بعض المعضلات الفلسطينية الراهنة
Keywords: 
النزاع العربي - الإسرائيلي
الانتفاضة 1987
سياسة الاستيطان
هجرة اليهود السوفيات
Full text: 

يواجه الجانب الفلسطيني مجموعة من التَّحدَّيات والمعضلات المؤثَّرة في فرص وآفاق العمل الفلسطيني بمختلف مستوياته خلال الفترة القريبة المقبلة. ويبدو بعض أهم هذه المعضلات على النحو التالي:

■  الانتفاضة وإمكانات العمل في الأراضي المحتلَّة: على الرغم من النجاح الذي حققه أهل الداخل بتثبيت قوام الانتفاضة وإرساء قواعد راسخة للحركة الشعبية المواجهة للاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإنَّ هنالك ما يدلُّ على أنَّ المردود الكلي للانتفاضة وصل في الآونة الأخيرة إلى حدود معينة ليس من الواضح تمامًا كيف سيتم تجاوزها ضمن الأوضاع القائمة والمرئية في ساحة الصراع مع إسرائيل. ويبدو أنَّ الشعور السائد في إسرائيل هو أنَّه يمكن "التعايش" مع مستوى الصدام الحالي في الأراضي المحتلَّة ما دامت تكلفة الاحتلال على الصعد المادية والبشرية والإعلامية والسياسية المختلفة "مقبولة"، أي ضمن إطار ما أفرزته الانتفاضة من أعباء مألوفة بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي حتّى الآن. وتشير المصادر الإسرائيلية، على سبيل المثال، إلى أنَّ بعض قطاعات الاقتصاد التي تضرَّرت بصورة رئيسية من جرَّاء الانتفاضة في مراحلها الأولية – وخصوصًا في مجالَيْ البناء والسياحة – عادت إلى الانتعاش في الأشهر الأخيرة، وذلك في وقت لم تزدد الخسائر الإسرائيلية البشرية من جهة، ولم تحدث تغيرات نوعية في طبيعة الحركة الشعبية في الأراضي المحتلَّة من جهة أخرى.

هكذا يبدو أنَّ الانتفاضة بدأت تتحوَّل إلى "ظاهرة دورية" من وجهة النظر الإسرائيلية، كما أنَّها أصبحت تحمل في طيَّاتها نوعًا من الرتابة لا بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي فحسب، بل أيضًا بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني (راجع دراسة سليم تماري عن الانتفاضة ومخاطر الرتابة في هذا العدد من "مجلة الدراسات الفلسطينية"). وهنالك ما يدل على أنَّ قدرة الحركة الشعبية في الضفة والقطاع على صدم الرأي العام الإسرائيلي قد تراجعت، وذلك باستثناء الفورات الطارئة كتلك التي أعقبت مذبحة ريشون لتسيون في أيار/ مايو الماضي. وفي الوقت نفسه، فقد تقلَّص الاهتمام الخارجي بالانتفاضة تقلصًا ملحوظًا طوال العام الماضي، جزئيًا بسبب الأحداث الأخرى الحيوية والبعيدة الأثر في الساحة الدولية التي جذبت اهتمام وسائل الإعلام ودوائر صنع القرار العالمية، وهو ما أدَّى إلى دفع الصراع العربي–الإسرائيلي إلى مرتبة متدنية نسبيًا في جدول الأعمال السياسي والدبلوماسي الدولي، وجزئيًا بسبب تكيّف العالم الخارجي إزاء واقع المواجهة في الأراضي المحتلَّة، وتحوّلها إلى "مجرَّد صراع مديد آخر في المنطقة" مثل حرب لبنان، أو غير ذلك من الصراعات المزمنة في العالم الثالث.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تحقق الانتفاضة، على أهميتها، خرقًا حقيقيًا في الرأي العام الإسرائيلي لمصلحة التجاوب مع التطلعات الفلسطينية الوطنية، بل يشير أكثر الاستقصاءات إلى انحياز مستمر نحو اليمين في الساحة الإسرائيلية الداخلية، الأمر الذي ساهم من دون شك في خلق الأجواء المؤاتية لتأليف الحكومة الإسرائيلية الجديدة. ومن هنا لعلَّه يمكن القول إنَّ المعضلة الرئيسية باتت تواجه الحركة الشعبية في الأراضي المحتلة هي كيفية تحويل الانتفاضة من قوَّة كامنة أثبتت قدرتها حتى الآن على الصمود أمام الحملات الإسرائيلية المضادة، إلى قوَّة نشيطة قادرة على رفع ثمن الاحتلال إلى حدٍّ لا يطاق، و/أو إحداث التغيرات الجذرية داخل الجسم السياسي الإسرائيلي الكفيلة بدفعه نحو تقبل المطاليب الفلسطينية الوطنية المشروعة. بل إنَّ السؤال المركزي في هذا المضمار، هو ما إذا كانت الانتفاضة قادرة على انتشال المبادرة من إسرائيل من دون أنْ تأخذ وجهات جديدة كليًا، أي التوجه مثلًا نحو الكفاح المسلَّح أو العصيان المدني الشامل، وذلك علمًا بأنَّ أيًّا من مثل هذين الخيارين ينطوي على محاذير ومخاطر شديدة نظرًا إلى سقف القدرات الفلسطينية الذاتية من جهة، وردَّات الفعل الإسرائيلية المحتملة عليها من جهة أخرى.

هذا لا يعني أنَّ الانتفاضة وصلت إلى الطريق المسدود. غير أنَّ نظرةً واقعيةً إلى المعطيات الميدانية تشير إلى أنَّه من دون اندفاعها بزخمٍ جديدٍ، ستتراجع على الأرجح قدرة الجانب الفلسطيني على التأثير في الطرف الآخر، كما قد تتراجع قوة التأثير الفلسطينية في الساحة عامة، مما ينعكس سلبًا على موقع "العامل الفلسطيني" بالنسبة إلى القوى المحلية والدولية الرئيسية المعنية، وذلك بعد أنْ حملت الانتفاضة هذا العامل إلى موقع مميز خلال فترة العامين ونصف العام الماضية.

■  تحدي الحكومة اليمينية الضيقة في إسرائيل: ستشكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحدّيًا مهمًّا للجانب الفلسطيني لا بسبب تركيبتها السياسية والعقائدية فحسب، بل أيضًا لأنَّها ستلجأ – على الأرجح – إلى كل السبل المتاحة أمامها لإنهاء الانتفاضة وحسم الصراع الجاري في الأراضي المحتلة لمصلحتها. ولا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أنَّ مبرِّرَ وجود مثل هذه الحكومة، في نظر زعماء اليمين الإسرائيلي، هو بالذات إثبات قدتها على "العمل" في مواجهة الانتفاضة وم. ت. ف. بصورة عامة، وذلك قياسًا بأي بديل آخر، إنْ كان ذلك حكومة ائتلاف وطني كتلك التي شهدتها إسرائيل في السنوات الأخيرة، أو طبعًا حكومة عمالية مهما يكُنْ لونها (بما في ذلك حكومة عمالية "متصلبة" بزعامة يتسحاق رابين). وبكلامٍ آخر، ترى الحكومة الجديدة على الأرجح أنَّها مضطرة إلى النجاح أمام ناخبيها ومؤيديها المحتملين في الشارع الإسرائيلي، كَيْ لا يخسر اليمين الإسرائيلي فرصة ذهبية لإحداث التغييرات التي لا عودة عنها في الخريطة السياسية الداخلية، وفي أنماط تعامل إسرائيل مع مستقبل الأراضي المحتلَّة والمسألة الفلسطينية ككل. لكنَّ الواقع أنَّ قادة الحكومة، وبالأخصّ التيارات "البراغماتية" في حزب ليكود المركزي تعي تمامًا أنَّ مجرَّد المواجهة الصدامية والدامية المباشرة مع الجانب الفلسطيني، داخل الأراضي المحتلَّة وخارجها، قد تشكل إحراجًا شديدًا لإسرائيل على الصعيد الخارجي، وبالتحديد بالنسبة إلى العلاقات بالولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية، علاوةً على أثرها السلبي المحتمل في إمكانات تطوير العلاقات بالاتحاد السوفياتي والديمقراطيات الناشئة في أوروبا الشرقية.

ومن هنا لعله يمكن التكهن بأنَّ الحكومة الجديدة لن تعتمد على البطش وحده في مواجهة الانتفاضة، وإنْ كانت ستلجأ على الأرجح إلى المزيد من الإجراءات القمعية والتأديبية الصارمة، ومنها العقوبات الجماعية، والمزيد من اللين في تفسير "أصول الاشتباكات" (أي زيادة هامش المبادرة المفتوح أمام الجنود الإسرائيليين بالنسبة إلى إطلاق النار على "المشاغبين" الفلسطينيين)، بالإضافة إلى تصعيد العمليات العسكرية الانتقامية ضد قواعد ومنشآت وقيادات م. ت. ف. في الخارج، حيثما تُتَاح الذريعة المؤاتية لمثل هذه العمليات. غير أنَّه بالإضافة إلى ذلك، ليس من المستبعد أنْ ينظر وزير الدفاع الحالي، موشيه آرنس (أحد رموز التيار البراغماتي في ليكود)، إلى تطوير سبل الحرب الاقتصادية ضد أهل الداخل، وذلك باعتبار العامل الاقتصادي مفتاح صمود الانتفاضة والعنصر المقرر لآفاق الصراع في الأراضي المحتلَّة في الأمد البعيد. هكذا، وانطلاقًا من مفهوم يقول إنَّ الضغط الاقتصادي هو السبيل الأنجع لإحباط أهل الداخل، وتقويض عزمهم على الاستمرار في الصراع، كما أنَّه أقل ضررًا بإسرائيل وبصورتها الخارجية من اللجوء إلى القوة العسكرية المجردة، يمكن توقع جملة من الإجراءات الاقتصادية الجديدة الهادفة إلى قطع كل أشكال الدعم من الخارج، إنْ أمكن، ورفع تكلفة الانتفاضة على الصعيد المادي والملموس (عبر الضرائب والعقوبات المالية المكثفة)، والتضييق على فرص التنمية الفلسطينية الاقتصادية الذاتية وإمكاناتها، وتخفيض مستويات المعيشة المحلية قدر الإمكان.

ويمكن القول إنَّ إسرائيل حاولت حتى الآن استخدام السلاح الاقتصادي بمختلف أشكاله من دون نتيجة واضحة وملموسة، ولن تأتي الحكومة الجديدة بشيء غير متوقّع في هذا المجال. غير أنَّه يبقى أنَّ قدرة الجانب الفلسطيني على تحمُّل الأعباء الاقتصادية قد تتآكل مع مرور الوقت، كما أنَّ حملة جديدة في الحرب الاقتصادية قد تنال جوانب من الحياة الفلسطينية اليومية لم تمسَّها إسرائيل حتى الآن. والواقع أنَّ مثل هذه الحرب يتناغم تناغمًا كليًا مع مفاهيم حكومة يمينية يدعو الكثيرون فيها إلى تهجير الفلسطينيين و"نقلهم" بشكلٍ أو بآخر إلى خارج الأراضي الفلسطينية، حيث يفترض أنَّ التضييق على سبل العيش وانتهاج سياسة "تجويع" متعمِّدة سيكون من شأنهما زيادة وتيرة الهجرة العربية من الأراضي المحتلَّة، وبالأخص لدى تلك القطاعات المهنية والتجارية التي تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية في الداخل. ومن مزايا مثل هذه السياسة، من وجهة النظر الإسرائيلية أيضًا، أنَّها قد تزيد في حدَّة الخلافات داخل الصف الفلسطيني، إذْ قد يبدو أنَّ "الخارج" غير قادر على اتِّخاذ الخطوات المضادة الكفيلة باحتواء آثار الحرب الاقتصادية عند أهل "الداخل". هكذا، وقياسًا بالسياسات التي أفرزت صورة الانتفاضة المألوفة، من قتلى وجرحى وجنود يطاردون الأطفال والنساء إلخ، قد يبدو خيار الحرب الاقتصادية خيارًا جذَّابًا جدًّا من وجهة النظر الإسرائيلية، ولن يكون مِن السهل على الجانب الفلسطيني إبراز الوجه الخفي وغير الملموس نسبيًا من هذه الحرب كما بالنسبة إلى أنماط المواجهة السابقة.

كل هذا لا يعني أنَّ الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستتردَّد أمام استخدام أقصى حد من القوة العسكرية المباشرة عند الحاجة. وهناك جهات في إسرائيل تقول إنَّ الضغوط الاقتصادية الشديدة ستزيد في زخم الانتفاضة لا العكس، كونها ستساهم في تثوير الجانب الفلسطيني وزيادة الشعور لدى القطاعات الفلسطينية المسحوقة (بالأخص في غزَّة ومخيمات اللاجئين) بأنَّها لنْ تخسر شيئًا إذا صعّدت مواجهتها للاحتلال. وفي الوقت نفسه، قد يكون هناك تيارات ("الشارونية" مثلًا) ترى أنَّ الحرب الاقتصادية حرب طويلة الأمد بطبيعتها، وأنَّه لا بدّ من اتِّخاذ الإجراءات الفوريَّة والمباشرة التي تأتي بمردودٍ أسرع، من وجهة النظر الإسرائيلية. غير أنَّ الحرب الاقتصادية تُمَثِّل نقطة التقاء مهمة بين مختلف التوجُّهات والتيَّارات الإسرائيلية، وهي من هذه الزاوية "أَرْيَح" خيارات إسرائيل، ومن أكثر أنماط المواجهة خطورة بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني.

■  تعليق الحوار مع الولايات المتحدة: لقد دفع الجانب الفلسطيني ثمنًا غاليًا في مقابل استعداد الولايات المتحدة لفتح الحوار مع م. ت. ف. أواخر سنة ١٩٨٨. والآن بعد القرار الأميركي الأخير بتعليق هذا الحوار، يبدو كأنَّ م. ت. ف. قَدْ تنازلت أمام الولايات المتحدة من دون أي مردود ملموس. وما من شكّ في أنَّ الإدارة الأميركية لم تكن قادرة، أو لم تكن على استعداد للانفتاح على م. ت. ف. بالقدر الذي توقَّعته المنظمة نفسها. والواقع أنَّه لم يجرِ "حوار" حقيقي بين الولايات المتحدة وم. ت. ف. طوال فترة العامين ونصف العام الماضية، إذ إنَّ الجانب الأميركي لم يسْعَ في يومٍ من الأيام لبناء علاقة مباشرة مع الجانب الفلسطيني تتجاوز مجرد الاتصالات الدبلوماسية الرسمية المتدنية المستوى والمحدودة الأثر والأهمية. ولعله يمكن القول إنَّ الجانب الفلسطيني وقع في بعض الأوهام بشأن نظرة الولايات المتحدة إلى أبعاد الحوار والعلاقات بـ م. ت. ف. عامة، إذ كان هنالك بعض التوقعات "المتفائلة" المبالغ فيها بالنسبة إلى الخرق الذي ستحدثه السياسات الفلسطينية الجديدة لدى الجانب الأميركي، والتحولات المحتملة في السياسة الأميركية في إثر رفع الحظر عن التعامل مع م. ت. ف.

ومهما يكن من أمر، فقد أدَّى مثل هذه التوقُّعات الفلسطينية إلى شعور متزايد بالإحباط حيال بطء الإدارة الأميركية في تعاملها مع عملية السلام، وخصوصًا في غياب أية أدلة واضحة على إمكان تجاوبها مع التطلعات الوطنية الفلسطينية أو مع روح المساومة التاريخية المنبثقة من مبادرة السلام الفلسطينية على وجه التحديد. وبدا أنَّ الإدارة تنوي مجرَّد "عصر" الفلسطينيين في الداخل والخارج بغية تمهيد السبيل أمام تمرير الحلول التي تحظى بموافقة م. ت. ف. الضمنية أو المباشرة، إنَّما من دون إعطاء المنظمة دورها المشروع باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للجانب الفلسطيني، ووسط رعاية فائقة لـ "الحساسيات" الإسرائيلية من جهة، والتحجّج المستمرّ بضرورة تَفَهُّم الفلسطينيين لمحدوديَّات عمل الإدارة في مواجهة ضغوط الكونغرس والدوائر المختلفة المؤيِّدة لإسرائيل في الساحة الأميركية من جهة أخرى. والخلاصة أنَّه عند اتخاذ القرار الأميركي بتعليق الحوار كان لدى الجانب الفلسطيني قناعة واسعة بأنَّ هذه الآلية للاتصال بالولايات المتحدة قد فقدت جدواها في الأساس، وأنَّ مدى الخسارة التي ستلحق بالمصلحة الفلسطينية نتيجة القرار الأميركي سيكون محدودًا ضمن الأوضاع الراهنة والمرئية.

وقد يكون هناك ما يبرِّر مثل هذه النظرة الفلسطينية، إذ أنَّ الإدارة تُدْرِكُ جيدًا أنَّه لا يمكن الاستغناء استغناءً تامًا عن م. ت. ف. في كل الأحوال، إذا ما كان الهدف هو دفع عملية السلام إلى الأمام (وقد كرر مثل هذا الكلام وزير الخارجية الأميركية جيمس بيكر نفسه في أعقاب القرار بتعليق الحوار). وبغض النظر عن قناة الاتصال الرسمي بين الجانبين في تونس، يبقى هنالك مختلف القنوات العربية والصديقة التقليدية الأخرى التي كانت ولا تزال تقوم بدور مهم في مجال العلاقات الأميركية–الفلسطينية (بل يمكن القول إنَّ أحد أسباب تعثُّر "الحوار"، في الأساس، كان التفضيل الأميركي للاعتماد على مثل هذه القنوات الثانوية بالذات).

إلَّا أنَّ هذا لا يلغي حقيقة الخسارة الفلسطينية الناجمة عن تعليق الحوار مع الولايات المتحدة. فعلاوة على احتمال هدر "المساومة التاريخية" التي أدَّت إلى بدء الاتصالات الأميركية–الفلسطينية، فقد أخذ الحوار أهمية خاصة كإطارٍ عمليٍّ تملك المنظمة من خلاله موطىء قدم في عملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، بغض النظر عن مدى الاستعداد الأميركي الآني للاعتراف بدور م. ت. ف. اعترافًا علنيًا ومباشرًا. وبكلامٍ آخر، ومن دون "الحوار"، سيكون من الأصعب على المنظمة التحرك على الصعيد السياسي–الدبلوماسي في ظلِّ الهيمنة الأميركية على عملية السلام ككل. هكذا، فالمشكلة من وجهة النظر الفلسطينية ليست أنَّ مضمون الحوار لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب أو المأمول به بالنسبة إلى الفلسطينيين، بل إنَّ غياب الحوار يزيد في احتمالات عزلة المنظمة عن عملية السلام، حتى لو كانت الولايات المتحدة عاجزةً عن التحرك الفعَّال من دونها.

لكنْ لعلَّ المسألة الأهم من احتمالات وأبعاد القرار الأميركي بتعليق الحوار مع م. ت. ف.، هي مستقبل مبادرة السلام الفلسطينية ومدى قدرة أو استعداد المنظمة للمضي في هذا النهج إلى نهايته. وهنالك رأي يقول إنَّ الجانب الفلسطيني بقي متردِّدًا أمام الالتزام غير المشروط بأصول اللعبة السياسية الدبلوماسية التي فرضتها المبادرة الفلسطينية نفسها. وضمن مثل هذه الظروف أصبحت حملة السلام الفلسطينية كأنَّها تفتقر إلى "مركز الثقل" المطلوب في أيَّة عملية هجومية ناجعة، أي أنَّ المجهود الفلسطيني بقي مفتَّتًا وجزئيًا، ولم يحدث الاختراقات السياسية–النفسية المرجوة لدى الجانب الآخر. وهذا قد زجَّ المنظمة في مأزق مزدوج: لم تؤدِّ المساومة الفلسطينية التاريخية إلى تبديل موازين القوى في الساحة مع إسرائيل من جهة، ولم تعد هنالك خيارات بديلة مصداقية يمكن اللجوء إليها في حال فشل استراتيجية السلام من جهة أخرى. هكذا، فالأرجح أنَّ ثمن مجرد إعادة الحوار مع الولايات المتحدة – إنْ تمت – سيكون عاليًا، في حين أنَّ الهدف المرجو من استمرار هذا الحوار في النهاية – أي تحقيق السلام المقبول فلسطينيًا – سيبقى بعيد المنال، سواء مع الحوار أو من دونه.

وليس المقصود هنا أنَّ المطلوب هو الرضوخ مجددًا للولايات المتحدة فيما يتعلق بمسألة الحوار، بل الإدراك أنَّ هوامش المناورة الفلسطينية ستبقى محدودة من دون المراجعة الشاملة والواقعية لمستلزمات ومنطق استراتيجية السلام، أو الاستعداد – في المقابل – لنفض هذه الاستراتيجية من الأساس.

الدور العربي المتصاعد: لقد ساهمت الانتفاضة في إعادة تسليط الأضواء على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي الثنائي والمباشر على أرض فلسطين. وهكذا، وخلال المراحل الأولى من الانتفاضة، وجد الفلسطينيون أنفسهم في موقع الطرف العربي المبادر والقادر على التأثير في الأحداث، في حين تراجع البُعد العربي للصراع نسبيًا مما ساعد في تعزيز مكانة العامل الفلسطيني على مختلف الصعد المحلية والدولية. غير أنَّ الأشهر الأخيرة شهدت صعودًا جديدًا للبُعد العربي وانحسارًا موازيًا لأهمية العامل الفلسطيني، الأمر الذي أعاد الصراع في المنطقة إلى إطاره التقليدي بعض الشيء. وإذا كانت هذه العملية تعكس، إلى حدٍّ ما، المأزق الذي وصلت  إليه مبادرة السلام الفلسطينية ومحدوديات العمل الفلسطيني "المستقل" في مواجهة إسرائيل (والولايات المتحدة)، فإنَّه يبدو أنَّ الفترة القريبة المقبلة ستفرز مزيدًا من "التعريب" للصراع؛ وإنَّما ضمن أوضاع مختلفة عما مضى.

فالحقيقة أنَّ التيار العربي الصاعد الذي يقوده العراق بصورة بارزة، هو تيار متشدد يدعو إلى ضرورة التصلب في مواجهة تصلب الطرف الآخر وتشدده. ومن اللافت أنَّ هذا التيار يتعارض لفظيًا على الأقل مع النهج العربي "الواقعي" الذي تبلور طوال العقدين الماضيين منذ حرب ١٩٧٣، والذي وصل إلى ذروته خلال مؤتمر القمة في الدار البيضاء في السنة الفائتة. وفي حين قد يكون من السابق لأوانه القول إنَّ قمة بغداد الأخيرة أحيت أنماطًا من السياسات العربية كان يعتقد أنَّها لم تعد تمثل خُطًا مركزيًا في الفكر العربي الراهن، يبقى أنَّ هذا التحول في الموقف العربي العام سيزيد في الضغوط على م. ت. ف. ويقلص على الأرجح من فرص عملها المستقل على الساحة. هكذا سيكون من الصعب على الجانب الفلسطيني التزام سياسة مرنة إزاء عملية السلام، إذا كان التيار العربي الصاعد يدعو إلى عكس ذلك. لكن في المقابل، فإنَّ للخيار العربي كذلك ما يحدّه، كما تدل على ذلك تجارب فلسطينية سابقة مع مختلف الأطراف العربية. وتكمن المعضلة هنا في أنَّ الخيار الفلسطيني المستقل غير قادر على سدِّ الفارق الشاسع في ميزان القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل. أما محاولة سدّ هذه الهوَّة عبر تبنِّي خيار عربي أوسع، فتستلزم بالضرورة التنازل عن حيِّزٍ مهمٍّ من حرية العمل والقرار الفلسطينيَّيْن في المقابل.

وما يزيد الأمر تعقيدًا، من وجهة النظر الفلسطينية، أنَّ صعود العامل العربي يأتي في وقتٍ بدأت المخاوف المحلية والدولية حيال الصراع في المنطقة تنتقل من القلق على مستقبل الصراع في شأن الأراضي المحتلَّة، إلى احتمالات اندلاع مواجهة واسعة تُستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل والأنظمة الصاروخية المتطورة البعيدة المدى. وبكلام آخر، فالانتفاضة والمواجهة الفلسطينية– الإسرائيية لا تنطويان على المخاطر نفسها التي تنطوي علهيا الحرب الكيماوية/ البيولوجية/ النووية في المنطقة، وهو ما قد يفقد البُعد الفلسطيني في النزاع مزيدًا من خصوصياته ويحول أنظار أكثر القوى المعنية بالشرق الأوسط نحو محاولة احتواء هذا الخطر الأكبر.

وطبعًا، يمكن القول إنَّ احتمالات الحرب تزداد كلما تراجعت فرص حل المسألة الفلسطينية، وبالتالي هنالك ربط مباشر بين الجانب الفلسطيني "الصافي" للصراع، وبين المخاطر الأشمل الناجمة عن انتشار الأسلحة ووسائل القذف غير التقليدية في المنطقة. لكنَّ بروز مثل هذه العوامل الأخيرة في الميدان، بالتضافر مع صعود التيارات العربية المتشددة (بما في ذلك المد الإسلامي الأصولي على الصعيد الشعبي) قد يؤثِّران في أولويات الحل في المنطقة، بحيث تتحجَّم فيه مسألة "أطفال الحجارة" لتحل مكانها مسألة "الإبادة الجماعية". ولعلَّه ليس مصادفة أنْ تكون إسرائيل قد ركَّزت مؤخَّرًا على أهمية معالجة الجانب الأوسع من "العداء العربي" للدولة العبرية أولًا باعتبار الصراع الحقيقي في المنطقة ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل بين إسرائيل ومحيطها العربي العام.

■  تراجع موقع السوفيات والهجرة اليهودية: في الوقت الذي تمر العلاقة الأميركية–الإسرائيلية ببعض التوترات، والتي قد تشتد في حال انتهاج الحكومة الإسرائيلية الجديدة لسياسات صدامية أو نبذها المباشر لمشاريع التسوية الأميركية، يبقى نسيج هذه العلاقات متينًا وراسخًا، وذلك بالاستناد إلى أرضيةٍ ثابتةٍ من اتفاقيات التعاون والعمل المشترك بين الجانبين، وخلفية من التناغم السياسي–المعنوي ليس من شأنها أنْ تهتزَّ اهتزازًا أساسيًا في المستقبل المنظور. وهنالك رؤية مفادها أنَّ التعاون الأميركي–الإسرائيلي العسكري / العملياتي مرشح للتطوير في المرحلة المقبلة، وخصوصًا في ضوء الاعتماد الأميركي المتزايد على النفط المستورد من المنطقة العربية، والحاجة الأميركية المستمرة إلى قاعدة أمامية آمنة ومستقرَّة يمكن الانطلاق منها للعمل في الشرق الأوسط أو غيره من ساحات العالم الثالث، حيث ستواجه الولايات المتحدة التحديات الأمنية الأكبر في الحقبة المقبلة بعد انتهاء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. وفي مقابل هذا التضافر المستمر بين إسرائيل وحليفها الخارجي الأكبر، يجد الجانب الفلسطيني نفسه أمام تحولات جذرية في موقع ونهج حليفه الدولي الرئيسي الاتحاد السوفياتي. وإذا كانت العلاقة الفلسطينية–السوفياتية لم تكن يومًا موازيةً للعلاقة الأميركية–الإسرائيلية في الأحوال كافَّة، فإنَّ انحسار الوجود والاهتمام السوفياتيين في المنطقة، يخلق فراغًا في ميزان القوى الكلي من وجهة النظر الفلسطينية. وهذا لا يعني أنَّ السوفيات لا يستطيعون دعم أو مؤازرة المواقف الفلسطينية، أو أنَّ الجانب الفلسطيني لا يستطيع الاعتماد على السوفيات كطرف صديق في الساحة العالمية، غير أنَّ مكانة السوفيات كحليف استراتيجي قد تأثرت سلبًا بفضل الظروف الموضوعية والذاتية المؤثرة في مجمل الوضع السوفياتي الحالي. هكذا، فإنَّ الساحة المحلية تبدو ساحة أميركية أكثر من أي وقت مضى، مما يعود فيطرح على الجانب الفلسطيني خيارات صعبة،، إنْ كان في مجال عملية السلام، أو بالنسبة إلى ما يتوفَّر من بدائل من مبادرة السلام الفلسطينية نفسها.

ولعل مسألة هجرة اليهود السوفيات من أبرز التحديات التي تواجه الجانب الفلسطيني، والتي لا علاج واضحًا لها على الأقل في مجال العلاقات السوفياتية–الفلسطينية (أو العربية) الثنائية، كونها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمصلحة السوفياتية العليا ومستقبل الانفتاح الأميركي/ الغربي على الاتحاد السوفياتي، على الصعيدين التجاري والاقتصادي الحيويين. لكنْ يبدو هنا أنَّ الحملة الفلسطينية/ العربية المضادة للهجرة السوفياتية قد ركزت، إلى حدٍّ بعيد، على "أخطار" لا تشكل بذاتها الخطر الأولي على الجانب العربي الناجم عن دفق اليهود السوفيات إلى إسرائيل. فالواقع أنَّ خطر الهجرة لا يكمن في إمكان انتقال أعداد كبيرة من المهاجرين السوفيات أنفسهم إلى الأراضي المحتلَّة (باستثناء القدس الشرقية حيث يتم توطينهم بكثافة)، بل في أثر الهجرة في الوضع السكاني–الاستيطاني الإجمالي في إسرائيل. وبكلامٍ آخر، فإنَّ أزمات السكن والعمالة التي بدأت تبرز مؤخرًا في إسرائيل، سيكون من شأنها دفع مواطنين إسرائيليين آخرين عبر الخط الأخضر بحثًا عن السكن الرخيص والمدعوم حكوميًّا، وليس بالضرورة اليهود السوفيات أنفسهم. هكذا، فإنَّ الهجرة السوفياتية قد تؤدِّي إلى "اندلاق" قطاعات محرومة نسبيًا من الإسرائيليين في اتجاه الأراضي المحتلَّة، ومنها بعض القطاعات التي لا دافع سياسيًا أو أيديولوجيًا لديها إلى الاستيطان خارج حدود ١٩٤٨ سوى ضمان إمكانات السكن المقبول من وجهة نظرها.

ومن هنا يبدو أنَّ من الأجدر بالجانب الفلسطيني/ العربي التركيز على وقف كل أنواع الاستيطان في الضفة والقطاع، بدلًا من تسليط الأضواء على مشكلة الهجرة السوفياتية بذاتها. ومن هذا المنطلق، قد يكون في الإمكان تجنيد أكبر قدر من الدعم الدولي الفعَّال، من دون دخول مواجهة سياسية مباشرة مع السوفيات لن تأتي بنتيجة عملية من وجهة النظر العربية. وهذا بدوره قد يدعم إمكانات العمل المشترك مع السوفيات على صُعد أخرى، ويحدّ من الأضرار الناجمة عن التحول النسبي في موقع الاتحاد السوفياتي على الساحة. ولعل من أهم ما قد يسعى الجانب الفلسطيني له في المرحلة المقبلة هو الحيلولة دون تردِّي العلاقات السوفياتية–العربية، بحيث يرى السوفيات أنَّ لا مصلحة لهم في الاستمرار في التجاوب مع التطلعات الفلسطينية، أو أنَّ الانفتاح على إسرائيل يحمل مردودًا أكبر من وجهة النظر السوفياتية المصلحية الضيقة.

Read more