mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 77
مقالات
أحجية التنسيق الأمني.. وعلاقات القوة
النص الكامل

مهند عبد الحميد*

أحجية التنسيق الأمني.. وعلاقات القوة

 

التنسيق الأمني بين دولة الاحتلال العميقة، وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية الناشئة اختراع أوجده "اتفاق أوسلو". وللوهلة الأولى، بدا أن التنسيق يتمحور حول انسحاب إسرائيلي من مدن وبلدات ومخيمات فلسطينية وتسليمها لأجهزة الأمن الفلسطينية، فضلاً عن نقل صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية المموهة للحكم العسكري، إلى السلطة الفلسطينية. لكن هذا التنسيق الأمني تمت قراءته بطريقتين مختلفتين: قراءة إسرائيلية منسجمة مع ميزان السيطرة الفعلي وشبه المحكم على الأرض، وقراءة فلسطينية استيهامية تستند إلى المطالبة والمناشدة والوساطات الأميركية والأوروبية والمصرية، وإلى مستوى بعيد من الارتجال وإسقاط الرغبات.

تنطلق فلسفة الأمن الإسرائيلية من أهمية الانفصال عن المجتمع الفلسطيني وتقليل الاحتكاك به إلى أدنى حد، بما في ذلك الانسحاب من شؤونه الحياتية، ذلك بأن الانفصال يقلل من المخاطر الأمنية التي تهدد راحة الإسرائيليين. هذا درس استخلصه العقل الأمني الإسرائيلي في أثناء الانتفاضة الشعبية الكبرى في سنة 1987، التي غيرت قواعد اللعبة في العلاقة بين شعب واحتلال، والتي عبّر عنها يتسحاق رابين بالقول: "لم نأتِ إلى هنا للانشغال بشؤون الفلسطينيين"... و"لتغرق غزة في البحر." تلك الانتفاضة دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى البحث عن آلية لتطبيق السياسة الأمنية الجديدة التي استهدفت الانتقال من صيغة السيطرة المباشرة عبر التمركز والوجود العسكري والأمني في قلب التجمعات الفلسطينية، إلى السيطرة عن بُعد وشنّ هجمات للاعتقال ولإحباط مقاومين قبل أو بعد قيامهم بعمليات ضد أهداف إسرائيلية. وفي هذا السياق جرى نقل قضايا مثل التعليم والصحة واستصدار الهويات وترخيص المركبات، والعديد من المهمات المدنية، إلى السلطة الفلسطينية.

مثّل اتفاق أوسلو ضالة الإسرائيليين للبدء بتقاسم وظيفي مع طرف فلسطيني، عنوانه: الأرض والسيادة عليها لدولة الاحتلال، وعبء ما عليها من سكان للسلطة الفلسطينية. ومن أجل تحقيق هذه المعادلة، كان لا بد من ضبط الأمن من طرفين، مثلما يعتقد العقل الأمني الإسرائيلي، فضلاً عن تأمين المال اللازم من جانب الدول المانحة، وتأمين غطاء سياسي دولي وإقليمي عربي وإسلامي، مدعّم بخطاب إعلامي لسان حاله يقول إن القضية الفلسطينية حُلّت، أو في طريقها إلى الحل، عبر اتفاق مرحلي، وآخر نهائي مقبل.

وخلافاً للخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي الذي جرى ترويجه آنذاك، والذي يقول سنترك الفلسطينيين يحكمون أنفسهم بأنفسهم، فإن الحكم بقي بيد المحتلين، بينما جرى إشراك السلطة الفلسطينية في التنفيذ وفي تحمّل الأعباء. وبقيت دولة الاحتلال تسيطر وتتحكم في الاقتصاد، والأهم في سجل السكان كالإقامة والانتقال والتنقل، وخصوصاً ما بين الضفة والقطاع والقدس والخارج ومناطق 48. ونقلت الإدارة المدنية جزءاً من صلاحياتها الإدارية إلى السلطة الفلسطينية واحتفظت بكل ما له علاقة بالسيادة، علماً بأن اتفاق أوسلو ينص على حل الإدارة المدنية الإسرائيلية ونقل كامل صلاحياتها إلى السلطة الفلسطينية.

كان الأمن وكيفية التعامل معه هما العنصر الجوهري في اتفاق أوسلو، لكن بعد خروج قوات الاحتلال من المدن والبلدات والمخيمات ذات الكثافة السكانية، ونقل السيطرة عليها إلى أجهزة أمن السلطة، تبيّن أنه لن يكون هناك انسحابات إضافية، وأن منع الاحتكاك بين جيش الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين تحقق إلى حد مقبول إسرائيلياً. وسرعان ما بدأت الخطوة الثانية بفصل المستعمرات والمستوطنين عبر شبكة من طرق التفافية قوّضت الوحدة الجغرافية للأراضي والمناطق الفلسطينية، ووضعت المواطنين الفلسطينيين في معازل فصل عنصري، في الوقت الذي أوجدت تواصلاً بين المستعمرات ودولة الاحتلال.

ضمن هذه المعادلة، تضعضع التبرير الفلسطيني للتنسيق الأمني، وأصبح الأمن الفلسطيني ملزماً بالحفاظ على أمن المستوطنين والاستيطان وجيش الاحتلال الذي كان يعيد بناء قبضته العسكرية الأمنية في مواجهة شعب يعاني الأمرّين من الاحتلال والاستيطان؛ معادلة أكثر من ظالمة وأكثر من مجحفة.

برر رابين وقيادة حزب العمل موافقتهم على اتفاق أوسلو، بأنهم سيجلبون الأمن لإسرائيل، وقد أُقر الاتفاق في الكنيست بشقّ الأنفس عبر حصولهم على أصوات النصف + 1، معتمدين على أصوات الأعضاء العرب. لكن، بدلاً من جلب الأمن، قامت حركتا "حماس" والجهاد الإسلامي بمجموعة من العمليات ضد مدنيين في العمق الإسرائيلي، الأمر الذي استخدمه اليمين في التحريض على رابين وحزب العمل، وهو تحريض أفضى إلى قتل رابين بيد أحد المتطرفين اليهود.

كان يمكن توجيه المقاومة المسلحة ضد جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة والقطاع من موقع عدم القبول باتفاق اوسلو، إذ لا أحد يستطيع معارضة ذلك، كونه ينسجم مع القانون الدولي، ولا أحد يستطيع رفض مقاومة إعادة بناء سيطرة الاحتلال وتحصين الاستيطان في الاراضي الفلسطينية التي يعتبرها القانون الدولي أراضي محتلة. وكان من المحتمل أن يدفع هذا الفعل المقاوم الاسرائيليين إلى التراجع عن الاتفاق، بل حتى التراجع ـ بشكل أو آخر ـ عن الاحتلال باعتباره قضية خاسرة. غير أن الذهاب إلى أهداف مدنية وفي العمق الإسرائيلي أدى إلى نتائج معاكسة تمثلت في قمع السلطة للمقاومين من جهة، وإلى ترجيح كفة اليمين الإسرئيلي الذي يرفض أي تراجع مهما يكن محدوداً وشكلياً أمام الشعب الفلسطيني، من جهة أُخرى.

وفي سياق تكريس علاقات القوة، اندلعت اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي وعناصر من الأمن الفلسطيني ـ المكون أساساً من مقاتلين جاؤوا من الخارج ومن ناشطي ومطاردي الانتفاضة الشعبية في الداخل ـ سقط فيها عدد من الجنود الإسرائيليين. وسبب تلك الاشتباكات كان افتتاح السلطات الإسرائيلية نفقاً في البلدة القديمة في القدس، الأمر الذي قرع ناقوس الخطر على مسمع الجنرالات وعقيدتهم الأمنية، بعدما تبيّن لهم أن عناصر الأمن الفلسطيني ينتمون إلى عقيدة التحرر من الاحتلال، فعمدت قوات الاحتلال إلى زيادة الحواجز الأمنية، وكرست إجراءات عملت على إذلال الشبان، وفصل القدس والضفة والقطاع ومناطق 48 بعضها عن بعض، وتسريب معلومات عن خطط عسكرية لاستعادة السيطرة على مناطق السلطة المسماة "أ".

لكن على الرغم من استفحال السياسة الكولونيالية الإسرائيلية، استمر رهان القيادة الفلسطينية على التفاوض، لإنهاء الإجراءات الإسرائيلية السابقة واللاحقة للاتفاق، وإيجاد الحلول المقبولة فلسطينياً لجميع قضايا الوضع النهائي، مبررة هذا التوجه باطمئنانها إلى الوساطة الأميركية والدعم الأوروبي والدولي والعربي. ومن هذا المنطلق، عمدت السلطة الفلسطينية إلى اعتقال ناشطين من حركتَي "حماس" والجهاد الإسلامي، وإلى تفعيل التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي في مواجهة التنظيمَين اللذين تبنّيا سياسة إسقاط اتفاق أوسلو، في تساوق مع سياسات قوى الممانعة الإقليمية والتنظيم الدولي للإخوان، وليس من خلال استراتيجيا وطنية فلسطينية، في الوقت الذي كانت حكومة نتنياهو الأولى تعمل على تعميق الاحتلال.

في ظل هذه التطورات كلها، جاءت مفاوضات كامب ديفيد 2000 لتضع النقاط على الحروف، إذ كان المطلوب من عرفات، القبول بـ "أبارتهايد" معازل فصل عنصري بسيادة إسرائيلية، وتوقيع اتفاق بشأن هذا، لكنه عندما رفض ذلك، فَقَد الشراكة في صنع ما يسمى بالسلام، مثلما قال إيهود باراك الذي كان يتفاوض معه في كامب ديفيد آنذاك. ومقولة "لم يعد عرفات شريكاً"، فتحت الأبواب على مصراعيها أمام انتقال رئاسة الحكومة إلى شارون وائتلافه اليميني العنصري، والذي دشّن عملية الانتقال هذه بدخول باحات المسجد الأقصى، وهو الاعتداء الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية في سنة 2000، والتي سرعان ما تحولت إلى انتفاضة مسلحة شارك فيها عناصر من أجهزة الأمن الفلسطينية. وبادر عرفات أيضاً إلى تشكيل كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة "فتح"، والتي شرعت في تنفيذ عمليات مسلحة ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه، كما أفرج عن معتقلي حركتَي "حماس" والجهاد الإسلامي، وسمح لهم باستئناف عملياتهم من دون تحفّظ.

بهذه التطورات كان التنسيق الأمني قد انتهى عملياً، بيد أن اكتشاف سفينة "كارين إيه" المحملة بالسلاح، نقل الصراع إلى فصل جديد أصبح فيه عرفات "غير ذي صلة"، فجُرّد من شرعيته من طرف الحكومة الإسرائيلية وإدارة بيل كلينتون الأميركية. وقد دمرت قوات الاحتلال مطار غزة وحاصرت عرفات في المقاطعة، وتعرضت مقار الأجهزة الأمنية لقصف جوي، وأعاد جيش الاحتلال السيطرة على المدن، في أكبر عملية عسكرية دمرت كل ما تم بناؤه بدعم أوروبي، وأُحكم الحصار على عرفات بين أنقاض المقاطعة التي تعرضت للتدمير، ما عدا الجزء الذي يقيم فيه، وانتهت هذه المرحلة باستشهاده مسموماً من دون تحديد الجهة المسؤولة، وبقي ملف تصفيته غير مسموح بتداوله أو فتحه.

بدأت مرحلة ما بعد عرفات، باعتقال جزء كبير من المقاومين والقادة، مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات، وبتسريح الجزء الأكبر من كوادر وعناصر الأمن عبر ما يسمى تقاعداً مبكراً براتب كامل، وبإعادة بناء أجهزة الأمن بإشراف أميركي ـ أوروبي، بعد استبعاد الجزء الذي شارك في عمليات عسكرية ضد الاحتلال، وكان "أبو جندل" الضابط في الأمن الفلسطيني الذي قاد المقاومة في معركة مخيم جنين، نموذجاً لهؤلاء.

لقد أدت العمليات الاستشهادية ـ التي تضاعفت وألحقت خسائر كبيرة في صفوف مدنيين إسرائيليين في تل أبيب والقدس وغيرها من المدن، والتي قادتها حركة "حماس" وشاركت فيها تنظيمات أُخرى، وخصوصاً تلك التي نُفذت بعد عملية أيلول / سبتمبر 2001، مضافاً إليها الأسباب السابقة ـ دوراً كبيراً في تبرير دمغ النضال الفلسطيني بالإرهاب، وفي تبرير بناء جدار الفصل العنصري الذي ضم 10% من أراضي الضفة الغربية، وتبرير التدخل الأميركي ـ الأوروبي في الشأن الفلسطيني، وتحديداً في إعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية.

قد يقول البعض إن إسرائيل ليست بحاجة إلى ذرائع، وإن مشاريعها مُعدّة في الأصل في زمن سابق؛ هذا صحيح بالنسبة إلى جدار الفصل، لكن دمغ التحرر الوطني بالإرهاب، بموافقة دولية بما في ذلك بعض الدول الصديقة، كان بفعل تلك العمليات أساساً، أو على الأقل، بسبب الرأي العام الدولي الذي تفهّم الموقف الإسرائيلي الزاعم بأن إسرائيل تشارك في الحرب الدولية ضد الإرهاب على جبهة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وأنها تبني جدار الفصل العنصري دفاعاً عن شعبها الذي تعرّض ويتعرض لتفجيرات فلسطينية. وفي هذا السياق، تلطّى التدخل الأميركي وراء غطاء مشروع سياسي تحت مسمى "خريطة الطريق"، يبدأ بمحاربة الإرهاب وتفكيكه، وينتهي بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، غير أن هذا المشروع ظل في مرحلة تفكيك الإرهاب وإعادة بناء مؤسسات السلطة، ولم يتجاوزها بوصة واحدة في اتجاه انسحاب إسرائيلي من أراضٍ محتلة، مثلما ظل اتفاق أوسلو يراوح مرحلته الانتقالية الأولى. وكان الاستثناء الوحيد اضطرار إسرائيل إلى الانسحاب العسكري والاستيطاني من قطاع غزة، من طرف واحد، والانتقال من الاحتلال المباشر إلى احتلال وسيطرة عن بُعد. وقد كشف الانسحاب حقيقة أن دولة الاحتلال تعمل وفقاً لسياسة الحلول المفروضة من طرف واحد، والمنحازة إلى مصالح الدولة الكولونيالية وأطماعها.

كانت إسرائيل تعلم أن السيطرة في قطاع غزة هي لحركة "حماس" التي تملك من السلاح المهرب عبر الأنفاق ما يكفي للحسم بسرعة في وجه "فتح" والسلطة. وكان يهمها التنازع الفلسطيني على السلطة، فضلاً عن دعمها انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية.

في تلك الفترة، تركز التنسيق الأمني على إضعاف وجود حركة "حماس" في الضفة الغربية، وخصوصاً بعد انقلابها العسكري في قطاع غزة، وبات لدينا سلطتان متنازعتان، واحدة في الضفة والأُخرى في غزة: سلطة "حماس" المحكومة باتفاق تهدئة عبر القناة المصرية، يحفظ الأمن الإسرائيلي، وقد تخللته ثلاث حروب قادت إلى تدمير البنية التحتية في قطاع غزة، وما زالت إسرائيل تتحكم في قواعد اللعبة التي لم تتمكن حركة "حماس" من تغييرها بأسلوب مسيرات العودة الأسبوعية. وسلطة "فتح" في الضفة الغربية، والتي بنت سياستها الرئيسية على مواجهة "حماس" في غزة، في الوقت الذي كانت تفقد عناصر السيطرة كلها على الأرض التي يُفترض أنها تديرها!

لم يعد أمام القيادة الفلسطينية، بعدما ذهبت جميع الوعود التي قُدّمت لها أدراج الرياح، سوى استثمار شرعيتها الدولية لأول مرة، عبر التوجه إلى الأمم المتحدة والحصول على عضوية مراقب، الأمر الذي مكّنها من دخول عشرات الاتفاقات والمنظمات والمعاهدات الدولية، ومن امتلاك سلاح قانوني، في مواجهة الانتهاكات والسياسات الإسرائيلية. وقد حقق ذلك بعض النجاحات، وخصوصاً استصدار قرار مجلس الأمن 2334 الذي أعاد تعريف الحقوق الفلسطينية، واعتبر الاستيطان غير شرعي من وجهة نظر الشرعية الدولية، وكان لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما دور في ذلك، حين تساهلت في معارضتها للخطوات الفلسطينية، وساهمت في تمرير هذا القرار.

واستثمرت القيادة الفلسطينية شرعيتها مرة أُخرى في رفض سياسة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب وصفقته ومواقفه من القدس واللاجئين والاستيطان، واستوعبت تواطؤ بعض الدول العربية من الصفقة، لكنها لم تجرؤ على إعادة النظر في قرار الاعتراف بإسرائيل، والتنسيق الأمني، واتفاق باريس الاقتصادي. وبقيت قرارات المجلسين الوطني والمركزي حبراً على ورق!!

تعتقد القيادة الفلسطينية أن ترجمة قرارات مجلسَيها فعلاً، يستجلب رداً إسرائيلياً من الوزن الثقيل بتأييد من إدارة ترامب. فعندما تفقد السلطة مبرر وجودها بالنسبة إلى دولة الاحتلال، فإن الأخيرة لن تتوانى عن رد الصاع صاعين، وهي التي تتحكم في كل شيء، وتستطيع التفنن في إجراءات لا تقوى السلطة الفلسطينية على الصمود في مواجهتها، أو لا تملك مقومات فعلية لتحدي سلطات الاحتلال، سواء لجهة ضعف وترهل بنية المنظمة والسلطة التي لا تقوى على خوض هذا النوع من المعارك، ولم تُعِدّ نفسها أصلاً لاحتمال من هذا النوع، لأنها لا تحظى بالثقة الجماهيرية التي تساعد على الصمود في مواجهة العقوبات الإسرائيلية المحتملة، أو لعدم توفر شبكة أمان عربية مالية وسياسية في ظل هرولة بعض الأنظمة العربية إلى التطبيع مع إسرائيل وهي في أوج استباحتها للحقوق الفلسطينية.

إذاً، إن ما يدور الآن هو مقايضة من دون حسم؛ مقايضة حصول القيادة الفلسطينية على قرارات ومواقف دولية ـ تبقى حبراً على ورق ـ والحصول على دعم مالي وسياسي، بما في ذلك الرفض السياسي لصفقة القرن، في مقابل عدم تجاوز القيادة الفلسطينية الخطوط الحمر، الأمر الذي يعني الاستمرار في التنسيق الأمني، والاعتراف بالاتفاقات من طرف واحد تقريباً.

إن إسرائيل تتحكم في مسار أوسلو بعناوينه الرئيسية والفرعية وفي تفصيلاته، وتُدخل فيه التعديل تلو الآخر بما يتفق مع الأطماع والتمييز والسيطرة. وهي لا تكتفي بشلّ التنظيمات السياسية وتعطيل قدرتها على مقاومة الاحتلال، بل تذهب أيضاً إلى إجراءات محمومة هدفها قطع الطريق على تدخّل الأجيال الشابة غير المنظمة، فتعتقل الشبان على مدار الأيام، إذ بلغ عدد المعتقلين من الضفة الغربية في كانون الثاني / يناير الماضي 380 معتقلاً، بينهم عشرات الفتيان. ولا حدود للاستباحة الإسرائيلية، فكل مكان مستباح، أكان بمحاذاة منزل الرئيس، أم بجانب مقر الحكومة، وهدف إسرائيل هو إظهار السلطة أمام شعبها على أنها سلطة عاجزة وذليلة، وفوق ذلك تقبل بالتنسيق الأمني في الوقت نفسه. هذا ما حدث في رام الله خلال أربعين يوماً خلت. أمّا بالنسبة إلى قطاع غزة، فإن دولة الاحتلال تقوم بتجويعه وخنقه بالحصار، فتقدم له الأموال القطرية في مقابل الهدوء، على ما تنطوي عليه هذه العملية من إذلال. ما أود قوله هو أن مسار أوسلو لا يملك السائرون فيه من داخله ( حركة "فتح" وأخواتها)، والسائرون فيه من خارجه (حركة "حماس" وأخواتها)، إلاّ الانتقال من سيىء إلى أسوأ، مثلما كانت عليه الحال في نموذجَي الاستباحة في رام الله وغزة. ويبقى التحدي الأكبر إعادة بناء مسار آخر مستقل، فمَن يفعل ذلك، وكيف؟

 

* صحافي فلسطيني.