The Political Programs of the Right Parties in Israel
Date: 
February 11, 2015
blog Series: 
Twentieth Knesset Elections: The Blocs and Alliances in the Jewish Center and a "Pleasant Surprise" in the Arab Sector

تعود جذور المنظومة الحزبية في إسرائيل إلى فترة "اليشوف العبري" [التجمع الاستيطاني اليهودي] في فلسطين بداية القرن المنصرم. وقد لازم قسم كبير من التصدعات السياسية الرئيسية، التي نشأت في فترة اليشوف، المنظومة الحزبية والسياسية لغاية الآن، كما تأثرت هذه المنظومة  بالتطورات الاجتماعية والسياسية المحلية والإقليمية والعالمية. تلك النشأة حددت المواصفات الأساسية للحدود الفاصلة بين اليسار واليمين في المجتمع العبري. كان الأبرز في هذا السياق هو المحور الاقتصادي - تبني المنظومة الاقتصادية الاشتراكية - الصهيونية القومية مقابل منظومة السوق الحر -؛ والمحور الأمني والسياسي والأسلوب الأنجع لإقامة دولة للشعب اليهودي - أي طبيعة الأدوات السياسية والعسكرية لتحقيق هذا المشروع - والنقاش حول تقسيم فلسطين أو المطالبة "بأرض إسرائيل الكبرى" دون أي تنازل.

في العقود الأولى لإقامة دولة إسرائيل، سيطر حزب "مباي" (العمل) على المشهد السياسي والحزبي وعلى مؤسسات الدولة كافة، وكان حزب "حيروت" (الحرية) حزب اليمين المعارض الأبرز. وقد شكل حزب "مباي" كافة الحكومات لغاية سنة 1977، علماً أن حزب "حيروت" دخل لأول مرة في حكومة وحدة وطنية قبيل حرب حزيران/يونيو 1967. ولم يحصل التحول الأبرز، في المنظومة الحزبية والسياسية، سوى في انتخابات سنة 1977، حين حصل حزب "الليكود" (الذي تشكل كتحالف لقوى اليمين بقيادة حزب "حيروت"  قبل انتخابات سنة 1973) على عدد مقاعد أكبر من حزب العمل، ونجح " الليكود" في تشكيل حكومة ائتلاف يمينية لأول مرة منذ إقامة دولة إسرائيل. ومنذ انتخابات سنة 1981، تتسم المنظومة الحزبية في إسرائيل بتعدد الأحزاب وغياب أحزاب كبيرة مهيمنة، وهي تعددية  طالت اليمين واليسار والوسط.  

في انتخابات الكنيست التاسع عشر في سنة  2013، نجح 14 حزباً  في دخول البرلمان - الكنيست الإسرائيلي. وتتوزع تلك الأحزاب وفقاً للتقسيمات الإسرائيلية إلى عدة معسكرات. في اليسار الصهيوني، هناك حزب "ميرتس" (حصل على 6 مقاعد) وحزب "العمل" (حصل على 15 مقعداً). وفي وسط الخارطة السياسية، هناك حزب "يوجد مستقبل" (19 مقعداً) وحزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني (6 مقاعد) وحزب "كديما" (مقعدان). أما على يمين الخارطة السياسية، فهناك تحالف "الليكود-بيتنو" (31 مقعداً)، وهو تحالف بين حزب "الليكود" وحزب "يسرائيل بيتنو" برئاسة أفيغدور ليبرمان (انفصل الحزبان فترة قصيرة بعد الانتخابات)؛ وحزب "البيت اليهودي" (13 مقعداً). أي أن أحزاب معسكر اليمين التقليدي حصلت معاً على 44 مقعداً. وفي الواقع السياسي الإسرائيلي، يمكن أيضاً احتساب بعض الأحزاب التي تعرّف نفسها كأحزاب وسط على تيار اليمين مثل حزب "كديما" وحزب "الحركة"، وذلك بسبب تشابه طروحاتهما السياسية مع طروحات أحزاب اليمين وكون قياداتهما قد نمت وترعرعت داخل أحزاب اليمين. بالإضافة إلى هذه الأحزاب، هناك المعسكر الديني والحريدي الذي ينتمي سياسياً للتيار اليميني في إسرائيل، لكن يتم التعامل معه بصفته معسكراً مستقلاً يتمتع بميزات خاصة بسبب المركب الديني في أحزابه، مثل الحزب الديني "شاس" ( 11 مقعداً) والحزب الديني المتزمت (الحريدي) "يهدوت هتوراه" (7 مقاعد). أما الأحزاب العربية الممثلة في الكنيست فهي تقف خارج الإجماع الصهيوني، ولا تندرج في إطار تعريف المعسكرات السياسية الصهيونية القائمة (حصلت الأحزاب العربية والعربية- اليهودية معاً على 11 مقعداً). 

إن تقسيم المعسكرات السياسية في إسرائيل في الفترة الحالية ما زال، كما ذكرنا في بداية المقالة، يقوم على التقسيم التاريخي الذي تبلور فترة "اليشوف العبري" في فلسطين، ويرتكز على المحور الاقتصادي الاجتماعي، والمحور السياسي الأمني، والهوية اليهودية. إلا أنه، بعد احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، أضيف موقف الأحزاب الإسرائيلية من الاحتلال كمحور إضافي أساسي في تعريف اليسار واليمين في اسرائيل. وقد تزايدت أهمية هذا المحور بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، وبات قبول هذ الأحزاب للحلول السلمية أو رفضها، ومدى قبول مبدأ حل الصراع عبر إقامة دولة فلسطينية، هو الأبرز في تعريف اليسار واليمين في إسرائيل، دون أن يلغي هذا تماماً المحاور التاريخية، الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية.  

سنتناول في الفقرات التالية أبرز مواقف الأحزاب اليمينية الممثلة في الكنيست الـ 19 (المنتهية ولايته)، والتي تتنافس في الانتخابات للكنيست الـ 20  التي ستجري في 17 آذار/مارس 2015، إزاء عدد من القضايا السياسية والاقتصادية الجوهرية، التي تعرّف اليمين واليسار في إسرائيل. وسيشمل عرضنا مواقف حزب "الليكود"، وحزب "يسرائيل بيتنو" وحزب "البيت اليهودي". كما نرى أهمية في عرض مواقف حزب "كلنا" برئاسة موشيه كحلون، وحزب "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد، إلى جانب الأحزاب اليمينية التقليدية، وذلك بغية توضيح مدى تقارب مواقف هذين الحزبين من مواقف أحزاب اليمين. بيد أننا لن نتطرق لمواقف حزب "كديما"، الذي انهار وأعلن عدم خوضه الانتخابات الحالية، ولا إلى مواقف الأحزاب الدينية والحريدية (حزب "شاس" وحزب "يهودوت هتوراه") كونها لا تنشر برامج سياسية، بل تقوم بتجنيد الناخبين وفقاً للانتماء الديني في الأساس.

البرامج السياسية للأحزاب اليمينية

article-2266925-17188C0B000005DC-407_634x412.jpg

بغية تعرّف مواقف الأحزاب اليمينية المتنافسة في الانتخابات الإسرائيلية، سنتابع برامجها السياسية الحالية، أو برامجها  في الانتخابات السابقة (عام 2013) في حال عدم قيامها بنشر برامج جديدة في هذه الانتخابات. وتوضح متابعة برامج الأحزاب الإسرائيلية اليمينية وجود تقارب بينها إزاء المحاور الأساسية والقضايا الجوهرية، ولا سيما فيما يتعلق بتعريف دولة إسرائيل وهويتها، وفي محور القضية الفلسطينية والاستيطان، ومحور السياسات الاقتصادية.

هوية دولة إسرائيل

بخصوص تعريف هوية إسرائيل ووظائفها، نجد أن حزب "الليكود" وحزب "البيت اليهودي" وحزب "إسرائيل بيتنو" تتفق في برامجها السياسية على تعريف إسرائيل دولة يهودية، وظائفها مشتقة من هذا التعريف. فمثلاً، يعرّف حزب "البيت اليهودي"، في مقدمة برنامجه السياسي، دولة إسرائيل على أنها دولة اليهود وفقاً للوعد الإلهي الديني، وهي دولة يهودية تحتكم لنظام ديمقراطي. ويقول "البيت اليهودي" إنه "سوف يعمل على تكثيف وترسيخ الموروث والطابع اليهودي للدولة ومحاربة كل من يعمل لتبديل تعريفها أو تحويلها إلى دولة كل مواطنيها".[1] وعلى نحو مشابه، يكتب حزب "يسرائيل بيتنو"، في برنامجه السياسي للانتخابات الحالية، أن إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي وأن "دولة الشعب اليهودي هي أساس تجمعنا هنا، وعلينا أن نحافظ عليها... لقد حلم آباؤنا آلاف السنين للعودة إلى أرض إسرائيل، وقُتل ملايين اليهود في العالم بسبب عدم وجود دولة يقطنون فيها وتحميهم... لذلك علينا محاربة الأفكار القائلة بتحويل إسرائيل إلى دولة كل مواطنيها، لأنه إذا تحقق ذلك لن يكون هناك أي معنى لوجود دولة إسرائيل... المعنى العملي لدولة إسرائيل، كدولة الشعب اليهودي، أنه في حال وجود تناقض بين القيم الديمقراطية وقيم الدولة اليهودية، فإن القيم اليهودية تتغلب على القيم الديمقراطية".[2] أما حزب "الليكود"، فقد توقف عن نشر برامج سياسية رسمية منذ انتخابات سنة 2009، لذلك وبغية توضيح مواقفه في هذا الجانب سنرتكز على أقوال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وتصريحاته، الذي يشدد دوماً على هوية إسرائيل كدولة يهودية، بل جعل هذا شرطاً أساسياً في عملية التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكان "الليكود" الحزب الأول الذي أضاف تعريف إسرائيل بصفتها دولة يهودية وديمقراطية في برنامجه الانتخابي سنة 1999.[3]

ولدى متابعتنا البرنامج السياسي- الانتخابي لحزب "كلنا"، لم نجد أي تطرق مباشر لهذا المحور. بيد أن حزب الوسط العلماني "يوجد مستقبل" يعرض في رؤيته هوية إسرائيل تصوراً مشابهاً للغاية لتصوّر أحزاب اليمين ويقول، "نحن نؤمن بكون إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية بروح تصور أنبياء إسرائيل، ونؤمن بحقنا في العيش في دولة ذات أغلبية يهودية، تعيش في حدود آمنة وقابلة للدفاع". ويضيف حزب "يوجد مستقبل" أن من واجب دولة إسرائيل "أن تكون وتتصرف كمركز للشعب اليهودي والاهتمام بكل يهودي ملاحق بسبب يهوديته في كل مكان على وجه الأرض".

حل الصراع الإسرائيلي العربيفي محور المفاوضات مع الفلسطينيين ورؤية الأحزاب لحل القضية الفلسطينية، نجد أن الأحزاب اليمينية متقاربة إلى حد بعيد في رؤيتها طبيعة هذا الحل، على الرغم من بعض التفاوت في مواقفها المعلنة. وقد يكون حزب "البيت اليهودي" هو الأوضح والأكثر صراحة في موقفه، إذ يرفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويرى أن الحلول السياسية المطروحة لتسوية الصراع عبر حل الدولتين، أو عبر المطالبة بضم "يهودا والسامرة" وسكانهما إلى دولة إسرائيل، هي حلول غير عملية، ومن شأنها تهديد مستقبل دولة إسرائيل. ووفقاً لبرنامج "البيت اليهودي"، ليس هناك "بين النهر والبحر مكان سوى لدولة إسرائيل"، ويرى أن الحل يجب أن يكون حسب خطة التهدئة التي يقترحها زعيم الحزب نفتالي بينت، والتي تشمل " ضم مناطق 'ج' مع سكانها إلى إسرائيل، وإقامة سلطة فلسطينية أو إدارة ذاتية في المناطق الفلسطينية كثيفة السكان، دون أن تكون هناك دولة".[4] ويولي حزب "البيت اليهودي" أهمية بالغة لدعم الاستيطان في كل أرض إسرائيل. أما حزب "يسرائيل بيتنو"، فهو يدعي أنه لا يمكن لإسرائيل حل القضية الفلسطينية وحدها، بل عليها أن تسعى إلى حل شامل مع الدول العربية أولاً، وهذا يفرض إيجاد حل للقضية الفلسطينية واتفاق مع السلطة الفلسطينية يشمل تبادلاً للأرض والسكان بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وبخاصة تبادل مناطق المثلث وتخيير بقية السكان الفلسطينيين في إسرائيل بين قبول دولة إسرائيل بصفتها دولة الشعب اليهودي أو الانتقال إلى الدولة الفلسطينية.[5] ويطرح حزب "كلنا" حلاً للقضية الفلسطينية مشابهاً إلى حد ما للإجماع القائم في إسرائيل، ومن ضمنه معسكر اليمين، ويرى أن على إسرائيل أن تنتقل إلى المبادرة السياسية، وأن تكف عن التزام الخمول، بغية الحفاظ على مصالح إسرائيل الاستراتيجية وصيانة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية. كما يرى أن على اسرائيل أن تحافظ على الكتل الاستيطانية الكبيرة، وعلى القدس موحدة كعاصمة دولة اسرائيل، وعدم السماح بعودة اللاجئين، وأن تدير السلطة الفلسطينية الحياة اليومية والمدنية للفلسطينيين.[6]       

download (4).jpg

ولا يأتي طرح حزب "يوجد مستقبل" لحل القضية الفلسطينية بجديد يكسر الإجماع الإسرائيلي، إذ هو لا يختلف، بشكل جلي، عما تطرحه الأحزاب اليمينية التقليدية. وما يهم هذا الحزب هو ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، بهدف التوصل إلى حل يضمن وجود دولتين لشعبين، يتم من خلاله الحفاظ على الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى (أريئيل؛ غوش عتصيون؛ ومعلِيه أدوميم) ضمن سيادة دولة إسرائيل، ويمنع قيام شرخ في علاقات إسرائيل بحلفائها الأبرز في الولايات المتحدة وأوروبا. ويشكّل السلام، وفقاً لبرنامج حزب "يوجد مستقبل"، الرد الوحيد المناسب "على التهديد الديموغرافي وعلى الطروحات السياسية شديدة الخطورة " مثل دولة كل مواطنيها أو دولة ثنائية القومية. وعند قراءة تفاصيل الحل المقترح من حزب "يوجد مستقبل"، نجد أنه لا يقترح أي جديد في سياق الحل المقبول من إسرائيل؛ فهو يدعي، مثلاً، أن هناك حاجة لوقف بناء مستوطنات جديدة طيلة فترة المفاوضات، لكنه يدعم استمرار البناء لتغطية احتياجات التكاثر الطبيعي لدى المستوطنين. كما يرى أن الحدود التي سيُتفق عليها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار احتياجات إسرائيل الأمنية، والواقع الذي تولد على الأرض منذ سنة 1967، على أن يتم تسوية مسألة اللاجئين الفلسطينيين ضمن حدود الدولة الفلسطينية العتيدة، وأن تكون القدس عاصمة دولة إسرائيل الأبدية.[7]

ما تطرحه أحزاب اليمين (وحزب الوسط "يوجد مستقبل") لا يختلف كثيراً عن الطرح الرسمي لحزب "الليكود" وعن خطاب بنيامين نتنياهو في بار ايلان (سنة 2009)، لكن يختلف بعض الشيء عن طرح حزب "البيت اليهودي". بيد أن هذا التفاوت في المواقف، حول طبيعة الحل الأنسب للاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، من وجهة نظر إسرائيلية، لم يحل دون مشاركة هذه الأحزاب كافة في الائتلاف الحكومي السابق، علماً بأن أياً منها لم يضع قبول بقية الأحزاب موقفه شرطاً لدخوله الائتلاف الحكومي.

بالمجمل، تطرح الأحزاب اليمينية موقفاً يعارض إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولا يحمل أي أجوبة لتلبية الحقوق الطبيعية والشرعية للشعب الفلسطيني، وبذلك تلغي أي احتمال للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. وجل ما تسعى اليه معظم هذه الأحزاب هو الحفاظ على الوضع الراهن مع محاولة لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، دون دفع ثمن سياسي أو أمني، عبر عودة شكلية إلى المفاوضات. 

الطرح الاقتصادي

في الجانب الاقتصادي، تفيد متابعة برامج الأحزاب اليمينية الرئيسية أنها كلها تتبنى النظام الاقتصادي الليبرالي- اقتصاد السوق. وهي تتفق على أهمية التعامل مع بعض التشوهات الناتجة عن تطبيق نظام السوق الحر، مثل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والضعيفة. وتعتقد أن حل المشاكل الأساسية للطبقات الوسطى يكون عن طريق تعميق تحرير الأسواق. وفي هذا السياق، نجد أن هناك فرقاً بين طرح حزب "كلنا" وبقية أحزاب اليمين أو يمين الوسط ، مثل حزب "يوجد مستقبل". 

فقد جاء في البرنامج الاقتصادي لحزب "البيت اليهودي" أن الحزب يدعم "الاقتصاد الحر الحساس اجتماعياً"، وأن دولة إسرائيل تمتاز بأنها نموذج لـ "نجاح اقتصادي" غير مسبوق، على الرغم من أن ثمة شريحة واسعة من غير المستفيدين من هذا النجاح ومن الازدهار الاقتصادي القائم. ومن أجل إعطاء فرصة متساوية لكل مواطني دولة إسرائيل، يجب إجراء تغيير جديّ في نظام التعليم، وتعزيز المنافسة في السوق، وكسر حالة الاحتكارات وخفض الضرائب على الطبقات الوسطى في المجتمع. إضافة الى ذلك، يجب أن توفر الدولة "شبكة أمان" وضمانات فقط لأولئك غير القادرين حقاً على تأمين حياة كريمة".[8] بالمقابل يقول حزب "يوجد مستقبل" في الجانب الاقتصادي، "أن الرؤيا الاقتصادية الاجتماعية الأنسب هي تلك التي تحسن الدمج ما بين 'السوق الحر' الذي يعمل ضمن ظروف تنافسية من جهة، وما بين ضرورة حماية الطبقة الضعيفة في المجتمع من جهة أخرى". ويرى أيضاً أن اقتصار النقاش الاقتصادي ضمن طرفي الاستقطاب، أي بين التوجه النيو-ليبرالي الذي يمثله حزب الليكود الحاكم، من جهة، والتوجه الاشتراكي التام الذي يمثله حزب العمل، من جهة ثانية، ما هو إلا نقاش عقيم وغير مجد. وعليه، يجب اعتماد خطاب ثالث آخر يجمع ما بين الرأسمالية، التي تتيح المبادرة والازدهار في قطاع الأعمال، وما بين ضرورة إيجاد آليات تحافظ على المجتمع عامة وعلى الفرد من تبعات الحالة التنافسية الممكنة".[9] أما حزب "يسرائيل بيتنو"، فلا يعرض برنامجاً اقتصادياً واضحاً ومتماسكاً، ولا يعارض نظام السوق الحر، إنما يطرح مواقفه، في هذا المحور، ضمن بند واجب دولة إسرائيل تقديم مكافآت للعائلات الإسرائيلية التي يعمل أفرادها ويخدمون في الجيش أو في الخدمة المدنية، مثل تقديم مساعدات لها في شراء مساكن وتعليم الأطفال والهبات الحكومية.[10]

 

يختلف طرح حزب "كلنا" الاقتصادي بعض الشيء عن البرامج الاقتصادية للأحزاب اليمينية. فهذا الحزب لا يطرح مقاربة اقتصادية مغايرة أو يطالب بعودة "دولة الرفاه" وتدخل جدي للدولة في الاقتصاد، بل جل ما يطرحه هو إدخال تعديلات على النظام الاقتصادي القائم ومعالجة النتائج السلبية للمنظومة الاقتصادية القائمة، بهدف الحفاظ على مناعة المجتمع الإسرائيلي وتماسكه، وذلك، في الأساس، من خلال التعامل مع تزايد عدم المساواة والفقر في المجتمع الإسرائيلي، والقيام بمعالجة جذرية للارتفاع الهائل في أسعار الشقق والمنازل، بواسطة خطة مفصلة لزيادة العرض في سوق المنازل، وتغيير بنى التعليم وإدارته. جاء في البرنامج الاقتصادي لحزب "كلنا": "نحن مع القطاع الخاص وندعمه، نحن نشجع المبادرة، والتجديد والحريات الاقتصادية. لكننا ضد الاحتكار، ضد السيطرة والتنسيق بين الشركات الكبيرة على الأسواق (كارتل)، وضد مجموعات السيطرة التي تمنع المنافسة وتساهم في رفع الأسعار".[11]    

خاتمة

يمكن القول إن مواقف أحزاب اليمين، ويمين الوسط، متقاربة للغاية في محوري تعريف هوية دولة إسرائيل ووظائفها، وقضية الاستيطان والمفاوضات مع السلطة الفلسطينية. هذا التوافق واضح أيضاً في المحور الاقتصادي، مع تفاوت بسيط في الأدوات المقترحة للتعامل مع تشوهات اقتصاد السوق، وتنامي عدم المساوة والفقر في المجتمع الإسرائيلي، لكن من دون أن يطرح أي حزب منظومة اقتصادية بديلة. فالسياسات المطروحة تنبع جميعها من داخل المنظومة الليبرالية، وتهدف إلى معالجة بعض النتائج غير المرغوب فيها. 

في التركيبة الحالية للمنظومة الحزبية في إسرائيل، وفي ظل مواقف المجتمع الإسرائيلي القائمة،[12] وعدم وجود بدائل سياسية واضحة ومتماسكة يقبلها قسم كبير من المجتمع الإسرائيلي، لا في محور القضية الفلسطينية والاحتلال، ولا في المحور الاقتصادي ولا في تعريف هوية دولة إسرائيل ووظائفها، نجد أن من الصعوبة بمكان توقع أي تغيير في موازين القوى بين المعسكرات السياسية في الانتخابات البرلمانية القادمة، وسيكون من السهل على المعسكر اليميني ويمين الوسط تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل.

 

 

[1] من الموقع الرسمي لحزب البيت اليهودي، http://www.baityehudi.org.il

images (13).jpg

 

[2] من الموقع الرسمي لحزب يسرائيل بيتنو، http://www.beytenu.org.il

[3] عاطف أبو سيف ومهند مصطفى، 2012. "مشهد إسرائيل ومفاوضات السلام"، في: هنيدة غانم (محررة)، تقرير مدار الاستراتيجي 2012: المشهد الإسرائيلي 2011. رام الله: مدار.

[4] من الموقع الرسمي لحزب البيت اليهودي، http://www.baityehudi.org.il.

[5] من الموقع الرسمي لحزب يسرائيل بيتنو، http://www.beytenu.org.il

[6] من الموقع الرسمي لحزب "كلنا- برئاسة كحلون"،

 https://www.kulanu-party.co.il/platformcategory/?cat=102

[7] راجع الموقع الرسمي لحزب يوجد مستقبل: www.yeshatid.org.il.

للتوسع، مدى الكرمل، شخصيات في السياسية الاسرائيلية، رقم 2، يائير لبيد، رئيس حزب "يوجد مستقبل".

http://mada-research.org/wp-content/uploads/2013/05/Yair_Lapid.pdf

[8] من الموقع الرسمي لحزب البيت اليهودي،http://www.baityehudi.org.il/main/principles#3

[9] الموقع الرسمي لحزب يوجد مستقبل، www.yeshatid.org.il

[10] من الموقع الرسمي لحزب يسرائيل بيتنو، www.beytenu.org

[11] من الموقع الرسمي لحزب "كلنا": https://www.kulanu-party.co.il/platform.

[12] للتوسع: امطانس شحادة، "أنماط التصويت في إسرائيل وتحولات المجتمع الإسرائيلي: انتخابات 2013 نموذجا"، مجلة سياسات عربية 13، 2015.

Read more