بطرس أبو منة: هل وحّد النظام العثماني بلاد الشام؟

مجلد 26

2015

ص 110
مقابلة
بطرس أبو منة: هل وحّد النظام العثماني بلاد الشام؟
ملخص

يُعتبر بطرس أبو منّة من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين ومن طليعة مؤرخي الفترة العثمانية المتأخرة في فلسطين. ولد في مدينة الرملة ووصل إلى مرحلة الدراسة الثانوية عندما حلّت النكبة بفلسطين، وتابع دراساته العليا في الجامعة العبرية في القدس وفي جامعة أكسفورد في بريطانيا. 

وعلى الرغم من غزارة إنتاج أبو منّة الأكاديمي الذي تجاوز الثلاثين دراسة تاريخية نُشرت باللغات العربية والإنجليزية والتركية والألمانية والعبرية، فإنه لم يظهر له إلاّ كتاب واحد باللغة الإنجليزية يجمع نخبة من إنجازاته، وهو كتاب Studies on Islam and the Ottoman Empire in the 19th Century 1826–1876 (Istanbul: The Isis Press, 2001).

ولعل هذا ما حدا بمؤسسة الدراسات الفلسطينية على أن تنشر كتاب "مقالات تاريخية تكريماً لبطرس أبو منة" إعداد وتحرير عبد الله قبطي وجوني منصور ومصطفى العبّاسي (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011).

تناولت دراسات أبو منّة جوانب متعددة من تاريخ الدولة العثمانية وبلاد الشام، ويمكن حصر مساهمته الرائدة في المجالات التالية:

1  الجذور الإسلامية للتنظيمات العثمانية: وفيها يتحدى أبو منّة الافتراض الشائع بشأن دور التأثيرات الأوروبية (الفرنسية بشكل أساسي) في الإصلاحات الإدارية في بدايات عهد التنظيمات، وخلال حكم السلطان عبد المجيد تحديداً، ويُظهر بدلاً من ذلك أهمية التجديد الإسلامي داخل الدولة العثمانية وكونه قد شكّل قاعدة للإصلاحات الجديدة.

2  أهمية الطرق الصوفية في بلورة نظام الحكم الجديد: أنار أبو منّة دور الطرق النقشبندية في الإصلاح العثماني، وتناول الصراع بين أتباع الطريقة النقشبندية وأتباع الطريقة البختاشية التي ازدهرت تحت ولاية فؤاد باشا وصدارة عالي باشا، كما عالج صعود الطريقة الرفاعية في الفترة الثانية للتنظيمات، وأهميتها في تعزيز سياسات السلطان عبد الحميد الإسلامية.

3  بروز الكيانية الفلسطينية في إثر فشل الحملة المصرية على بلاد الشام: ففي دراسته الرائدة عن متصرفية القدس وأعيان المدينة وصعود سنجق القدس في نهايات القرن التاسع عشر، عالج أبو منّة أهمية فلسطين العثمانية ككيان ذي حكم ذاتي حاولت الإدارة العثمانية من خلاله أن تتصدى للأطماع الأوروبية في البلاد المقدسة من جهة، وللأطماع المصرية في بلاد الشام من جهة أُخرى.

4  العقيدة العثمانية ودور المسيحيين العرب في النضال ضد القوقعة الطائفية: في دراسته عن المسيحيين العرب بين العثمانية والتيار القومي السوري، سلّط أبو منّة الأضواء على أهمية أفكار بطرس البستاني ومجموعة "نفير سوريا" الداعية إلى تبني فكرة العثمانية الجديدة كإطار علماني يجمع بين الانتماء إلى البعث النهضوي العربي، وبين المواطنة العثمانية ضد التيارات الطائفية في بلاد الشام. وقد التقت هذه الفكرة مع الإصلاحات القانونية والإدارية لمدحت باشا (أبو الدستور العثماني) في أثناء ولايته كحاكم سورية خلال الفترة 1878  1880 .

5  إعادة النظر في طبيعة النظام الحميدي: بدأ أبو منّة نشاطه العلمي في دراسة علاقة نظام السلطان عبد الحميد الثاني بالسلطة الهاشمية في الحجاز، فبيّن أن صراع الآستانة مع الوهابيين من ناحية، وشرفاء مكة من ناحية أُخرى، كان محكوماً بفكرة استئثار السلطنة بالخلافة على المسلمين داخل السلطنة وخارجها. وتبلور هذا التحليل لاحقاً في دراسته عن "المستشارين العرب للسلطان عبد الحميد" وعلى رأسهم الصوفي المثير للجدل الشيخ أبو الهدى الصيادي (المنحدر من أصول شامية). وتميزت مساهمات أبو منّة بتقويض الاعتقاد السائد في التأريخ العربي والتركي الحديث للدولة العثمانية، والذي صوّر دور المستشارين على أنه صراع قومي بين الأتراك والعرب، كما أنه أزال الغشاوة عن طبيعة دور الدين والطرق الصوفية تحديداً في بلورة السياسات العثمانية المتعاقبة تجاه الحكم والولايات العربية.

كان حديثنا مع الدكتور بطرس أبو منّة عن المرحلة العثمانية المتأخرة في فلسطين، وأيضاً عن مرحلة الانتداب البريطاني وما بعد النكبة، وعن التجربة الشخصية لهذه القامة الفلسطينية الأكاديمية الرفيعة.