About Democratic Centralism and Criticism
Date: 
December 29, 2020
Author: 
blog Series: 
The Prisoners

ينظم الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي ندوات تثقيفية حول موضوعات متنوعة. فيما يلي، مداخلة ألقاها أحد الأسرى في إحدى هذه الندوات.

حتى الآن أجَدنا خطابَ التحرر ومفرداته، ولم نتمثّل خطاب الحرية وقيمها. اعتقدنا دوماً ألّا وقت للحرية والاحتلال جاثم على صدورنا. إذا كانت مساحات الوطن محتلة ويسيطر عليها عدونا نتيجة موازين القوة المختلة لمصلحته، فإن عقولنا وعقول أبناء شعبنا يجب أن تبقى خارج حسابات موازين القوة، فهي "الفضاء" الذي نجوس به أحراراً متجاوزين أسوارهم وأسلاكهم الشائكة، لنصل كل بقعة من بقاع فلسطين، وهي المساحات "الفردية" الخاصة التي لم تطؤها فكرة القبول بالمحتل. ما دمنا نتمثل حريتنا لا كمفهوم مجرد وإنما كحرية عينية كحرية التعبير وحرية النقد وغيرها من الحريات التي قمعت وغابت عن ممارستنا الداخلية.

إذا كانت الحريات التي نطالب بها في مواجهة المحتل التي أسميها الحريات الخارجية (التحرر من) هي حريات يُجمع عليها الفلسطيني فإن الحرية الداخلية (الحرية في) التي أدعو هنا تمثّلها وممارستها كنقد، دخلت في تعقيدات بعضها تنظيمية وأكثرها نفسية تربوية أدت إلى موت جهاز الأيض في فصائلنا أولاً، ثم في منظمة التحرير الفلسطينية، فتكلّفت فصائلها في ظل غياب المراجعة وأبقت خارجها آلاف الكفاءات من الشباب، بل أبقت أجيالاً قطعت معها التواصل الجيلي في العملية التنظيمية ولم تمنحها فرصة التأثير في القرار وتصويب مسيرة النضال. ولمّا كانت أغلبية فصائلنا هي نتاج ثقافة عصرها (عصر تحرر الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية) التي تقول في لاوعيها، وربما عندما يحتدم النقاش الداخلي تقول في وعيها، إن التحرر سيفضي بنا لا محالة إلى الحرية. لكنها لم تعرّف هذه الحرية ولم تثقف عليها إلاّ بصفتها تحرراً من عبودية المحتل. وبالتالي لم يخطر في بالنا ولم نكن قادرين على أن نتخيل أن الحرية هي التي تقودنا إلى التحرر، بل هي القيمة والممارسة الداخلية والشرط الضروري الذي سيحافظ على إنجازات التحرر.

لنتأمل دروس تاريخ الدول العربية التي تحررت من الاستعمار، هل استوعبتها شعوبها الفاقدة للحرية؟ أليست هذه الدول تفتقر إلى السيادة الحقيقية، فتحوّل بعضها لغياب الحريات إلى دول فاشلة؟ وكم بندقية نعرفها بالاسم أبدعت في مقاومة الاحتلال لكنها جهلت معنى الحرية فكان مصيرها أن تطلق إلى الخلف؟ لقد شكل مبدأ المركزية الديمقراطية في صيغته الستالينية أحزابنا وفصائلنا اليسارية والقومية وحتى الإسلامية لاحقاً، ولم نكن قادرين على الإفلات من قبضته كمبدأ ناظم تعزز كصيغة تنظيمية وحيدة في مرحلة الحرب الباردة و"عشش" كثقافة في ثنايا العقل والوعي المقاوِم. وإن كنا اليوم لا نجده بصيغته الخام في لوائح "حماس" والجهاد و"فتح"، وإنما أعيد إنتاجه في ثقافة الفصائل وحتى في الثقافة الشعبية بتسميات أُخرى فأصبحت الحرية، ولا سيما حرية التعبير وممارسة النقد فتنة وإضعافاً للشعور أو الانتماء الوطني أو القومي أو إضعافاً للفصيل، في ظل ثقافة "الانقسام" التي أصبح النقد العلني في ظلها، يعتبر حبل غسيلٍ تنشرُ عليه قضايا لا يصحُ أن يصرّح بها لا أمام الأعداء فحسب، بل يجب ألاّ يطّلع عليها المنافسون الوطنيون، وسرعان ما يتحول النقد الذي يراد به تصويب النضال به إلى خيانة وطعنة في الظهر، على الرغم من أن معظم النقد الموضوعي الذي يتم إسكاته لا يتناول الأصول والمبادىء الوطنية، إنما السياسات والأدوات. لكن المناخات الثقافية في مرحلة "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" حولت الرأي الآخر إلى أداة هدم لا أداة بناء. وعندما يحول النقد في ثقافتنا الذكورية إلى عيب بتشجيع في أحيان كثيرة من أجهزة السلطة الحاكمة موضوع النقد، وممارسه كفاقد للرجولة "هذا مش موقف رجولة!" فمن يريد عندها ألاّ يكون رجلاً في مجتمعٍ ذكوري؟! وكلما استهدفَنا عدونا وهَزَمنا في معركة سياسية كانت أم عسكرية، اشتدت فينا نفسية المقموع واتجهت نحو تكريس القائم وربما تقديسه وتنزيه رموزه بدلاً من ممارسة النقد وإجراء المراجعات الضرورية، ثم تحويله إلى ثابت وطني وإن كان أداة. فكم من أداة تحولت إلى ثابت وطني على حساب الثوابت. ثم عدنا دون مراجعة جدية لمسيرة التحرير ونحاول أن [نصعد] بنضالنا إلى أعلى التلة إمّا بانتفاضة جديدة وإمّا هبة وإمّا غيرها، ثم يعقبها تصريحات أو مفاوضات يسير أصحابها على الاستراتيجيا نفسها التي قادتنا إلى أسفل التل وهكذا. وللخروج من حالة اللاتوازن ما بين الإدراك العقلي والواقع، التي يولدها الفشل نكاية بالاحتلال على الأخطاء نفسها، لا لشيء إلاّ لأن هذه "الأخطاء" استهدفها الاحتلال من دون أن ندرك أن الاستهداف ليس سبباً كافياً للتمسك بها. في هذه الحالة، يتحول النضال إلى ما يشبه الطقوس الفرعونية نلقي خلالها بأفضل شبابنا إلى "النيل" من دون أن يقربنا ذلك من القدس فنلجأ إلى اللغة والخطاب الإعلامي كي نصنع لأنفسنا توازناً نفسياً بدلاً من نقد الواقع وتبيان أسباب الهزيمة والفشل.

في ظل واقع ساد في فترة الحرب الباردة، ونشأ فيه مبدأ المركزية الديمقراطية، قد تلاشى، هل ما زال هناك مكان للحديث عن مركزية ديمقراطية؟ وهل في واقع القرن الواحد والعشرين يمكن للأحزاب أن تكون هي مثقف عناصرها المركزي بينما فقدت هذا الدور دول بما فيها الاتحاد السوفياتي واستبدلته روسيا الحديثة بإختفاء المعارضين. ألا يضر بنا استمرار التمسك بمثل هذا المبدأ لا بالأدبيات الحزبية والحركية فحسب، بل تعزيزه بالثقافة السياسية والاجتماعية من فصائلنا كما سبق وأشرنا كالعيب وفقدان الرجولة. إن غياب النقد الجاد وحرية التعبير بفعل هذه الثقافة السائدة لزمن طويل حول خطابنا وإعلامنا السياسي إلى إعلام فقير وسطحي وغير مؤهل لأن يخاطب الأجيال الشابة بلغة عصرها وهمومها وقضاياها إلى جانب قضيتها الوطنية. فاللغة لغة خشبية أفقدتنا الصلة بهذا الواقع، وبهذه الأجيال. أفقدتنا الصلة بالمستقبل فهم من سيحمل المشروع الوطني في نضالنا طويل الأمد.

ويقدم الإعلام الاسرائيلي المضاد بكثافة جدلاً سياسياً ناشطاً يتناول خلاله قضايانا بقراءة خاصة وفي سياقه الصهيوني، لكنه أيضاً، يقدم الرأي والرأي الآخر "الرأي الإسرائيلي" ويترك للفكرة أن تصارع الفكرة، هذا الإعلام المقروء والمرئي وكما نعلم جميعاً (في السجون على الأقل) تتابعه الفئات المسيّسة والمناضلة التي تمثل نواة المقاومة أكثر مما تتابع الإعلام الفلسطيني. إننا نقرأ بل وندرك أنفسنا من خلال ما يقدمه الآخر الصهيوني، لا بل عندما نتابع الإعلام الفلسطيني الذي لا يسمح بظهور الرأي الآخر على شاشاته وصورته نجده يقدم لنا الإعلام الاسرائيلي (مترجماً منتقداً نتنياهو أو مؤسسة الجيش أو تعامل الشرطة الإسرائيلية مع الفلسطينيين) فهل نقرأه كمشاهدين فلسطينيين احتفاءً بالتعددية الإسرائيلية وحرية النقد الغائبة في إعلامنا؟ ألا يخلق منا هذا الواقع الإعلامي بأفضل الأحوال معجبين باليسار الصهيوني ومفرداته وأدوات تحليله؟ أليس هذا مدخلاً للأسرلة حيث يتعامل هذا الإعلام الفلسطيني مع فلسطينيي الداخل بصفتهم احتياط أصوات لأحزاب اليسار الصهيوني في أقرب انتخابات برلمانية أو ربما يعتبرنا يساراً عربياً إسرائيلياً. إن تغييبنا للنقد الجاد في إعلامنا الحزبي والوطني، بعد أن حجبنا بأيدينا مواقف ملتزمة بالمحددات الوطنية ومفرداتها عن الأجيال الشابة، قد تسبب في ظل الفضاء الإعلامي المفتوح بأن يحاضر في هذه الأجيال أمثال شلومو جانور وأفيخاي أدرعي ومن على شاكلتيهما من الحريصين على تدعيم مواقفهم المسمومة بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.  

ليس المطلوب صم الآذان أو الكف عن متابعة الإعلام الإسرائيلي وإنما الدفاع عن الحرية وتعزيزها كقيمة وطنية وإنسانية كأية قيمة وطنية ولا سيما حرية التعبير عن الرأي في أوساطنا الاجتماعية وأطرنا السياسية والحزبية حتى يشكل خطابنا الإعلامي، العميق بنقده والجريء بموضوعاته، والذي تتصارع به الفكرة مع الفكرة، ثقلاً موازياً للإعلام الآخر بما فيه الإعلام الإسرائيلي، وحتى نسلح أجيالنا من خلال نقد مسيرتنا النضالية بثقافة سياسية أعمق تمكننا من مواجهة الخطاب الآخر الصهيوني الذي تتعرض له بكثافة، وربما لمواجهة خطاب بعض الإعلام العربي الذي بات يعمل في الآونة الأخيرة على تبيان أخطائنا كحركة تحرر لا لتجاوزها الأمر الذي كنا نتمناه، وإنما ليبرر للفئات الحاكمة هرولتها نحو التطبيع مع إسرائيل.

ما زال هناك في أوساطنا كحركة وطنية عامة وكحركة وطنية أسيرة خاصة من يعتقد أن النقد قد يكشفنا أمنياً لعدونا وقد يظهر له مكامن ضعفنا، كأن عدونا لا يملك مراكز أبحاث ودراسات حوّلنا فيها موضوعاً لبحوثه لا في السجون فحسب، بل أيضاً في الوطن بكامله فهو يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وقد حان الوقت لنغزو الباحث والذات المبحوثة وهذا يتطلب منا قدراً كبيراً من الصراحة والموضوعية والجرأة. لقد استُعديَ المثقف العربي الناقد بسلطة الاستبداد ورُوِّض المثقف الفلسطيني بلقمة العيش. لكن الأخطر أنهم أفهمونا ولزمنٍ طويل مستخدمين ثقافة المركزية الديمقراطية بأن من يمارس النقد من خلف مكاتب مكيّفة ليس فقط لا يجيد النقد وإنما لا يستحق ممارسته لأنه لم يدفع فاتورته مثلكم والهدف ليس استعداء المثقفين فحسب حتى بتنا نكره المكاتب المكيّفة، وإنما استعداء النقد كحرية وطنية وكأداة ضرورية لتطوير نضالنا، وعندما مارسه البعض من مثقفي الفصائل حتى من داخل السجون تم تخوينه أو في أحسن الأحوال أتهم بقصر النفس وباليأس وبالتعب، كأن النقد ليس مشروعاً للنضال الداخلي الذي هو أشد وأقسى أشكال النضال أو إن شئتم فهو جهاد النفس. لقد تراكمت عند بوابات زنازيننا نحن القابعين خلف القضبان منذ عقود خلت ملفات وأسئلة كبيرة لم يجرؤ أحدٍ على فتحها بوضوح وصراحة حتى الآن بعيداً عن المناكفة الإعلامية. ملفات وقضايا قادنا إهمالها إلى متاهات الأزمة والحالة الوطنية الرثّة التي وصلنا إليها. والانقسام الفلسطيني ليس أولها وربما إهمالها كرسنا في الأسر لعقود طويلة الأمر الذي يدعونا كأسرى من جميع الفصائل وكمناضلين دفعوا فاتورة الحرب بل والسلم أيضاً إلى أن نطرح الاسئلة الحقيقية حتى وإن كانت أسئلة صعبة ليس وفاءً للشهداء والجرحى فحسب، بل أيضاً وفاءً لأنفسنا وحتى نكون منسجمين مع ذواتنا لنحسم التناقض بين ما مثلناه من جرأة في مواجهة الاحتلال كمناضلين في صفوف حركة التحرر وبين غيابها كتعبير عن الرأي في نقد وتصويب سياسات ومواقف فصائلنا وقياداتها. نحن ملزمون في هذا لأنفسنا قبل كل شيء حتى نحسم فينا الانفصام في الشخصية المناضلة. لقد ناضلنا لأننا أحرار وما دامت الإرادة الحرة هي التي تعرف جوهر الإنسان فإن ممارستنا للنقد كتعبير عن هذه الإرادة الحرة فإننا نمارس إنسانيتنا ونؤكد أمام عدونا، وخصوصاً في الأسر أننا ذوات فاعلة ولسنا موضوعاً له ولمحاولاته لتشييئنا وهذا بالتأكيد شكلّ آخر من أشكال النضال الأسير.

* مداخلة في ندوة داخل الأسر.

From the same blog series "The Prisoners"
Rawda Odeh, Bilal Odeh
Alaa el-Ali
Sa'ed Salameh
عيسى ديبي، هكذا رأيت غزة مدينة لم أرها، زيت على قماش، أبيض وأسود، ،٢٠١٨، مجموعة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
Raafat al-As'ous
Ayman al-Sharbati
Shadi al-Shurafa
Majd Ziadeh

Read more