The “Transfer” of Detainees from Prison to Prison
Date: 
July 22, 2020
blog Series: 
The Prisoners

على الرغم من أنك أسير ومقيد داخل باستيلات العدو الصهيوني، فإنك تتعرض للترانسفير بشكل دوري وممنهج ضمن خطة محكمة من سجانيه، وتجري متابعة كل خطوه تخطوها داخل السجن من خلال كاميرات المراقبة التي تعمل على مدار ٢٤ ساعة داخل الساحات، وفي بعض السجون داخل غرف الأسرى.

 

منذر جوابرة، زمن مكسور #١٤، ٢٠١٥، رسم على صوف

 

وفي أقل تعبير، فإن سياسة المحتل قائمة على القتل والتدمير والترحيل، فهي تطبق منذ بداية الصراع العربي- الصهيوني. وما زالت الحركة الصهيونية تمارس أبشع أنواع القهر والإذلال بحق الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وهذا الأمر ليس بعيداً عن الأسرى الفلسطينيين وما يتعرضون له من أعمال قمعية وأساليب وحشية تُرتكب بحقهم يومياً. بالإضافة إلى ممارسة وفرض حالة عدم الاستقرار في صفوف الأسرى من خلال التنقلات التعسفية ومداهمات التفتيش المتواصلة التي تقوم بها ما تسمى مصلحة السجون ضد الأسرى، والتي تجري من باب العقاب الانتقامي الجماعي، بحيث يشمل هذا الإجراء عمليات ترحيل كاملة أو جزئية للأسرى في قسم معيّن.

وقد درجت قوات المداهمة التابعة لسجون الاحتلال، وبشكل مستمر وممنهج بفرض مختلف أنواع العقاب الجماعي، إذ تمارس هذه الإدارة سياسة الترحيل كل ستة أشهر على الأقل، والتي تتمثل في نقل الأسرى إمّا من سجن إلى آخر، أو من قسم إلى آخر، أو من زنزانة إلى أُخرى. لكننا نقف هنا عند مشهد النقل أو إذا جاز التعبير (ترانسفير الأسرى) الذي يعيدنا في الذاكرة إلى الوراء، إلى مشهد النكبة وما حل بنا وبشعبنا الفلسطيني حينما تعرض لتطهير عرقي ممنهج ومبني على سياسة عنصرية صرفة. وتقوم إدارة مصلحة السجون بعملية نقل تُسمى باللغة العبرية (تيبول شورش) أي "العلاج الجذري"، وهو تعبير مستعار من مجال طب الأسنان ويعني الوصول إلى العصب. هذا هو المصطلح الذي تعرفه إدارة الشاباس، ويتم التخطيط له بكل مجرياته العنصرية والقمعية والتي تهدف وبشكل قطعي إلى إيجاد حالة دائمة من عدم الاستقرار في صفوف الأسرى، فتعمل على إرهاقهم بشكل كبير، كأن الأسير يعيش حالة ترقب دائم، ويمكن لنا أن نسميه عملية تطهير عرقي ضد الأسرى.

قد يبدو هذا المصطلح أول وهلة مبالغاً فيه، لكن الواقع في السجون يجعله شعوراً حقيقياً، ونموذجاً مصغراً للتطهير. وفي لحظة ومن دون أي سابق إنذار، يُلزم جميع الأسرى داخل أحد الأقسام بإخلائه من كل مقتنياتهم بشكل سريع خلال مدة لا تتجاوز خمس ساعات، بحيث يتم وضع جميع الأغراض الموجودة داخل غرف الأسرى في أكياس بلاستيكية توضع أمام الغرف ليحملها السجانون إلى جهاز الفحص المركزي فيما بعد، وبعد إجراء تفتيش جسدي يخضع له الأسير، يتعين عليه أن يأخذ معه فرشة وأغراض شخصية بسيطة من أجل أن يُمضي يوماً أو يومين خارج القسم. وقد يُحشر الأسرى أو يبيتون في قاعة الزيارات لنهار كامل، وهي قاعة مخصصة لعشرين شخص لا أكثر.

يجري كل ذلك بعد إرهاق الأسرى بإجراءات إخلاء الغرف من محتوياتها، وكذلك القسم وما فيه والمرافق الموجودة داخله، كي تصبح فارغة من كل المقتنيات بما في ذلك أغراض الكانتينا والثلاجات الجماعية، فلا يبقى في الغرف سوى الأبراش (الأسرّة) المثبتة بالأرضية وفي الجدار كي لا يحركها الأسرى.

وفي لحظة الترحيل (نقل الأسرى) نستحضر ذلك المشهد المغروس في الذاكرة الفلسطينية الذي رافقنا منذ أكثر من ٧٢ عاماً، إنه مشهد الفلسطيني الذي هُجّر من المدن والقرى الفلسطينية منذ سنة ١٩٤٨ حينما انقضت العصابات الصهيونية على الفلسطينيين، وقامت بعمليات قتل وتدمير مفرط بحق شعبنا الفلسطيني. فترى في مخيّلتك ذاك الفلسطيني وهو يحمل فرشته أو بعض مقتنيات البيوت المدمرة على ظهره وهو يقف على شاطئ البحر أو أمام المركبات التي سيهجر بها إلى دول الطوق، ومن خلفه العصابات الصهيونية تلاحقه بإطلاق النار عليه كي يواصل درب الترحيل.

ينطبق هذا على مشهد الأسرى حينما يتم ترحيلهم إلى سجون أو أقسام أُخرى وهم يحملون فرشهم على ظهورهم وفي يد أُخرى يحمل كلّ منهم كيساً بلاستيكياً فيه أغراض شخصية بسيطة، ويتم نقلهم على شكل مجموعات تتكون كل مجموعة من خمسة أسرى يسير السجانون من أمامهم وخلفهم، ويتم اقتيادهم إلى أماكن خاصة بالتفتيش عبر ماكينات ضوئية كهربائية وأجهزة ليزر حديثة مهمتها الكشف كي لا يتمكن الأسرى من تهريب أي شيء مهما صغر حجمه.

تحضر الوحدات الخاصة التي تتسلم إدارة السجن خلال الترحيل بكثافة، وتكون مهمتها عملية التفتيش الجسدي لكل أسير وتفتيش الأغراض والمقتنيات، في حين يقوم فريق منهم مدجج بالأجهزة والمطارق والمناشر الكهربائية بتفتيش كل نقطة في الغرفة والحمام والمرحاض وأحياناً يدمرون الجدران بحثاً عن غنائمهم.

تتعامل هذه الوحدة بطريقة استفزازية ومذلّة وقاسية بحق الأسرى، ويتم استخدام أسلوب خلع الملابس خلال هذه المرحلة، أي التفتيش العاري بحجة البحث عن أغراض مهرّبة، على حد قولهم، مثل أجهزة الهاتف الصغيرة وأشياء أُخرى. وفي حال تم ضبط ممنوعات، بحسب ما يدعونه، تقوم ما تسمى إدارة مصلحة السجون بمعاقبة الأسرى بالزنازين الانفرادية وفرض عقوبات مالية ومنع الزيارات وحرمان عائلاتهم من إيداع نفقات الكانتينا، وغيرها من العقوبات.

وبالإضافة إلى هذه الأساليب تتعمد إدارة مصلحة السجون قهر روح الأسير بمصادرة كل ما هو مكتوب لدى الأسرى من دفاتر ومذكرات وملاحظات، وفي بعض الأحيان مصادرة بعض الكتب والصور الشخصية الخاصة بهم.

 أمّا المرحلة التالية التي تشكل صورة جديدة تعيدنا بالذاكرة سبعة عقود إلى الوراء، وهي كيفية تجميع الأسرى داخل الغرف التي ينقلون إليها موقتاً، إذ يتم وضع أعداد مضاعفة من الأسرى داخل كل غرفة بما يزيد على العدد العادي، فيصبح الاكتظاظ خانقاً، كأنهم في خيم اللجوء فينامون في كل مكان داخل الغرفة حتى يصعب على الأسرى أداء الصلاة داخل الغرف نظراً إلى كثرة الفرش فيها، كما يترتب على ذلك زيادة في حجم الأغراض الكثيرة. وبعد الانتهاء من عملية نقل الأسرى من القسم تبدأ وحدات التفتيش عمليات تغيير المعالم القديمة داخل القسم والغرف وتتم مصادرة كل ما تبقى داخله، أي عملية تطهير كامل بحجة البحث عن تلفونات مهربة أو أغراض ممنوعة أو أنفاق قام الأسرى بحفرها كخطة هروب كما تدّعى هذه الإدارة، وهي حجة واهمة وغير صحيحة.

كما ذكرنا سابقاً فإن الهدف الأساسي هو أن يعيش الأسير حالة من عدم الاستقرار بالإضافة إلى زرع كاميرات سرية خاصة من قبل الاستخبارات الصهيونية داخل الغرف من أجل متابعة ومراقبة ما يقوم به بعض الأسرى الذين يُعتقد أنهم قد يشكلون خطراً على أمن السجن. وأقل ما يقال عن هذا المشهد أنه عملية ترحيل تُشعر الأسير كأنه قادم جديد إلى السجن أو إلى القسم الذي عاش فيه فترة، من خلال البحث عن أغراضه وترتيب الغرف والتي تحتاج إلى وقت طويل تكون على حساب راحته واستقراره. وهذا يشغل الأسرى بكل الأمور الحياتية البسيطة التي يحتاج إليها كل منهم داخل القسم عدا التفكير في مواجهة سياسة إدارة السجون القمعية.  

كل ستة أشهر يعيش الأسرى هذه التفصيلات بالإضافة إلى ابتكار أساليب جديدة من جانب سجون الاحتلال واستخباراتها هدفها تنغيص حياة الأسرى داخل السجن وزيادة مرارة ووجع الأسر. إلاّ إن الأسرى أصبحوا يتعايشون مع هذه الحالة بل وينتصرون بصبرهم وإرادتهم وتحديهم وصلابتهم على كل تلك الأساليب القمعية الشرسة التي تمارسها هذه الإدارة ضدهم، كأنهم يعيشون حالة روتين مستمر ودائم من المداهمات والتنكيل الروحي.

سجن جلبوع

25/6/2020

Read more