English    
IPS home IPS لوحة مفاتيح عربية | من نحن | دعم المؤسسة 
  
 


اشترك في مجلة الدراسات الفلسطينية

عروضات خاصه

خدمة البريد الإلكتروني
انضم إلى لائحة المؤسسة البريدية واطلع على آخر التحليلات السياسية وإصدارات المؤسسة الحديثة من كتب ومجلات

إشترك في مجلاتنا
مجلة الدراسات الفلسطينية
Journal of Palestine Studies
Jerusalem Quarterly

المكتبة
ابحث في فهرس مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية على الإنترنت

 
 طباعة    إرسال   
 ملخص   
 
رأي محكمة العدل الدولية في الجدار الفاصل: الأبعاد القانونية
محمد خليل الموسى
مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 18، عدد 69 (شتاء 2007)، صفحة 5
دراسات

دراسات

محمد خليل الموسى*

رأي محكمة العدل الدولية

في الجدار الفاصل:

الأبعاد القانونية

مقدمة

أصدرت محكمة العدل الدولية بتاريخ 9/7/2004 رأياً استشارياً يتعلق بالتبعات القانونية لإنشاء جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد جاء هذا الرأي استجابة لطلب وجهته الجمعية العامة بموجب قرارها 10/14 الصادر في 8/12/2003، إذ جاء طلب الجمعية العامة من محكمة العدل استناداً إلى أحكام المادة 96 من الميثاق رأياً استشارياً بشأن السؤال الآتي: "ما هي الآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بإقامته في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقية وحولها، على النحو المبين في تقرير الأمين العام، وذلك من حيث قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة؟"

ينطوي الرأي الاستشاري المذكور على أهمية كبيرة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والوضع القانوني الخاص بها. فقد تجاوزت المحكمة فيه حدود السؤال بالقدر اللازم للإجابة عنه، وعمدت إلى مراجعة القضية الفلسطينية برمتها، ولم تقتصر على تناول موضوع الجدار فحسب. وهو أمر منطقي ومشروع لأن بناء الجدار يلقي بآثاره وتداعياته على مجمل القضية الفلسطينية، فهو حلقة من حلقات أُخرى كثيرة تتعلق بها. تناولت المحكمة بغية تحديد الوضع القانوني للجدار والتبعات القانونية المترتبة عليه، جوانب متعددة ومتنوعة من القضية الفلسطينية من أهمها: الوضع القانوني للأراضي المحتلة؛ حدود الإقليم الفلسطيني المحتل؛ انطباق اتفاقيات جنيف، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة على هذه الأراضي؛ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير؛ مسؤولية الكيان الصهيوني والأمم المتحدة والدول الأعضاء في المجتمع الدولي.

وهكذا تغدو دراسة هذا الرأي مسألة ملحة وغاية في الأهمية، وخصوصاً أنه لم يلق من الأكاديميين والمختصين والمهتمين ما يستحق من دراسة وتحليل. وليس الأمر مقصوراً في إهمال هذا الرأي على المهتمين والمختصين فحسب، إذ على الرغم من أهميته، ومما يخلِّفه من تداعيات على القضية الفلسطينية برمتها، نلحظ أن هناك تغييباً شبه كامل له من السياسيين والعاملين بالشأن الفلسطيني. فدراسة الرأي الاستشاري باتت مسألة لا غنى عنها للمهتمين بالقضية الفلسطينية كافة. وسنعمد في دراسته إلى تناول عدد من الجوانب والأبعاد القانونية للمبادئ والاستنتاجات الواردة فيه، ومناقشة ما أثير حولها من شبهات، وتقديم الأدلة والأسانيد التي تكشف زيفها من الناحية القانونية، ثم بيان التبعات والآثار التي تنجم عن هذا الرأي، ولا سيما أن المحكمة أعلنت فيه عدم شرعية الجدار والنظام الملحق به. لذا ستنصب الدراسة على عدد من المحاور وهو تباعاً: إعلان المحكمة عدم شرعية الجدار؛ الأراضي الفلسطينية المحتلة والقانون الإنساني الدولي وما تطرحه هذه المسألة من إشكاليات قانونية بحسب ما جاء في رأي المحكمة؛ آثار إعلان عدم شرعية الجدار والتبعات القانونية الناجمة عن ذلك.

أولاً: عدم شرعية الجدار
والنظام الملحق به

لا تقف المحكمة غالباً عند حدود الموضوع المستفتى بشأنه، فتكون مدفوعة في كثير من الحالات إلى تناول بعض الموضوعات ذات الصلة بطلب الرأي الاستشاري، شرط أن تبقى في حدود الطلب وعدم الخروج على مضمونه أو موضوعه. وفي حالة الجدار، يصعب التسليم بالانتقادات القائلة بأن المحكمة بتناولها مسألة قانونية بناء الجدار والنظام الملحق به تجاوزت حدود سلطتها الاستشارية، وخرجت عن موضوع السؤال الموجه إليها، ذلك بأن المحكمة تملك صلاحية معالجة بعض المسائل والموضوعات الفرعية بمناسبة ممارستها وظيفتها الاستشارية، ما دامت هذه المسائل الفرعية أو الطارئة على الطلب ذات صلة بالموضوع المستفتى بشأنه، وما دامت المحكمة لم تخرج عن حدود موضوع السؤال والغرض منه.(1)  ودراسة مدى شرعية الجدار والنظام الملحق به، وإن كانت مسألة طارئة على موضوع السؤال الموجَّه من الجمعية العامة إلى المحكمة، أساسية ولازمة كي تتمكن المحكمة من إعطاء الرأي الاستشاري بشأن التبعات القانونية الناجمة عن بناء الجدار.

من الواضح أن المحكمة، في رأيها الاستشاري الصادر في 9/7/2004، تحرّت الحذر في التعامل مع الموضوع المطروح على طاولتها، فأكدت أنها ليست معنية بتناول أسباب الصراع الفلسطيني – الصهيوني المتنوعة والمتعددة، ثم أشارت إلى أن موضوع بناء الجدار والنظام الملحق به لا يعدو أن يكون فصلاً من فصول كثيرة للصراع الفلسطيني – الصهيوني. فمسألة الجدار – بحسب تعبير المحكمة ذاتها – هي "جزء من كل أكبر"، ولهذا السبب حرصت على التأكيد أنها ستأخذ  هذا الوضع في الحسبان وبعناية فيما يتعلق بالرأي الذي ستصدره شرط أن يكون ذلك ضرورياً لدراسة السؤال المطروح عليها.(2)

انتهت المحكمة, عند دراستها مسألة اتفاق الجدار والنظام الملحق به مع أحكام القانون الدولي واجبة التطبيق على الصراع الفلسطيني – الصهيوني، إلى عدم قانونية الجدار وملحقاته، وأوضحت بجلاء الأسباب التي دفعتها إلى إعلان هذه الحقيقة القانونية.

ضم الأراضي المحتلة
وإلحاقها بالكيان الصهيوني

تستدعي الإجابة على طلب الرأي الاستشاري بشأن التبعات القانونية الناجمة عن بناء الجدار – كما أوضحنا أعلاه – تحديد الوضع القانوني والفعلي للأراضي الفلسطينية عامة، وتحديده بصورة خاصة لذلك القسم من هذه الأراضي المتأثر بالجدار وبملحقاته. في البداية شرعت المحكمة في تحديد الأراضي والأماكن الواقعة تحت الاحتلال الصهيوني، فأوضحت أنه وفقاً لأحكام القانون الدولي العرفي، كما يتجلى في المادة 42 من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لسنة 1907، تعد الأراضي محتلة عندما تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا تشمل هذه الأراضي المحتلة سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها. وانسجاماً مع حقيقة احتلال الكيان الصهيوني في سنة 1967 للقسم المتبقي من فلسطين التاريخية عقب الصراع المسلح بين الكيان الصهيوني والأردن، وهو القسم الواقع بين الخط الأخضر والحدود الشرقية السابقة لفلسطين الانتدابية، تغدو هذه الأراضي لهذا السبب، ووفقاً للقانون الدولي العرفي، أراضي محتلة من جانب الكيان الصهيوني الذي يتمتع فيها بوضع "السلطة القائمة بالاحتلال". وخلصت المحكمة بعد هذا التحليل إلى أن الأراضي المذكورة جميعها، بما فيها القدس الشرقية، تظل مناطق محتلة، ولا يزال الكيان الصهيوني يحمل فيها صفة القوة المحتلة، وأن الأحداث التي جرت عقب هذا التاريخ في هذه المناطق كلها لم تغير من كونها أراضي محتلة.(3)

يتضح، مما سبق، أن المحكمة تعتبر الأراضي الواقعة بعد الخط الأخضر والحدود الشرقية لفلسطين الانتدابية أراضي محتلة، وهو أمر له دلالة قانونية وعملية مهمة. فهذا التحديد القانوني من جانب المحكمة للأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل القانون الدولي الوضعي الراهن يتعين أن يكون ركناً أساسياً ومحورياً لأية تسوية مستقبلية للصراع العربي – الصهيوني من خلال المفاوضات، فهذه الأخيرة يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة القانونية لا من الفكرة الصهيونية التي تروجها حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة، وهي أن الأراضي المذكورة ليست محتلة، وإنما هي من قبيل الأراضي المتنازع بشأنها. فالمناطق هذه كلها محتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن من شأن أي اتفاق أن يقلب وضعها القانوني هذا يعد باطلاً، لأنه يخالف عدداً من القواعد الآمرة الدولية على ما سنأتي إلى ذكره لاحقاً.

ومما يعزز هذه الفكرة ما جاء في الرأي الاستشاري بشأن الجدار والنظام الملحق به. فقد لاحظت المحكمة أن الجدار والنظام الملحق به بحسب المسار الذي حدده الكيان الصهيوني يبتلعان نحو 16% من الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية)، ويتيحان للكيان الصهيوني أن يحتفظ بما يقارب 80% من المستعمرات التي أنشأها في هذه الأراضي. وإزاء هذه المعطيات ثمة سؤال مشروع ومنطقي هو: أليس في قدرتنا أن نعد هذه التدابير من جانب الكيان الصهيوني ضرباً من الضم أو الإلحاق (une annexion) لقسم من الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ ثم ألا يشكل هذا الضم في الواقع تغييراً من جانب الكيان الصهيوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتكون النتيجة خرقاً لتحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة؟

على الرغم من أن الكيان الصهيوني قدم تأكيدات إلى المحكمة من أن الجدار وملحقاته لا يرتقيان إلى الضم والإلحاق، وأنهما ينطويان على حالة موقتة لا دائمة، فإن المحكمة عبرت عن مخاوفها من أن إنشاء الجدار والنظام المرتبط به يخلقان "أمراً واقعاً" على الأرض، يمكن أن يصبح دائماً. وفي هذه الحالة، وعلى الرغم من الوصف الرسمي الذي تخلعه إسرائيل على الجدار فإنه "يمكن أن يشكل وضعاً دائماً على الأرض، وهو ما يعد من قبيل الضم الفعلي."(4)  وهو ضم ثابت من حقيقة أن "المسار المختار للجدار يعطي تعبيراً محلياً in loco للتدابير غير المشروعة التي تتخذها إسرائيل فيما يتعلق بالقدس والمستوطنات، على النحو الذي ندد به مجلس الأمن."(5)  فضلاً عن أن خط سير الجدار كما ثبتته الحكومة الإسرائيلية يشمل 80% من المستوطنين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وذلك خلافاً للأحكام القانونية الواردة في المادة 49 الفقرة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنع دولة الاحتلال من ترحيل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها،(6)  الأمر الذي عدته المحكمة قرينة على نية حكومة هذا الكيان ضم قسم من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتوطين أشخاص يحملون الجنسية الإسرائيلية داخل هذه الأراضي.

حرمان الشعب الفلسطيني
من حقه في تقرير المصير

من الثابت أن الحق في تقرير المصير ينطبق على الأقاليم غير المستقلة أو غير المحكومة ذاتياً، وهو في النتيجة ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبصفته من مجموعة الأحكام القانونية الدولية، "الحجة على الكافة" (erga omnes(7)  فإنه يلزم الكيان الصهيوني بالامتناع من إتيان أي فعل أو سلوك من شأنه حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير. ولهذا السبب بالذات، أشارت المحكمة في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار إلى أن من شأن اتجاه سير الجدار أن يمس الأوضاع المعيشية للفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المتأثرة به، فضلاً عن أنه يهدد وجودهم. ومن قبيل ذلك أنه يمس حقهم في حرية التنقل، وحقهم في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، كما أنه ينطوي على خطر إحداث تغييرات إضافية في الوضع السكاني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك جرّاء ما قد يجره الجدار من ترحيل وتهجير للفلسطينيين من بعض المناطق المتأثرة به وبملحقاته. وخلصت المحكمة بعد هذا كله إلى نتيجة مهمة من الناحية القانونية، وهي أن "تشييد هذا الجدار, فضلاً عن التدابير التي اتخذت من قبل, سيعوق بشدة ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، ومن ثم فإنه يعد خرقاً لالتزام إسرائيل باحترام هذا الحق."(8)

لعل ما توصلت إليه المحكمة بصدد العلاقة بين الجدار وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، هو من أهم الجوانب القانونية المتصلة بالقضية الفلسطينية برمتها. فكيف يمكن الحديث عن تسوية لهذه القضية، على الأقل من الناحية القانونية، على الرغم من بقاء الجدار والنظام الملحق به على حاله، وعلى الرغم مما ينجم عنه من عرقلة لممارسة الحق في تقرير المصير؟ والأهم من ذلك أن تأكيد المحكمة صفة "الحجة على الكافة" لهذا الحق، تجعل الكيان الصهيوني ملزماً به وباحترامه بصرف النظر عن القيمة القانونية لرأي المحكمة. فهنا لا يجري الحديث عن التزامات أنشأتها المحكمة، وإنما قامت بمناسبة ممارستها وظيفتها الاستشارية، وهي ليست وظيفة قضائية ملزمة بذاتها للخصوم، بكشف وإعلان قواعد قانونية عرفية "حجة على الكافة"، ولا تملك أية دولة أن تتذرع بطابعها النسبي أو الرضائي أو الاتفاقي للتحلل منها.

انتهاك أحكام اتفاقيات
حقوق الإنسان واتفاقيات
القانون الإنساني الدولي

ينطوي الوضع الناجم عن بناء الجدار على خرق من جانب الكيان الصهيوني لالتزاماته الناشئة عن الاتفاقيات الدولية للقانون الإنساني الدولي، ولاتفاقيات حقوق الإنسان. فقد لاحظت المحكمة أن الجدار سيؤدي إلى تدمير أملاك الفلسطينيين والاستيلاء عليها، وهو أمر لا يتفق مع الأحكام المنصوص عليها في المادتين 46 و52 من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لسنة 1907، ومع أحكام المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة. وأكدت أن الاستثناء الوارد في هذه المادة الأخيرة، الذي يجيز الاستيلاء على الأملاك والأموال لضرورة عسكرية، لا ينطبق على هذه الحالة.(9)

ومن المسائل الأُخرى التي استرعت عناية المحكمة حقيقة أن بناء الجدار، وما نجم عن هذا الإجراء من وضع على الأرض، أجبر عدداً كبيراً من الفلسطينيين على ترك مناطقه. وفي النتيجة، كان هذا البناء (الجدار وملحقاته)، المقترن بإنشاء مستعمرات، يهدف في الواقع إلى تعديل التكوين السكاني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو أمر يخالف أحكام المادة 49 الفقرة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

أمّا بالنسبة إلى اتفاقيات حقوق الإنسان، فأعلنت المحكمة بوضوح أن من شأن الإجراءات والتدابير الإسرائيلية أن تعرقل ممارسة الفلسطينيين لحقهم في حرية التنقل المنصوص عليه في المادة 12 الفقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، بالإضافة إلى كونها تحول دون ممارستهم حقهم في مجالات العمل والصحة والتعليم والمستوى اللائق من العيش الواردة كلها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، وفي اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989. وكما هو معلوم فإن الاتفاقيات الثلاث المذكورة لا ترتب على الدول الأطراف التزامات مطلقة بصورة عامة. وقد حرصت المحكمة على القول إن حالات الاستثناء أو التعطيل الجائزة قانوناً بصدد الحقوق التي خرقتها إسرائيل ليست متحققة في حالة الجدار. ففيما يتعلق بالتقييدات الواردة على حقوق الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنها لا تستجيب للشروط المقررة في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجيز تقييد الحقوق المحمية بالعهد بما يتفق مع القانون، وإلى الحد الذي يتسق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، ومن أجل تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي.

وأمّا بالنسبة إلى القيود التي يجيز العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إيرادها على الحق في حرية التنقل، فاعتبرت المحكمة أن قيوداً من هذا القبيل لا تكون مبررة من الناحية القانونية، استناداً إلى نص المادة 12 الفقرة 3 من العهد المذكور، "غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحريتهم وتكون متماشية مع الحقوق الأُخرى المعترف بها في هذا العهد." فالشروط المشار إليها في هذا النص ليست متحققة – في رأي المحكمة – في حالة الجدار والنظام الملحق به. كذلك أضافت المحكمة أنه لا يكفي توجيه القيود الجائز فرضها لتحقيق الغايات المحددة في النص، وإنما يتعين أن تكون هذه القيود ضرورية لتحقيق تلك الغايات. وأشارت المحكمة، في هذا الصدد، إلى تعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان رقم 27 الخاص بالمادة 12 (حرية التنقل)، وهو التعليق العام الذي أصدرته اللجنة المذكورة في سنة 1999، وأكدت فيه أنه "لا يكفي توجيه تلك القيود إلى الأغراض المسموح بها؛ بل ينبغي أيضاً أن يستلزمها تحقيق تلك الأغراض."(10)  والأهم من هذا كله ما شددت عليه المحكمة من أقوال اللجنة المذكورة في هذا المجال، وهو أنه يجب أن تكون القيود المسموح بها أقل الوسائل تدخلاً مقارنة بغيرها من الوسائل التي يمكن أن تحقق الغاية المنشودة.(11)

خلاصة القول، إن المحكمة لم تجد أن هناك توافقاً بين إجراء بناء الجدار والنظام الملحق به وبين القيود الجائز فرضها على الحق في حرية التنقل كما جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد لخصت المحكمة هذه النتيجة بقولها إنه بناءً على ما توفر لها من مواد، ترى أن "المسار المحدد الذي اختارته إسرائيل للجدار أمر يقتضيه تحقيق أهدافها الأمنية. فالجدار، على امتداد الطريق المختار، والنظام المرتبط به يشكلان انتهاكاً خطيراً لعدد من حقوق الفلسطينيين المقيمين في الأرض التي تحتلها إسرائيل، والانتهاكات الناشئة عن ذلك المسار لا يمكن تبريرها بالضرورات العسكرية أو بدواعي الأمن القومي أو النظام العام.... فإن تشييد جدار من هذا القبيل يشكل إخلالاً من جانب إسرائيل بالتزامات شتى واجبة عليها بمقتضى القانون الإنساني الدولي الساري وصكوك حقوق الإنسان." (12)

واضح تماماً أن المحكمة عمدت إلى تقويم مدى توفر مبدأ التناسب، وانتهت بعد ذلك إلى أن التناسب ليس متحققاً في هذه الحالة. فبناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يُعدّ من وجهة نظر المحكمة الإجراء الأقل ضرراً وإضراراً الذي يتيح للكيان الصهيوني "الحفاظ على مصالحه المزعومة."(13)  ولا يبدو البتة أن التعديلات التي أدخلها الكيان الصهيوني على مسار الجدار بموجب الإعلان الصادر عن الحكومة الصهيونية في 20/2/2005، بحجة النزول على مقتضى المعايير التي وردت في رأي المحكمة الاستشاري، تستجيب من حيث طبيعتها للشروط المفروضة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

عدم توفر أسباب التبرير

تمسكت الدولة الصهيونية بأن بناءها جداراً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يندرج ضمن أسباب التبرير التي يجيز القانون الدولي اللجوء إليها بغية اتقاء شر خطر وشيك الوقوع وداهم. فقد برر الكيان الصهيوني إنشاءه للجدار على أساس أنه من قبيل إجراءات الدفاع عن النفس ضد العمليات الاستشهادية وأعمال المقاومة المسلحة التي يمارسها الشعب الفلسطيني المحتل دفاعاً عن أرضه وحريته واستقلاله. فضلاً عن أنه وصف إنشاء الجدار بأنه تدبير من تدابير حالة الضرورة العسكرية من أجل حماية مصالحه الأساسية.

لم تأخذ المحكمة في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار بأي من هذه الحجج، إذ أوضحت بجلاء أن بناء الجدار وملحقاته لا يعد ضرباً من ضروب الدفاع عن النفس، وأن حالة الضرورة المزعومة لا تبرر بناءه.

حالة الدفاع عن النفس

رفضت محكمة العدل الدولية في الفقرة 139 من رأيها الاستشاري الخاص بالجدار تطبيق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي المادة التي تعترف بحق الدول في الدفاع عن النفس، على بناء الجدار وملحقاته، وأكدت أن هذه المادة لا صلة لها بالموضوع.

لم يقر الدارسون والمختصون جميعهم بما ذهبت إليه المحكمة في هذا المجال، فقد انتقد عدد منهم، وخصوصاً مَنْ ينتمي إلى الفكر القانوني الأميركي،(14)  أسلوب معالجة المحكمة لمسألة الدفاع عن النفس وعلاقتها بالجدار، ولذا رفض ما توصلت إليه من نتائج قانونية. ومن أهم الانتقادات التي أوردها هذا التيار أن الأحكام القانونية الناظمة للدفاع عن النفس في القانون الدولي لا تشترط لممارسته وجود هجوم مسلح من دولة أُخرى. فقد أشارت المحكمة، في معرض تناولها مسألة الدفاع عن النفس، إلى أن الكيان الصهيوني لم يتذرع بأن الهجمات الموجهة ضده يمكن أن تعزى إلى دولة أجنبية، فضلاً عن أن هذا الكيان الاستعماري يبسط سيطرة فعلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن التهديد الذي يعتبره مبرراً لإنشاء الجدار ينبع، كما يصرح الكيان الصهيوني نفسه، من داخل تلك الأراضي لا من خارجها. وانتهت المحكمة إلى أنه لا يمكن للكيان الصهيوني أن يستشهد بقراري مجلس الأمن 1368 (2001) و1373 (2001) إطلاقاً بالنسبة إلى حالة الجدار، وذلك بأنها حالة مختلفة عن تلك التي نظر فيها المجلس عند إصداره القرارين السابقين.

وهكذا تركزت الانتقادات غير المؤيدة لما ذهبت إليه المحكمة بصدد هذا الموضوع على مسألتين أساسيتين هما: أن المادة 51 من الميثاق لم تشترط ارتكاب الهجوم المسلح المبرر للدفاع عن النفس من دولة، وأن قراري مجلس الأمن المذكورين طُبقا بصدد هجمات مسلحة صدرت عن كائنات لا تتمتع بصفة الدولة.

من الملاحَظ أن ما جاءت به المحكمة في هذا الرأي الاستشاري بالنسبة إلى شروط ممارسة الدفاع عن النفس يتسق تماماً مع أحكام المحكمة السابقة واجتهاداتها في أكثر من قضية،(15)  إذ قامت بتفسير المادة 51 من الميثاق تفسيراً ضيقاً وتمسكت به طوال مدة عملها. ففي حكم المحكمة الصادر في سنة 2003 في قضية المنصات البترولية، وقبل ذلك في حكمها الصادر في سنة 1986 في قضية نيكاراغوا، تمسكت بالقراءة الضيقة للنص المذكور، وأوضحت أنها لا تقر خرق تحريم استخدام القوة إلاّ بشكل محدود، فالدفاع عن النفس استثناء من الأصل، ويتعين تفسيره من دون توسع وفي حدود الاستثناء. وجاء الرأي الاستشاري الخاص بالجدار ليؤكد مجدداً حرص المحكمة على هذا التفسير الضيق لنص المادة 51 من الميثاق.

يظهر أن محكمة العدل الدولية تميز بين أشد أشكال استخدام القوة، أي التي تشكل – برأيها – هجوماً مسلحاً بالمعنى الوارد في المادة 51 من الميثاق، وبين الأشكال الأُخرى الأقل جسامة أو شدة. (16)  لقد أوضحت المحكمة موقفها في الفقرة 139 من الرأي الاستشاري الخاص بالجدار بشأن تطبيق المادة 51 من الميثاق، إذ إنها قرنت تطبيقها بحالة "شن دولة اعتداء مسلحاً على دولة أُخرى." وإذا كان القاضي الأميركي في المحكمة، توماس بيورغنتال، لاحظ، في رأيه المخالف، أن المادة المذكورة لم تجعل الدفاع عن النفس رهناً بوجود هجوم مسلح من دولة ضد دولة أُخرى،(17)  فإن المحكمة في إشارتها إلى عدم قيام الكيان الصهيوني بالتمسك بأن الأفعال الموجهة ضده صادرة عن دولة، لم تقم بأكثر من تطبيق أحد شروط الدفاع عن النفس المذكورة صراحة في المادة 51، وهو صدور الهجوم المسلح عن دولة.(18)  وقد سبق أن أكدت المحكمة، في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (1986)، أن ممارسة الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات مسلحة ترتكبها قوات غير نظامية مشروط بوجود صلة بين هذه الهجمات ودولة ما. فالهجمات المسلحة الصادرة عن كائنات من غير الدول لا تبرر، من وجهة نظر المحكمة، اللجوء إلى الدفاع عن النفس ما لم تثبت صلتها بدولة معينة، كأن تجري لحسابها أو بتشجيع أو تمويل أو دعم مباشر من جانبها.(19)  وهو تفسير مأخوذ – في رأي المحكمة – من تعريف العدوان كما جاء في توصية الجمعية العامة الخاصة بتعريف العدوان لسنة 1974.

مما لا شك فيه أن المنهج الذي اتبعته المحكمة في التعامل مع مسألة صلة الجدار وملحقاته بالدفاع عن النفس هو منهج شكلي، إذ اكتفت بالنظر إلى المسألة من زاوية صلة الهجوم المسلح بدولة، ولم تقم في الواقع بتحليل عميق ومفصل للمسألة؛ فالسؤال الفعلي الذي يثار هنا يتعلق بحجم مسؤولية مَنْ يرسل الجماعات أو الأشخاص الذين يهاجمون الكيان الصهيوني.

تستدعي الإجابة على هذا السؤال تحديد الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية، ولا سيما أن الكيان الصهيوني ادعى أن التهديد الذي حداه على بناء الجدار نابع من داخل الأراضي الفلسطينية.

من الثابت قانوناً أن الأراضي الفلسطينية المحتلة ليست جزءاً من الكيان الصهيوني، وهي تختلف عنه. وهذا ما أكدته كل من محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار،(20)  والمحكمة العليا الإسرائيلية في قضية المجلس القروي لبيت سوريك.(21)  فقد أعلنت هذه الأخيرة صراحة أن الوضع القانوني للأراضي المحتلة ينبع من واقع السيطرة الإسرائيلية الفعلية عليها، وأن "الحاكم العسكري يستمد سلطته من أحكام القانون الدولي العام الخاصة بالاحتلال. وهي تتكون أساساً من لائحة لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب،" التي تعكس حالة القانون الدولي العرفي.(22)

يستخلص مما سبق كله أن الأراضي الفلسطينية ما زالت أراضي محتلة، وأن فلسطين ليست دولة بعد. والتزامات فلسطين يتعين تحديدها وتعريفها في إطار القانون الإنساني الدولي بصفته قانوناً خاصاً، ذلك بأنها لا تبسط سيطرتها على الأراضي المحتلة ولا تتمتع بصفة الدولة عليها، وهكذا تحدد التزاماتها لجهة المضمون نظراً إلى أحكام القانون الإنساني الدولي وليس بمقتضى أي قانون آخر. ولهذا السبب نفسه لا يغدو فحص مدى توفر الشرطين الآخرين للدفاع عن النفس (الضرورة والتناسب) منطقياً أو معقولاً.(23)  فهذان الشرطان لا صلة لهما بحالة فلسطين الخاضعة لقانون خاص (القانون الإنساني الدولي) يستبعد إعمال القواعد العامة من قبيل تلك الناظمة للدفاع عن النفس. كما لا يتصور بأي حال من الأحوال المطالبة بتطبيق القاعدة الدولية القائلة بعدم جواز قيام الدولة بفتح أراضيها بعلمها للغير بهدف استخدامها لارتكاب أعمال تهدد مصالح الدول الأُخرى وحقوقها،(24)  إلاّ في الحالة التي تغدو فيها فلسطين دولة. فهي في الوضع الراهن، وبسبب عدم تمتعها بمركز الدولة في القانون الدولي العام، ليست قادرة على بسط سيطرتها على الأراضي المحتلة، ولهذا السبب يستحيل إعمال القاعدة القانونية المذكورة بحقها، لأنها تفترض ابتداء السيطرة على الإقليم، وممارسة صلاحيات تمنعها من مواجهة الدول الأُخرى.

إن معالجة المحكمة في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار لمسألة الدفاع عن النفس ليست سطحية ولا مبتسرة كما قال بعض المنتقدين.(25)  بل يمكن القول إن الانتقادات الموجهة إلى رأي المحكمة في هذا الشأن هي التي تفتقد الدقة والوضوح. فالآراء المعارضة لأسلوب تناول المحكمة هذه المسألة تخلط ما بين القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي الخاص بالدفاع عن النفس.(26)  وهذه الحقيقة تُستمد منطقياً كذلك من تأكيد المحكمة أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تخضع بحكم القانون (de jure) لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. ومجرد انطباق هذه الاتفاقية يصبح التمسك بالدفاع عن النفس غير وارد من الناحية القانونية، وذلك بأن استخدام القوة تم وانتهى، وبات الوضع الناشئ عنه محكوماً منذ تلك اللحظة بنظام قانوني مختلف مستمد من القانون الإنساني الدولي. فالقوة المحتلة تفقد حقها في الدفاع عن النفس في مواجهة أي هجوم مسلح يرتكب ضدها داخل الأراضي التي تحتلها؛ والأراضي الفلسطينية المحتلة بصريح عبارة المحكمة ليست ملحقة أو مضمومة إلى الكيان الصهيوني، ومختلفة عنه. وإذا كانت القاضية في المحكمة السيدة روزالين هيغنز (Rosalyn Higgins) انتقدت – في رأيها الخاص – ما ذهبت إليه المحكمة بقولها أنها لا تفهم وجهة نظر المحكمة التي تسلب دولة ما حقها في الدفاع عن مواطنيها المدنيين داخل الأراضي المحتلة إذا هوجموا من هذه الأراضي التي تختلف عن أراضي دولة الاحتلال،(27)  فالمحكمة لم تسلب الكيان الصهيوني ذلك الحق، وإنما بالعكس، شددت على أنه قادر على الرد على أية هجمات عشوائية ضد المدنيين (والقول للمحكمة بطبيعة الحال) شرط أن تظل الإجراءات المتخذة متماشية مع القانون الدولي الممكن تطبيقه.(28)  وهذا القانون الدولي الممكن تطبيقه ليس إلاّ القانون الإنساني الدولي، الذي يلزم سلطة الاحتلال بأن تكفل قدر الإمكان النظام والحياة العامة وتضمنهما.

في الواقع، ومهما يقال عن علاقة بناء الجدار بالدفاع عن النفس، فإن الكيان الصهيوني لا يعترف بفلسطين إلى الآن كدولة، وككيان كامل من كيانات القانون الدولي. وسياسات الكيان الصهيوني الاحتلالية والإحلالية هي التي أوجدت الأوضاع المؤدية إلى الوضع الذي يزعم فيه أنه يمارس حقاً في الدفاع عن النفس لمواجهته. والثابت هو أن فعل الدفاع عن النفس يجب ألاّ يكون مثاراً، بمعنى أن من يحتج به عليه ألاّ يكون أتى فعلاً أو سلوكاً أفضى إلى إثارة الحالة التي قد تسمح بقيام حالة الدفاع عن النفس، وهو أمر ينطبق تمام الانطباق في حالة الكيان الصهيوني.

قرارا مجلس الأمن
1368 و1373

لاحظت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار أن الكيان الصهيوني هو المسيطر على الأراضي المحتلة، ولهذا السبب فإن الوضع المطروح أمامها مختلف تماماً عن ذلك الذي تعامل معه مجلس الأمن في القرارين 1368 (2001) و1373 (2001)، اللذين صدرا في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية من أجل محاربة "الإرهاب". وقد شددت المحكمة، في رأيها المذكور، على حقيقة أن ليس في استطاعة الكيان الصهيوني في أية لحظة التذرع بهذين القرارين بغية تبرير بناء الجدار وملحقاته ولدعم حجته المستندة إلى الدفاع عن النفس.(29)  وقد أضاف القاضي توماس بيورغنتال، في رأيه المخالف للمحكمة، أن مجلس الأمن عرّف في قراريه المذكورين أعمال الإرهاب الدولي بصفتها من قبيل الأعمال المؤدية إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، وأكد الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس الفردي والجماعي لأية دولة تتعرض لأعمال من هذا القبيل. واستطرد القاضي نفسه موضحاً أن أياً من القرارين المشار إليهما لم يقيده مجلس الأمن بالأعمال الإرهابية المرتكبة من جانب دول فحسب، وليس هناك ما يدل ضمناً على توجه إرادة المجلس إلى إحداث قيد مشابه في القرارين.(30)

يظهر من رأي القاضي بيورغنتال أنه فاته أن المحكمة في رفضها تطبيق القرارين المذكورين على حالة الجدار وملحقاته لم تستند إلى طبيعة، أو إلى وصف الكيان المسؤول عن ارتكاب الهجمات المزعومة من جانب الكيان الصهيوني، لكنها استندت إلى السيطرة التي يمارسها الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو أمر يستشف بيسر من تأكيدات القاضي كويجمانز (Kooijmanis) في رأيه الفردي الخاص بالفقرة 36 من الرأي الاستشاري للمحكمة، والذي عدّ أن استحالة تطبيق قراري مجلس الأمن المذكورين ترجع إلى أنهما يتناولان الأعمال الإرهابية الدولية بصفتها تنطوي على تهديد للسلم والأمن الدوليين.

حتى لو سلمنا جدلاً بما ذكره القاضي كويجمانز في رأيه المتعلق بالفقرة 35 من الرأي الاستشاري، أن القرارين 1368 و1373 ينطويان على عنصر جديد ليس متاحاً الوقوف على آثاره القانونية حتى الآن؛ لا بل لم يتم التعرف على هذه الآثار أو تحديدها، فإننا في المقابل نؤكد حقيقة أن مجلس الأمن ما زال يحترم لغاية هذه اللحظة شرط ارتكاب الهجوم المسلح في حالة الدفاع عن النفس من جانب دولة أو لمصلحتها. فعندما رغب المجلس في فرض إجراءات واضحة استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تعين عليه البحث عن علاقة الهجوم المسلح بدولة محددة (أفغانستان)، وذلك من أجل القول بإمكان التذرع بالدفاع عن النفس الوارد سابقاً في القرارين المشار إليهما أعلاه. فالقرار 1378، الذي يتعلق بأفغانستان، دان طالبان لأنها سمحت بأن تكون أفغانستان قاعدة لتصدير الإرهاب من جانب تنظيم القاعدة. هكذا، فإنه في سياق التدابير المتخذة إعمالاً لما جاء في القرارين 1368 و1373، سعى مجلس الأمن لإبراز الصلة بين الهجوم المسلح ودولة ما، وهذا يؤكد أن المجلس ما انفك يحترم هذا الشرط من شروط الدفاع عن النفس.

يُستنتج أن المحكمة تبنت موقفاً واضحاً ومقنعاً من الناحية القانونية من القرارين 1368 و1373 اللذين تذرعت الدولة العبرية بهما لتبرير بناء الجدار. فهذان القراران لا صلة لهما بالموضوع المطروح أمام المحكمة لأنهما يرتبطان بحالة مختلفة تماماً عن حالة الجدار وملحقاته.

حالة الضرورات العسكرية

توصلت محكمة العدل الدولية بشأن الضرورات العسكرية إلى نتيجة تتفق مع القانون الدولي النافذ، لكنها لم تقدم حججاً وأدلة قوية ومفصلة لتأكيد ما توصلت إليه.(31)  فقد لاحظت المحكمة في الفقرة 135 من الرأي الاستشاري أن: "القانون الإنساني الدولي المطبق يتضمن أحكاماً تبيح أخذ المقتضيات العسكرية في الاعتبار في بعض الظروف." ولا تحتوي المادة 46 من لوائح لاهاي لسنة 1907، أو المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة أي شرط مقيد من هذا النوع. وفيما يتعلق بعمليات ترحيل السكان وإبعادهم قسراً المحظورة بموجب المادة 49 من الاتفاقية، تنص الفقرة 2 على استثناء في الحالات التي يتطلب فيها أمن السكان أو الدواعي العسكرية الملحة ذلك، لكن هذا الاستثناء لا ينطبق على الفقرة 6 من تلك المادة التي تحظر على سلطة الاحتلال إبعاد أو ترحيل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتنص المادة 53، المتعلقة بتدمير الممتلكات الشخصية، على استثناء، عندما تقتضي العمليات العسكرية حتماً هذا التدمير. وترى المحكمة أن المقتضيات العسكرية المشار إليها في هذه النصوص يمكن التذرع بها في الأراضي المحتلة حتى بعد أن تنتهي العمليات العسكرية التي أدت إلى احتلال تلك الأراضي. وطبقاً للمواد المقدمة أمامها، لا ترى المحكمة أن أعمال التدمير التي تم تنفيذها بما يتعارض مع الحظر الموضح في المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، اقتضتها عمليات عسكرية ضرورية. وخلصت المحكمة بعد هذا التحليل، إلى "أن المسار المحدد الذي اختارته إسرائيل للجدار أمر يقتضيه تحقيق أهدافها الأمنية. فالجدار، على امتداد الطريق المختار، والنظام المرتبط به يشكلان انتهاكاً خطيراً لعدد من حقوق الفلسطينيين المقيمين في الأرض التي تحتلها إسرائيل، والانتهاكات الناشئة عن ذلك المسار لا يمكن تبريرها بالضرورات العسكرية."(32)

إن ما جاء في استنتاجات المحكمة وتحليلاتها بشأن الضرورات العسكرية يتفق تماماً – من وجهة نظرنا – مع القانون الدولي المعمول به، لكن الأسانيد والحجج التي قدمتها المحكمة لدعم وجهة نظرها بعدم توفر ضرورات عسكرية تبرر بناء الجدار وملحقاته لم تكن قوية إلى درجة تحول دون توجيه الانتقادات إليها في هذا الشأن. فالمحكمة، بالنسبة إلى من انتقدها، لم تبين في رأيها السبب الذي دعاها إلى اعتبار الجدار بشكله الراهن، ونظراً إلى ما يخلفه من آثار مدمرة على حياة المدنيين وأملاكهم ليس مبرراً باعتبارات الضرورات العسكرية.

كان من المستصوب لو عمدت المحكمة إلى فحص مسألة الضرورات العسكرية بصورة أكثر عمقاً وتحديداً، وذلك كي تتسم النتائج التي توصلت إليها في هذا الخصوص بصدقية مطلقة. ولهذا السبب لا مناص من معالجة هذه المسألة في ضوء الشروط والمعايير الخاصة بحالة الضرورات العسكرية دعماً لما ذهبت إليه المحكمة، ورفعاً لشبهات المنتقدين والمعارضين.

يستلزم قيام حالة الضرورات العسكرية اجتماع شروط ومعايير محددة، فإن تخلف أحدها تسقط اعتبارات الضرورات العسكرية، وهذه المعايير هي:(33)

أولاً: يتعين ألاّ يؤدي الإجراء المتخذ لضرورات عسكرية إلى انتهاك حظر مطلق مفروض بمقتضى القانون الإنساني الدولي، وإلاّ تعذر التذرع بالضرورات العسكرية كمبرر لانتهاك أحكام القانون. وإذا طبقنا هذا الشرط على حالة الجدار، وجدنا أنه ينطوي على تعديل للوضع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، لحظة الاحتلال. وهو بهذا الشكل ينطوي على خرق لالتزام مطلق يفرضه القانون الإنساني الدولي على الدول. ولهذا السبب كان من المأمول أن تستند المحكمة إلى المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض حظراً مطلقاً على دولة الاحتلال بعدم نقل أجزاء من مواطنيها إلى الإقليم المحتل، لتستخلص عقب ذلك عدم اتفاق الجدار مع مقتضيات الضرورات العسكرية.

ثانياً: يجب أن تكون حالة الضرورات العسكرية التي تعترض قوات دولة الاحتلال حالة فعلية، وأن تستند إلى وجود خطر وشيك؛ ومن قبيل ذلك أن تتعرض قوات دولة الاحتلال إلى هجوم مسلح، أو إلى هجوم وشيك الوقوع، أو أن تكون بحاجة راهنة إلى ضمان وصول التجهيزات الطبية والغذائية إلى قواتها. تستدعي الضرورات العسكرية، إذاً، وجود أوضاع داخل الإقليم المحتل لا خارجه، وأن تواجه قوات الاحتلال هذه الأوضاع في أثناء الاحتلال ذاته. ولأن الجدار والنظام الملحق به جرى إنشاؤهما بهدف حماية المستوطنين الصهيونيين المدنيين داخل المستعمرات غير القانونية، وليس لحماية المصالح الإسرائيلية العسكرية فحسب، فإن المحكمة كان بين يديها أساس كاف لرفض بقاء الجدار بمساره الراهن، ولاعتباره غير متفق مع مقتضيات الضرورات العسكرية.

ثالثاً: من الحتمي أن يتصف إجراء الضرورات العسكرية بالفعالية وبالملاءمة لمواجهة التهديد القائم. وهو أمر منطقي لأن الضرورات العسكرية لا يمكن أن تشمل سوى التدابير التي في قدرتها موضوعياً بلوغ الغاية المنشودة. لقد وجدت المحكمة أن الكيان الصهيوني لم يستنفد السبل والخيارات المتاحة أمامه كلها من أجل حماية مصالحه الأمنية من دون التسبب بأضرار جمة للسكان الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وخصوصاً أن المحكمة أشارت في رأيها الاستشاري إلى أن بعض أجزاء من الجدار يجري بناؤه، أو جرى التخطيط لبنائه داخل الأراضي الواقعة ضمن الكيان الصهيوني نفسه. ومن المنطقي والحالة هذه أن تجد المحكمة أن الكيان الصهيوني كان قادراً على بناء الجدار كله ضمن الخط الأخضر ومن دون التعدي على الأراضي الواقعة شرقيه.

رابعاً: يتعين أن يستجيب إجراء الضرورات العسكرية لمقتضيات شرط التناسب، فإذا أدى هذا الإجراء إلى تأثير في السكان المدنيين لا يتناسب مع حقوقهم وإنسانيتهم، بات الإجراء مشوباً بعيب قانوني، ولا يكون في النتيجة مبرراً من الناحية القانونية. ولاحظت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري أن الجدار سينشئ منطقة مغلقة بينه وبين خطة الهدنة، بحيث سيكون من الضروري على 237.000 نسمة من الفلسطينيين الواقعين ضمن المنطقة الحصول على تصريح من السلطات العسكرية الصهيونية لمغادرتها والانتقال منها وإليها.(34)  وسيطوق الجدار السكان الفلسطينيين في هذه المنطقة، ويضر بحقوقهم الأساسية وبمستوى معيشتهم اليومية. ولهذه الأسباب كلها، كان في قدرة المحكمة أن تذهب، بغية تأييد ما توصلت إليه بشأن الضرورات العسكرية، إلى عدم التناسب بين إجراء بناء الجدار وملحقاته مع ما سيخلفه من آثار مدمرة على حياة الفلسطينيين ومعيشتهم. وهي نتيجة توصلت إليها المحكمة العليا الإسرائيلية في قضية بيت سوريك، إذ تضمن حكمها في هذه القضية تحليلاً مفصلاً ومطولاً للضرورات العسكرية وللتناسب.(35)  كما لم تقتنع المحكمة بأن السلطات الإسرائيلية حافظت على التوازن المعقول ما بين الضرورات الأمنية وحقوق السكان الفلسطينيين القاطنين على مقربة من مسار الجدار.(36)

والخلاصة هي أن ما توصلت إليه المحكمة بشأن الحالة الراهنة للجدار صحيح من الناحية القانونية، وأنه بشكله وبمساره وبآثاره لا يتفق البتة مع فكرة الضرورات العسكرية، فهو ليس السبيل الوحيد للحفاظ على مصالح الكيان الصهيوني المزعومة ضد المخاطر التي استشهد بها كمبرر لإنشائه.(37)  وقد أكدت المحكمة في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار أنها سبق أن لاحظت في حكمها الصادر في سنة 1997 في القضية المتعلقة بمشروع "غابرايكوفو – ناغيمارس" (Gabraikovo-Nagymars) (هنغاريا/سلوفاكيا) أن حالة الضرورة تشكل "سبباً معترفاً به في القانون الدولي العرفي و(لا يمكن قبولها إلاّ بصفة استثنائية)، و(لا يمكن الاحتجاج بها إلاّ بموجب شروط معينة محددة بدقة يجب الوفاء بها مجتمعة؛ والدولة المعنية ليست الحكم الوحيد الذي يبت في تحقق الوفاء بهذه الشروط)."(38)  وبعد ذلك أشارت المحكمة إلى نص المواد الخاص بالمسؤولية الدولية للدول الذي تبنته الجمعية العامة سنة 2001، إذ اشترطت المادة 25 من المشروع للتمسك بحالة الضرورة أن يكون الإجراء المتخذ هو السبيل الأوحد المتاح أمام الدولة للحفاظ على مصلحة أساسية، وتخليصها من خطر ماحق وشيك. وهو ما لم يكن متحققاً في حالة الجدار والنظام الملحق به.

ثانياً: الأراضي الفلسطينية المحتلة والقانون الإنساني الدولي

حسمت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري أمر انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحرص على رفضه وإنكاره. ومن جهة أُخرى، تضمن الرأي الاستشاري تفسيراً لنص المادة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة غير مقنع من الناحية القانونية بالنسبة إلى الصراع الفلسطيني – الصهيوني، إذ ذهبت المحكمة إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة لم تعد قابلة للتطبيق بكامل أحكامها على هذه الأراضي، ويقتصر تنفيذها حصرياً على عدد من المواد والأحكام، وهو تفسير يثير إشكاليات قانونية مهمة ويؤدي إلى نتائج مضطربة في آن واحد.

انطباق اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949

يحتل الكيان الصهيوني – من وجهة نظر القانون الدولي الوضعي – الأراضي الفلسطينية منذ سنة 1967. وخلال هذه المدة الطويلة من الاحتلال، دأبت حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة على عدم الاعتراف بوضع الأراضي المحتلة لهذه الأراضي، وتمسكت بأنها من قبيل الأراضي المتنازع بشأنها، وأنها لهذا السبب تخرج من دائرة انطباق قانون الاحتلال والقانون الإنساني الدولي. فهذا الكيان لم يكتف بابتلاع الشطر الأكبر من فلسطين التاريخية في سنة 1948 فحسب، بل يسعى جاهداً لتوسيع رقعة استعماره للأراضي الفلسطينية لتشمل كل بقعة منها أيضاً.

إن الموقف الدولي من مسألة انطباق اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين زمن الحرب لسنة 1949 واضح تماماً، وهو لا يتفق بأي حال من الأحوال مع موقف الكيان الصهيوني. فقد أكد كل من الجمعية العامة، ومجلس الأمن، ولجنة حقوق الإنسان السابقة، ومجلس حقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه الحقيقة القانونية الصلبة، وكذلك أكدته محكمة العدل الدولية بقولها إن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق على أي إقليم محتل في حالة النزاع المسلح الذي ينشأ بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة، وإنها تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما أن الأردن والكيان الصهيوني من الدول الأطراف المتعاقدة في الاتفاقية عند نشوء النزاع المسلح بينهما في سنة 1967.(39)

كذلك أوضحت المحكمة بصدد هذا الأمر في الفقرة 90 من رأيها الاستشاري أن إسرائيل، خلافاً للأغلبية العظمى للمشاركين الآخرين "تطعن في انطباق الاتفاقية [اتفاقية جنيف الرابعة] بحكم القانون على الأراضي الفلسطينية المحتلة... أن إسرائيل لا توافق على أن اتفاقية جنيف الرابعة (تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة)، مستشهدة  (بعدم الاعتراف بسيادة الإقليم قبل إلحاقه بالأردن ومصر)، ومستنتجة أنه (ليس إقليماً لطرف متعاقد وسام حسبما تشترط الاتفاقية)." ربما يبدو أول وهلة أن المحكمة عرضت الموقف الصهيوني عرضاً كاملاً، لكن المطلعين على هذا الموقف سيقولون بلا عناء إن المحكمة عرضته عرضاً مبتسراً ومختزلاً، فالموقف الصهيوني من انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية أوسع من ذلك كثيراً.

يستند الموقف الصهيوني إلى تفسير فريد في نوعه للحكم الوارد في المادة 2 الفقرة 2 من اتفاقية جنيف الرابعة.(40)  فهذا النص الذي يقضي بأن الاتفاقية تنطبق "في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة"، جرى تفسيره من جانب الكيان الصهيوني بأن غرضه حماية حقوق صاحب السيادة المشروعة على الإقليم، وأن كلاً من الأردن ومصر ليس صاحب السيادة المشروعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل سنة 1967. ولهذا السبب يستحيل القول قانوناً إن هذه الأراضي تمثل إقليماً تابعاً أو خاضعاً لطرف سام متعاقد بمقتضى المادة 2 الفقرة 2 من اتفاقية جنيف الرابعة، وفي النتيجة لا تكون هذه الاتفاقية قابلة للتطبيق عليها. ويضيف الكيان الصهيوني أنه يتمتع في الأراضي المحتلة بسند أقوى من الأردن ومصر أساسه فكرة "الاستيلاء الدفاعي"، وذلك بأنه غدا منذ سنة 1967 يباشر السيطرة عليها من خلال ما يسميه الحرب الدفاعية ضد الأردن ومصر اللذين لا يتمتعان بأية سيادة مشروعة على هذه الأراضي. وهكذا فإن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية ليست احتلالاً، وإنما تستند إلى سند قانوني سليم.(41)

ليس عسيراً على المحلل القانوني أن يكشف هشاشة الحجة الصهيونية وتواضعها. فثمة ضرب من المخاتلة في التفسير الصهيوني للمادة 2 الفقرة 2 من اتفاقية جنيف الرابعة، إذ إن مصطلح "الإقليم" المستخدم في هذه المادة يقصد به واضعو الاتفاقية الإشارة إلى "السند الفعلي" (title de facto) والسند القانوني (title de jure) في آن واحد.(42)  وعلاوة على ذلك، فإن ما يقوله الكيان الصهيوني إنه يتمتع بسند قانوني قوي في الأراضي الفلسطينية أساسه "الاستيلاء الدفاعي" ليس مقبولاً من الناحية القانونية، لأنه يتعارض مع المبدأ الدولي الذي يحرّم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة أو بالتهديد بها.

يُستنتج أن ما توصلت إليه المحكمة بشأن انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة يتفق مع أحكام القانون الدولي الوضعي، لكنها في المقابل أثارت إشكاليات وتساؤلات متعددة عما جاء في رأيها الاستشاري بشأن مدى انطباق اتفاقية جنيف على الأراضي الفلسطينية المحتلة ونطاقه.

الإشكالية الخاصة بالمادة 6
من اتفاقية جنيف الرابعة

تناولت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار مسألة نطاق تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949، والتي وردت في المادة 6 من الاتفاقية كالتالي:

"تُطبق هذه الاتفاقية بمجرد بدء أي نزاع أو احتلال وردت الإشارة إليه في المادة 2؛

"يوقف تطبيق هذه الاتفاقية في أراضي أي طرف في النزاع عند انتهاء العمليات الحربية بوجه عام.

"يوقف تطبيق هذه الاتفاقية في الأراضي المحتلة بعد عام واحد من انتهاء العمليات الحربية بوجه عام، ومع ذلك، تلتزم دولة الاحتلال بأحكام المواد التالية من هذه الاتفاقية: من 1 إلى 12 و27 ومن 29 إلى 34 و47 و49 و51 و52 و53 و59 ومن 61 إلى 77 و143، وذلك طوال مدة الاحتلال ما دامت هذه الدولة تمارس وظائف الحكومة في الأراضي المحتلة."

وقد تناولت المحكمة المادة 6 بالتفسير بالنسبة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ لاحظت في الفقرة 125 من رأيها الاستشاري أن هناك تمييزاً بمقتضى المادة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة بين تطبيق أحكامها خلال العمليات الحربية التي تفضي إلى الاحتلال، وبين الأحكام التي تبقى سارية خلال فترة الاحتلال برمتها. وخلصت المحكمة إلى أنه: "وحيث أن العمليات الحربية التي أدت إلى احتلال الضفة الغربية عام 1967 قد انتهت منذ وقت طويل، فإن مواد اتفاقية جنيف الرابعة المشار إليها في الفقرة 3 من المادة 6 تظل وحدها السارية في ذلك الإقليم المحتل." يتضح مما انتهت إليه المحكمة أن اتفاقية جنيف الرابعة لم تعد قابلة للتطبيق بكامل أحكامها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن سريان الاتفاقية يقتصر على المواد المذكورة حصراً وصراحة في نص المادة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة على النحو الموضح أعلاه.

ينطوي تفسير المحكمة للمادة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة على مغالطات جسيمة، وعلى تفسير مغلوط فيه للأحكام الواردة في هذه المادة. فمن جهة يؤدي تفسير المحكمة إلى استبعاد تطبيق عدد من الأحكام المهمة المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة، وفي مقدمها الأحكام الواردة في المادتين 55 و56، اللتين تتناولان تباعاً واجب دولة الاحتلال بتزويد السكان بالمؤن الغذائية، وواجبها بصيانة المنشآت الطبية والصحية ومراعاة شروط الصحة العامة في الأراضي المحتلة. ومن جهة أُخرى، يؤدي هذا التفسير إلى استبعاد تطبيق أحكام المادتين 146 و147 من الاتفاقية، وهو أمر منتقد من الناحية القانونية والواقعية بالنسبة إلى وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما أن المادة 147 أكدت حق السكان المدنيين في الحماية من القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وتدمير واغتصاب الأملاك على نحو لا تبرره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية. أمّا المادة 146 فأسبغت على هذه الأفعال وغيرها من الأفعال الواردة في المادة 147 وصف الانتهاكات الجسيمة. وفي النتيجة فإنها تشكل جرائم حرب يتعين على الدول الأطراف اتخاذ التدابير اللازمة لمحاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم أو تسليمهم.

تكمن الإشكالية الأساسية في تفسير المحكمة لنص المادة 6 في أنها استندت إلى فكرة "العمليات الحربية التي تؤدي إلى الاحتلال"، مع أن المادة لا تشير مطلقاً إلى عبارة أو فكرة مماثلة، فهي تقتصر على مجرد النص على أنه يوقف تطبيق الاتفاقية "بعد عام واحد من انتهاء العمليات الحربية"، ولم يرد فيها أية عبارة تشير إلى الانتهاء من العمليات الحربية بوجه عام التي تؤدي إلى الاحتلال كما جاء في الفقرة 125 من رأي المحكمة. وبمعنى آخر، يبدو تفسير المحكمة للمادة غير متفق مع منطوق المادة نفسها، ومع ألفاظها وعباراتها المستخدمة فيها. وحتى لو سلمنا بما جاء في رأي المحكمة الاستشاري، فسيترتب عليه من الناحية العملية آثار شاذة، إذ إن دولة الاحتلال ستغدو جرّاء ذلك التفسير لأحكام المادة 6 في وضع مريح من الناحية القانونية يتيح لها التمسك بعدم انطباق كامل أحكام الاتفاقية المذكورة حتى في حالة نشوء نزاع مسلح عقب الانتهاء العام للعمليات الحربية التي تؤدي إلى الاحتلال. إن التفسير الذي ساقته المحكمة في رأيها الاستشاري للمادة 6 يؤدي في الواقع إلى نتائج عبثية وعديمة المعنى، فهو سيحرم السكان المدنيين كامل الحماية الممنوحة لهم بمقتضى القانون الإنساني الدولي.

ومن أجل أن تغدو الإشكالية الناجمة عن تفسير المحكمة الشاذ للمادة 6 واضحة في الذهن، نسوق مثالاً توضيحياً لذلك. ففي حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة، سيفضي تفسير المحكمة إلى عدم تطبيق كامل أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الصراع العربي – الإسرائيلي الذي نشب في سنة 1973 (حرب 1973). وأكثر من هذا، فإن العمليات العسكرية التي شرع الجيش الصهيوني في شنها داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لن تخضع لكامل أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، ومنها عملية "الدرع الواقي" في سنة 2002، التي جرت داخل الضفة الغربية، وعملية "قوس قزح" التي جرت في قطاع غزة سنة 2004، ومؤخراً في سنة 2006 عملية "أمطار الصيف". فهذه العمليات وكثير غيرها جرت بعد مرور أكثر من عام على انتهاء العمليات الحربية بوجه عام التي تؤدي إلى الاحتلال. ألاّ ينطوي هذا المثال على توضيح كاف لما يجره تفسير المحكمة للمادة 6 من آثار شاذة وغير منطقية في حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة؟!! فما قام الكيان الصهيوني به طوال احتلاله المستمر للأراضي الفلسطينية المحتلة من فظائع يعد "انتهاكات جسيمة" لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة بالمعنى الوارد في المادة 147 منها. وبحسب تفسير المحكمة، فإن أياً من هذه الفظائع التي وقعت بعد عام من الاحتلال الذي بدأ في حزيران/يونيو 1967، لن يكون خاضعاً لكامل أحكام اتفاقية جنيف الرابعة.

يظهر أن تفسير المحكمة للمادة 6 تأثر، كما يرى بعض الدارسين،(43)  بحقيقة أن اتفاقية جنيف الرابعة لم يقصد من ورائها قط تنظيم أوضاع ممتدة زمنياً لفترة طويلة كما هو الحال بالنسبة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد اقتصرت الاتفاقية على معالجة حالات الاحتلال غير طويلة الأمد. هذا أمر منطقي ويتسق مع واقع الأمور المعتادة أو المألوفة، فالاحتلال بطبيعته حالة موقتة، وينتهي عادة بالتوصل إلى اتفاق سلام. وبديهي أن تستتبع هذه الحقيقة أن يكون القانون المنظم للأوضاع الناشئة عن الاحتلال غير ملائم للتعامل مع احتلال طويل الأمد، كالاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية.

خلاصة القول إن المحكمة قامت بتفسير القيد الزمني المتعلق بـ "انتهاء العمليات الحربية بوجه عام" الوارد في المادة 6 من اتفاقية جنيف الرابعة، انطلاقاً من افتراض أنه نظراً إلى الطابع الموقت للاحتلال العسكري، فلن يكون هناك سوى ختام عام واحد للعمليات العسكرية، وأنه يتعين أن يكون هذا الختام هو الذي أفضى إلى الاحتلال العسكري.(44)  ربما يصدق تفسير المحكمة على التصور التقليدي لفكرة الاحتلال العسكري، لكنه ليس منطقياً في حالة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، الذي امتد لفترة طويلة وما زال، وشهدت فترة الاحتلال عمليات عسكرية متوالية ومتتابعة أدت إحداها إلى احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وغزة) في سنة 1967.

ثالثاً: آثار إعلان عدم شرعية الجدار

من المسائل المهمة عند دراسة الرأي الاستشاري الخاص بالجدار مسألة الآثار التي قد تترتب على إعلان المحكمة، في رأيها المذكور، عدم شرعية الجدار. فإذا كان الرأي الاستشاري ليس كالحكم القضائي من حيث أنه لا يتمتع بحجية الأمر المقضي به بين أطرافه، وإذا كان لا يعدو أن يكون أكثر من فتوى قانونية قدمتها المحكمة للجهاز الذي طلبه منها بصدد أمر ما، فإن الوظيفة الاستشارية التي تتمتع بها المحكمة تتضمن في الحقيقة "قول القانون" (Dire le droit). فالرأي الاستشاري لا يتضمن إلاّ تعبيراً عن رأي المحكمة من دون ترتيب أثر قانوني ملزم، لكن هذه الوظيفة تمارس وفقاً للقانون واستناداً إليه. وهنا يتعين التشديد على حقيقة قانونية صلبة، غفل عنها كثيرون من المختصين والقانونيين، هي أن الرأي الاستشاري إذا كان غير ملزم بذاته، إلاّ إنه مستمد من القانون، والقانون ملزم كما هو معروف. ولهذا السبب يثار تساؤل منطقي ومشروع بشأن الوضع القانوني الذي ينجم عن آثار إعلان عدم شرعية الجدار والنظام الملحق به. وبمعنى آخر، ما هو الوضع القانوني الذي يمكن أن نسبغه على آثار عدم شرعية الجدار التي أعلنتها المحكمة في رأيها الاستشاري؟

بالرجوع إلى الرأي الاستشاري نفسه، يبدو أن ثمة تفرقة في هذا المجال بين آثار عدم الشرعية المترتبة على الكيان الصهيوني، وبين الآثار الواقعة على كاهل أطراف ثوالث (الغير).(45)

الآثار المترتبة على الكيان الصهيوني

أوضحت المحكمة في الفقرة 149 من رأيها الاستشاري أن إسرائيل ملزمة بالامتثال للالتزامات الدولية التي أخلت بها بتشييد الجدار، ونتيجة ذلك تكون ملزمة باحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وبالامتثال لالتزاماتها الواقعة على كاهلها بموجب القانوني الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق لإنسان. فضلاً عن أنها ملزمة بتأمين الوصول الحر إلى الأماكن المقدسة التي خضعت لسيطرتها في أعقاب حرب 1967. كذلك أكدت المحكمة أن الكيان الصهيوني ملزم بوقف انتهاكاته المستمدة من التزاماته الدولية الناشئة عن بناء الجدار. وقد حددت المحكمة أشكال وصور الوقف، بحيث أن التزام الكيان الصهيوني بإنهاء ووقف السلوك غير القانوني المستمد يشمل: الالتزام بالوقف الفوري لأعمال بناء الجدار والنظام الملحق به في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية.(46)  وبما أن المحكمة توصلت إلى أن خروقات الكيان الصهيوني لالتزاماته الدولية تنبع من بناء الجدار والنظام الملحق به، فإنه يتوجب على هذا الكيان إلغاء الإجراءات التشريعية والتنظيمية جميعها التي جرى اعتمادها من أجل بناء الجدار وملحقاته أو اعتبارها باطلة، ويستثنى من ذلك الإجراءات المتعلقة بتعويض السكان الفلسطينيين المتضررين.(47)

وبالإضافة إلى ما سبق كله، يكون الكيان الصهيوني ملزماً – في رأي المحكمة – بإبطال أي وضع قائم فعلياً، كأثر من آثار بناء الجدار وملحقاته. فإزالة الجدار مادياً لا تعني هدمه فحسب، بل تعني أيضاً قبل كل شيء إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل بناء الجدار. ولهذا السبب بالذات حرصت المحكمة على أن تؤكد في رأيها الاستشاري ما يلي: "فبالنظر إلى أن تشييد الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة استتبع، ضمن جملة أمور، الاستيلاء على منازل ومشاريع تجارية وحيازات زراعية وتدميرها، ترى المحكمة أن على إسرائيل التزاماً بجبر الضرر الذي لحق بجميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المعنيين."(48)  ولذا يكون الكيان الصهيوني ملزماً "بإعادة الأرض والبساتين وحدائق الزيتون والممتلكات الثابتة الأُخرى التي انتزعت من أي أشخاص طبيعيين أو اعتباريين بغرض تشييد الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة. وفي حالة ثبوت تعذر رد تلك الممتلكات ذاتها، تكون إسرائيل ملزمة بتعويض الأشخاص محل الذكر عما لحق بهم من ضرر." (49)

واضح تماماً أن المحكمة حددت بدقة التبعات القانونية الواقعة على عاتق الكيان الصهيوني جرّاء قيامه ببناء الجدار وملحقاته على نحو غير شرعي، وهي تبعات لا يكون وضعها موضع التنفيذ رهناً بالرأي الاستشاري ذاته غير المتمتع طبعاً بحجية الأمر المقضي به، لكنها تحتاج من أصحاب المصلحة القانونية والمتضررين إلى أن يعمدوا إلى كل السبل القانونية الممكنة داخل النظم القانونية الوطنية، وعلى الصعيد الدولي، بغية إعمالها ووضعها موضع التنفيذ.

التبعات الواقعة على كاهل الغير

أوضحت محكمة العدل الدولية أن ثمة تبعات ومسؤوليات قانونية تقع على أطراف ثوالث (الغير) جرّاء الأعمال غير القانونية ذات الصلة ببناء الجدار، وهي تبعات قانونية ترتبت في الأساس على صعيد النظام القانوني الدولي. وقد بحثت المحكمة في هذا الشأن في العواقب القانونية الدولية الناجمة عن عدم شرعية بناء الجدار إزاء كل من الدول الأُخرى، وإزاء منظمة الأمم المتحدة.

التبعات القانونية المترتبة على
الدول الأعضاء في المجتمع الدولي

أعلنت المحكمة أن الالتزامات الدولية التي قام الكيان الصهيوني بخرقها تشتمل على التزامات "حجة على العموم" (erga omnes obligationsأي على التزامات يتعين على أعضاء المجتمع الدولي كافة احترامها والامتثال لها.(50)  وهي تتمثل في التزام الكيان الصهيوني احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفي عدد من الالتزامات الناشئة عن القانون الإنساني الدولي. وبالنسبة إلى الحق في تقرير المصير، أوضحت المحكمة بجلاء أن كل دولة ملزمة باحترام مبدأ الحقوق المتساوية للشعوب وحقها في تقرير مصيرها بشكل يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة.(51)  وكما أشير إلى ذلك في موضع سابق، فقد سبق أن أكدت المحكمة في مناسبات كثيرة طابع "الحجة على العموم" للحق في تقرير المصير.

أمّا بالنسبة إلى الالتزامات المستمدة من القانون الإنساني الدولي، فبعد أن ذكّرت المحكمة بما جاء في رأيها الاستشاري الخاص بشرعية التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها، قالت ما يلي: "(هناك عدد كبير جداً من قواعد القانون الإنساني المنطبقة في النزاع المسلح يشكل قواعد أساسية بالنسبة لاحترام شخص الإنسان (الاعتبارات الأولية للإنسانية...)) ويجب أن (تتقيد بها جميع الدول سواء صدقت أو لم تصدق على الاتفاقيات التي تتضمنها، لأنها تشكل مبادئ من مبادئ القانون الدولي العرفي التي لا يجوز انتهاكها)". وأكدت المحكمة أن هذه القواعد عامة التطبيق وحجة على الدول كافة.(52)

وخلصت المحكمة بعد ذلك إلى نتيجة مهمة جداً فحواها: "ونظراً لطابع وأهمية الحقوق والالتزامات المعنية، فإن المحكمة ترى أن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناتج عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وما حولها. وجميعها ملزمة أيضاً بعدم تقديم العون أو المساعدة في الإبقاء على الوضع الناتج عن هذا. ويتعين أيضاً على جميع الدول، مع احترامها لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، أن تعمل على إزالة أي عائق، ناتج عن إنشاء الجدار، يحول دون ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير."(53)  ولم تغفل المحكمة، في المقابل، عن معالجة مسؤولية الأمم المتحدة عن الوضع غير القانوني الناشئ عن الجدار، فليست الدول وحدها هي التي تقع التبعات القانونية على عاتقها جرّاء بناء الجدار وملحقاته.

مسؤولية الأمم المتحدة

أشارت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار بوضوح إلى مسؤولية الأمم المتحدة تجاه فلسطين، فأعلنت أنه لا يمكن "اعتبار موضوع طلب الجمعية العامة مجرد قضية ثنائية بين إسرائيل وفلسطين." وأضافت: "ونظراً لما للأمم المتحدة من سلطات ومسؤوليات إزاء المسائل المتصلة بالسلام والأمن الدوليين، ترى المحكمة أن تشييد الجدار يجب اعتباره من الأمور التي تهم الأمم المتحدة مباشرة. كما أن مسؤولية الأمم المتحدة في هذه المسألة ناشئة أيضاً عن الانتداب وعن قرار التقسيم المتعلق بفلسطين." واستطردت المحكمة أن الجمعية العامة وصفت هذه المسؤولية بأنها "مسؤولية دائمة إزاء قضية فلسطين إلى أن تحل القضية من جميع جوانبها على نحو مرض وفقاً للشرعية الدولية (قرار الجمعية العامة 57/107 المؤرخ 3 كانون الأول/ديسمبر 2002)."(54)  وهكذا يغدو من نافلة القول أن مسؤولية الأمم المتحدة تجاه فلسطين تجد أصلها في الانتداب الممنوح لبريطانيا العظمى على فلسطين في سنة 1922، بناء على المادة 22 الفقرة 4 من عهد عصبة الأمم.(55)  واستكملت المحكمة الصورة بقولها إنه في سنة 1947، أعلنت المملكة المتحدة نيتها الجلاء عن فلسطين وإنهاء الانتداب في 1/8/1948، ثم قامت لاحقاً بتعديل هذا التاريخ ليصبح 15/5/1948. وفي أثناء ذلك، اعتمدت الجمعية العامة القرار 181، بتاريخ 29/11/1947، بشأن مستقبل حكومة فلسطين، وهو القرار الذي عرف بقرار التقسيم. وقد أوصى القرار المملكة المتحدة والأعضاء الآخرين في الأمم المتحدة جميعاً، باعتماد "خطة التقسيم" وتنفيذها، بحيث تقسم فلسطين إلى دولتين مستقلتين، إحداهما عربية والأُخرى يهودية، إضافة إلى إقامة نظام دولي خاص بمدينة القدس. وقد رفض الفلسطينيون ومعهم الدول العربية خطة التقسيم لأنها ليست متوازنة من وجهة نظرهم. وقام الصهيونيون بتاريخ 14/5/1948 بإعلان قيام دولتهم باسم "دولة إسرائيل" متذرعين بقرار التقسيم. واندلع في إثر ذلك صراع مسلح بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية، ولم ينفذ قرار التقسيم.(56)  ومن الجدير الإشارة في هذا الصدد إلى أن قرار التقسيم نص على إنشاء لجنة تابعة للأمم المتحدة لإدارة إقليم فلسطين الواقع تحت الانتداب، وهو الإقليم الذي سيعود إلى اللجنة أمر إدارته عقب انسحاب قوات دولة الانتداب، وذلك وفقاً لتوصية الجمعية العامة وبتوجيه من مجلس الأمن. والحالة هذه، يغدو منطقياً القول إنه بسبب عدم تنفيذ قرار التقسيم، يكون الإقليم الفلسطيني خاضعاً منذ لحظة انسحاب دولة الانتداب إلى حين إقامة الدولتين العربية واليهودية لإدارة الأمم المتحدة، وتكون هي المسؤولة عنه.(57)  لكن ما هي حدود مسؤولية الأمم المتحدة تجاه فلسطين؟

يلاحَظ أن المحكمة لم تعالج في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار تفصيلات مسؤولية الأمم المتحدة والتبعات الواقعة على كاهلها تجاه فلسطين، إذ اكتفت بالإشارة في الفقرة 62 من الرأي الاستشاري إلى مهمتها هي نفسها أن تقرر بصورة جامعة النتائج القانونية والتبعات المترتبة على إقامة الجدار، وعندها يمكن لكل من الجمعية العامة ومجلس الأمن استنباط النتائج مما توصلت إليه المحكمة. ثم أشارت في الفقرات 160 – 162، بإيجاز، إلى الإجراءات المطلوب أن تتخذها الأمم المتحدة، ولا سيما كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن. فيتعين عليهما "النظر في اتخاذ أي إجراء آخر مطلوب لإنهاء الوضع غير القانوني الناتج عن إنشاء الجدار والنظام المرتبط به، مع وضع هذه الفتوى في الاعتبار على النحو الواجب."(58)  كما أكدت المحكمة "الضرورة العاجلة لقيام الأمم المتحدة ككل بمضاعفة جهودها من أجل تسوية عاجلة للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، الذي لا يزال يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، وبالتالي إقامة سلام عادل ودائم في المنطقة."(59)  وأخيراً، شددت المحكمة على أن الوضع المأساوي الناجم عن قضية فلسطين لا يمكن إنهاؤه "إلاّ بتنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بنية صادقة، ولا سيما قراريه 242 (1967) و338 (1973). وتمثل (خريطة الطريق) التي أقرها قرار مجلس الأمن 1515 (2003) أحدث الجهود التي بذلت لبدء مفاوضات تحقيقاً لهذه الغاية." كما أكدت المحكمة بعد ذلك أن "من واجبها توجيه انتباه الجمعية العامة، التي توجه إليها هذه الفتوى، إلى ضرورة تشجيع هذه الجهود بغية التوصل في أقرب وقت ممكن، واستناداً إلى القانون الدولي، إلى حل عن طريق التفاوض للمشاكل المعلقة، وإقامة دولة فلسطينية، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل وجيرانها الآخرين، في سلام وأمن من أجل الجميع في المنطقة."(60)

يستخلص مما سبق أن المحكمة أشارت إلى أهم معالم مسؤولية الأمم المتحدة تجاه فلسطين، وتجاه الوضع غير القانوني الناجم عن الجدار، من دون أن تشير إلى تدابير محددة في هذا المجال. وربما يمكن تبرير موقفها هذا أنها، في الواقع، بصدد ممارسة اختصاصها الاستشاري، الذي لا يستتبع منها أن تضع الخطوات المادية اللازمة بغية نهوض الأطراف المعنية بمسؤولياتها القانونية.(61)  ويتبين من الرأي الاستشاري أن الالتزام الأساسي "الحجة على الكافة" المفروض على الأمم المتحدة، وخصوصاً الجمعية العامة ومجلس الأمن، هو حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. لكن ما هي دلالة هذا الالتزام بالنسبة إلى الأمم المتحدة؟ وما هي أبعاده ومضامينه القانونية الواجب على الأمم المتحدة النهوض بها في سياق القضية الفلسطينية؟

التزام الأمم المتحدة ضمان حق
الشعب الفلسطيني في تقرير المصير

أشارت المحكمة – كما ذكر سابقاً – إلى أنه يقع على كاهل الجمعية العامة تشجيع الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل دائم وعادل للقضية من خلال المفاوضات، وعلى أساس القانون الدولي. وطلبت منها، بالإضافة إلى مجلس الأمن، دراسة الإجراءات اللازمة لإزالة الوضع غير القانوني الناشئ عن الجدار.

تسعى المحكمة من خلال تأكيدها دور الأمم المتحدة في التوصل إلى حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية، وتشديدها على وجوب تمتع الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة، وعلى مسؤولية الأمم المتحدة في هذا السياق، لإبراز أحد أهم الالتزامات التي تقع على عاتق الأمم المتحدة نحو الشعب الفلسطيني، وهو التزامها ضمان حق هذا الشعب في تقرير المصير. فقد ذكرت في الفقرة 156 من رأيها الاستشاري أنه بموجب قرار الجمعية العامة 2625 (د – 25) الصادر في سنة 1970 (إعلان بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول)، أن "على كل دولة واجب العمل، مشتركة مع غيرها أو منفردة على تحقيق مبدأ تساوي الشعوب في حقوقها وحقها في تقرير مصيرها بنفسها، وفقاً لأحكام الميثاق، وتقديم المساعدة إلى الأمم المتحدة في الاضطلاع بالمسؤوليات التي ألقاها الميثاق على عاتقها فيما يتعلق بتطبيق هذا المبدأ."

يُستمد ما جاءت به المحكمة بشأن مسؤولية الأمم المتحدة عن ضمان تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وكذا الحال بالنسبة إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، من أحكام المادة 1 الفقرة 2 والمادة 2 الفقرة 5 من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك فإن التزام الدول بالتعاون على إنهاء خرق جسيم لقاعدة آمرة دولياً لا يعني بالضرورة التزامها هذا الأمر داخل الأمم المتحدة، وهذا ما أكده نص مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً. ويجب الإشارة في هذا الخصوص إلى أن نص مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً استثنى موضوع مسؤولية المنظمات الدولية. وقد جرى تدارك هذه المسألة منذ سنة 2002، إذ أدرج الموضوع في جدول أعمال لجنة القانون الدولي في دورتها الخامسة والخمسين؛ مشروع المواد الأولى في مجال مسؤولية المنظمات الدولية.(62)  وقد جاء في نص المادة 3 من المشروع أن كل فعل مغلوط فيه دولياً صادر عن منظمة دولية يرتب مسؤوليتها الدولية. وقد عرّفت المادة نفسها السلوك المغلوط فيه، الذي يرتب مسؤولية المنظمة، أنه سلوك سلبي أو إيجابي ينسب إلى منظمة دولية بمقتضى القانون الدولي، ويشكل خرقاً لالتزام دولي مفروض عليها. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن الأمم المتحدة قد تكون مسؤولة دولياً عن أي سلوك مغلوط فيه ترتكبه، ومن قبيل ذلك إحجامها عن ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وما ذهبت إليه المحكمة في هذا المجال يتسق تماماً مع أحكام القانون الدولي الوضعي. فالأمم المتحدة مسؤولة دولياً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وفي إقامة دولته المستقلة. وهو التزام، على ما يظهر من رأي المحكمة، بتحقيق نتيجة، ويتعين النهوض به وفقاً لأحكام القانون الدولي، ولمختلف مقررات الأمم المتحدة ذات الصلة بقضية فلسطين.

خاتمة

رب قائل يقول ما قيمة ما جاء في الرأي الاستشاري للمحكمة؟ وما أهمية ما أكدته من مبادئ وأحكام قانونية راسخة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، والرأي الاستشاري نفسه ليس ملزماً بذاته؟ لا شك في أن هذا التساؤل مشروع، فالآراء الاستشارية، التي تصدرها محكمة العدل الدولية، لا تكون ملزمة للدول المعنية بها، وحتى الهيئة الدولية التي تطلبها لا تكون هي الأُخرى ملزمة بها. وإذا لم تسعَ أطراف النزاع لإعطاء الرأي الاستشاري قيمة قانونية بمحض إرادتها في علاقاتها المتبادلة، يظل هذا الرأي خارج دائرة ترتيب الآثار القانونية الملزمة. لكن، ثمة تساؤل مهم يثار في هذا الشأن هو: إذا كان الرأي الاستشاري ليس ملزماً بصفته تطبيقاً أو تفسيراً لقاعدة قانونية، أفلا يعدّ القانون الذي يستند إليه الرأي الاستشاري ملزماً؟ ثم ألا يتمتع الرأي الاستشاري بدور كاشف عن القاعدة القانونية، فيصح القول بوجوب النزول على مقتضى القانون الذي يستند الرأي الاستشاري إليه أو يعلنه؟! تلك أسئلة غاية في الأهمية بالنسبة إلى التبعات القانونية التي أعلنتها المحكمة جرّاء الوضع الناشئ عن عدم شرعية الجدار والنظام الملحق به. فما هي القيمة القانونية التي يمكن إضفاؤها على آثار إعلان عدم شرعية الجدار وتبعاته في الرأي الاستشاري؟

يلاحَظ، في هذا السياق، أن المحكمة كانت واعية تماماً، على ما يبدو، للأسئلة السابقة كلها، وربما هذا السبب هو الذي دفعها إلى التشديد على أن التزام الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار هو من الالتزامات "الحجة على الكافة". وكأني بها تسعى من خلال هذه الفكرة لتأكيد أن هذه التبعة القانونية لا تستمد من رأيها الاستشاري نفسه، وإنما من طبيعة الالتزام الواقع قانوناً على عاتق الدول. ويكون الالتزام المذكور مستمداً من طبيعته ذاتها وليس من الرأي الاستشاري. وهنا يبرز تساؤل مهم ومنطقي فحواه: هل في الإمكان القول إن الموضوع الذي أعلنت المحكمة رأيها الاستشاري بصدده يلقي بآثاره وطبيعته على إعلان الرأي الاستشاري ذاته؟ فسواء أكان الأساس القانوني للتبعات التي أوردتها المحكمة في رأيها الاستشاري، فكرة الالتزامات "الحجة على الكافة"، أم فكرة القواعد الآمرة، فإن أياً منهما قد يكون أساساً صالحاً للقول بحجية ما جاء في الرأي الاستشاري ذاته. وقد أيد القاضي كوروما (Koromeفي رأيه الفردي، هذا التأويل، فاعتبر أن قواعد القانون الدولي التي استندت المحكمة إليها في نتائجها التي توصلت إليها تتمتع بالحجية وبالقوة القانونية، وأن التبعات القانونية المذكورة في رأي المحكمة تلزم الدول كافة.(63)

علاوة على ما ذكر، يمكن القول إنه لن يكون يسيراً على الأمم المتحدة عدم العمل بما جاء في الرأي الاستشاري، ولا سيما الجمعية العامة ومجلس الأمن. فقد تضمن الرأي الاستشاري من الأسانيد والأسس القانونية التي يتعين على هذين الجهازين أخذها في الحسبان بالنسبة إلى الوضع غير القانوني الناشئ عن الجدار، وبالنسبة إلى القضية الفلسطينية برمتها. ولن يكون من المتصور أن يسلك هذان الجهازان في حالة القضية الفلسطينية سلوكاً مخالفاً لما أعلنته المحكمة من مبادئ قانونية، هي في جلّها جزء من النظام العام الدولي. والأهم من ذلك كله أن المحكمة رسمت في رأيها الاستشاري الأسس القانونية والعملية التي يتعين أن ينطلق أي حل للقضية الفلسطينية منها، وليس مما هو أدنى منها. فالحل الدولي والنهائي للقضية الفلسطينية محكوم باعتبارات النظام العام الدولي، وبما تمليه القواعد الآمرة الدولية والقانون الدولي العام التطبيق، سواء أكان يتعلق ذلك بالأراضي الفلسطينية، أم بحدودها، أم بالقدس الشرقية، أم بحق تقرير المصير وعودة اللاجئين التي يتعذر من دونها وضع الحق في تقرير المصير موضع التنفيذ بشكل فعال وكامل.

إن اعتراف المحكمة بالخط الأخضر كخط فاصل بين الكيان الصهيوني والقسم الشرقي من فلسطين التاريخية في إبان الانتداب هو أمر في غاية الحساسية، ويتعين أن يكون ركناً أساسياً ومحورياً لأية تسوية للصراع قد تتم من خلال المفاوضات. فمن غير الجائز قانوناً أن تبدأ المفاوضات باعتبار هذه الأراضي متنازعاً بشأنها، فهي أراض محتلة، بما فيها القدس الشرقية. وهذا ما أكدته المحكمة صراحة، وهو حقيقة قانونية صلبة وراسخة ليس في قدرة أية جهة التنازل عنها من خلال مفاوضات ثنائية أو جماعية، أو حتى من خلال اتفاقيات أو معاهدات سلام. ذلك بأن الكيان الصهيوني ملزم بصفته سلطة احتلال بالحفاظ على وضعها القائم لحظة الاحتلال من دون تغيير أو تعديل. فضلاً عن أن أي اتفاق مخالف ينطوي على اعتراف للكيان الصهيوني بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالقوة، هو اعتراف يخالف قاعدة آمرة دولية، ويكون جزاؤه في القانون الدولي البطلان. ولهذا السبب يغدو من الجائز أن نخلص إلى أن أي اتفاق، أو اتفاقية أبرمت أو ستبرم مع الكيان الصهيوني تكون باطلة بطلاناً مطلقاً إذا خالفت مقتضيات القواعد الآمرة الدولية أو النظام العام الدولي.(64)  وهو أمر ينصرف، على سبيل المثال، على أي اتفاق يعدل الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، أو يتضمن تنازلاً عنها، أو يخالف حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وكما ذكرت المحكمة في رأيها الاستشاري، مهما يطول الزمن ويمتد الاحتلال، لن يؤثر ذلك البتة في عدم شرعية الاحتلال أو الأوضاع الناشئة عنه.


 

(*)      أستاذ في كلية الحقوق في جامعة البحرين.

المصادر

(1)      Raphaele Rivier, “Conséquences juridiques de l’édification d’un mur dans le territoire palestinien occupé, Cour internationale de justice, Avis consultative du 9 juillet 2004,” AFDI (2004), p. 296.

(2)      CIJ, “L’avis consultative du 9/7/2004 sur les conséquences juridiques de l’édification d’un mur dans le territoire palestinien occupé,” Rec., 2004, para. 54.

      ويمكن الاطلاع على الرأي الاستشاري المذكور والوثائق المتعلقة به جميعها من خلال الموقع الإلكتروني التالي: www.icj-icj.org

(3)  محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 78.

(4)  المصدر نفسه، الفقرة 121.

(5)  المصدر نفسه، الفقرة 122.

(6)  المصدر نفسه، الفقرتان 119، 120.

(7)  أنظر في هذا الشأن ما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر سنة 1995 في قضية تيمور الشرقية (البرتغال/أستراليا)، المدونة، 1995، الفقرة 29. وقد أشارت المحكمة إلى هذا الحكم وإلى الموضوع نفسه في رأيها الاستشاري الخاص بالجدار في الفقرة 88.

(8)  الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 122.

(9)  المصدر نفسه، الفقرة 135.

(10) الفقرة 14 من التعليق العام المذكور الوارد في وثيقة الأمم المتحدة: CCPR/C/21/Rev.1/add.9.

(11) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 136.

(12) المصدر نفسه، الفقرة 137.

(13) نحرص على وضع هذه العبارة بين شارتي تنصيص للتشديد على عدم تسليمنا بالموقف الصهيوني، وبأن الجدار غايته حماية مصالحه، فليس المقصود إبراز هذه المصالح أو تأكيد صحتها، وإنما المقصود الرد على الموقف الصهيوني من خلال استخدام مفرداته وعباراته. وهذا ما يبرر حرصنا كذلك على تأكيد أنها مصالح مزعومة والأولى عدم الأخذ بها من الناحية القانونية لعدم وجود أساس لها.

(14) يمكن الاطلاع على هذه الانتقادات بالرجوع إلى "المجلة الأميركية للقانون الدولي"، التي خصصت ملفاً كاملاً للرأي الاستشاري الخاص بالجدار، في العدد الأول من المجلد 99 الصادر في كانون الثاني/يناير 2005. ومن أبرز الدراسات المنشورة في الملف المذكور:

Ruth Wedgwood, “The ICJ Advisory Opinion on the Israeli Security Fence and the Limits of Self-defense,” AJIL, vol. 99, no. 1 (2005), pp. 52-61; Sean Murphy, “Self-defence and the Israeli Wall Advisory Opinion,” AJIL, vol. 99, no. 1 (2005), pp. 62-76.

      ويشار في هذا الخصوص إلى أن هناك عدداً من المختصين انتقد أسلوب المحكمة في معالجة موضوع الدفاع عن النفس من دون أن ينتقد النتيجة التي توصلت إليها، إذ أيد ما جاء في رأيها من عدم انطباق المادة 51 من الميثاق على الحالة، لكنه ذهب إلى أن أسانيد المحكمة لم تكن كافية أو مقنعة، وقام نتيجة ذلك بتقديم الأسانيد الداعمة لما انتهت المحكمة إليه. ومن أبرز هؤلاء:

Juan Manuel Gomes-Robledo, “L’avis de la CIJ sur les conséquences juridiques de l’édification d’un mur dans le territoire palestinien occupé: timidité ou prudence,” RGDIP, no. 3 (2005), pp. 521-537; Christian Tams, “Light Treatment of a Complex Problem: The law of Self-defence in the Wall Case,” EJIL, vol. 16, no.5 (2005), pp. 963-978.

(15) راجع أحكام محكمة العدل الدولية الصادرة في كل من:

      قضية مضيق كورفو (1949)؛ قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا/الولايات المتحدة، 1986)؛ قضية المنصات البترولية (إيران/الولايات المتحدة، 2003).

(16) محمد خليل الموسى، "استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر" (عمان: دار وائل للنشر والتوزيع، 2004)، ص 90 وما بعدها.

(17) Buergenthal Declaration, para. 6.

(18) Iain Scobbie, “Words My Mother Never Taught Me, in Defence of the International Court,” AJIL, vol. 99, no. 1 (2005), pp. 80-81.

(19) الفقرة 195 من حكم محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا/الولايات المتحدة)، المدونة، 1986.

(20) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 78.

(21) HCJ, 2056/04, “Beit Sourik Village Council, V. Israel,” ILM, vol. 43 (2004), para. 23, p. 1099.

(22) Ibid.

(23) Tam, op. cit., p. 970.

(24) أنظر في هذا الشأن الفقرة 22 من حكم محكمة العدل الدولية في قضية كورفو، المدونة، 1949.

(25) Wedgwood, op. cit., p. 59.

(26) تنبهت فلسطين إلى هذه المسألة في مطالعتها المكتوبة التي قدمتها إلى المحكمة، فقد أوضحت أن ادعاء الكيان الصهيوني أنه قام ببناء الجدار وملحقاته كإجراء دفاعي ضد تهديدات ومخاطر تحيق به وبمصالح سكانه، ينطوي على خلط غير مقبول بين المفاهيم والمبادئ القانونية الدولية. فالكيان الصهيوني تمسك بحق اللجوء إلى الحرب غير المنطبق على هذه الحالة بدلاً من احترام قانون النزاعات المسلحة وتطبيقه. والمفروض ألاّ يتم الخلط بين هذين القانونين وأن يبقيا منفصلين.

“Palestine Written Statement,” para. 534.

(27) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 34.

(28) المصدر نفسه، الفقرة 141.

(29) المصدر نفسه، الفقرة 139.

(30) يجب الإشارة في هذا الخصوص إلى أن قراري مجلس الأمن 1368 (2001) و1373 (2001) وصفا الأعمال الإرهابية بأنها تنطوي على تهديد للسلم والأمن الدوليين، وأعادا التشديد على حق الدفاع عن النفس في فقرات ديباجة كل منهما وليس في فقراتهما العاملة. علاوة على ذلك، أعادت ديباجة القرار 1373 تأكيد المبدأ الوارد في قرار الجمعية العامة 2625 لسنة 1970 (إعلان بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول)، الذي جاء فيه أن كل دولة عليها الامتناع من القيام بتنظيم، أو بالتحريض على، أو المساعدة، أو المساهمة في أعمال إرهابية في دولة أُخرى، أو التورط في نشاطات منظمة داخل إقليم دولة أُخرى هدفها ارتكاب أعمال مماثلة أو مشابهة.

(31) Ardi Imesis, “Critical Reflections on the International Humanitarian Law Aspects of the ICJ Wall Advisory Opinion,” AJIL, vol. 99, no. 1 (2005), pp. 109ss.

(32) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 137.

(33) اعتمدنا في تناول هذه المسألة بالتحديد على دراسة:  Imesis, op. cit., pp. 111ss.

(34) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرتان 84، 85.

(35) HCJ, op. cit., paras. 36-85.

(36) للاطلاع على موقف المحكمة الإسرائيلية العليا من هذه المسألة وغيرها من المسائل ذات الصلة بالصراع الفلسطيني – الصهيوني، أنظر:

David Kretzmer, “The Supreme Court of Israel: Judicial Reviews during Armed Conflict,” GYBIL, vol. 27 (2004), pp. 392-456.

(37) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 140.

(38) المصدر نفسه.

(39) المصدر نفسه، الفقرة 101.

(40) Geoffrey Watson, “The ‘Wall’ Decision in Legal and Political Context,” AJIL, vol. 99, no. 1 (2005), pp. 12ss.

(41) Imesis, op. cit., p. 104.

(42) W. Thomas Mallison and Sally Mallison, The Palestine Problem in International Law and World Order (England: Longman, 1986), p. 254.

(43) Imesis, op. cit., p. 107.

(44) Ibid., p. 108.

(45) أشارت المحكمة إلى هذه التفرقة في الفقرة 148 من رأيها الاستشاري بقولها: "وستبحث المحكمة الآن الآثار القانونية الناشئة عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي وذلك بالتمييز، من جهة، بين الآثار المترتبة بالنسبة لإسرائيل، وبين الآثار المترتبة من جهة أُخرى بالنسبة للدول الأُخرى، حسب الاقتضاء, بالنسبة إلى الأمم المتحدة."

(46) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرتان 150، 151.

(47) المصدر نفسه، الفقرة 151.

(48) المصدر نفسه، الفقرة 152.

(49) المصدر نفسه، الفقرة 153.

(50) المصدر نفسه، الفقرة 155.

(51) المصدر نفسه، الفقرة 156.

(52) المصدر نفسه، الفقرة 157.

(53) المصدر نفسه، الفقرة 159.

(54) المصدر نفسه، الفقرة 49.

(55) نصت المادة 22 الفقرة 4 من عهد عصبة الأمم على ما يلي: "إن بعض الأقوام التي كانت من قبل تنتمي إلى الإمبراطورية التركية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتاً بوجودها كأمم مستقلة رهناً بتقديم المشورة الإدارية والمساعدة من قبل دولة منتدبة حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على النهوض وحدها."

(56) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 71.

(57) ثمة نفر من الدارسين يؤيد وجهة النظر نفسها، وفي مقدمه:

Iain Scobbie, “unchart (er) ed waters?: Consequences of the Advisory Opinion on the Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory for the Responsibility of the UN for Palestine,” EJIL, vol. 16, no. 5 (2005), p. 949.

(58) الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، الفقرة 160.

(59) المصدر نفسه، الفقرة 161.

(60) المصدر نفسه، الفقرة 162.

(61) نزولاً على مقتضى ما جاء في الرأي الاستشاري الخاص بالجدار، اعتمدت الجمعية العامة القرار 15/10 بتاريخ 2/8/2004. وجرى التشديد في ديباجته على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما أقرت الجمعية العامة في البنود العاملة من القرار الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية بشأن الجدار، وطلبت من الكيان الصهيوني الامتثال لمختلف التزاماته القانونية المذكورة في الرأي الاستشاري. كذلك دعت الجمعية العامة الدول الأطراف فحسب إلى احترام الالتزامات الدولية التي خلصت المحكمة إلى أنها تقع على عاتقها. وفي الفقرة السابعة من القرار، طالبت الجمعية العامة كل دولة طرف في اتفاقية جنيف الرابعة بأن تضمن امتثال الكيان الصهيوني لأحكام الاتفاقية. كما دعت سويسرا بصفتها الوديع لاتفاقيات جنيف إلى أن تجري المشاورات اللازمة في هذا المجال، وأن ترفع تقريراً إلى الجمعية العامة بذلك. وطلبت من الأمين العام للأمم المتحدة أن يقوم بإنشاء جهاز فرعي لتسجيل الأضرار التي تكبدها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون جميعاً جرّاء بناء الجدار والنظام الملحق به. وفي رسالة مؤرخة 11/1/2005، أوضح الأمين العام إلى الجمعية العامة أنه أنشأ جهازاً فرعياً تحت سلطته لاستلام العرائض الخاصة بالتعويض.

(62) أنظر المشروع المذكور الوارد في وثيقة الأمم المتحدة U.N.doc.A/58/10، والمنشورة على الموقع الإلكتروني التالي: www.un.org/law/ilc

(63) بشأن الرأي الفردي للقاضي المذكور, أنظر: الرأي الاستشاري الخاص بالجدار, الفقرة 8..

(64) تنص المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول لسنة 1969 على ما يلي: "تعد المعاهدة باطلة بطلاناً مطلقاً إذا كانت وقت إبرامها، تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي عام التطبيق. ولأغراض هذه الاتفاقية تعد قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي عام التطبيق كل قاعدة تقبلها الجماعة الدولية للدول في عمومها، ويعترف بها باعتبارها قاعدة لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تعديلها إلاّ بقاعدة آمرة لاحقة من قواعد القانون الدولي عام التطبيق لها الصفة ذاتها."

 

 
قائمة المحتويات لعدد شتاء 2007
 
مجلة الدراسات الفلسطينية
العدد الحالي
الأعداد السابقة
الإشتراك
الإعلانات
الكتابة للمجلة
هيئة التحرير
عن المجلة
الإتصال بالمجلة
حوليات القدس
أضواء على الأحداث
أخبـار ونشـاطـات
المكتبة
الكتب


 
  مؤسسة الدراسات الفلسطينية، جميع الحقوق محفوظة ٢٠٠٦ - ٢٠١٠ | خريطة الموقع | اتفاقية استخدام الموقع | إتصل بنا