Radio Al Hara
Date: 
June 30, 2020
Author: 
blog Series: 
Art and Culture During the Pandemic

لم نخطط قط لإنشاء راديو، فقد جاء فجأة، وليد سياقه وابن زمانه، وليد الحجر والقلق، ووليد الصيرورة الثقافية التي تمتد في تفصيلات حياتنا وعملنا. كان نوعاً من "دب دبتك العافية، يلا راديو؟ يلا راديو".

 

راديو الحارة، صورة يزن الخليلي

 

في بداية الحجر تعرفنا على راديو الحي من بيروت، راديو مجتمعي يبث على موقع إلكتروني اسمه يامكان، أنشأه مجد شهابي ومجموعة أصدقاء في تشاركية مانشن على مثال راديو كوارتيرة الذي بدء البث من ميلانو في إيطاليا عند بداية الحجر هناك. تواصلنا مع مجد لسؤاله عن التفصيلات، فأضافنا إلى عائلة راديوهات يامكان، وهي عائلة تضم الآن سبعة راديوهات تبث من أكثر من مدينة في العالم العربي والعالم، لكل منها هويتها وتوجهها.

 بدأنا ثلاثة أشخاص، ثم سريعاً صرنا خمسة نعمل سوياً بشكل يومي لترتيب أمور الراديو والتعرف على كيفية إدارة مشروع كهذا برامجياً ومعرفياً وتقنياً، فلا أحد منا عمل في الإعلام من قبل، وهذا، وعلى الرغم من مصاعبه، فإنه حررنا من القولبة الجاهزة وسمح لنا بأن نلعب ونجرب في شكل وبنية الراديو معتمدين على حظ المبتدئين ومسامحة الجمهور على أخطائنا، كما أن هذا العمل قربنا كثيراً من المستمعين. نحن أصدقاء نعيش في ثلاثة مدن مختلفة، ولدينا تخصصات واهتمامات وتجارب متنوعة من العمارة، إلى التصميم، والفن، والموسيقى، والإدارة الثقافية. وقد حاولنا أن نعكس هذا التنوع والاختلاف في برامجنا وطريقة إدارة هذا الراديو من خلال الانفتاح على شبكتنا وعلاقاتنا التي بنيناها خلال صيرورتنا في العمل والحياة. ومن خلال هذا العمل الجمعي تمكن الراديو من أن يكون متاحاً للجمهور الواسع المهتم بالإنتاج الثقافي والمعرفي، وأصبح في إمكان هذا الجمهور المشاركة من خلال إنتاجه وعمله، والتواصل مع جمهور متنوع وواسع من خلال منصة تشاركية خارج الشكل التجاري لوسائل التواصل الاجتماعي التقليدية كالفيسبوك واليوتيوب مثلاً. هذا الفعل الإنتاجي التشاركي أوجد ما سمته الصديقة ريا بدران الاستماع الجمعي، وهو فعل معاكس لما أصبحت عليه عملية المشاهدة على اليوتيوب ونيتفليكس أو حتى الاستماع على البودكاست، إذ إنه حدث يجري من خلال صيرورة الوقت، ولا يمكن إعادته متى شاء الفرد وبالتالي تصبح عملية جماعية لا يستمع إليها المرء وحيداً في أثناء وقته الخاص، ويساعد في هذا وجود نافذة للـ"تشات" على الراديو، حيث يمكن للمستمعين مشاركة أفكارهم وتعليقاتهم مع المستمعين الآخرين، وهو ما يؤكد عملية السماع المشترك والجمعي.

 وبطبيعته، يبث الراديو من كل مكان وإلى كل مكان، فهو ليس راديو ذا تردد وأدوات عمل معقدة، بل هو أونلاين راديو. نستخدم كمبيوتراتنا الشخصية لنتحكم بمنصة الراديو الديجيتالية بينما نحن نجلس في منازلنا في رام الله، وبيت لحم، وعمّان. ومع الوقت أصبح هناك برامج تنتج وتبث من بيروت، وبرلين، وحيفا، وتونس، ولندن ومناطق أُخرى من العالم. فكرة الراديو الأساسية هي إيجاد فضاء جمعي ومساحة عامة كما الحارة، يمكن للجميع أن يشاركوا في عملية ملئها واستخدامها وإنتاجها من خلال الصوت بمفهومه الواسع من موسيقى وبرامج وحوارات ونقاشات وتجارب صوتية.  فالراديو لا يسعى ليكون إعادة إنتاج للراديو بشكله التقليدي، ولا للمؤسسة الثقافية الثقيلة والمكلفة، بل هو بنية ثقافية تحتية تفتح المجال للأفراد والمجموعات للإنتاج والمشاركة والاستماع بشكل جمعي، وأن يكون أداة للمنتجين الثقافيين ليستخدموها في عملهم وتفكيرهم وتواصلهم مع المحيط والعالم. وهو في هذا يستخدم أدوات بسيطة للتسجيل والمونتاج والبث، ولا يتطلب أن تكون المواد المشاركة ذات جودة عالية ومتقنة، فكل بحسب قدراته وإمكاناته وخبرته.

 ونحن الآن نفكر بالبنية وطريقة العمل فيما بعد الحجر، وكيف يمكننا أن نستمر من دون الاعتماد على الدعم المالي من أي ممول، فالتكلفة المالية الحالية التي نتكفل بها، ندفعها نحن وهي بسيطة مقارنة بحجم الإنتاج والمستمعين. أمّا وقتنا في إدارة الراديو والحفاظ عليه والعمل على نشره فهو مساهمتنا تجاه هذا المشروع. والدعم الحقيقي هو من خلال الجمهور الذي شاركنا إنتاجه الثقافي والمعرفي، فهو ما يوجد ديمومة هذا المشروع وهو مورده الأساسي وجسمه الأساسي. وهذا في حد ذاته تجربة في عمل البنية الثقافية ونقد التضخم فيها، والراديو يعرف دائماً كيف يتجنب الوقوع في فخ نجاحه فيبدأ بالتوسع والتضخم والمطالبة بميزانيات، وبالتالي يخسر رشاقته وعفويته وقدرته على التأقلم مع الأوضاع والتغيرات. فالراديو هو نحن، هو الجمهور، وفقط في هذه العلاقة التبادلية يمكن له أن يستمر. وبما أن معظم البرامج التي نبثها هي من إنتاج الجمهور والمستمعين، فقد أصبحت المسافة بين عملية الإنتاج والتلقي أقصر وأكثر عضوية، وتحول الراديو إلى منصة تشاركية للأشخاص المهتمين بمشاركتنا أصواتهم أو اهتماماتهم الصوتية، ففي هذه المساحة الصوتية يتشكل الصوت بمعناه الواسع، والصوت هنا هو الوسيط والموضوع والأداة. وبالتالي تتداخل هذه الأشكال لتشكل تجربة معرفية صوتية عن موضوعات في السياسة والاقتصاد والفن والثقافة والمجتمع. هذا التداخل بين الموضوعات وعملية الإنتاج والتلقي يجعل من الراديو منصة رشيقة قادرة على استيعاب العديد من الإنتاجات والبرامج والموائمة بينها. فتتقاطع الموسيقى بأشكالها مع برامج تناقش مفهوم الصوت، والممارسات الصوتية من موسيقى تجريبية إلى مقابلات مع موسيقيين وفنانين، إلى برامج عن الحكايات الشعبية والروايات والحكي، وبرامج تسأل عن الاقتصاد والتحرر من الاستعمار والطبخ وتمثيلات الاستشراق والسينما، وأسئلة عن المجال الثقافي والمتاحف وإلى آخره من البرامج التي تبث عبر الراديو.

 وعلى الرغم من أنه انطلق مع بداية الحجر، وكان استجابة سريعة لسؤال ماذا سنفعل خلال هذه الفترة المجهولة المعالم، فإن جذوره ممتدة إلى أسئلة عن الفعل الثقافي وكيفية بناء منصة تدعم العمل الجماعي من خلال ربط عمليتي إنتاجه وتلقيه.

 راديو الحارة هو مشروع تشاركي يبث من الأونلاين وإلى الأونلاين، هو بطبيعته مشروع صوتي بالمعنى الواسع للصوت، وكما أن له لحظة ولادة نأمل بأن تكون له لحظة نهاية، هذه القناعة مريحة وتجعل منه مشروعاً حياً ذا صلة بالسياق والمجتمع الذي يعمل فيه ومعه، فليس الهدف إنشاء راديو بغض النظر عن أثره وبنيته وامتداده وتواصله مع المجتمع، إنما الهدف أن يكون هذا الراديو حارة حقيقية مبنية على مجتمع عميق وممتد. نحن نمشي خطوة خطوة، ونستكشف طريقنا وما يجب أن نفعل مع تغير الظروف وتطور الأوضاع. ونأمل بأن تستمر التجربة وتأخذ مداها من دون قصر أو إطالة. وخليكم عالسمع.

 https://yamakan.place/palestine/

Read more