The Palestinian Opposition: A Vital Role in the Next Phase
Keywords: 
المعارضة الفلسطينية
مفاوضات السلام
الأحزاب السياسية الفلسطينية
المقاومة الفلسطينية المسلحة
اقامة الدولة الفلسطينية
Full text: 

بعد صمود استمر أشهراً طويلة، يبدو أن الفترة المقبلة من المفاوضات المستمرة والمكثفة ستُجابِه مختلف أطراف النزاع – ولأول مرة منذ مؤتمر مدريد – بالخيارات الصعبة والحساسة للغاية، بما في ذلك احتما الاضطرار إلى تقبُّل ما اعتبرته حتى الآن دون الحد الأدنى المقبول من الأهداف السياسية التي تصبو إليها. وينطبق هذا بصورة خاصة على الجانب الفلسطيني، إذ تشير أكثرية الدلائل إلى أن الفلسطينيين سيواجَهون بضغوط شديدة للتوصل إلى "اتفاق ما" بشأن المرحلة الانتقالية، وذلك في إثر التحولات الانتخابية الأخيرة في إسرائيل، والاهتمام الأميركي الراهن بتحقيق تقدم ملموس في عملية السلام قبل موعد انتخابات الرئاسة الأميركية نفسها. وفي حين لا يمكن استثناء إمكان تعثّر المفاوضات أو أو تعطيلها كلياً، فإنه ليس من الصعب في المقابل التكهّن باحتمال تصعيد حملات "المعارضة" الفلسطينية ضد أي اتفاق ينطوي على تنازلات مرئية جديدة، واشتداد حدّة هذه المعارضة كلما بدا أن الفجوة بين المواقف التفاوضية الرسمية الفلسطينية والإسرائيلية بدأت تضيق.

من هذا المنظور، سنحاول فيما يلي القيام بمسح عام للتيارات والقوى المعارضة داخل المعسكر الفلسطيني، وبتقويم أوّلي لطبيعة هذه المعارضة والبدائل المتاحة أمامها.

المعارضة الفلسطينية

              تتشكل المعارضة في الجانب الفلسطيني من العديد من الوجهات والتيارات التي تتقاطع وتتشابك في الكثير من الأحيان، الأمر الذي يجعل من الصعب فرزها قرزاً واضحاً ودقيقاً. غير أنه يمكن النظر إلى تركيبة هذه المعارضة وتوجًّهاتها العامة على النحول التالي:

(1)  المعارضة "المؤسساتية":

وهي المعارضة التي تنطلق من داخل المؤسسة الوطنية الفلسطينية، أي من داخل أُطر "الشرعية" الفلسطينية كما تمثلها منظمة التحرير وفصائلها وهيئاتها وجميع الجهات، داخل الأراضي المحتلة وخارجها، التي تدور في فلك المنظمة، أو تعتبر نفسها امتداداً لها. وتشتمل المعارضة المؤسساتية على بعض الشخصيات الفتحاوية القيادية (وأكثرها من الصف الثاني)، وعلى عدد من المستقلين من اتجاها سياسية مختلفة داخل هيئات منظمة التحرير (مثل المجلس الوطني والمجلس المركزي)، وعلى بعض الشخصيات المحسوبة على"الخط الوطني" في الأراضي المحتل وساحات الخارج العربية والدولية، وذلك علاوة على قطبي المعارضة التقليديين: الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية (جناح حواتمه).

ويبدو من هذه الصورة المبسَّطة للمعارضة المؤسساتية أنها لا تشكل جسماً سياسياً واحداً متكاملاً، كما أن عناصرها لا ترتبط بالضرورة بعضها ببعض ارتباطاً مباشراً ومنظماً، بل هي أقرب في الواقع إلى البؤر الموزعة من الأفراد والكتل المتحركة، التي قد تأتلف في بعض الأحيان لـ"ترفض" أو "تعارض" موقفاً ما من مواقف القيادة الفلسطينية المركزية، ثم تعود لتتفرق أو تتلاشى أو حتى لتختلف فيما بينها بشأن قضايا أُخرى. بل يمكن لعناصر هذه المعارضة (أو أية تشكيلة منها) أن تلتقي كذلك دفاعاً عن مواقف القيادة الفلسطينية بحسب رؤيتها لمصلحتها أو لطبيعة التحدي المشترك للمؤسسة الفلسطينية التي ترعاها.

لكن على الرغم من شكل المعارضة المؤسساتية المطاط والمتغير، وافتقارها إلى برنامج موحَّد، فإنه يمكن القول إن طروحاتها الأساسية تتمحور حول مقولتين رئيسيتين:

أولاً: مقولة أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد أساءت إدارة عملية التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما أدّى إلى تقديم "التنازلات" الجوهرية والإجرائية التي كان في الإمكان تفاديها، والتي ستؤدي إلى المزيد من التنازلات الأحدية الجانب في المستقبل على حساب المصلحة الوطنية الفلسطينية. وتؤكد هذه المقولة/ المدرسة أنه كان – ولا يزال – في الإمكان تصليب الموقف الفلسطيني وتحسين شروط المشاركة الفلسطينية في المفاوضات، وخصوصاً فيما يتعلق بضمان دور وموقع منظمة التحرير نفسها في العملية. وتعبّر بعض الشخصيات الفتحاوية المعارضة عن وجهة النظر هذه حيث تتلاقى، في طرحها، مع المعارضة المؤسساتية التقليدية المتمثلة في الجبهتين الشعبية والديمقراطية، اللتين تدعوان بدورهما إلى ضرورة التمسك بالصيغة الأصلية المطروحة للمشاركة الفلسطينية، أي "المؤتمر الدولي بكامل الصلاحيات تحت رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس الشرعية الدولية"، إلخ. ومهما يكن الأمر، فإنه يبقى من اللافت أن هذه الكتلة الرئيسية من المعارضة الفلسطينية، والتي تستقطب حولها عدداً من المستقلين داخل الأراضي المحتلة وخارجها، لا تدعو إلى رفض مبدأ التسوية السياسية للصراع مع إسرائيل، بل تنصبّ في معارضتها على منهج منظمة التحرير العملي والتنفيذي في هذا المجال.

ثانياً: مقولة أن المطلوب إحياء الخيار العسكري الفلسطيني، وتنشيط وتصعيد سبل النضال كافة، بما في ذلك الكفاح المسلّح ضد إسرائيل. وهناك تقاطع بين بعض دعاة العمل العسكري ومؤيدي مقولة "تحسين شرط المشاركة"، ممن يعتبرون العمل العسكري أداة فعّالة تساهم في رفع السقف التفاوضي الفلسطيني. لكنْ، في المقابل، يتلاقى بعض أنصار العمل العسكري مع الجهات "الرافضة" كلياً للمسار السلمي، والتي تقع في أغلبيتها خارج إطار المؤسسة "الشرعية" الفلسطينية، أي ما يمكن تسميته "الخط الوطني المركزي". ويختلط دعاة الخيار العسكري كذلك بدعاة تصعيد الانتفاضة؛ فهنالك رؤية معارِضة تطالب بعسكرة الانتفاضة، وهي رؤية تصطدم بدورها بالرؤية "الموالية" التي تنظر إلى الانتفاضة إمّا كعبء متزايد على أهل الداخل، وإمّا كبديل من العمل العسكري لا كرديف له. أمّا على صعيد آخر، فتتلاقى طروحات مؤيدي العمل العسكري وعسكرة الانتفاضة مع الخط الإسلامي داخل حركة فتح نفسها، داخل الأراضي المحتلة وخارجها. وتمتزج الرؤية العسكرية كذلك بدعاة "العودة إلى الجذور" و"الطهارة الثورية"، الذين يرون في سياسات فتح ومنظمة التحرير خلال السنوات الأخيرة انحرافاً عن "أصالة" الحركة الفلسطينية، وابتعاداً مستمراً عن "المبادىء السامية"، التي تأسست من أجلها. ويتقاطع مثل هذه التيارات المعارضة مع طروحات بعض التكتلات ذات الشأن من "الموالين" الذين لا يعترضون على المسار السياسي الذي انتهجته القيادة الفلسطينية، بقدر ما يدعون إلى ضرورة "الدمقرطة" والتحديث، وتطوير المؤسسة السياسية الفلسطينية القائمة باتجاهات تنظيمية وبنيوية جديدة. ويمكن القول إن مثل هذه الطروحات الأخيرة يمثل معارضة إدارية لا سياسية بالدرجة الأولى، وإنْ كانت تنطوي على أبعاد سياسية غير مباشرة (مثل السعي للحدّ من حرية عمل القيادة الفلسطينية الحالية، أو حتى استبدالها).

هكذا تبدو صورة المعارضة داخل المؤسسة الفلسطينية معقدة للغاية، بل إنها "تندلق" إلى خارج هذه المؤسسة في أكثر من مجال، الأمر الذي يعكس طبيعة الساحة السياسية الفلسطينية ذاتها، وعدم استقرارها ضمن الخطوط السياسية الثابتة والدائمة. ومن أهم تفاعلات مثل هذا الوضع صعوبة تحديد العلاقة الواضحة بين "المؤسسة" في الخارج والشتات (أي في الاساس منظمة التحرير الفلسطينية/ تونس) والهيئات والاتجاهات المحسبوة على الخط الوطني المركزي داخل الأراضي المحتلة. وعلى سبيل المثال، يبدو أن بعض القواعد التي تُعتبر قريبة نت فتح داخل الضفة والقطاع ("فهود"، "نمور"، إلخ) هو أقرب في توجهاته، في بعض الأحيان، إلى المعارضة (أو حتى إلى "الرفضاويين") منه إلى طروحات الخط المركزي. كما يبدو أنه يعمل باستقلالية نسبية عن قيادته السياسية المحلية، أو حتى القيادة الفلسطينية العليا في الخارج. وعلى الرغم من أن هذه الصورة للوضع التنظيمي لحركة فتح في الداخل قد لا تكون سليمة كلياً، فإنه يبقى أن أي تقويم لـ فعالية "المعارضة" لا بدّ من أن يأهذ بعين الاعتبار مشكلات الانضباط والسيطرة في الداخل نفسه، ومن الخارج إلى الداخل، علاوة على خصوصيات الأوضاع داخل الأراضي المحتلة حيث أن التصنيف التقليدي أو المبسَّط للقوى والفصائل (فتح، شعبية، ديمقراطية، إلخ) قد لا يكون دقيقاً بما فيه الكفاية لتحديد ولاءات القوى الفاعلة على الساحة في الضفة والقطاع، حتى لو كانت ترفع الرايات التنظيمية المألوفة نفسها في الخارج.

لكن مهما يكن الأمر، فإنه يمكن القول إن المعارضة المؤسساتية، بمختلف  أنماطها وأشكالها، تبقى بصورة عامة خاضعة لسلطة القيادة السياسية الفلسطينية العلا، كما أنها لم تفلح حتى الآن في إزاحة هذه القيادة عن خطها العام فيما يتعلق بمسيرة السلام. ويعود هذا إلى أسباب عديدة، منها سيطرة القيادة على أدوات وأُطر العمل داخل المؤسسة إلى حدّ بعيد، وافتقار المعارضة إمّا إلى الطروحات البديلة والعملية ذات الصدقية، وإمّا إلى قاعدة جماهيرية معبأة قادرة ومستعدة للضغط المباشر على القيادة ودفعها نحو تحويل مسارها. والواقع أن العكس هو الصحيح، اي أن القيادة الفلسطينية ما زالت تتمتع بشرعية وتأييد شعبين لا خلاف في شأنهما، الأمر الذي يمنحها مناعة معينة ضد انتقادات "المعارضين"، ويسمح لها بالالتفاف حول أكثرية مواقف المعارضة وتجاوزها. وعلى صعيد آخر، هنالك صعوبة تجميع كل عناصر المعارضة في آن واحد تحت شعار واحد، أو بهدف محدد، إذ إن تبعثرها وتمحورها حول قضايات مختلفة (وفي بعض الأحيان متناقضة) يسهّلان على القيادة مواجهتها، أو تجاهلها. هكذا، وفي غياب قدرة المعارضة المؤسساتية على التكتّل، فإن الوزن الحقيقي لها من شأنه أن يضيع بين التفتّت الداخلي من جهة، وبين قدرة القيادة الفلسطينية على المناورة من حولها من جهة أُخرى.

لكن على الرغم من محدودية المعارضة المؤسساتية فإنه يبقى لها شأن على الساحة الفلسطينية ككل، وتزداد فرص بروز ائتلاف عريض من القوى المعارضة في حال الاقتراض من أية اتفاقية مقبلة مع إسرائيل. وبكلام آخر: يبقى من الأصعب معارضة مسار أو خط عام من معارضة وثيقة أو اتفاقية ملموسة، لأن الوضع الأول – السائد حتى الآن – عائم بطبيعة الحال، ويتحمل قدراً من التأويل والاجتهاد، في حين أن الوضع الثاني ينصب هدفاً محدداً للمعارضة كي تنتقده أو تهاجمه. ومع هذا، يبقى مأزق المعارضة المؤسساتية أنها تستمد "شرعيتها" في النهاية أساساً من شرعية المؤسسة التي تنتسب إليها. هكذا، فإذا وضعتْ لنفسها خطوطاً حُمرا، ومن ثمّ تم تجاوزها من قِبل القيادة و"الموالين"، فإنه، يكون أمامها أحد أمرين: إمّا الخروج من المؤسسة كلياً وبالتالي المخاطرة بموقفها السياسي واستقلاليتها النسبية – كونها ستضطر إلى إيجاد مأوى غير منظمة التحرير للعمل من خلاله – وإمّا التراجع عن معارضتها والسماح بتمرير السياسات التي لا توافق عليها، من دون ردة فعل تذكر. وتدل التجربة على أن هذا النهج من الاعتراض، ومن ثمّ التراجع، هو الذي ميّز أكثر أنماط المعارضة المؤسساتية حتى الآن.

(2) المعارضة "الخارجية":

              وهي تشتمل على الفصائل والقوى التي لم تدخل منظمة التحرير الفلسطينية قط (مثل: "فتح – الانتفاضة"، أو "فتح – المجلس الثوري")، أو تلك التي كانت تعمل تحت لواء المنظمة في مرحلة من المراحل لكنها لم تعد إليها حتى الآن لأسباب مختلفة (مثل: "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، أو "الصاعقة"). وبصورة عامة، تمثل هذه الفصائل والقوى وبعض الشخصيات المستقلة المؤتلفة معها، طروحات "رفضاوية" مشتقة من السياسات التي قامت عليها "جبهة الصمود والتصدي" و"جبهة الرفض" عقب اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، وإنْ تكن تجمع ما بين درجات متفاوتة من هذا الرفض، ابتداء بالطعن في شرعية منظمة التحرير وقيادتها نفسها، وانتهاء بالتقاطع مع بعض التيارات داخل الخط المؤسساتي المركزي.

              ومما يميز المعارضة الخارجية كونها، وبحكم موقعها خارج إطار منظمة التحرير، تعمل في الغالب ضمن صيغة تعاونية مع بعض الأطراف العربية أو الإقليمية الصديقة، الأمر الذي قد يمدّها بمظلة واقية وبوزن ما على الساحة من جهة، لكنه قد يؤدي كذلك إلى الحدّ من حرية عملها ومكانتها على الصعيد الفلسطيني الشعبي من جهة أُخرى. ومن الجدير بالذكر أن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، اللتين بقيتا كمعارضة "خارجية" لفترة من الفترات، وجدتا في النهاية – على ما يبدو – أن للمعارضة من داخل المؤسسة أفضليات معينة يصعب تحقيقها بأساليب أُخرى، على الرغم مما قد تنطوي عليه من محدوديات وكوابح. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العلاقات بين الجبهتين وبعض الأطراف "الخارجية" يدل على أن خطوط المعارضة ما زالت تمتد عبر الجسم السياسي الفلسطيني ككل.

              غير أن مشكلة المعارضة الخارجية تبقى، في الأساس، افتقارها إلى وجود "مستقل" خارج بعض الساحات العربية؛ والأهم من ذلك، في الأوضاع الراهنة، إفتقارها إلى قاعدة سياسية بارزة داخل الأراضي المحتلة نفسها. هكذا، وفي حين أن بعض نشاطاتها، وخصوصاً العمليات العسكرية مثل عملية الشراعيات سنة 1987 – كان له اثر ذو شأن في الرأي العام الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجه، فإن قدرتها على ترجمة معارضتها إلى الخطوات الميدانية الملموسة تبقى محدودة. وفي المقابل، فإن مواقفها الرافضة تغلق أمامها إمكان قطف ثمار أية إنجازات سياسية تحقَّق عبر المفاوضات أو عملية السلام الجارية. ومن ناحية أُخرى، فإن حرية عملها كـ"معارضة"، قد تتأثر في بعض الأحيان من جرّاء التقلبات في العلاقات العربية – الفلسطينية، إذ إن الصوت المعارض الخارجي يعلو عامة عندما تتأزم علاقات منظمة التحرير بالأطراف العربية المعنية، كما أنه يخفت في المقابل عندما تشهد هذه العلاقات تحسناً أو تقارباً.

              وهذا العامل الأخير بالذات قد يكون ذات شأن في المرحلة المقبلة؛ إذ إنه في حال توصّل الجانب الفلسطيني إلى اتفاق مع إسرائيل في شأن المرحلة الانتقالية (بدعم علني أو ضمني من منظمة التحرير)، من دون أن يحوز مثل هذا الاتفاق على موافقة أو رضى بعض الأطراف العربية المركزية الأُخرى، فقد يؤدي ذلك إلى تنشيط المعارضة الخارجية وتصعيد أساليب مواجهتها مع منظمة التحرير، علاوة على التوتر العام المحتمل في العلاقات بين "المؤسسة" الفلسطينية ككل والقوى العربية المعنية. هكذا، تشكل المعارضة الخارجية أداة ضغط محتملة على المنظمة وقيادتها، وعلى عموم الخط الوطني المركزي في الأراضي المحتلة وخارجها، بغض النظر عن وزنها الحقيقي في الشارع الفلسطيني.

(3) المعارضة الإسلامية:

              وتتمثل أساساً في التيار الإسلامي داخل الأراضي المحتلة ("حماس" و"الجهاد الإسلامي")، والحركات الحليفة القريبة منه في الخارج، وخصوصاً حركة "الإخوان المسلمين" الناشطة في الساحة الفلسطينية – الأردنية الحيوية. وتضم المعارضة الإسلامية، كذلك، شخصيات مستقلة داخل الأراضي المحتلة وخارجها. كما أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار امتداداتها العربية والإقليمية، وشبكة العلاقات والاتصالات بين التيار الإسلامي الفلسطيني والحركات الإسلامية المؤثرة في الكثير من ساحات المنطقة، من إيران ومنطقة الخليج مروراً بلبنان حتى المغرب العربي. وإذا كان العامل الإسلامي لم يغب يوماً عن النزاع العربي – الإسرائيلي منذ ما قبل زعامة الحاج أمين الحسيني، وصولاً إلى نشوء حركة فتح، فقد بقي دور الحركة الإسلامية السياسي محدوداً نسبياً خلال العقدين الماضيين، وفي فترة صعود التيار "الوطني" الفلسطيني.

              غير أن اندلاع الانتفاضة سنة 1987 احيى دور الحركة، وبحيث أصبحت أهمية "المعارضة" الإسلامية اليوم تنبع من كونها ظاهرة بارزة بصورة خاصة داخل الأراضي المحتلة، ساحة الحسم الفلسطينية الرئيسية في المرحلة الراهنة. وهذا يعطي المعارضة الإسلامية وزناً خاصاً بالمقارنة، مثلاً، مع المعارضة "الخارجية" الأُخرى. ومثلها مثل سائر القوى الأُخرى، قد يكون من الصعب تحديد موقف "إسلامي" موحَّد حيال الوضع الفلسطيني القائم وآفاقه. لكن هنالك بعض النقاط التي يركز الخط الإسلامي المعارض عليها، منها أن "حل الدولتين" الذي يطرحه "الخط الوطني المركزي" مرفوض من حيث أنه يشكل اعترافاً بإسرائيل وتنازلاً عن الحقوق الفلسطينية – الإسلامية في الجزء المحتل من فلسطين 1948. ويطالب أنصار الخط الإسلامي، في المقابل، بقيام دولة إسلامية قد تبدأ في أرض فلسطين لكنها لا تنتهي بالضرورة سوى عند حدود الأمة الإسلامية. ويرفض أنصار هذا الخط، من حيث المبدأ، برنامج السلام الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1988، ويعتبرونه من أهم العقبات أمام قيام جبهة موحَّدة بين "الإسلاميين" و"الوطنيين" داخل الأراضي المحتلة، أو خارجها. ويذهب بعض قيادات حماس، مثلاً، إلى أن منظمة التحرير تعتبر قضية فلسطين "عربية وفلسطينية فقط"، في حين أن الحركة الإسلامية تعتبرها إسلامية. كذلك فإن المنظمة تنظر إلى الانتفاضة أنها "مجرد ورقة ضغط في إطار عملية السلام"، في حين أن حماس تعتبرها "جزءاً" من الجهاد لاسترداد كامل التراب الفلسطيني. وفي الفترة الأخيرة، صعّدت حماس من معارضتها لفكرة "الحكم الذاتي" أو أية اتفاقية بهذا الصدد قد يتم التوصل إليها مع إسرائيل.[1]

              هكذا يبدو أن المعارضة الإسلامية تنطلق من فرضيات ومبادىء تبدو متناقضة تماماً مع طروحات الخط الوطني المركزي، نظرياً على الأقل. لكن ذلك قد لا يعطي صورة دقيقة لطبيعة العلاقات بين الخطين ووجهتها المحتملة في المرحلة المقبلة. فمن جهة، لا بد من التذكير بدور فتح التاريخي في رعاية ودعم بعض أطراف الحركة الإسلامية، وبالمسحة الإسلامية التي لا يستهان بها داخل فتح نفسها من جهة أُخرى. ويقابل ذلك استعداد من قِبَل الحركة الإسلامية لدخول تحالفات تكتية، حتى مع التيارات الفلسطينية "الملحدة" (مثل "الجبهة الشعبية" الماركسية من حيث المبدأ)، في حال بروز مصلحة مشتركة بين الطرفين. ومما لا شك فيه أن صورة الحركة "الأصولية" تخفي الكثير من الوجهات البراغماتية فيها، القادرة على استيعاب الوقائع السياسية القاسية والتعامل معها بقدر كبير من المرونة عند الضرورة.

وهذا لا يعني أن الصدامات بين فتح وحماس، التي عصفت بقطاع غزة مؤخراً، محدودة الأهمية أو أنها لا تعكس خلافات أو مخاوف حقيقية وعميقة بين الاتجاهين الوطني والإسلامي. فهذه الخلافات كانت، وما زالت قادرة على شق الصف الفلسطيني في الداخل، على نحو لم تشهده الساحة حتى الآن. ولعل من أهم التحديات التي ستواجه الطرفين، في المرحلة القريبة المقبلة، مسألة الاتفاق في شأن الانتخابات المطروحة للضفة والقطاع، وفي شأن شكل السلطة المزمع قيامها في المرحلة الانتقالية. والواقع أن المسألة الثانية، أي شكل السلطة إنْ كانت "إدارية" (كما تطرح الولايات المتحدة وإسرائيل)، أو "تشريعية" (كما يطرح المفاوضون الفلسطينيون)، قد تكون في النهاية أقل أهمية من حل مشكلة المشاركة في الحكم بين الخطين، أي إيجاد الصيغة الملائمة إمّا لإدخال المعارضة الإسلامية (والعلمانية) إلى الحكم، وإمّا لبقاء المعارضة خارج الحكم، من دون أي يؤدي ذلك إلى زعزعة الوضع الداخلي، أو إلى المواجهات المستمرة بين "الموالين" والمعارضين. ويستدل من تصريحات المقربين من الحركة الإسلامية أن احتمالات المشاركة قد تزداد إذا ما كانت الانتخابات "غير مشروطة"، وإذا ما كانت لأغراض غير "الحكم الذاتي". ويرى بعض أنصار الحركة البارزين أنه يجب إجراء "انتخابات شاملة" لجميع قطاعات الشعب الفلسطيني، في الداخل وفي الشتات، وذلك بغية تشكيل "مجلس وطني جديد" يقرر فيما بعد ما إذا كان يجب الاستمرار في عملية السلام أم لا.[2]

والواقع أن مثل هذه المواقف يتقاطع مع طروحات بعض الجهات المعارِضة الأُخرى، مثل الجبهة الشعبية، من دون أن يتطابق معها كلياً. فالجبهة قد دعت إلى رفض مشروع الحكم الذاتي برمته، باعتبار أنه سيؤدي إلى "انقسام عمودي في صفوف الشعب الفلسطيني"، وإلى "إعداد البرنامج الوطني الفلسطيني وإغلاق الطريق على قيام الدولة الفلسطينية."[3]   وفي الوقت نفسه، فقد فتحت حماس ووسعت مؤخراً دائرة اتصالاتها بأطراف من المعارضة "الخارجية"، بمن في ذلك "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" المتمركزة في دمشق، وذلك على الأرجح بغية تقوية موقع حماس مع بعض الدول العربية التي ترى الحركة أنها ستقف ضد الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزّة، باعتباره "صفقة منفردة".

ومثل هذا التواصل بين المعارضة الإسلامية والمعارضتين "الخارجية" و"المؤسساتية"، قد يتيح المجال أمام مبادرة "حماس" بالدعوة إلى قيام ائتلاف عريض مضاد لمنظمة التحرير الفلسطينية يهدف إلى الضغط عليها، أو الحيلولة دون مضيها في اتجاه اتفاقية بشأن المرحلة الانتقالية وفق الشروط المتاحة.[4]   لكن المعارضة الإسلامية قد تسلك خطاً مغايراً. وهنالك أن تُبقي المعارضة الإسلامية لنفسها خيار المشاركة في الانتخابات – وبالتالية في صيغة الحكم الانتقالية – وذلم بحسب نظرتها إلى مصلحتها وإلى إمكان الاتفاق مع الخط الوطني على التحصيص وتوزيع المقاعد والمسؤوليات فيما بينهما. ومن اللافت أن أحد كبار أنصار حماس قد اعترف بأن إقامة حكم ذاتي في الأراضي المحتلة ستؤدي، في نظره، "إلى تهميش دور الحركة الإسلامية وربما يزداد المؤيدون للتيار الوطني"، وإن كان ذلك "إلى حين" فقط، في تقديره.[5]  ويشير مثل هذا الكلام إلى وعي المعارضة الإسلامية أن أي إنجاز سياسي ملموس للخط الوطني المركزي، يؤدي إلى البدء بفكفكة الاحتلال – أو على الأقل يعطي أملاً بذلك قد يحظى بتأييد شعبي يصعب التصدي له مباشرة. ومن هنا، قد يذهب بعض الوجهات البراغماتية في الحركة إلى أن من الأفضل إيجاد موطىء قدم داخل "المؤسسة" الجديدة التي قد تقام في الأراضي المحتلة في المرحلة الانتقالية، بدلاً من مواجهة احتمالات التهميش، ولو "إلى حين".[6]   وهذا بدوره يطرح إما إمكان قيام معارضة "مؤسساتية" في الأراضي المحتلة تختلف عن المعارضة المؤسساتية القائمة في الخارج، وإمّا في المقابل شراكة "وطنية" / إسلامية لا رديف لها هي الأُخرى في مؤسسات الخارج حتى الآن.

وفي الأحوال كافة، فإن الوقف النهائي الذي قد تنتهي الحركة الإسلامية إليه سيساهم لا في تحديد فعالية المعارضة بمختلف أنماطها فحسب (والتي ستضعف بصورة رئيسية في غياب نشاطات المعارضة الإسلامية في الداخل)، بل سيساهم أيضاً في تحديد فرص ثبات أية صيغة للمرحلة الانتقالية، بغض النظر عن تقاربها من طرح منظمة التحرير الفلسطينية الراهن، أو تباعدها عنه.

المعارضة الفلسطينية

والمعارضة الإسرائيلية

إن المعارضة الفلسطينية لا تعمل في الواقع في فراغ، إذ إن نفوذها وقدرتها على استغلال الوضع لمصلحتها يتوقفان على أكثر من مجرد مواقف الخط الوطني المركزي وطروحاته. ولعل من أهم العوامل المؤثرة في فرص المعارضة الفلسطينية – وللمفارقة – مواقف وتحركات "المعارضة" الإسرائيلية، ومدى استعداد السلطة الإسرائيلية لمواجهة هذه المعارضة والتصدي لها.

ويمكن تقسيم المعارضة الإسرائيلية إلى تيارين مركزيين: أولاً، المعارضة "الرسمية" داخل الكنيست، التي تضم الأحزاب والتيارات اليمينية والدينية (الليكود، وتسومت، وموليدت، ويهدوت هتوراه، والمفدال)؛ ثانياً، المعارضة "غير الرسمية" خارج الكنيست، التي تضم التيارات والقوى الداعية إلى أرض إسرائيل الكبرى (مثل "غوش إيمونيم")، ومختلف تنظيمات المستوطنين (المجال الإقليمية)، ومؤيدي هذه التيارات داخل المؤسسة الإسرائيلية السياسية والأمنية. وبصورة عامة يمكن القول إن المعارضة الرسمية مضطرة إلى التقيد بأصول اللعبة البرلمانية، الأمر الذي يعني أن قدرتها على التعطيل المباشر لسياسات الحكومة تكاد تكون معدومة، سوى في حال خسارة حكومة رابين لأغلبيتها، وهو أمر مستبعد في الأحوال كافة. أمّا المعارضة غير الرسمية فتمتلك حرية عمل أوسع، بدءاً بمحاولات لفرض سياسة "الأمر الواقع" في المجال الاستيطاني، ومروراً بتنظيم التظاهرات والاحتجاجات الدائمة ضد سياسات الحكومة، وانتهاء بإمكان احتضان الحركات السرية المسلّحة التي قد تهدف إلى قلب أية اتفاقية مع الجانب الفلسطيني فيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية أساساً، عبر ضرب الأهداف العربية وإحراج الحكومة أمام الرأي العام العربي والدولي.

ليس المقصود هنا تقديم صورة مفصلة وكاملة لتيارات المعارضة الإسرائيلية وفرص عملها*.  غير أن من المهم الأخذ بعين الاعتبار احتمالات التفاعل بين القوى المعارِضة في المعسكرين الفلسطيني والإسرائيلي، وإمكان تأثر كل منهما بأعمال الآخر. هكذا، فإذا عجزت السلطة الإسرائيلية، قسراً أو بملء إرادتها، عن ضبط إرهاب المستوطنين الحالي والمستقبلي، فإن ذلك سيساهم من دون شك في تقويض موقع الخط الوطني المركزي، وضرب صدقيته، وتعزيز الأطراف الفلسطينية المعارِضة في المقابل. والعكس صحيح بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي (بغض النظر عن شرعية المعارضة الفلسطينية المعنوية قياساً بنظيرتها الإسرائيلية).

من جهتها، فقد أعلنت المعارضة الإسرائيلية – بمختلف تياراتها – الحرب على سياسة حكومة رابين المعلنة حتى الآن.[7]  لكنّ معظم التقويمات الإسرائيلية يفيد بأن هذه المعارضة لم تعد قادرة على استقطاب تأييد جماهيري واسع، بل إنها كلما "تطرفت" خسرت في رهانها على الدعم الفعلي من الرأي العام الإسرائيلي الذي بات أكثر اطمئناناً إلى فرص المستقبل، وخصوصاً عقب "رحلة المصالحة" التي قام بها رئيس الحكومة الإسرائيلية، يتسحاق رابين، إلى واشنطن في آب/أغسطس الماضي. ومن هنا يرى بعض المراقبين الإسرائيليين أن فرص انتعاش المعارضة الإسرائيلية تتوقع أكثر على سوء التقدير في الجانب الفلسطيني منه على حُسن أداء المعارضة الإسرائيلية نفسها. غير أن وجهة النظر هذه تضيف أنه لم يعد في الإمكان الاعتماد على القيادة الفلسطينية لـ"إنقاذ" الليكود في هذا المجال.[8]  ولعل في هذا ما ينطبق على المعارضة الفلسطينية أيضاً.

[1]   راجع، مثلاً، حديث الناطق الرسمي باسم "حماس" في عمان في: "الشرق الأوسط" (لندن)، 5/8/1992.

[2]   راجع حديث عبد العزيز الرنتيسي في: "القدس" (لندن)، 4/8/1992.

[3]   راجع حديث الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية، أبو علي مصطفى، في: "الحياة" (لندن)، 28/7/1992.

[4]   كما لمّح إلى ذلك الناطق الرسمي باسم حماس في عمان، مصدر سبق ذكره.

[5]   راجع حديث الرنتيسي، مصدر سبق ذكره.

[6]   راجع مقالة خالد الحروب عن احتمالات اللقاء بين فتح وحماس والخيارات التي تواجه الحركة الإسلامية في: "الحياة" (لندن)، 4/8/1992.

*    يمكن مراجعة باب إسرائيليات، في هذا العدد من "مجلة الدراسات الفلسطينية"، للمزيد من المعلومات والتحليل لموازين القوى السياسية الداخلية في إسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة.

[7]   راجع بصورة خاصة مقالة أريئيل شارون في: "يديعوت أحرونوت"، 3/7/1992.

[8]   جدعون سامت، "هآرتس"، 29/7/1992.

Read more