As-Sahl Street in Ramallah and Its Transformations
Date: 
September 14, 2020

ليس بعيداً عن حي الطيرة "الراقي" في مدينة رام الله، تقع البلدة القديمة أو ما يعرف اليوم برام الله "التحتا" التي ما انفكت تراوح بين الحداثي والتقليدي. ورغم أن سكانها اليوم ليسوا هم الأشد فقراً، فإنه قد تم وسمها باعتبارها منطقة سكنية للطبقة الدنيا، الأمر الذي يمكن الإشارة إليه باعتباره نواة للفرز المكاني بين الطبقات والتمايز الاجتماعي-الاقتصادي في المدينة. ويمكن إرجاع أولى علامات التمايز الاجتماعي-الاقتصادي الذي شهدته رام الله وانعكاساته على الأنماط السكنية والسكانية إلى بدايات القرن الماضي –ولا سيما الفترة التالية للحرب العالمية الأولى- حين خرج الميسورون من سكانها الأصليين من البلدة القديمة، وذلك قبل أن تختبر المدينة أشكالاً جديدة ومتباينة من المورفولوجيا الديموغرافية والاجتماعية إثر نكبة 1948، إذ استقبلت نمطين مختلفين من اللاجئين: لاجئون حضريون من أبناء الطبقة الوسطى، الذين اندمجوا ضمن نسيجها وشكلوا نواة جديدة لطبقتها الوسطى، ولاجئون فلاحون انعزلوا في مخيمات اللاجئين وصاروا أحد مكونات الطبقة الدنيا لهذا الحيز الحضري الذي بات فضاءً هجيناً يتمتع بتركيبة سكانية فريدة ومختلطة.

في قلب رام الله "التحتا"، يمتد شارع السهل على طول حي مار جريس القديم ليكون شاهداً على تحول ركائز المشهد المديني وتغير البنية الاجتماعية-الاقتصادية لرام الله. ويشار إلى أن الشارع قد تم شقه سنة 1927، وساهم في تحويل المنطقة من زراعية إلى تجارية، إذ لعبت البلدة القديمة دور المركز التجاري الأساسي حتى الثلاثينيات. وقد برزت منطقة شارع السهل خلال السنوات الأخيرة لتشكل دلالة واضحة على الديناميات المرتبطة بمساعي بلدية رام الله لإعطاء التخطيط الذي تقوم به وقع بنية سابقة لتحقق الشيء في ذاته، وإظهار الشارع بمظهر الموروث الثقافي والعمراني المحمي، وذلك في ضوء تصورات تروج لها البلدية وتشير عموماً إلى أن مرتكزات تخطيط وتنظيم شارع السهل تعود إلى العهد الأردني ولم تشهد تغييراً كما حدث في مناطق المدينة الأخرى، وأن المساعي المرتبطة بتطوير الشارع تتمحور حول قيام البلدية بإعادة تأهيل البنية التحتية ورصف الطريق وتعريض الأرصفة على طراز حديث وإتاحتها لاستخدام أصحاب المصالح التجارية، كالمقاهي والمطاعم، دون المساس بجماليته التاريخية.

وعلى الرغم من أن شارع السهل مصنف بصفته التنظيمية الحالية –كتجاري طولي- وفق مخطط المدينة الهيكلي لسنة 1962، فإنه يظهر أن الممارسات والتصورات المحيطة بالشارع قد تدخلت في إخراجه بصورة مختلفة على غرار مراكز العديد من المدن العربية والعالمية القديمة، وساهمت في تغيير أنماط السلوك الاجتماعي-الاقتصادي المألوفة في المنطقة، كما أتاحت لبلدية رام الله إيجاد بيئة مكانية ملائمة لإعادة هيكلة السلوك والممارسة البشرية -وتنضوي على نوع خاص من البرجزة “gentrification” التي تتيح إحلال رواد مختلفين في الشارع دون هدم موروثه أو إخلاء سكانه الذين أصبحوا بحكم الواقع والضرورة جزءاً من تركيبة هذه البيئة أو البنية. لقد كان الشارع يتسم، من حيث نوعية الرواد والممارسات، بطبيعة لا تختلف كثيراً عن غيره من الشوارع التجارية القديمة في رام الله والبيرة والمدن المجاورة، واستمر كذلك إلى أن قامت البلدية بإعادة تأهيله وتطويره، في أواسط سنة 2015، واستحداث نهج حياة حضرية منسجم مع رؤى جديدة. وقد أتت هذه الخطوة ضمن مجموعة من المشاريع "الحيوية" التي تنفذها البلدية، والتي كان من بينها مشروع تأهيل البلدة القديمة وإحياء شارع السهل في مركز المدينة القديم، والذي يظهر أنه قد جاء في ظل رؤية البلدية للشارع باعتباره جزءاً من مشهد المدينة الثقافي.

وفي حين أن مجمل سكان الشارع لم يتقبلوا التغيير الحاصل في بدايته، إلا أنهم تجرعوه على مضض وأصبحوا جزءاً من منظومة التغيير في ضوء تنشط الشارع وبدء تحقيقهم فوائد اقتصادية، إذ أخذ أصحاب عدد من المصالح التجارية يستجيبون لطبيعة البيئة الحاضنة الجديدة التي ابتكرتها البلدية -من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية وتعريض الأرصفة وتعبيد الشارع وجعله باتجاه واحد دون تغيير أحكامه التنظيمية- وقاموا بتطوير محلاتهم وعمل ديكورات جديدة.

وعلى الرغم مما يشاع من أن تطوير منطقة شارع السهل –لم يكن بقصد البرجزة، إذ لم يغادره تقريباً أحد من سكان المنطقة أو المشتغلين فيها، فإن المنتج النهائي المتعلق بطبيعة الفعل الاجتماعي والنشاط الاقتصادي اليوم، لا يروق لسكانه القدامى. فقد مات الشارع في نهارات الأسبوع وأصبح ملاذاً للفقراء ولعدد من أبناء القرى المحيطة الذين اعتادوا ارتياد المنطقة لشراء منتجات قد يصنفها البعض "شعبية"، رغم أن الشارع صار يقدمها اليوم مغلفة بقالب حداثي. كما لم يعد مستهجناً، في صباحات أيام الجمعة، رؤية طوابير الزبائن –من منتمي الطبقة الوسطى في المناطق الأخرى- أمام المخابز ومطاعم الحمص والفلافل التي ما تزال تحمل طابع الأصالة والتراث رغم تحديثها، وربما أن ارتيادها يساهم في تعزيز صورة الزبائن، إذ يضفي مكان هذه المطاعم عليها، وعلى مرتاديها بالضرورة، هوية نخبوية متخيلة ومختلفة عن مثيلتها في أماكن أخرى في المدينة. أما في ساعات الليل، فتشهد رام الله "التحتا" أو "الداون تاون" حركة تجارية وممارسات اجتماعية من نوع آخر، إذ يتحول المشهد ويأتي رواد جدد من خليط مختلف عن تركيبة الزبائن النهارية، وهم بالعموم من سكان الأحياء الراقية القريبة أو من فلسطينيي 1948، والأجانب الذين يشعرون أن شارع السهل لا زال يحمل بعضاً من سمات رام الله القديمة، وأن فيه توليفة تجمع بين التقليدي والمعاصر وتتيح لهم اختبار جانب من تراث المدينة وماضيها.

ويظهر أن سكان المنطقة بالمجمل غير راضين عن سلوكيات رواد الشارع الجدد ويعتبرونها تحررية ومنفتحة خارجة عن سياق عاداتهم وتقاليدهم. ولا يبدو أنهم اندمجوا مع هذا الخليط الجديد كما تعتقد البلدية التي تقول إنها تسعى إلى إيجاد نوع من العلاقة التكاملية بينها وبين سكان الشارع، وإلى استيعابهم وإشراكهم في عملية التطوير، وإشعارهم بأهميتهم وأنهم غير مهددين بالطرد من منطقتهم. ويكشف البحث الميداني أن بقاء معظم سكان الشارع الأصليين وعدم مغادرتهم للمنطقة، يأتي في سياق طمع المستأجرين في الحصول على "خلو" أو مبلغ مالي قد يدفعه أحد المستثمرين لقاء إخلاء مساكنهم أو محلاتهم التي ستشكل –في حال بيعها وهدمها- مصدر ثروة محتملة، لهم وله وللمالك أيضاً. ويبدو أن عمليات الشراء والهدم قد بدأت فعلاً في شارع السهل؛ إذ استيقظ سكانه قبل أقل من عامين على أصوات الآليات وهي تقوم بإزالة أحد بيوته "القديمة"، تمهيداً لإقامة مجمع تجاري وسكني ضخم، الأمر الذي لاقى استهجان العديد من النشطاء الاجتماعيين الذين ألقوا باللائمة على البلدية واتهموها بالمساهمة في محو ذاكرة المدينة وتدمير مقدراتها التاريخية وموروثها الثقافي وهويتها المعمارية، وبالتقاعس عن وضع استراتيجيات واضحة للتطوير والبناء والحيلولة دون تغول المستثمرين وأصحاب رأس المال، في حين ذكرت البلدية أنها لا تستطيع شراء وحماية كافة المباني المهددة بالهدم.

وعلى غرار مخطط المدينة الهيكلي لسنة 1999، المرتكز إلى بعض الأفكار والدراسات التخطيطية الواردة في المخطط الهيكلي الإسرائيلي غير المصدق الذي أعده شلومو خياط سنة 1985، يظهر أن التصورات المتعلقة بإعادة تأهيل البلدة القديمة لها أصل في المخطط الإسرائيلي الذي ذكر أن النواة التراثية القديمة لمدينة رام الله في حاجة إلى ترميم وتخطيط خاص بهدف الحفاظ على طابعها التراثي القديم وعلى مبانيها ذات القيمة التاريخية والمعمارية. ورغم أهمية ما تقوم به البلدية من محاولات لتحسين وتطوير البنية التحتية في مركزها التاريخي، ودورها في إبراز شارع السهل بمظهر بدا وكأنه صمم على صورة العديد من الشوارع التراثية في المدن العربية والعالمية، كشارعي الرينبو في عمان والاستقلال في إستانبول، فإن مشهدية الشارع قد أخذت تشير إلى ما يراه البعض فعلاً متأرجحاً بين مساعي التحديث والحفاظ على الموروث الثقافي، وتشكل دلالة واضحة على وجود تصور واع لحقيقة البرجزة الحاصلة وتجلياتها التي تعمل على قولبة ذاكرة المكان وإخراجها بصورة حداثية جعلت من السهل شارعاً شعبياً وبسيطاً في ظاهره، لكنه في واقع الحال بؤرة نخبوية يباع فيها سيخ الكباب النحيف بأكثر من دولارين على الناصية، في مشهد نوستالجي متناقض لا يحكي حكاية رام الله، فأين يذهب الفقراء في هذه الفقاعة التي أضحت تستجدي الظل بعد أن كانت يوماً مصيفاً؟!

 

* هذه المدونة مستلة من أطروحة الباحث لنيل درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم الاجتماعية.

 

Read more