of the World and Oppressed Peoples, Unite: Proceedings and Documents of the Second Congress, 1920. Volumes 1 and 2. New York: Pathfinder press.

Sayigh, Yazid (1997). Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement, 1949–1993. Washington: Institute for Palestine Studies; Oxford: Clarendon Press.

Seikaly, Sherene (2016). Men of Capital: Scarcity and Economy in Mandate Palestine. Stanford, California: Stanford University Press.

Smith, Neil (2008). Uneven Development: Nature, Capital and the Development of Space. Athens and London: University of Georgia Press.

Smith, Pamela Ann (September/October 1986). “The Exile Bourgeoisie of Palestine”. Middle East Research and Information Project, no. 142, pp. 23–27.

UNCTAD/United Nations Conference on Trade and Development (2006). The Palestinian War Torn Economy: Aid, Development and State Formation. Geneva: United Nations.

______ (2013). The Palestinian Economy in East Jerusalem: Enduring Annexation, Isolation and Disintegration. Geneva: United Nations.

______ (2015). Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Recent Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory. Geneva: United Nations.

 

* منسق الأبحاث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية (ماس).

** المصدر:

Raja Khalidi, “Nation and Class: Generations of Palestinian Liberation”, Rethinking Marxism, volume 30, issue 3 (28 November 2018), (Special Issue: Marxist Perspectives on Palestine/Israel).

ترجمة: صفاء كنج.

[1] تَعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين احتلتهما إسرائيل في سنة 1967، أراضي دولة فلسطين، وهما تغطيان 22% من أراضي فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

[2] إن قرارات الأمم المتحدة المتكررة التي تدين الاحتلال الإسرائيلي هي التعبير الأوضح عن هذا الوضع، على الرغم من بروز أشكال أُخرى من التضامن مع فلسطين، بما فيها حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل (BDS)، والتحول العام في موقف يهود الولايات المتحدة إزاء الاحتلال الإسرائيلي.

[3] المقصود هنا، هو البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي أقرّه المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة التي عُقدت في القاهرة في 8 / 6 / 1974. [المحرر]

[4] ترك يوسف عبد الله صائغ (1928 ـ 2004) بصمة مميزة منذ بداية مسيرته الفكرية على الفكر الاقتصادي العربي الحديث. ففي خمسينيات القرن الماضي، كان صائغ أول خبير اقتصادي يدرس التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للنكبة، وقد نشر بعدها أول دراسة عربية عن الاقتصاد الإسرائيلي. كما أن أبحاثه عن اقتصادات القومية العربية كانت أول أطروحات تناولت قضايا اقتصادية عربية أوسع: من ريادة الأعمال التجارية في لبنان إلى اقتصادات النفط في الخليج. وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، ركز الصائغ انتباهه على إشكالية التنمية الفلسطينية في ظل الاحتلال، وأبرز تلك الإشكالية ببلاغة في "برنامج تطوير الاقتصاد الوطني الفلسطيني" الذي شكّل أول خطة تنموية لدى منظمة التحرير الفلسطينية.

[5] مثلما ظهر من خلال عدد من قياديي الحزب الشيوعي الفلسطيني الذين تولوا حقائب وزارية في السلطة الوطنية الفلسطينية منذ تشكيلها، والذين كانوا في بعض الحالات مبادرين إلى تطبيق الإصلاحات الاقتصادية المطروحة للدول الفقيرة والنامية بوحي ممّا يُعرف باسم "إجماع واشنطن" (Washington Consensus).