mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 126
دراسات
"فتافيت" من أوراق ومخطوطات شاعرات فلسطينيات: شعر جديد وصناديق مفتوحة
النص الكامل

عايدة فحماوي ـ وتد*

"فتافيت" من أوراق ومخطوطات شاعرات فلسطينيات:

شعر جديد وصناديق مفتوحة

 

إذا كانت التراجيديا الفلسطينية ـ في البدء ـ مسألة مكانية، فإن التجربة الفلسطينية الأدبية[1] ركزت في مرحلة ما على لامكانيتها ـ غيابها الكامل ـ أو حضورها المجازي، على اختلاف هذا الحضور / الغياب المكاني، اصطلاحاً ومفهوماً (كالتهجير / اللجوء / النزوح / المنفى / العودة). من هذا المنطلق، امتلكت التجربة الأدبية والإنسانية الفلسطينية خصوصية يبدو أن العولمة دخلت عليها، منتجة فقاعات أدبية نزعت تلك الخصوصية الهوياتية، مثلما حدث للأدب بصورة عامة. وتتداخل هنا أيضاً، مسألة الالتزام بمسألة الجمالية، الأمر الذي يجعلنا نتساءل إن كان هناك ضرورة لإعادة النظر في مفهوم الأدب الفلسطيني،[2] حين نبدأ باعتبار المسألة الفلسطينية مسألة أخلاقية قبل كونها مكانية.

 

السؤال الأساسي اليوم بشأن الشعر الفلسطيني، هو سؤال متعلق بصوغ الوثيقة الجمالية التي يسعى لها الشاعر الفلسطيني، وهو يفتح شبّاكه على الشارع المحاذي ويرى الدم فيه. أيستطيع الشاعر الذي "حرر نفسه بالاستعارات" أن يغلق النافذة فحسب؟ وكيف يمكن أن تبقى الوثيقة الجمالية قادرة على المناورة بين الخطاب المحلي وجموده، وبين الخطاب العالمي، من دون السقوط في أوحال العولمة وفقدان الهوية الفكرية والأدبية؟[3] وهذا أمر يستحق التوقف عنده ودراسته.

يرافق المشهدَ الفلسطيني الشعري اليوم حراك مختلف أفقاً وسياقاً،[4] وتجارب شعرية لافتة لشاعرات فلسطينيات يؤسسن لهوية ذاتية[5] شعرية ووطنية جديدة. وتتركز[6] هذه الدراسة في قراءة نتاج الشاعرات الفلسطينيات اللواتي يكتبن بالعربية، في الداخلَين الفلسطينيين، وفي الشتات الفلسطيني، والعائدات إلى الداخل الفلسطيني بعد أوسلو. كما تتناول أنماطاً جديدة من التجريب الشعري لشاعرات فلسطينيات يعايشن الواقع المختلف الذي خلقه ربع القرن الأخير (منذ سنة 1992)، وملامسة تلك التجارب الشعرية لنماذج تنعكس فيها تجربة المرأة الفلسطينية المعاصرة، وامتزاجها بالتراجيديا المتواصلة للشعب الفلسطيني.

تنقسم هذه الدراسة إلى قسمين وخاتمة. في القسم الأول تتصفح الدراسة بعض أوراق شعرية لشاعرات فلسطينيات، فتقلّب الثيمات الجديدة والمطروقة، وتحاول أن تجد قواسم وأنماطاً مشتركة بين بنات هذا الجيل الجديد، في ظل تجاوزهن الفكر النسوي التقليدي إلى ما بعد النسوية،[7] وفي ظل انهيار البطولة الفلسطينية أدبياً، وتفكيك نمطية صورتها بعد تسعينيات القرن الماضي وتجربة أوسلو.[8]

وفي القسم الثاني سنفحص سعي شاعرات فلسطينيات من خلال القصيدة النثرية[9] لتفكيك عوالمهن النسوية والفلسطينية بالتوازي، من خلال النبش العميق عن فرادة التجربة واختلاف المفردة[10] في قراءة العالم من حولهن. لذا، سندرس في هذا القسم أدوات التعبير اللغوية،[11] والآفاق الجديدة والمتنوعة،[12] لقصيدتين مختارتين كنموذجين تطبيقيين للشاعرتين: مايا أبو الحيات (ولدت 1980)، وأحلام بشارات (ولدت 1975).

 

I ـ القسم الأول: "فتافيت" من تجارب شاعرات فلسطينيات

1 ـ سمر عبد الجابر:[13] عدسة مكبرة لأسئلة فلسطينية صغيرة

لا تتوقف الشاعرة الفلسطينية سمر عبد الجابر عن مراقبة الهمّ الفلسطيني العام،[14] على الرغم اختلاف المكان الفلسطيني، وتضع أسئلتها حارقة موجعة. وتبدو نبرتها، ظاهرياً، كأنها تخففت من أعباء الأسئلة الكبرى عن المأساة الفلسطينية، في محاولة لتفكيكها إلى أسئلة صغرى وصغيرة، تخترق القلب، وتضع القارىء أمام أسئلة كبيرة، تماماً مثلما تفعل في قصيدتها "في غزة"،[15] التي تكرس فيها غياب البطولة بشكل جارف، حين تقول:

 

في غزة

ينتظر الأطفال الكهرباء

لكي يشاهدوا رسومات متحركة

وأفلاماً

لبضع ساعات

قبل انقطاعها من جديد

ثم يمضون ما تبقّى من الوقت

في انتظار سوبرمان

أو باتمان

أو سبايدرمان

يأتي لإنقاذهم

في غزة

يكبر الأطفال

ولا أحد يأتي

ولا هم يفهمون

لمَ الحقيقة

لا تشبه التلفزيون

 

2 ـ رجاء غانم ـ دنف:[16] خيبات ومعارك صغرى

ترصد الشاعرة الفلسطينية رجاء غانم ـ دنف، العائدة من دمشق إلى فلسطين، رؤيتها الوطنية الناقدة على المستوى الإنساني والقيادي. فها هي قصيدتها "الوطن"[17] المؤلفة من سطرين قادرة على تجسيد هذا النقد من خلال خيبة قارىء يتصفح كتاباً جميلاً ضاعت الصفحات الأهم فيه:

 

كتاب جميل للغاية.. ضاعت منه الصفحات..

الوطن هو بالضبط هذه الصفحات الضائعة

 

غير أن هذه الخيبات لا تُثني الشاعرة الفلسطينية عن مواصلة بحثها عن تلك الصفحات الضائعة بطريقتها، بل إنها تملأ بتجربتها الخاصة الفجوات، وتسجل معاركها الوطنية اليومية بطريقة تنحرف فيها عن الواقعية التقريرية، ومن دون أن تفلت منها واقعية المعاناة اليومية، فتقول في نهاية قصيدة "معارك صغيرة":[18]

 

موظف الأمن اشتبه بملامحها العربية:

رمقها بنظرة شكّ وطلب الهوية

ففتحت المحفظة.

كتبت الصحف في اليوم التالي:

"موظف أمن يطلب هوية فتاة عربية، وعندما تفتح حقيبتها تطير ألف قصاصة ملونة، دفاتر شعر، قُبلٌ لانهائية، نهر من موسيقى وبخور، أزهار سوسن من قريتها البعيدة."

أمام هذه البلبة اضطر موظف الأمن للدفاع عن نفسه.

 

3 ـ عبير أبو دية:[19] أوراق الحب والوطن

الشاعرة الفلسطينية عبير أبو دية تحفر عميقاً في تجربة الحب، لكن بمفردات مغايرة، فهي من خلال قصيدة الحب تمتحن اليتم والضياع، العودة والبيت، وهي مفردات فلسطينية تؤثث من خلالها مفردات الحب. ولعل نهاية قصيدة "طلبت الموت لكن ليس على يديك"[20] هي ما يجعل القارىء يدرك أنها في عمق السياق الفلسطيني:

 

نحن في بيتنا

معاً

لكننا نحس باليتم.

نسافر ونلبس ملابسنا البيضاء

ملابسنا البيضاء على حبلنا القديم

حمام أبيض ملابسنا البيضاء على أكتافنا المسافرة

حمام خائف مذبوح

وأحمر

طقطق لي بأصابعك

أنا ضائعة

وأريد أن أعود إلى البيت

أريد أن أعود إلى البيت

وأراك سالماً

عندما يكره الأهل بعضهم البعض، ويقتل الأهل بعضهم البعض، يصير اسم الحرب التي نعرفها حرباً أهلية، هكذا قالوا لي، خفتُ ووضعت يدي على قلبي، اعتقدت بأن القلب يلمع أكثر من السكين عندما نرى أهلنا، فإذا كنت أنت أهلي، فهل تقتلني؟

أنا طلبت الموت

لكن ليس على يدك.

 

4 ـ شيخة حليوى:[21] الصمت عن قدسية الوطن ومشاكسة أيقوناته

تعبّر الشاعرة شيخة حليوى عن إشكالات الهوية للفلسطيني داخل الخط الأخضر، بطريقة لافتة وساخرة وجريئة ومتحدية للأيقونية الراسخة في الذهن. وربما مردّ ذلك أن الشاعرة "تعيش" في هذا الوطن، حيث تفكك في قصيدتها "وطن" قدسيته في الذهن كي تزيح عنه الهالات الكبرى كلها، ولتتعلم هي بنفسها معنى الوطن من خلال التجربة، فالوطن ليس مفهوماً محدداً وثابتاً عندها، يُلقّن من جيل إلى جيل، وإنما هو الحذاء المتين الذي يحمينا من أوحال هذه الدنيا:

 

كنتُ صغيرة جداً. لم يجتهد أحدٌ من حولي كي يحدثني عن الوطن.

اعتقدت لشتاءَين متتاليين أن الوطن هو كيس النايلون المتين الذي يصمد حول أحذيتنا يوماً كاملاً دون أن ينفذ منه وحل الطريق.

الشتاء كان الغربة عن الوطن.

الحذاء المتين كان الوطن البديل.

 

وفي قصيدتها "أمي والوطن" تلغي شيخة حليوى مرة أُخرى شعارات الوطن المألوفة كلها، وتُسقطها من عليائها من جديد، لتقابله بصورة الأم الصامتة عن قول كلمة "الوطن"، والتي تعجّ بتفصيلات كثيرة تستعيض بها عن الكلام على الوطن؛ تلك الأم التي تعرّيها أيضاً من الهالة القدسية التي تلف الأمهات، وتحيلها إلى صورة أم حية، حقيقية، لها لكنة ولهجة، تتحرك وتمرض، تشتم وتعمل، وتدخن ولا تصلي، وفي عدم ذكرها الوطن إنما هي تجسده:

 

علبة دواء زرقاء مستطيلة تُعبّأ في بداية الأسبوع بحسب الأيام ومواعيد

صلوات خمس لا تصليها.

[.......]

ثلاث ربطات (هي تسميها رُزم إذا زاد عددها عن ثلاثة) من الخُبيزة توزعها بعد تنظيفها على نساء الأسرة العاملات المُرفهات.

قطط بإعاقات كثيرة تُرابط عند الباب وأمي تدعو عليها بعد الغداء "الله يكْطَع تاليتشِن".

خمس عُلب "مْسَكّرة" من سجائر أوروبا مضمونة حتى الصباح.

خزانة مليئة بحلوى الأطفال وأُخرى مليئة بمعاطف شتوية اشترتها في تنزيلات نهاية الموسم.

لا تقيسها أبداً. ولن ترتديها.

[.......]

وهي لم تلفظ كلمة وطن إلاّ مرة أو مرتين على ما أذكر.

 

5 ـ أسماء عزايزة:[22] وهم تفكيك العنف العالمي بقوة الموسيقى

تسعى الشاعرة أسماء عزايزة لتفكيك ألم العالم بقوة الكلمة، ففي قصيدتها "أخبار عاجلة"[23] يبدو التلاحم بين الواقعية من خلال كلمة "أخبار"، وبين الإيقاع السريع لكلمة "عاجلة"، وبين الأهمية التي تتداعى من التركيب "أخبار عاجلة" على الرغم من تنكيره. تعيش الشاعرة على التنافر بينها وبين ما يطالبها به العالم الخارجي من طريقة معينة للتماهي مع الضحية، لنرى انسلاخاً واضحاً بين "الأخبار العاجلة" التي لا "دين لها"، وبين ما تتبعه هي: "دين الموسيقى". فالعالمان مختلفان ومتناقضان: "الأخبار العاجلة" تحمل دلالة السرعة والعجالة، بينما الموسيقى تعتمد على الإبداع والتأني. لكن هذا الانسلاخ ما هو إلاّ ميكانيزم دفاعي تربط من خلاله العناصر الموسيقية العالمية بالموت الكثيف من حولها، عبر استعمالها لـ "مآتم لن أشارك فيها"، و"حرفة التنويح"، و"تكفن جثثاً"، ليكتشف القارىء أن الشاعرة تتعامل بأدواتها مع تلك الأخبار العاجلة، وتتلقاها داخل عالمها وتفككها. تحول الشاعرة الموتى من مجرد أعداد هائلة "كسرت مخيلتها بالأزاميل" إلى صور بشرية في عتمة قلبها، صور بشر يتحركون ويشعرون ويشتاقون. تصبح مهمة الشاعرة أكثر صعوبة، فهي تحول الخبر العاجل إلى معزوفة بشرية تتحرك في قلبها. نلاحظ قوة المفردات التي تستعملها الشاعرة للتوافق مع حجم المأساة: "كسرت، أقفال، الأزاميل، عتمة، المفلوق، يفيض، محروقة"، كما نلاحظ الصور الجديدة التي تجترحها، فقلبها يفيض ماؤه المالح ويصبح بصلة محروقة حين تشتاق الضحايا إلى أمهاتها:

 

الأخبار العاجلة لا دين لها

وأنا أتبع دين الموسيقى

صوت دييجو سيغالا يذكّرني بمآتم لم أشارك فيها

الموسيقى الفارسية، دون مجازٍ، تعلمني حرفة التنويح

فيروز تكفن جثثاً مجهولة وهي تغني "راحوا متل الحلم راحوا"

وأنا، بعدما كسرتْ الأصفار في أعداد القتلى أقفال مخيلتي بالأزاميل، رحت معهم. أحمّض ملايين الصور في عتمة قلبي المفلوق. تطير فيه فراشات خواصرهم حين يقعون في الحب.

يفيض ماؤه المالح حين يشتاقون لأمهاتهم، يصبح بصلة محروقة حين يشتاقون لموائدهن.

 

II ـ القسم الثاني: قراءات في أوراق ومخطوطات

للشاعرتين مايا أبو الحيّات وأحلام بشارات

في هذا القسم من الدراسة، سأُركز على تجربتين من تجارب الشاعرات الفلسطينيات: الشاعرة مايا أبو الحيّات، والشاعرة أحلام بشارات. سأتصفح في البداية أوراقاً من كتابات كل واحدة منهما، ثم سأقوم بقراءة مكثفة لقصيدة واحدة تمثل، في رأيي، تجربتها.

 

1 ـ مايا أبو الحيّات:[24]

أمومة خارج المتن،[25] وتفكيك لصور الأمومة

1 ـ 1 من أوراق الشاعرة

أ - شاعرة التفصيلات[26] الثائرة:

ترسم مايا أبو الحيّات هويتها بطريقة مخلصة لواقعها، وتضيف إليها أبعادها الملأى بالتفصيلات، كأنها داخل عالم طفولي عارٍ من الأقنعة، من دون أن تخاف من أن تكون شيئاً صغيراً وعادياً وضعيفاً ومتروكاً. مثلاً في قصيدة "أنا"، تعرّف عن نفسها، قائلة:

 

ذرة غبار عالقة

بخيبة نافذة مهجورة

ورقة جعلكتها أيدي الأطفال

[.......]

مريول مدرسة في إجازة صيف

صرصور مبطوح على ظهره

في انتظار المكنسة

 

ب - صوغ جديد لمفهوم "الثورة":

تكسر الشاعرة الصورة النمطية للفلسطيني الذي يفرح بالاستشهاد بالحرب وبالموت، إلى شظايا في أكثر من قصيدة. تتلمس صور الاستشهاد وتجلّيها على شكل "تبصّر"[27] ناقد للسلطة وللمجتمع، فتقول:

 

أنتظر ابنة شهيد شجاعة تقف

في وجهنا وتصرخ

خذوا أوطانكم

وأعيدوا لي أبي

[.......]

رأيت أطفالاً

يمنحون آباءهم للوطن

لكنني لم أرَ وطناً

يمنح يتيماً أباً

 

تنحاز الشاعرة إلى الإنسان، في أكثر من قصيدة، وتسخر من الانتصارات المزعومة في قصيدة "لا أفرح بالحرب"، إذ تقول:

 

أعرف أنها تنتهي بالعادة

أرى الأصابع التي سترتفع

نصراً أو هزيمة

سيرتفع إصبعان

وسينزفان على الأغلب

[.......]

لا أفرح بالحرب

فهي تنتهي بالعادة

كي تعود

 

في قصيدة "أنا امرأة معدمة"[28] يبدو الفرح في حياة الفلسطيني مزيجاً ساخراً، تختلط فيه الضحية بالجلاد من دون أن يتعادلا، في لحظة تتواتر فيها لعبة الحاجز ـ الجندي:

 

أعيش على حاجز

أفرح لأشياء تافهة

كأن يمر يومي دون رؤية جندي واحد

يشعر بالملل

 

تعيد الشاعرة صوغ مفردة "الثورة" في قصائد كثيرة، على المستوى الوطني والمجتمعي والجندري، في قصيدة "لا رسائل تصل بالخطأ / مقصودة كل الأخطاء".[29] ترفض الشاعرة الثورة مثلما تعارف عليها المجتمع:

 

الثورات التي أعرفها

بدأت يومها الأول

بصياغة قوائم العار

[.......]

الأرض التي تعدني بالجنة

أرض فقيرة

 

وتستبدل ذلك كله بمفهومها الخاص والشخصي والحميم للثورة في قصيدة "لا أعرف شيئاً عن الثورة":[30]

 

لا أعرف شيئاً عن الثورة

لكن صاحب الصالون

الذي يلعب بشعري كما يريد

والذي يسكن القدس مثلي

بتصريح،

والذي يمر عن حاجز قلنديا

ويلعنها مرتين في اليوم

مثلي تماماً

قال لي وهو يلعب بشعري

إن إسرائيل العاهرة

لا تسمح بضرب البنات لتأديبهن

قال لي:

لا بد من إعلان الثورة.

لا أعرف شيئاً عن الثورة

لكنني غاضبة من صاحب الصالون

 

ج - صور ويوميات: "فساتين بيتية وحروب":

مَن يتابع تجربة مايا أبو الحيات[31] الشعرية يلاحظ أن الشاعرة لا تتوقف عن مساءلة الصور النمطية ومحاولة تفكيكها، وهي صور تتعلق بالمستوى السياسي والاجتماعي والعائلي والإنساني الفلسطيني. في ديوانَيها "تلك الابتسامة ذلك القلب" (2012)، و"فساتين بيتية وحروب" (2016)، نجد انشغالاً عميقاً بقراءة التفصيلات التي تفيض بالأسئلة: تفصيلات الأمومة، وتفصيلات الحياة اليومية، وتفصيلات الحب، وتفصيلات العيش مع الاحتلال. واللافت أن الشاعرة تمزج بين السخرية والألم في قصائدها، فضلاً عن الوصف الشديد الحساسية والدقة. تخلق مايا أبو الحيات في فضائها الشعري أمومة خاصة بها، بعيداً عن الأيقونات الجاهزة، فتجعلها أكثر ارتباطاً بالتراجيديا الإنسانية، وتجعل التراجيديا الإنسانية أكثر ارتباطاً بأمومتها الفلسطينية:

 

كلما خرجت يد طفل من أسفل عمارة

أتفقد أيدي أطفالي الثلاثة

أعدّ أصابع أيديهم وأرجلهم

أتفقد عدد الأسنان والشعر في كل حاجب

كلما سكت صوت طفل في مخيم اليرموك

[.......]

كلما جاع قلب على حاجز قلنديا

أفتح فمي وأبدأ بالأكل أكلاً عاطفياً بملوحة زائدة

يسد رمق العيون التي تبكي في كل مكان.

 

1 ـ 2 قصيدة "في رثاء شهوة الأمهات"[32] نموذجاً

أ - العنوان:

المتأمل لغوياً في عنوان هذا النص يجده ناقصاً، فهو يجمع كلمة "في" بين وظيفتَي الوصف[33] المعروفتين: الجانر [النوع الفني] من خلال مفردة "رثاء"، والثيمة من خلال "الأمهات". اجتماع هاتين الوظيفتين يستعيد في ذهن المتلقي العربي كلاسيكيات المراثي التي بُنيت أساساً على ثلاثية: الندبة، والتأبين، والعزاء. ويتساءل القارئ: هل الرثاء هنا هو بمعناه الجانري (مرثية)،[34] أم بمعنى الإشفاق؟[35]

ب ـ استكشاف النص:

  • تأتي القصيدة بصوت المتكلم (persona) الذي لا يظهر تأنيثه عبر خصيصة لغوية ما (كفعل أو صفة مؤنثة)، بل من خلال تشكّله الوجودي داخل النص.[36]
  • يمكن تقسيم القصيدة إلى أربعة أجزاء (غير مفصولة بالبياض) من خلال ورود الفعل المضارع المستقبلي "سأتذكر" أربع مرات.
  • الفعل المضارع التسويفي المتعدي "سأتذكر" الذي لا يستوفي مفعوله، يتكرر في النص أربع مرات، وهو خيط الجريان اللغوي الذي تعمل من خلاله القصيدة تقنياً على عملية التقابلات الصورية. وهو الفعل المولد المركزي لأجزاء القصيدة، ولا سيما أن هذا الفعل المتعدي لا يستوفي مفعوله إلاّ في القسم الأخير من النص ليدفع النص قارئه إلى ملاحقة الأسطر الشعرية وصولاً إلى مفعوله من دون توقف.
  • يبدو واضحاً للقارىء أن القسم الأول من القصيدة يرتكز على قوة تكرار الصدارة (anaphora) في كل من الأجزاء الثلاثة. ويشكل هذا التكرار بداية لغوية مهيمنة[37] في قسم من النص.

ج - قراءة مكثفة:

القسم الأول من النص:

  1. سأتذكر وأنا أرتبُ سريري
  2. وسرير طفلينِ آخرين
  3. وأنا أمسحُ قيءَ أحدهما عن الأرض
  4. وأنا أفتح نافذة على غبار الشارع
  5. وأنا أقلع شوكاً من أصيص لا يُخرج الورد
  6. وأنا أقرأ وصفة لطريقةِ عملِ المنسفِ على أصوله
  7. وأنا أرتقُ شلحة بيضاءَ ثقبتها الأصابعُ الصغيرةُ
  8. وأنا أعدّ ميزانية فصل الشتاء
  9. وأنا أتفقدُ رائحة لحاف تفوح بالنشادر
  10. وأنا أقلّب قنوات الأطفال الست لأجد "توم أند جيري" تحت الطلب
  11. وأنا أبحث في حقيبتي ـ السوبر ماركت ـ عن فوطة منسية
  12. سأتذكر
  13. وأنا أغسل جسداً بحجم الكف
  14. وأنا أزيلُ بقايا خضراءَ من أنوفٍ طرية
  15. وأنا أزيلُ التشابك في شَعرٍ غزته الشكولاتة والمصاص ومربى المشمش
  16. وأنا أقرأ قصصاً عن النمل النشيط والأسود الكسولة والفقمات المهاجرة
  17. وأنا أنزع العلكة من أسفل حذائي وقلبي
  18. وأنا أبحث عن الطريقة الأفضل لإزالة بقع الزيت
  19. وأنا أقضم الأظافر العشرين بعد بحثٍ طويلٍ عن المقص

 

يعتمد سبعة عشر سطراً من الأسطر التسعة عشر على تكرار الصدارة كبنية لغوية مهيمنة،[38] وكمعادَلة أساسية تستثمرها الشاعرة، علاوة على الرابط التضميني "سأتذكر" لتوليد الأسطر الشعرية:

 

رسم توضيحي 1

 

 

في هذا الجزء من القصيدة تفكك الشاعرة المشهد اللغوي من خلال صوت البرسونا (persona) المقنّع بصوت "الأم" إلى أفعال مضارعة يومية فاعلها "الأم = أنا"، لا يتنبه إليها ربما القارىء في البداية، إلاّ حين تبدأ بالتراكم بعضها فوق بعض، لتشكل معاً سلسلة معقدة من الانشغال المكثف بصور تفصيلية متلاحقة لا تكفّ الشاعرة عن التقاطها من المشهد اليومي: أسرّة الأطفال وقيئهم على الأرض؛ أصيص الزهور العاقر؛ طبخة المنسف؛ ميزانية فصل الشتاء؛ أنوف الأطفال الطرية؛ قصص الأطفال؛ إلخ. وتراكم هذه الأفعال يجعل قناع "الأم" حالة مثقلة بالفعل المضارع المستمر، لأنها تؤدي دوراً أساسياً في جميع المناحي: التربوية؛ الجسدية؛ النفسية؛ الفكرية؛ الاقتصادية.

 

رسم توضيحي 2

 

 

لكن وجود الفعل "سأتذكر" في السطر الأول منعزلاً عن مفعوله غير المستوفى، يجعل ثقل الجملة الشعرية مرتكزاً على جملة الحال لوضعية الأم[39] المثقلة بدوائر من الأفعال المستمرة.

 

القسم الثاني من النص:

  1. سأتذكر
  2. حين يلمسني طفل بالخطأ في أماكن لا تعمل
  3. حين ترشقني الحنفية بمياهها
  4. حين تعلنني المسلسلات التركية مشاهدتها المخلصة
  5. حين تقرصني كفان تجتمعان أسفل الطاولة في المطعم
  6. حين أنقّب في قصص الأصدقاء عن شهواتٍ حية

 

رسم توضيحي 3

في هذا الجزء من القصيدة يلتحم الفعل المضارع بتكرار لمعادلة لغوية جديدة، ويؤدي الظرف الزمني "حين" دوراً أساسياً في تسديد اتجاه الكاميرا نحو المشهدية. فهي تجسد بشكل واضح اللحظة المعينة التي تريد الشاعرة أن تسدد نحوها نظر القارئ، وهي لحظات محددة لاستفاقات مباغتة للأنثى داخل "الأم". ولهذا فهي قصيرة، معتمدة على أفعال غير مستمرة، ومحددة من حيث طول زمن حدوثها: "يلمسني؛ ترشقني؛ تعلنني؛ تقرصني"، وربما لهذا السبب اختارت الشاعرة تسليط الضوء لغوياً على الظرفية الزمنية، بخلاف تركيزها على جملة الحال في القسم الأول. فالأماكن التي لا تعمل: "الاستحمام؛ قرصة في مطعم؛ مشاهدة المسلسل التركي"، كلها تخص المرأة داخل تلك "الأم"، بما في ذلك جسدها وعاداتها وأفكارها، لكنها تظهر سريعة من حيث الحيز الزمني، كما تظهر لغوياً مفعولاً فيها.

أمّا في السطر الأخير في هذا الجزء، وهو السطر الأكثر محورية، فتظهر "الأم" في داخلها امرأة تبحث عن الشهوات الحية في قصص الآخرين. تلك الشهوة التي تم التلميح إلى وجودها / عدم وجودها في الأسطر السابقة.

 

القسم الثالث من النص:

  1. سأتذكرهم كلهم
  2. أمهات بعيونٍ صفراء
  3. كلهم مرة واحدة يندلقون أمامي
  4. الأفخاذُ البيضاء المستبيحةُ لساحة البيت
  5. الغضبُ العابرُ في أوقات محددة من الشهر
  6. القلق المفرط على فاتورة الهاتف
  7. وجع البطن لانتفاخات لا تنتهي
  8. تفسير أحلامِ الشياطينِ العابثة
  9. فناجين القهوة الجاهزة للتأمل
  10. أغنية التنورة الزرقاء فوق الركبة المُفلطحة
  11. شفاهٌ تنزّ من شدةِ العض
  12. ستيانات كبيرة حافظةُ الدنانير والقروش القليلة
  13. مراييل منسية فوق كروشٍ مُدورة
  14. وقصص بنات الجيران الداشرات التي لا تتوقف
  15. أمهاتٌ بجدائلَ مقصوصة
  16. وحنّة طينية تسيلُ على الحاجبين
  17. وشهوات ميتة

 

في السطر 26 تبدأ القصيدة بالاستكمال اللغوي، المفعول به يظهر في "سأتذكرهم"، ويليه التأكيد "كلهم" ليكتشف القارىء أن ما ستتذكره هو الأمهات، كل الأمهات، وتبدأ الشاعرة برسم صور الأمهات مصحوبة بكثير من الترهل من خلال استخدام أفعال ومفردات تؤكد تلك الصورة: "يندلقون؛ أفخاذ؛ مستبيحة؛ ساحة؛ مفرط؛ انتفاخات؛ مفلطحة؛ ستيانات كبيرة؛ كروش مدورة؛ داشرات"، يقابلها صورة تحيلنا إلى زمن آخر غابر. وتتقن الشاعرة التقاط صور الأمهات في وضعيات حياتية وسلوكية ونفسية وجسدية معينة، ليكتشف القارىء بالتدريج أنها من زمن مختلف، يمتزج فيه المكان "ساحة الدار" بالمعتقدات الغيبية "تفسير أحلام شياطين عابثة"، وبعادات اجتماعية "فناجين القهوة الجاهزة للتأمل، وقصص بنات الجيران الداشرات"، وبأغنيات من فترات بعيدة "أغنية التنورة الزرقاء"، وحتى بسلوكيات ولّت "حفظ الدنانير في الستيانات؛ المراييل المنسية".

تركيبة الجمل في هذا القسم من النص تعتمد على الجملة الاسمية التي تلغي حركة تدفقت عبر الأفعال المضارعة في الأقسام السابقة من النص. وتثبت كاميرا الشاعرة القارىءَ على صور بعينها تريده أن يتمعن فيها، في اسمية ثابتة قابعة في الأذهان ونمطية التشكل، هي نفسها الصور التي ستذكرها "الأم" المتكلمة في القصيدة و"تندلق" من ذاكرتها، صور أمهات ونساء بتفصيلاتهن الدائمة التي لا تتغير.

يتوقف القارىء عند الأسطر الثلاثة الأخيرة التي تشكل النهاية[40] الفعلية للقصيدة، ليجد أمامه مشهداً هو الأقوى الذي يعيد القارىء إلى بداية القصيدة، فالأمهات مقصوصات الجدائل بشهوات ميتة، وحنّة منسية، والأنثى المنسية داخل كل واحدة فيهن متروكة من أجل كل الأفعال الأُخرى التي رصدتها الشاعرة في المقطع الأول والثاني، وهنا نرى تقابلاً بين السطر الأخير "وشهوات ميتة" مع شهوات حية في السطر25 التي كانت الأم تنقّب عنها. ويسأل القارىء لماذا "ستتذكر" الأم ذلك؟ ألأنها تخاف أن تصبح نسخة عن "الأمهات بعيون صفراء"، أم ستتذكر كتنبيه للذات حتى لا تقع في التجربة نفسها؟

 

د - ما بعد القراءة:

تفكك الشاعرة مايا أبو الحيات صورة الأم عبر استعادة الصورة الأيقونية الأداة للأم،[41] وتعريتها ومحاولة وضعها في وضعية "سأتذكر"، هذا الوضعية التي ترافقها كأم معاصرة تجعلها في كل لحظة تسأل أي "أم" أنا؟ وهل البطولة هي في الفعل الدائم السيزيفي الذي يستنزف "الأم" في الأسطر الشعرية، والذي يذكّرها بأيقونات أمومية أُفرغت من شهواتها، شهوات الحياة والكتابة والحب؟

في قصيدتها "في رثاء شهوة الأمهات" تستعيد مايا أبو الحيات صورة الأمهات المعاصرات في مقابل الأمهات التقليديات عبر الفعل "سأتذكر"، وهي صورة تجسد تقابلات متنافرة ومتآلفة، وتبرز فيها الصور المتلاحقة اليومية لمشاهد من حياة المرأة التي تغيب في تفصيلات الأمومة، لتنبش عن المرأة تحت عبء الأمومة وقدسيتها المزعومة. وهكذا تخترق مايا أبو الحيات صورة الأم الفلسطينية التي كثيراً ما اعتُبرت في الذهن أُمّاً أسطورية، وأيقونية، وأم الشهيد، والمنتظرة، ورمز الوطن، إلى رسمها على طريقتها واقعية وحية وملأى بالأسئلة تجاهها.

  1. أحلام بشارات[42] بين الحواجز والبقاء: تفكيك البيوت واللغة

2 ـ 1 من مخطوطات الشاعرة

أ ـ شاعرة الأسئلة في "ورطة الأوطان":

تحاول أحلام بشارات أن تجمع عدداً كبيراً من الأسئلة في تجربتها، ولا تتوقف أسئلتها عن اختراق الواقع الفلسطيني إلى الواقع الإنساني العام، فهي تسائل الوجود الأكبر، وتسائل الوطن، وفي وحدتها ومنفاها لا تطرح فكرة الاستمرار الفلسطيني فحسب، بل فكرة الاغتراب الإنساني في هذا العالم أيضاً، وتراه "ورطة" مثلما يتجلى في قصيدتها التالية رقم 2:[43]

 

مَن ورّطنا تلك الورطة؛

أن يكون لنا أوطان؟

أن يكون لنا أسماء

أن ننادي على بعض بـ : يا

مَن سبّب لنا كل ذلك البعد

فوق كوكب صغير، ومنفي؟

إننا وحيدون

ونستمر

في وضع الحجارة فوق بعضها

لبناء البيوت

 

ب ـ اللا ـ بطولة واللا ـ ذاكرة:

تكرر أحلام فكرة اللابطولة على أكثر من وجه، ففي القصيدة رقم 6 تفكك فكرة البيت كمعادل (objective correlative) للعائلة والذاكرة والاستقرار، لتصنع منه معادلاً موضوعياً لفكرة النسيان، إذ يظهر الإرداف الخلفي (oxymoron) على مستوى الدلالة أكثر عمقاً:

 

ليس لديّ طفلة تم اختطافها في وضح النهار

ليس لديّ طفلة مريضة

ليس لديّ طفلة جائعة جداً

لست أُمّاً وهذا أفضل

وليس لي أعداء حقيقيون

ولي بيت صغير

أعود إليه كل يوم

أسمّيه: مكان نسيان كل شيء

 

كما أن الذاكرة عند الشاعرة تصبح معادلة متساوية بين الربح والخسارة، عندما يتساوى النسيان مع الذكريات:

 

حين يصبح للذكريات مكان

نذهب إلى هناك ونجمعها من تحت الأشجار

كما لو أننا نجمع ثماراً نضجت على أمهاتها

[.......]

وسيأكلها، إن لم نأكلها، دود النسيان

عدت هذا المساء من الحقل

بحفنة في يدي من الذكريات

لوجبة العشاء

 

وتتساوى مرة أُخرى فكرة الربح والخسارة حتى على مستوى الحياة والموت:

 

لا شيء كثيراً أخسره إن لم أمرّ من هذه الحياة بغير اسمي الشخصي فقط

بجواز سفري المريض

بجسدي النظيف من علامات الحب

بقلبي المتسخ في معارك خاسرة

بقلبي النظيف بليفة الجلي

التي للتو

عالجت بها صدأ الطنجرة

 

ج - الخروج من الذات:

تبرز اللابطولة أيضاً في فكرة الخروج من الذات والانسلاخ عنها وتفكيكها لتصبح شيئاً، لا إنساناً، ولا بطلاً، وهي فكرة متكررة في تجربة أحلام. فمثلاً في القصيدة رقم 7 تخرج من صليبها، لتراقب جسدها المفكك إلى أعضاء، معلقة بلا مبالاة، وبنظرة ثقيلة كثقل تلك الروح:

 

كل هذه المسامير المعقوفة

صمّمها الحداد،

كي تتحمل روحي الملقاه على الأرض،

وتراقب أعضائي المعلقة على الجدران

بنظرتها الثقيلة

 

وتتكرر فكرة تشييء الذات في القصيدة رقم 8، إذ تصبح الذات عند الشاعرة شيئاً محدداً جميلاً ومجمِّلاً لما حوله، عاطلاً عن الفعل، يراقب امرأة هي أيضاً شيء وحيد ومتروك وقابل للطي والنسيان:

 

أنا الفازة الذهبية

يضعون في فمي الزهور كل يوم

لأزين غرفة الضيوف

لا شيء أفعله في هذا البيت

منذ سنوات

سوى مراقبة صاحبته؛

امرأة من كرتون مقوى

تطوي نفسها على الكنب كل مساء

وتهمس في أذني:

ليتني مثلك

 

2 ـ 2 قصيدة "الخوف"[44] نموذجاً

أ - العنوان:

  • يلعب العنوان المعرّف والحيادي[45] دوراً مركزياً في تثبيت القارىء أمام المفردة، كأن الخوف أصبح شيئاً واحداً معرّفاً ومحدداً.
  • تتكون القصيدة التي اخترناها من ثلاثة مقاطع متفاوتة من حيث عدد الأسطر، ويفصل بينها البياض.
  • نجد أن الصيغ اللغوية التي تشي بالقلق، وعدم الثبات اللغوي، وعدم التحقق الفعلي، منتشرة في النص مثل: "وربما؛ لا يعني؛ أو؛ وقد يضيع؛ وربما لو؛ ولحاولت؛ كما لو".

 

المقطع الأول:

  1. أنا أيضاً لديّ سبب كي أخاف
  2. لا يعني أنه مفهوم أو حتى يمكن احتماله
  3. كل ما في الأمر هو أنه يوجعني وأستطيع أن أضع يدي فوقه
  4. وأتحسسه
  5. وربما لأجل ذلك كنت أحلم منذ طفولتي بأن أصير شاعرة
  6. تزرع قصائد من حقول الذرة الطويلة في الأرض
  7. فيذهب خوفها عالياً
  8. وقد يضيعُ بين خِراف السماء
  9. فلا تُحسه

 

تبدأ القصيدة بـ "أنا أيضاً" كأن الذات المتكلمة في القصيدة تستمر بسرد سابق أو حوار مفتوح لا يعرف القارىء طرفه الآخر. وهذه الأسلوبية من خلال استعمال "أنا أيضاً" تشي بحالة من البوح المتبادل، مع نفسها أو قارئها أو قصيدتها، أو جهة غير معلومة لكنها حاضرة، ويتلاقى سبب "الخوف" الذي لا "يمكن احتماله" بدائرتين: الأولى "يوجعني"، والثانية "أتحسسه"، وتراسل الحواس في التعبير عن الخوف ومحاولة تجسيده بواسطة الدائرتين أعلاه، يجعله حاضراً فوق الجسد كنوع من الألم الجسدي، متحولاً من ظاهرة شعورية نفسية إلى ظاهرة جسدية.

من خلال الجملة "وربما لأجل ذلك" تُدخل الأنا المتكلمة القارىء إلى أفكارها ومختبرها النفسي الداخلي لفهم ذاتها، ولنفهم ـ معها ـ العلاقة بين عملية الكتابة والخوف. فحلم الطفولة بأن تصبح المتكلمة شاعرة[46] مرتبط تماماً بالخوف. وتبدو (للمتكلمة والقارئ) العلاقة بين "الخوف" و"القصيدة" أكثر وضوحاً وقوة حين تعترف بأنها كانت تحلم بأن "تزرع قصائد من حقول الذرة الطويلة في الأرض"، فـ "يذهب خوفها عالياً". ونلاحظ أن العلاقة الأوكسيمورونية بين "في الأرض" و"عالياً" هي علاقة عكسية فيها جذب في اتجاهين مختلفين. فالقصائد كلما كانت راسخة في الأرض متينة مزروعة، تصاعد الخوف عالياً "وقد يضيعُ بين خِراف السماء فلا تُحسه".

 

المقطع الثاني:

  1. أجل، كتبت منذ ذلك الوقت قصيدة
  2. صارت الآن آثاراً
  3. وربما لو فتشت عنها فوق التلة
  4. لوجدتها: قطعة معدنية صدئة وحوافها متآكلة
  5. ولحاولت أن أعتني بها
  6. بأن أنشرها تحت شمس على قيد الحياة
  7. لتقوى عظامها
  8. وتتأهل بعد سنتها الثانية للمشي بثقة
  9. وحدها

في هذا المقطع يبرز انشغال القصيدة بنفسها (الميتا ـ شعرية) بشكل أكثر وضوحاً، فالبداية "أجل" تشير إلى استمرارية البوح الذي لا نعرف طرفه الآخر، لكن القارىء يُفاجأ بـ "منذ ذلك الوقت" أن زمناً طويلاً مر منذ المقطع الأول، فثمة قصيدة كُتبت، لكنها لم تصعد نحو "خراف السماء"، مثلما كان الحلم في المقطع الأول، بل صارت القصيدة "آثاراً"، الأمر الذي يدل على المسافة الزمنية من لحظة كتابة تلك القصيدة إلى لحظة البوح، ونلمس خيبة الشاعرة من قصيدتها الأولى، تلك الخيبة التي تجعل المتكلمة تصف قصيدتها الأولى على شكل مادي بلا قيمة "قطعة معدنية صدئة وحوافها متآكلة". ومرة أُخرى تُدخلنا المتكلمة في مختبرها التفكيري: فلو بحثت "الشاعرة" لوجدت المحاولة الشعرية الأولى واعتنت بها، فالقصيدة الصدئة تحتاج إلى شمس "على قيد الحياة" لتمشي "بثقة". وتتقابل هنا عملية "النشر تحت الشمس" بعملية نشر القصيدة، وتتقاطع عملية الحياة والموت والولادة والنمو، كأن الشاعرة تربّي "قصيدتها" معها لتمشي بثقة وحدها.

 

  1. يحدث هذه الأيام أن أمر من جانب الأسود وسط رام الله
  2. وأكتب قصيدة أُخرى لا تشبه الأولى
  3. سوى في أنها بلا شَعْر خشن قليلاً
  4. يصلح لرأس دمية من القماش
  5. لكن الرغبة في أن أعبث بأعضاء تلك الأسود تجتاحني
  6. ليس لأتأكد بأنها من الحجارة فقط
  7. بل بأني لا أخاف من بعض المخلوقات، كالجمادات
  8. ولو احتال السائق على إغلاق الجنود للطرقات
  9. بأن انعطف عبر طريق فرعي؛ فمضيت إلى قريتي في شمال الضفة
  10. وتناولت أول ما وصلت يد أمي
  11. فظهرت لي
  12. نحيلة.. نحيلة
  13. لاختلطت عليّ الأمور فجأة
  14. فبدوت كما لو أني قد صحوت للتو من كابوس طويل،
  15. وتشابه ما يُرى في النوم مع ما كنت أسائل به نفسي قبل أن أنام:
  16. "لماذا أصحو وحولي كل هذا اليأس؟"

تفاجأنا "الشاعرة" ببداية مختلفة في المقطع الثالث، فتأخذنا إلى مكان آخر خارج طفولتها وكتاباتها الأولى، إلى مكان واقعي فلسطيني وسط رام الله عند دوار الأسود. واختيارها لرام الله يكرس المكان كحيز لا يمكن الفكاك منه، ولا سيما أن الانتقال من "الخراف" إلى "الأسود" هو نقلة في الهوية والذات، من الريفية إلى الغابة / المدينة، من المسالمة إلى الوحشية والجبروت والقوة. ونلاحظ من خلال الإشارة الزمنية "هذه الأيام" خروجها من مرحلة الطفولة وكتابة قصيدة "لا تشبه الأولى" شكلاً على الأقل، وهو ما يعززه الوصف: "بلا شعر خشن... يصلح لرأس دمية من قماش".

ويظهر جلياً للقارىء عمق الخوف الذي لا يزال ملازماً للمتكلمة "الشاعرة"، فعلى الرغم من اختلاف المكان وتدفق الزمن، فإن الخوف هو الدافع إلى كتابة "القصيدة الأُخرى".[47] وهذا يعني أن فكرة القصيدة الثانية، وإن اختلفت شكلاً، إلاّ إنها تشبهها من حيث المضمون، وهو ما تؤكده الجملة: "بل بأني لا أخاف من بعض المخلوقات".

من خلال الجملة "الرغبة في أن أعبث بأعضاء تلك الأسود تجتاحني"، والتي تتلاقى تماماً مع الجملة (في السطرين 3 و4) "كل ما في الأمر هو أنه يوجعني وأستطيع أن أضع يدي فوقه / وأتحسسه"، يفهم القارىء تلك الفوبيا الملازمة للشاعرة؛ فسبب الخوف المجهول يدفع الشاعرة في كل مرة إلى تجسيده بشيء ما، قد لا يكون له أي علاقة بالخوف. فالأسود التي تدور الفكرة حولها هنا، وعلى الرغم من كونها تمثالاً، إلاّ إنها تصور رام الله كعنصر مركزي من دون أن تبدو المدينة ذاتها مقحمة. فصورة السائق الذي يحتال على إغلاق الجنود للطرقات بأن ينعطف عبر طريق فرعي، تُراكم الحضور المكاني المركّب بتعقيداته كلها على الرغم من حضوره اللغوي المختزل في "الأسود وسط رام الله"، وتؤثر بشكل طاغ في مسار القصيدة وتقودها، فنراها تغيّر مسار الرحلة التي تسير فيها الشاعرة لتعيدها مرة أُخرى إلى مكانها الأول الريفي "قريتي في شمال الضفة"، وإلى "يد أمي" التي تبدو نحيلة، ليكتشف القارئ أن المتكلمة "الشاعرة" لا يمكنها أن تعود إلى مكانها الأول في الحقيقة، ولا يمكنها أن تبقى في رام الله، بل هي في ذلك المكان الرفيع بين الكابوس والواقع، وتسائل نفسها "لماذا أصحو وحولي كل هذا اليأس؟" ليصبح "الحلم" بأن تصبح شاعرة، نوعاً من "الكابوس الطويل" المتواصل.

 

ب - ما بعد القراءة:

الخوف لدى أحلام بشارات هو ذلك القناع الذي تختبئ الشاعرة خلفه من القلق الدائم إزاء أن تفسح للبطولة مكاناً. الخوف يصبح هو البطل: بطل حياة الفلسطينية الكاتبة في تجاربها الشعرية؛ الخوف من الكتابة؛ الخوف من العودة إلى البيت غير المتاح؛ الخوف من البقاء في مدينة لا تشبه ريفيتها وتتوسطها مجموعة من الأسود؛ الخوف من يد الأم النحيلة التي تذكّرها بأحلام لم تتحقق؛ الخوف من أن تصحو وتجد أن الكابوس هو الواقع الحقيقي.

 

خاتمة

يتساءل القارئ ما الذي يجمع بين هذه القصائد المتنوعة للشاعرات أعلاه، ففي كثير منها يختلف الموضوع ويختلف التوجه، وفلسطين لا تُذكر كثيراً؟ أهي المرأة الفلسطينية المعاصرة بفسيفساء حكاياتها التي تحتاج إلى أكثر من شاعرة واحدة كي تكتبها؟

محاولات الشاعرات الفلسطينيات تفكيك العالم من حولهن، والحيثيات الحقيقية في حياتهن اليومية، هي مرآة لمحاولة صادقة من طرفهن للتعامل مع واقع اجتماعي وسياسي وأخلاقي مركب، من منظور جمالي ملتزم بقضاياهن الحارقة والحقيقية، وليس من منظور نسوي ممجوج ومتعالٍ، يطالبهن العالم اليوم بالتركيز عليه، ويدفع كثيراً في مقابل ذلك.

تحاول الشاعرات الفلسطينيات اليوم الحفر في اللغة، لاستخراج لغة جديدة مبتكرة وطازجة، بمعانٍ تتآلف مع العالم، عالمهن، من دون كثير من الاستعارات المكرورة، أو البلاغة المتعالية على الواقع. الغضب والخوف والبحث والثورة، كلها هوامش أساسية تحاول تلك الشاعرات الموازنة بينها وبين جمالية شعرية يسعين للعناية بها في كل نص من أجل الخروج من الصندوق.

 

المراجع

بالعربية

أبو الحيات، مايا (2012). "تلك الابتسامة.. ذلك القلب". حيفا: دار راية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (خريف 2013). "رواية الحياة... الحياة الرواية". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 96، ص 169 ـ 171.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (2016). "فساتين بيتية وحروب". الأردن: الأهلية.

أدونيس (1996). "زمن الشعر". بيروت: دار العودة.

الأسطة، عادل (2000). "سؤال الهوية: فلسطينية الأدب والأديب". رام الله: دار الشروق.

البجّاري، يونس (1971). "المعارضات في الشعر الأندلسي: دراسة نقدية موازنة". بيروت: دار الكتب العلمية.

بن مسعود، رشيدة (1994). "المرأة والكتابة". الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

البياتي، عبد الوهاب (1989). "مرثية إلى خليل حاوي". ديوان "بستان عائشة". القاهرة: دار الشرق، ط 1، ص7 ـ 9.

خريس، أحمد (1998). "ثنائيات إدوار الخرّاط النصية / دراسة في السردية وتحولات المعنى". عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع.

"درويش: الشاعر الفلسطيني مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة". "القدس العربي" (لندن)، 1 آب/أغسطس 2001.

سمرين، رجا (1990). "شعر المرأة العربية المعاصر 1945 ـ 1970". بيروت: دار الحداثة.

الشيخ، عبد الرحيم (خريف 2013). "تحولات البطولة في الخطاب الثقافي الفلسطيني". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 96، ص 73 ـ 95.

صفوري، محمد (2017). "شهرزاد تسترد صوتها". الناصرة: مجمع اللغة العربية.

عبد الجابر، سمر (خريف 2013). "فلسطين فراغ في القلب". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 96، ص 147 ـ 149.

عبد المنعم، سمية (20 كانون الثاني / يناير 2018). "ديوان لـ 'يسر بن جمعة' يثير جدلاً عربياً واسعاً". جريدة "الوفد" (القاهرة)، في الرابط الإلكتروني التالي: https://goo.gl/o74xdx

"عبير عبد العزيز.. اعترافات شاعرة حطّمت أصنام الشعر بـ 'طابع بريد' " (7 / 12 / 2017). "الدستور" (عمّان). والمقابلة متوفرة في الرابط الإلكتروني التالي: https://www.dostor.org/2003879

غانم ـ دنف، رجاء (2014). "سيدة البياض". حيفا: دار راية للنشر.

فحماوي ـ وتد، عايدة (2013). "في حضرة غيابه: تحولات قصيدة الهوية في شعر محمود درويش". باقة الغربية: أكاديمية القاسمي ـ مجمع القاسمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (2002). "مراثي الآباء العربية: بحث نصي تطبيقي في تحولات المرثية العربية في فترات زمنية مختلفة رسالة ماجستير غير منشورة. حيفا: جامعة حيفا.

قنازع، جورج (1985). "الهوية والقومية في أدبنا المحلي". "المواكب" [الناصرة]، العدد 3 ـ 4 ، ص 6 ـ 21.

المحبشي، قاسم عبد عوض (2010). "الأسس الفلسفية لمفهوم الجنوسية". "مجلة النوع الاجتماعى والتنمية"، العدد الأول، ص 115 ـ 143.

مرسال، إيمان (2017). "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها". برلين: مؤسسة مفردات.

 

بالإنجليزية

Allen, Roger (1986). “Beginning and Ending: Aspects of Technique in the Modern Arabic Story”. World Literature Today, vol. 60, no. 2, pp. 199-206.

Asfour, John Mikhail (1993). When the Words Burn: An Anthology of Modern Arabic Poetry 1945-1987. Cairo: American University in Cairo Press.

Badawi, Muhammad Mustafa (1975). A Critical Introduction to Modern Arabic Poetry. Cambridge: Cambridge University Press.

Belcher, Margaret (Summer 1983). “Browning's Only Allusion to Pugin: The Opening Lines of Bishop Blougram's Apology”. Victorian Poetry, vol. 21, no. 2, pp. 171-183.

Cixous, Hélène and Keith Cohen and Paula Cohen (1976). “The Laugh of the Medusa”. In The Signs Reader: Women, Gender and Scholarship. Edited by Elizabeth Abel and Emily K. Abel. Chicago: University of Chicago Press, http://links.jstor.org/sici?sici=0097-9740%28197622%291%3A4%3C875%3ATLOT...

Garst, Robert Edward (1982). Headlines and Deadlines: A Manual for Copy Editors. New York: Columbia University Press.

Genette, Gérard (Summer 1988). “Structure and Functions of the Title in Literature”. Critical Inquiry, vol. 14, no. 4, pp. 692-720.

Gottesfeld, Dorit (January 2010). “(Acoustic Walls): On Feminine Voices in the Stories by Samia 'At'ut”. Journal of Arabic Literature, vol. 41, no. 3, pp. 303-320.

Heidegger, Martin (1969). Identity & Difference. Translated by Joan Stambaugh. New York & London: Harper & Row Publishers.

Jayyusi, Salma Kadra (1992). Anthology of Modern Palestinian Literature. New York: Colombia University Press.

Levinson, Jerrold (Autumn 1985). “Titles”. The Journal of Aesthetics and Art Criticism, vol. 44, no. 1, pp. 29-39.

Nakhleh, K. (1975). “Cultural Determinants of Palestinian Collective Identity: The Case of Arabs in Israel”. New Outlook, vol. 18, no. 7, pp. 31-40.

Noonan, Harold W. (1989). Personal Identity. London & New York: Routledge.

Powell, Brian (April 1988). “The Opening Lines of the Poema De Mio Cid and The Cronica De Castilla”. The Modern Language Review, vol. 83, no. 2, pp. 342-350.

Taha, Ibrahim (2000). “The Power of the Title: Why Have You Left the Horse Alone By Mahmud Darwish”. Journal of Arabic and Islamic Studies, vol. 3. pp. 66-83.

_______ (2006). “(Beware Men, They Are All Wild Animals)-Arabic Feminist Literature: Challenge, Fight and Repudiation”. Al-Karmil: Studies in Arabic Language and Literature, vol. 27, pp. 25-71.

_______ (2007). “Swimming Against the Current: Towards an Arab Feminist Poetic Strategy”. Orientalia Suecana, vol. LVI, pp. 193-222.

Torgovnick, M. (1981). Closure in the Novel. New Jersey: Princeton University Press.

Wasser, H. (November 1970). “John Quincy Adams on the Opening Lines of Milton`s Paradise Lost”. American Literature, vol. 42, no. 3, pp. 373-375.

Whiston, J. (1986). “Leonor and the Last Three of Machado's A Un Olmo Seco”. Neophilologus, vol. 70, no. 3, pp. 397-405.

 

بالعبرية

فريلوك، ن. وش. فيغا (1989). "العنوان، رؤوس العناوين، ومميزاتها: لغة، تعبير، فهم". القدس: وزارة التعليم والثقافة.

 

* رئيسة قسم اللغة العربية في أكاديمية القاسمي، ومحاضِرة في جامعة حيفا.

[1] فيما يتعلق بالجدل بشأن ماهية "الأدب الفلسطيني" والأديب الفلسطيني، وإن كان محكوماً بالموضوع الفلسطيني أو الانتماء الفلسطيني أو المكان الجغرافي، انظر: الأسطة 2000، ص 34.

[2] ترى سلمى خضرا جيوسي (Jayyusi 1992, p. 18) أن تطور الأدب الفلسطيني على المستوى الجمالي يعكس التطور العام في المراكز الأدبية الكبرى في العالم العربي.

وفي سياق متصل، يشير بدوي (Badawi 1975, p. 222) إلى أن الشعراء الفلسطينيين المعروفين بـ "شعراء المقاومة" بعد سنة 1967، و"شعراء الأرض المحتلة"، أصبحوا مشهورين ضمن تيار الشعراء الملتزمين، ليس دائماً بسبب القيمة الشعرية، بل إن هناك تفاوتاً في مواهبهم، وقد يؤخذ عليهم ـ من وجهة النظر الأدبية الصافية ـ كثرة الإنتاج الذي ربما يقع تحت خطر السطحية والميكانيكية. لكن بسبب كون معظمهم من الشيوعيين، فإنهم أظهروا، وخصوصاً في أشعارهم المبكرة، تأثرهم بعبد الوهاب البياتي (1926 ـ 1999) وبدر شاكر السياب (1926 ـ 1964)، وفي الأغلب استخدموا الشكل الجديد المتضمن عدداً متنوعاً من التفعيلات. كما اتبعوا جميع التقنيات المركزية المميزة لنظرائهم المعاصرين، ومن ضمنها استخدام الأساطير اليونانية والمصرية القديمة والبابلية والعربية والإسلامية والمسيحية، الأمر الذي يشير إلى أن ذلك الجيل من الشعراء الفلسطينيين الذين عاشوا في الأراضي المحتلة منذ سنة 1948، لم يكتبوا في عزلة فنية بعيداً عن معاصريهم في العالم العربي، وإنما اللافت هو وجود كثير من الأفكار التي تسللت إلى شعرهم المبكر قبل أن يبدأ قسم منهم بمغادرة إسرائيل (Asfour 1993, p. 70). ويرى أدونيس، أن "شعر الأرض المحتلة" هو رافد صغير وثانوي في الشعر العربي المعاصر، وهو امتداد لشعر التحرر الوطني المعروف وليس شعراً ثورياً، لأنه يحمل صورة ثقافة الماضي فنياً وفكرياً. ويطلق أدونيس عليه اسم "الشعر ـ التظاهرة"، وهو شعر طوباوي غنائي لا يؤسس للفعل أو للغة، بل فيه كثير من المبالغة والخواء، على غرار نتاج الشعراء العرب الآخرين خارج الأرض المحتلة. ويشير أدونيس إلى أن في المقاومة العربية وما ينبثق عنها نوعاً من السحر الذي يغطي على الأخطاء، وهو ما يجعلنا نميل إلى رؤية الواقع بعين المثال والتوهم لتلبية حاجة نفسية، فحتى هو نفسه توهّم في ذلك الشعر ما لا يراه اليوم. انظر: أدونيس 1996، ص 104 ـ 106.

[3] يقول محمود درويش (1941 ـ 2008) في مقابلة مع جريدة "القدس العربي" (لندن)، 1 آب / أغسطس 2001، أنه لن يبقى أسير التعريف لأنه شاعر فلسطيني، فهذا "التعريف يعني أن يعرف الشاعر الفلسطيني بأنه ذلك الشاعر المتخصص في موضوع واحد هو فلسطين. ليس الشاعر الفلسطيني هو مَن يحمل ذاتاً فردية تحكي إنسانية الفلسطيني وهشاشته وضعفه وخوفه وقلقه كمركبات من شخصيته المقاومة، [....] ولكن هل تستطيع هذه الذات الفردية أن تتحرر من ضغط التاريخ ومن ضغط الهوية ومتطلباتها؟ كلا، ولكن تلك ليست خاصية فلسطينية، إنها خاصية أدبية وإنسانية عامة، مع الاعتراف بأن الفلسطيني، شاعراً، مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة، ومع وطنه لأنه ليس محرراً. وهكذا يتداخل سؤال الهوية مع سؤال الإبداع في توتر عالٍ يمتحن خبرة الشاعر والتزامه الحر بسؤاله الجمالي وفاعلية هذا السؤال في المجتمع. أن يكون المرء شاعراً من فلسطين هو شيء أصعب من أن يكون شاعراً من مكان آخر. ولكن أما آن الأوان لأن ينظر النقد إلى الإنجاز الشعري الفلسطيني بمقاييس أدبية عامة، ويرى مكانة هذا الإنجاز في مشهد الشعر العربي، دون أن ينشغل بالتدقيق في جنسية هذا النص؟"

[4] تُعتبر تجربة أوسلو مفرقاً أساسياً انعكس في الكتابات الأدبية الفلسطينية. انظر: الشيخ 2013، ص 79 ـ 80.

[5] عن الهوية الذاتية، انظر: Noonan 1989, pp. 1-2; Heidegger 1969, pp. 23-28.

وعن التشكلات الثقافية في الهوية الجمعية الفلسطينية، وخصوصاً لدى العرب داخل الخط الأخضر خلال الفترة 1948 – 1975، انظر: Nakhleh 1975, pp. 31-39؛ وقنازع 1985، ص 19 ـ 20. وعن تحولات الهوية لدى محمود درويش كنموذج للشعر الفلسطيني برمّته، انظر: فحماوي ـ وتد 2013، ص 135، 198.

[6] عن تهميش كتابات النساء العربيات وأشعارهن عبر التاريخ وأسباب ذلك، انظر: سمرين 1990، ص 39 ـ 43.

[7] تفحص هذه الدراسة الأدوات اللغوية والشعرية التي تتخذها الشاعرات وسيلة للتعبير عن فكرة التحرر، وتتخطى الجدل الدائر بشأن تسميات متنوعة لما تنتجه الكاتبات العربيات، وكذلك مسألة قبول أو رفض المصطلحات مثل "الأدب النسائي" و"الأدب النسوي". فالدراسة ستركز على فحص الأدوات اللغوية والشعرية التي تستثمرها الشاعرات المعاصرات للتعبير، من دون جعل هذه القصائد تحت مسمى تصنيفي معين. لمراجعة الجدل الاصطلاحي، انظر على سبيل المثال: صفوري 2017، ص 17 – 23؛ المحبشي 2010، ص 121 – 126.

[8] انظر: الشيخ 2013، ص 73 ـ 95.

[9] التحدي الكبير يكمن في اختيار كتابة الشعر لدى الشاعرات العربيات بصورة عامة، وليس فقط الفلسطينيات، في زمن انحسار دور القصيدة في تشكيل الوعي السياسي والثقافي والذائقة العامة العربية. وقد قاد وعي الشاعرات بهذا التحدي إلى السعي خلف آليات غير لغوية وخارجة عن المألوف للتواصل بين المتلقي والقصيدة؛ نأخذ على سبيل المثال تجربة الشاعرة المصرية عبير عبد العزيز التي قدمت قصائد ديوانها "مشنقة في فيلم كرتون" (2009) مصحوبة بلوحات من فيلم، أو بلوحات لفنان كاريكاتير، والتي بادرت ونظمت ضمن معهد غوته الثقافي الألماني حملة "اِدعم الشعر" التي من خلالها روجت لفكرة تقديم قصيدة النثر للصم والبكم بلغة الإشارة، وللترويج للشعر باستخدام الطوابع البريدية. انظر مقابلة مع الشاعرة في: عبير عبد العزيز 2017.

[10] تتناول الدراسات الجادة سؤالاً مركزياً عن وجود جماليات خاصة بالأدب الذي تكتبه المرأة، وما إذا كانت هذه السمات الجمالية خاصة بأدب المرأة فقط وإلى أي مدى. انظر على سبيل المثال: Taha 2007, pp. 193, 218-219.

[11] على سبيل المثال لا الحصر، من تلك الطرق اللغوية توظيف العنوان بطرق متنوعة، ليس فقط كبنية جمالية ذات بعد سيميائي تمثيلي، بل كنوع من التسويق والإغواء عبر توظيف عناوين صادمة ومغوية وتمثيلية. فمن الملاحظ أن كثيرات من الشاعرات العربيات النسويات لجأن إلى هذه الأداة مثل عنوان: ديوان "أرملة قاطع طريق" (القاهرة: دار ميريت للنشر والمعلومات، 2007) للشاعرة الإماراتية ميسون صقر القاسمي، والذي يحمل عنوانه عمقاً تمثيلياً وبعداً إغوائياً لوجود المفارقة فيه، وكذلك عنوان ديوان "الفايروس الجميل" (دمشق: سوريانا ـ مؤسسة سورية للإعلام، 2016) للشاعرة السورية خالدية المعيجل الذي يوظف الأوكسيمورون، وعنوان ديوان الشاعرة التونسية يسر بن جمعة "ليتني عاهرة" (2007) والذي أثار عاصفة من الجدل، وقد رفضت وزارة الثقافة التونسية دعم الديوان مادياً اعتراضاً على عنوانه الفج، إلاّ إن إصرار الشاعرة على العنوان واعتبار تدخّل الوزارة اعتداء على حرية الإبداع دفعها إلى طبعه على نفقتها الخاصة. انظر بشأن ذلك، مقابلة أجرتها سمية عبد المنعم مع الشاعرة بن جمعة في جريدة "الوفد"، في: عبد المنعم 2018. وللتوسع في جماليات العنوان المثير الذي يهدف إلى جذب القارىء بإبراز جانب مسلٍ من النص عن طريق تأكيد أمر شاذ أو استخدام التناقض والتضاد، انظر: فريلوك وفيغا 1989, ص 58. وعن العناوين المغوية انظر: Genette 1988, p. 718. وعن العناوين المغوية والموحية في الوقت نفسه، انظر: Garst 1982, p. 9. وعن العنوان التمثيلي انظر: Taha 2000, pp. 63, 83.

[12] نلاحظ اهتمام النقد الأدبي بالنتاج السردي للكاتبات العربيات أكثر من اهتمامه بالنتاج الشعري، وربما يكمن مردّ ذلك في أن الشعر بصورة عامة يُعدّ اليوم في الهامش الأدبي والنقدي. كما أن التوغل في قراءة النصوص الشعرية يستلزم رؤية نقدية تبحث في المظاهر الجمالية أكثر من المضامين، بينما من الملاحظ أن النقد الأدبي لما كتبته النساء ينشغل غالباً بالتطرق إلى الثيمات النسوية المتعلقة بسياقات اجتماعية أكثر من الأدوات. انظر على سبيل المثال: Gottesfeld 2010.

[13] شاعرة فلسطينية من مواليد لبنان 1985.

[14] تقول الشاعرة سمر عبد الجابر: "بشكل عام لا أحب التصنيفات، فلا أطلق على نفسي صفة 'الملتزمة'. لا أختار الموضوعات التي أكتب عنها، ولا أعتبر أنه يجب أن يكون ثمة 'موضوع' للقصيدة أو النص. ظهور السياسة في نصوصي يأتي بشكل عفوي تماماً كما الأفكار والتجارب الأُخرى التي أعيشها.. كل ما أمر به خلال يومي ينعكس في كتابتي بشكل عفوي." انظر شهادتها في: عبد الجابر 2013، ص 148.

[15] نُشرت القصيدة في مدونة الشاعرة "هدوء نسبي في 2 / 6 / 2018، وهي متوفرة في الرابط الإلكتروني التالي: http://summer-blues.blogspot.com/

[16] شاعرة فلسطينية ولدت في دمشق في سنة 1974، وعادت إلى فلسطين في سنة 1995.

[17] غانم ـ دنف 2014، ص 67.

[18] المصدر نفسه، ص 25.

[19] شاعرة فلسطينية من مواليد عمّان 1993. لها ديوان "عندما أَغلق الباب على الشارع"، وقد صدر في سنة 2014.

[20] نُشرت للمرة الأولى في جريدة "الأخبار" (بيروت)، السبت 17 تشرين الأول / أكتوبر 2015، وأعيد نشرها في موقع "قديتا". القصيدة الكاملة متوفرة في الرابطَين الإلكترونيين التاليين:

https://www.al-akhbar.com/Kalimat/12568

http://www.qadita.net/featured/abeer/

[21] قاصّة وشاعرة فلسطينية من مواليد قرية بدوية مهدمة. تقيم في يافا منذ سنة 1989. من إصداراتها القصصية: "سيدات العتمة" (2015)؛ "النوافذ كتب رديئة" (2016)؛ "الطلبية C345" (2018)؛ ديوان "خارج الفصول تعلمت الطيران" (2016).

[22] شاعرة وُلدت في قربة دبورية في الجليل وتقيم في مدينة حيفا. صدرت لها المجموعة الشعرية "ليوا" (2011)، والمجموعة "كما ولدتني اللدّية" (2015).

[23] نُشرت القصيدة في مجلة "رمّان" الإلكترونية في 2 / 9 / 2016. وهي متوفرة في الرابط التالي: https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=571

[24] شاعرة وكاتبة قصص للأطفال وروائية فلسطينية، ولدت في بيروت في سنة 1980، وتنقلت بين بيروت وتونس وعمّان، ثم عادت إلى القدس فلسطين في سنة 1995، وتقيم الآن في القدس. صدر لها عدة روايات منها: "حبّات السكر" (2004)؛ "عتبة ثقيلة الروح" (2011)؛ "لا أحد يعرف زمرة دمه" (2011)؛ "AB+" (2012)؛ "جليتر" (2018). وثلاثة دواوين: "ما قالته فيه" (2007)؛ "تلك الابتسامة ذلك القلب" (2012)؛ "فساتين وحروب بيتية (2016). كما صدر لها عدة قصص للأطفال.

[25] عن مفهوم "الأمومة خارج المتن"، انظر: مرسال 2017، ص 8.

[26] تتمسك مايا أبو الحيّات بالتفصيلات، وهي تفسر ذلك في شهادتها في "مجلة الدراسات الفلسطينية": "كيف أكتب عمّن فقد كل شيء بعد هذه السنين كلها، وأُوثر، إن لم أكن سأكتب عن تفاصيله الصغيرة، أن أكتب عن همّه بالحصول على شوال أسمنت، عن حاجته إلى وثيقة سفر، عن بكاء طفلتي المتواصل على حاجز قلندية لأنها، ببساطة، تريد الدخول إلى الحمام؟" انظر: أبو الحيات 2013، ص 170.

[27] أبو الحيات 2016، ص 68.

[28] المصدر نفسه، ص 86.

[29] المصدر نفسه، ص 27.

[30] أبو الحيات 2012، ص 39 ـ 41.

[31] اخترنا في هذا الاتجاه نموذجاً أساسياً هو الشاعرة مايا أبو الحيات التي ولدت في لبنان، وتقيم حالياً في القدس.

[32] أبو الحيات 2012، ص 11 ـ 13.

[33] يطلق عليها جينيت اسم العناوين المتداخلة، أو الجامعة بين الريماتية والثيماتية (Ambiguous)، وهي التي تحدد جنس العمل وموضوعه. انظر: Genette 1988, p. 716.

[34] قارن على سبيل المثال مع: "مرثية إلى خليل حاوي" لعبد الوهاب البياتي في: البياتي 1989، ص7 ـ 9. وقد شهدت المراثي الحديثة تحولات كثيرة في شكلها ومضمونها، انظر: فحماوي ـ وتد 2002، وهي دراسة غير منشورة عن هذا الموضوع

[35] مثلاً كما جاء في بيت ابن عبد ربه (860 ـ 940): "ما زلت أبكي حِذَارَ البَيْن مُلتَهِبَا... حتى رثى لي فيك الريحُ والمَطَرُ". انظر: البجّاري، ص 51.

[36] عن صوت الراوي المؤنث في النصوص السردية النسوية، انظر: Taha 2007, pp. 200-204.

[37] فحماوي ـ وتد 2013، ص 264.

[38] عن تأثير البدايات في القارئ، انظر: خريس 1998، ص 52. وعن معالجة البدايات في الشعر، راجع على سبيل المثال: Belcher 1983, p. 171; Powell 1988, p. 342; Wasser 1970, p. 373.

[39] عن خاصية التمحور والتركيز على الذات في كتابات النساء، انظر: بن مسعود 1994، ص 94.

[40] نعني هنا بالنهاية (ending) الوحدة الأخيرة التي يمكن تحديدها في العمل الأدبي: المقطع؛ السطر؛ الفصل؛ الصفحة؛ الفقرة؛ الجملة. انظر: Whiston 1986, p. 397. وهي تشكل النهاية النصية الفعلية للعمل الأدبي والتي لا يجد القارىء بعدها ما يقرأه بشكل فعلي، انظر: Torgovnick 1981, p. 6. وهي تلي شيئاً آخر بحكم الضرورة، أو تأتي كنتيجة عادية لا يلحق بها شيء، انظر: Allen 1986, p. 199. ويمكن القول إن النهاية محكومة بجسد النص، ونتعامل معها هنا من خلال تحديدها مكاناً وشكلاً ونوعاً، وتحديد دورها في العلاقات الداخلية النصية.

[41] انظر: مرسال 2017، ص 52 ـ 54.

[42] كاتبة وشاعرة فلسطينية ولدت في طمّون في سنة 1975، وتقيم في رام الله. لها قصص للأطفال وروايات لليافعين منها: "اسمي الحركي فراشة" (2009)؛ "شجرة البونسيانا" (2014)؛ "مصنع الذكريات" (2018). وتعكف الآن على إصدار ديوانها الأول.

[43] زودتني الكاتبة والشاعرة أحلام بشارات بمخطوطات قصائدها تحت الطبع، من دون عناوين لغوية، وإنما بعنوان رقم. وهذا النوع من العناوين يساهم في تشخيص العمل، ويؤدي وظيفة التعيين (designation) فقط. للمزيد انظر: Genette 1988, pp. 708-710.

[44] نُشرت في 27 كانون الثاني / يناير 2014، في المجلة الإلكترونية "أوكسجين"، وهي متوفرة في الرابط التالي: https://goo.gl/fG5hxA

[45] العنوان المحايد (neutral title) هو أبسط أنواع العناوين وأكثرها مللاً، ويُعدّ هامشياً للعمل، واختياره يتم بشكل أتوماتيكي. مثلاً: أسماء شخصيات؛ أشياء؛ أغراض؛ أسماء أماكن مذكورة في جسد النص بشكل بارز. النوع الآخر من العناوين المحايدة هو ما يظهر في القصائد، ويتألف من الأسطر الأولى من تلك القصائد. هذه العناوين لا تؤثر في محتوى النص، ودورها ليس جوهرياً، بل يهدف فقط إلى تسمية العمل أو السير وفق عادة "تسمية" العمل. لكن ذلك لا يعني أنها لا تحتوي على قدرة جمالية، فمجرد وجود عنوان يمنح العمل طاقة فنية مغايرة، كما أن مجرد تخيل العمل بعنوان مختلف عن العنوان الحالي يجعلنا نستدل على قدرة هذه العناوين الجمالية، لأن وجود أي عنوان آخر سيؤثر في محتوى العمل. انظر: Levinson 1985, p. 34.

[46] عن تأنيث اللغة في الكتابات النسوية، انظر: Taha 2007, pp. 204-207.

[47] قارن بمفهوم الكتابة عند هيلين سكسوس، وعلاقة المفهوم بالتحرر الداخلي، انظر:

Cixous 1976, pp. 876-877.