When Senses Are Impaired
Date: 
May 20, 2020
Author: 
blog Series: 
The Prisoners

امتلأت الجدران البيضاء بخربشاتنا، كل واحدة فينا كتبت مشاعرها على بقعة الجدار المستطيلة التي تحيط ببرشها، كلمات وكتابات وتواريخ تلخص اللحظات التي نعيشها، شوق وألم، حنين وكبتٌ، حب وكره، قوة وضعف وكثير من التناقضات في أحاسيسنا ولحظاتنا في هذا المكان الذي امتلأت به رائحة الرطوبة والوجع والحرمان. أمّا مَن كانت تنام على البرش السفلي فقد حوَّلت السقف الحديدي الذي ينصَّب فوقها وفوق عينيها إلى ألبوم صور بعد أن علقت عليه صور أحبائها وعائلتها، ليتحول هذا السقف إلى شريط ذكريات عائلي تشاهده كل مرة تستلقي فيها وعينيها تنظران إلى الأعلى.

يوم الخميس السابع من كانون الثاني/يناير 2016 الساعة السادسة والنصف مساءً، كنا 17 أسيرة نعيش في هذه الزنزانة، زنزانة رقم 8 بمساحتها الصغيرة في مقابل عددنا الكبير، بالكاد مرَّ شهران على انتقالنا من سجن الشارون إلى سجن الدامون حتى امتلأ هذا القسم "قسم 61" المكوَّن من زنزانتين فقط. الزنزانة الأُخرى التي تحمل رقم 7 وهي والأصغر مساحة من هذه، فيها سبع أسيرات، وفي المجمل فإن هٰذا القسم يتَّسع لست وعشرين أسيرة.

حلوة حمامرة ملقاة على برشها لا تتحرك، بصعوبة تشهق وتزفر بأنفاسها، كيف لا وقد اخترقت أحشاءها أربع رصاصات، وأُجريت لها عدة عمليات جراحية تم خلالها استئصال جزء من الكبد والبنكرياس والطحال والأمعاء، وهي بيننا الآن تصارع من أجل البقاء ولسانها لا يتوقف عن ذكر اسم "ميسم" ابنتها الوحيدة.

مريم سويطات كعادتها تقف عند تلك الزاوية من الزنزانة التي نسميها "المطبخ"، وهي ليست سوى مغسلة وقطعة مربَّعة من السِّيراميك نضع عليها أدوات الـمطبخ ونعد أكلنا فيها، نعم ها هي تقف بعد أن تعافت من وعكة صحية قاسية وصعبة أفقدتها الوعي لأسبوع، وقفت مجدداً لتمارس هوايتها المحببة على قلبها بعد الرسم وهي صنع الشطائر لنا جميعاً، والتي تصنعها من ذاك الخبز المقطع، النوع الوحيد المتوفر هنا، وتحشوها إمّا بالشوكولاتة وإمّا باللبنة وإمّا بالزعتر وتزينها من الخارج بضحكة "السمايل"، كانت توزع علينا الشطائر وهي تبتسم وتقول لنا "تفضلوا هلأ إجا وقت فقرة شاندويشة مريم الضاحكة". وزعت علينا الشطائر بعد أن حفظت الشطيرة المفضلة لكل واحدة منا دون الحاجة إلى السؤال.

نجوان عودة تنظر بتمعن في كتاب للتطريز وتتابع نظرتها إلى قطعة القماش المطرزة بين يديها وهي تتحسس بإصبعها مكان وصولها بالنقشة، لتباشر العمل عليها وتكملها. إنها تجهّز شرشف طاولة تريد أن تهديه إلى والدتها خلال الزيارة القادمة. دقيقة جداً في عملها وماهرة وسريعة، ذوقها رفيع باختيار الألوان والنقشات ومزجهما مع بعض.

شيرين عيساوي تمسك بين يديها أوراق آخر جلسة لها وتقرأ ما كتب فيها، إنها أوراق الإدانة بكل لائحة الاتهام المحاكة ضدها، أراها بين الفينة والأُخرى تهز برأسها يمنة ويسرة وعينيها يملؤها الغضب، خلتها تفعل ذلك من كثرة الكذب والنفاق والتلفيق الذي كتب بين هذه الأوراق الكثيرة.

دنيا وجورين وأسماء حمدان وأسماء قدح كنّ أصغر الأسيرات سنّاً في المعتقل، كما أنهنّ معتقلات اعتقالاً إدارياً، وقد اجتمعن على برش إحداهن لتلعبن معاً لعبة اسم إنسان، حيوان، نبات، جماد، بلاد. حين تعجز واحدة منهن عن إيجاد الاسم المناسب الذي يبدأ بالحرف المطلوب تبدأ بطلب المساعدة من الأسيرات الجارات حولها.

سعاد زريقات المعتقلة إدارياً هي الأُخرى، وبعد أن قدمت أقراص الدواء لحلوة وساعدتها على شربها، جلست القرفصاء وأخذت تنظر حولها تارة، وتارة أُخرى تمسك القرآن وتباشر بقراءته.

نسرين أبو كميل تجلس هي الأُخرى على برشها وتُعِدّ دفتر مذكرات وتزيّنه، بعد أن نثرت حولها ومن كل نواحي البرش كل الهدايا التي صممتها لأولادها وبناتها السبع وزوجها وحماتها وحماها وأسلافها، المحرومة من زيارتهم لها منذ اعتقالها. الهدايا المبعثرة حولها وبعد أن حفرت على كل واحدة اسم صاحبتها أو صاحبها، باتت كشجرة العائلة.

إحسان دبابسة مستلقية على برشها وقد بدأت إضرابها عن الطعام منذ خمسة أيام مطالبة بإعادتها إلى سجن الشارون، وتبدو واضحة على وجهها علامات التعب والإرهاق والجوع.

سامية مشاهرة التي تضع أمامها مجموعة أكواب وصحنين بلاستيكيين وفيهم أنواع وألوان متعددة من الخرز تصنع منها اسوارتين لابنتيها البكر زينة، وعزيزة ابنة الثلاث سنوات والمولودة عبر النطف المحررة "المهربة" قبل أن يجري اعتقالها. وكانت بعض الزميلات يتابعن على جهاز التلفاز الصغير مشاهدة بث فيلم "مهمة مستحيلة" (Mission Impossible)، بينما كانت الأُخريات يضعن سماعات الأذنين ويسمعن شيئاً من محطات الراديو التي بالإمكان التقاطها والتي نجت من أجهزة التشويش.

صوت بكاء سناء الحافي وهي تجلس على برشها والدمع يسيل من جفنيها جمراً على خديها، أوقفنا جميعاً وأدخلنا في حالة صمت قاتلة، غداً حفل خطوبة ابنها البكر أيمن، هذا ما نقلته إليها المحامية اليوم ظهراً في أثناء زيارتها لها. قلبها ينفطر من شدة الألم، لن تكون مع عائلتها في غزة لتعيش هذه الفرحة المنتظرة مع فلذة كبدها، لن تستطيع أن تراه وتسمع منه عن فرحته خلال الزيارة، فهي محرومة من هذا الحق أيضاً، كان الشعور بالحرقة والألم والحرمان والفقدان بادياً على وجهها، وصوت بكائها يعلو أكثر حتى أيقظ أوجاعنا جميعاً. أطفأنا كل أجهزة الراديو المشغلة وأزيلت السماعات عن أذنيّ كلّ منا، تعطلت فينا كل الحواس وبقيت حاسة الشوق فقط، كل واحدة منا تركت العمل الذي تقوم به واجتمعنا حول برش أم أيمن نحاول أن نخفف وطأة الوجع الذي تتكبده في قلبها، وذلك بالكلمات ومشاعر المواساة والصمود والصبر والقوة والتحفيز.  

ما بين زنزانتنا والزنزانة الأُخرى جدار فاصل، نستعمله حين تغلق الأبواب علينا كطريقة تواصل طارئة، أو لنقلِ خبر سريع فيما بيننا. تحركت من مكاني برجلي المكسورة وبمساعدة العكازين باتجاه برش إحسان وطرقت على جدار التواصل بيننا ثلاث طرقات بقوة، وما هي إلاّ بضع ثوانٍ حتى سمعت الطرقات الثلاث تعود إلينا من الزنزانة المقابلة، هذا يعني أنهن سمعن وفهمن المراد الآن. وضع التلفاز على الوضع الصامت، والبقية سكتن عن الكلام. انتقلت إلى باب الزنزانة الحديدي والرمادي ومن فتحته الصغيرة قلت بصوت عالٍ: "بكرا بالفورة الثانية في عنا حفلة"، ويأتي الصوت من الزنزانة الثانية بالرد "تمام رح نكون جاهزات".

بدأت الأسيرات جميعاً بتجميع اللوازم والأشياء التي يمكن أن تفيد لإقامة حفل الخطوبة المنتظر، حفل خطوبة أيمن. مجموعة منهن بدأت بتجميع الحلويات التي كنا قد اشتريناها من "الكانتينا"، ومجموعة مسؤولة عن إعداد الزينة المتواضعة من خلال الأوراق والقماش المتوفر، وأُخريات تبحثن عن ملابسٍ جديدة لأم العريس.

 بدأت الأجواء تتبدل لننتقل من الكآبة والغم والحرمان إلى الإرادة والتحدي، وأصبح شعار اللحظة "بكرا عنا حفلة". كما وكان هدف كل واحدة منا هو أن ترسم الفرحة على وجه هذه الأم الحزينة، وبأي ثمن.

في الصباح تم تنظيف الزنزانتين والاتفاق على كل شيء، الأسيرة صابرين أبو شرار بدأت بتجهيز وترتيب اللازم أيضاً كونها المتحدثة باسم الأسيرات، وللحيلولة دون تدخّل الإدارة. وقامت الأسيرات في الزنزانة الثانية

بتحضير مزيد من الحلويات.

حان وقت الاحتفال، لكن وبسبب شدة البرد والمطر لم يتسنَ لنا أن نقيم الحفل في الساحة، فقررنا أن يتم التجمع في فترة الفورة الثانية في زنزانة رقم 8 كونها الأكبر مساحة. وعند الساعة الثالثة عصراً، أحضرنا الطاولتين البلاستيكيتين من الزنزانة رقم 7 مع الطاولتين اللتين في زنزانتنا ووضعنا عليها الحلويات، وجلسنا حولها، باستثناء أسيرتين لم تشاركا في الحفل، إحداهما أمضت وقت الحفل كله وهي تستحم، والثانية وهي نائمة على برشها، وكثيراً ما يكون في الاحتفالات غصّة لا تبوح بها الأسيرة.

بادرت إيمان إلى الغناء وبصوت شجيّ بدأت بتحفيزنا لخلق الأجواء، فغنّت:

زرعنا الميرامية عَ باب الدار

فلسطين بتنادي على الثوار

وزرعنا الميرامية عباب البير

فلسطين بتنادي يا محررين

زرعنا الميرامية ميرامية

وفلسطين بتنادي فدائية

ويما أعطيني الفدائي لو فْ بلاش

خَشْ الأرض المحتلة وفْ إيده رشاش

يما أعطيني الفدائي لو بقرشين

خَش الأرض المحتلة عَ فلسطين

يما أعطيني الفدائي لو ف بيضة

وخش الأرض المحتلة ع الخضيرة

يما أعطينا الفدائي لو بِـ فلس

وخش الأرض المحتلة على القدس

يما أعطيني الفدائي لو بمنديل

خش الأرض المحتلة على جنين

كنا نردّد وراءها ونصفق وأم أيمن تجلس أمامنا منتشية بفرحتها والابتسامة بادية على وجهها. الكلمات تخرج خلال الأغاني الثورية، أرفع عكازتي إلى الأعلى وكأنها البندقية، وأمل الجالسة بجانبي تقلّد صوت إطلاق النار. حلوة المستلقية وغير القادرة على الحركة تبتسم وهي تنظر إلينا، أمّا شروق فتحمل بيدها صينية وتقول بصوت عالٍ وهي تضحك "سيلفي، صورة سيلفي اتطلّعوا لعندي واضحكوا للذكرى".

قارب وقت الفورة على الانتهاء، وقفت أم العريس وبدأنا واحدة بعد الأُخرى بمعانقتها واحتضانها وتقبيلها ومبادلتها كلمات التبريكات والمحبة بالخطوبة، لتذهب بعدها كل واحدة إلى زنزانتها وبُرشها، وفي قلب كل واحدة منا دمعة وابتسامة نعيد بهما الروح إلى حواسنا.

Read more